مقدمة
يعد عيسى (ع) من أكثر الشخصيات تأثيرًا واحترامًا في التاريخ الديني. وهو يحتل مكانة مركزية في كل من الإسلام والمسيحية، وهما من أكبر الديانات في العالم. وعلى الرغم من هذا التبجيل المشترك، فإن الديانتين تختلفان بشكل كبير في فهمهما اللاهوتي لهويته، ورسالته، ودوره في الخلاص البشري. هذه الاختلافات متجذرة في الكتب المقدسة والأسس العقائدية الخاصة بكل منها، وقد شكلت قرونًا من المعتقدات والممارسات الدينية والحوار بين الأديان. إن دراسة هذه الفروق توفر رؤية أعمق للمبادئ الأساسية لكلا الديانتين وتشجع التفاهم المحترم بين أتباعهما.
طبيعة عيسى (ع)
إحدى أهمّ الاختلافات الأساسية بين الإسلام والمسيحية يكمن في الطبيعة والمكانة المنسوبة إلى عيسى . في المسيحية، يُعتقد أن عيسى هو ابن الله وجزء لا يتجزأ من الثالوث الأقدس. وبحسب هذه العقيدة فإن الله موجود كجوهر واحد في ثلاثة أشخاص: الأب، والإبن، والروح القدس. يُعتبر عيسى إلهيًا بالكامل وإنسانًا بالكامل، ويمتلك طبيعة فريدة تميزه عن جميع الأنبياء الآخرين. يشكل هذا الاعتقاد أساس العبادة واللاهوت والهوية المسيحية، لأن عيسى ليس رسولًا فحسب، بل هو أيضًا موضوع للعبادة والصلاة.
وفي المقابل، يتمسك الإسلام بشكل صارم بمفهوم التوحيد، أي وحدانية الله المطلقة. من وجهة نظر إسلامية، عيسى (ع) هو إنسان خلقه الله واختاره كأحد أعظم أنبيائه. فهو ليس إلهًا، ولا يشارك في جوهر الله بأي شكل من الأشكال. ويؤكد القرآن مراراً وتكراراً أن إسناد الألوهية إلى أي إنسان يتناقض مع الاعتقاد الإسلامي الأساسي بتفرد الله. إن المسلمين يكرمون عيسى (ع) بشدة، ويشيرون إليه باحترام، ويرسلون السلام عليه، ومع ذلك فإنهم يرفضون بشدة فكرة ألوهيته. في الإسلام، يُنظر إلى رفع أي نبي إلى مرتبة إلهية على أنه مساومة على التوحيد الخالص.
رسالة عيسى (ع) ومفهوم الخلاص
هناك اختلاف عقائدي رئيسي آخر يتعلق برسالة عيسى (ع) وفهم الخلاص. في المسيحية، ترتبط مهمة عيسى ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالخطيئة الأصلية. وفقًا للاهوت المسيحي، ورثت البشرية الخطيئة من آدم، ويُفهم صلب عيسى على أنه عمل تضحية يفدي البشرية ويصالحها مع الله. لذلك، يُعتقد أن الخلاص يأتي من خلال الإيمان بيسوع كمخلص وقبول تضحيته. ويعطي هذا الاعتقاد لصلب يسوع وقيامته دورًا مركزيًا لا غنى عنه في الإيمان المسيحي.
يقدم الإسلام فهمًا مختلفًا بشكل ملحوظ لكل من الخطيئة والخلاص. يرفض الإسلام مفهوم الخطيئة الأصلية ويعلم أن كل إنسان يولد في حالة طبيعية من الطهارة والبراءة. كل فرد مسؤول فقط عن أفعاله، ولا أحد يتحمل عبء خطايا الآخر. ومن هذا المنظور، كانت مهمة عيسى (ع) هي إرشاد بني إسرائيل إلى العبادة الصادقة لله، وتأكيد الوحي السابق، ودعم البر الأخلاقي والروحي. يتم الخلاص في الإسلام من خلال الإيمان بإله واحد، وطاعة وصاياه، والأعمال الصالحة، والتوبة الصادقة، والاعتماد على الرحمة الإلهية. الأنبياء، بما فيهم عيسى (ع), هم مرشدون ومعلمون، وليسوا فاديين يكفرون عن خطايا الآخرين.
الصلب ونهاية الحياة الأرضية لعيسى
يمثل حدث الصلب أحد أبرز الاختلافات العقائدية بين الإسلام والمسيحية. تعلم المسيحية أن عيسى صلب ومات على الصليب وقام مرة أخرى في اليوم الثالث. ويعتبر هذا الحدث حجر الزاوية في اللاهوت المسيحي، ويرمز إلى الانتصار على الخطيئة والموت. يتم إحياء ذكرى الصلب ويعتبر محوريًا في المعتقد والفن والطقوس المسيحية، مما يعزز فكرة دور عيسى, التضحية في الخلاص. لكن الإسلام يقدم رواية مختلفة. بحسب القرآن، لم يُصلب عيسى ولم يُقتل؛ بل تم جعله يبدو كذلك. يقول الله عزّ وجلّ :
"وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ"
يقول التقليد الإسلامي أن الله حمى عِيسَى من أعدائه ورفعه إلى نفسه. ويؤكد هذا الاعتقاد قوة الله وعدالته، وكذلك الشرف الممنوح لأنبيائه. علاوة على ذلك، يعلم الإسلام أن عِيسَى سيعود قرب نهاية الزمان كعلامة على يوم القيامة، حيث سيستعيد العدالة ويؤكد حقيقة التوحيد. يعزز هذا الاعتقاد الدور النبوي لـعِيسَى مع الحفاظ على الفهم الإسلامي لإنسانيته.
خاتمة
على الرغم من أن الإسلام والمسيحية يشتركان في الإيمان عيسى (ع) كشخصية معجزة وصالحة، إلا أن اختلافاتهما العقائدية فيما يتعلق بطبيعته ورسالته ودوره في الخلاص عميقة. تنظر المسيحية إلى عيسى باعتباره إلهيًا، ومركزيًا للعبادة، وضروريًا للخلاص من خلال صلبه وقيامته. أما الإسلام، من ناحية أخرى، فيعتبر عيسى (ع) واحداً من أعظم الأنبياء، الذي ولد بأعجوبة، وأُوكل إليه الوحي الإلهي، وكرمه الله، ولكنه كان إنساناً بالكامل وليس موضوعاً للعبادة. تعكس هذه الاختلافات الأسس اللاهوتية الأوسع لكل دين، وخاصة فهمهم لطبيعة الله والطريق إلى الخلاص. إن الاعتراف بهذه الفروق وفهمها أمر ضروري لإجراء حوار هادف بين الأديان، والاحترام المتبادل، والتعايش السلمي في عالم مترابط بشكل متزايد.
هاتف الكاتب: 8590513054