أحدث المشاركات

الخميس، 5 نوفمبر 2020

النقد الأدبي في العصر الجاهلي

 محمد كاشف )    الباحث في قسم اللغة العربية الجامعة الملية الإسلامية)

التوطئة:

إنّ النقد ملازم للأدب من حيث النشأة والتطور عبر الزمن، فكلاهما يهتم بالذوق والجمال، إذا الأدب والنقد لا ينفك أحدهما عن الآخر، بل يسيران معاً في تفاعل عام وتكامل تام.

إذا كان العصر الجاهلي في اصطلاح المؤرخين أو المفسرين يقصد به الفترة التي سبقت بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلّم دون تحديد لزمن معيّن فإنّه في اصطلاح الأدباء والنقاد لا يتجاوز المائة وخمسين أو المائتبن سنة.

فالجاهلية هنا لا تعني عدم معرفة القراءة والكتابة، ولا تعني عدم معرفتهم العلوم التي يحتاج إليها الإنسان، وواضح أن الكلمة استخدمت من القديم للدلالة على السفه والطيش والحمق[1].

ومعنى كلمة الجاهلية فهي كما قال الأستاذ شوقي ضيف في تعريف الجاهلية : "وينبغي أن نعرف أنّ كلمة الجاهلية التي أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضدّ العلم ونقيضه، إنّما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنزق فهي تقابل كلمة الإسلام التي تدلّ على الخضوع والطاعة لله جلّ وعز"[2]، وقد أخذت تطلق على العصر القريب من الإسلام أو بعبارة أدقّ على العصر السابق له مباشرة.


الجاهلية: الزمان الذي كثر فيه الجهال، ويقول ابن خالويه: إن هذا الاسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم. [3]

وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في أربعة مواضيع:

يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.[4]

فَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.[5]

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى[6] .

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ[7] 

 

تعريف النقد:

النقد لغة: جاء في لسان العرب لابن المنظور: النقد خلاف النسيئة، والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها[8].

وفي مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي: نقد الدراهم وانتقدها، أخرج منها الزيف[9].

كما وردت تعريفات أخرى للنقد في كتب اللغة، معظمها يدور حول المعاني التالية:

فالمعنى الأول التمييز، والمعنى الثاتي هو الإعطاء، والمعنى الثالث هو اختلاس النظر، والكعنى الأول هو المراد هنا[10].

النقد اصطلاحا:

أن المعنى الاصطلاحي لا يبعد بالكلمة عن معناها اللغوي الأصلي، وهو تمييز جيد الشعر من رديئه[11].

إذا النقد بمفهومه الاصطلاحي هو دراسة الأعمال الأدبية وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها، ثم الحكم عليها لبيان قيمتها ودرجتها[12].

الأدب لغة:

الأدب في الأصل هو الدعاء، وسمي بالأديب لأنه يأدب  ويدعو الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح, ويقال للطعام الذي يدعى إليه الناس، مدعاة ومأدبة.

والأدب: الظرف وحسن التناول، وأدب فهو أديب من قوم أدباء، وأدبه فتأدب: علمه[13].

الأدب اصطلاحا:

الأدب: هو الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به إلى التأثير في عواطف القراء والسامعين، سواء أكان شعرا أم نثرا[14].

النقد الأدبي في العصر الجاهبية:

إنّ الحديث عن النقد الأدبي في عصر الجاهلية يختلف عن غيره من العصور من حيث إنّ أول مباحثه إنّما يتعرض لوجوده أصلاً إذ يزعم بعض النقاد والمؤرخين أنّ العصور العربية الأولى تخلو من النقد والمنصفون منهم إنّما يقصدون به النقد المنهجي بقوانينه التحليلية الموضوعية وقواعده التفكيكية العلمية، والحقيقة أنّ وجود النقدِ لأمرين اثنين:  
أوّلهما: إنّ وجود الأدب في مثل تلك المرتبة العلية من الإبداع والرقيّ وبذلك الزخم والحجم الكبير دليل كافٍ على وجود نقدٍ ساير هذا الأدب ووقف إلى جانبه يقوّمه ويوجّهه حتى وصل به إلى ما وصل إليه.
ثانيهما: إنّ الإنسان ناقد بطبعه متذوق بفطرته يطالب دائما بالأحسن والأجمل والأجود والأمثل في شؤون حياته كلّها ولن يشذّ الشعر والأدب عن هذا المبدأ، إنّ قراءة الشعر وسماعه تقتضي ولا بدّ تذوقَه ونقدَه وخاصة إذا كان ذلك من عارف بالشعر كالشاعر نفسِه أو راويتِه وما أكثرهم في عصر الجاهلية.

إن فكرة الناقد الحاذق المتمكن الذي يحتكم إليه الناس فس الشعر، طانت فكرة معروفة بين الناس عامة والأدباء خاصة، كما أن فكرة الحكم النقدي كلنت فكرة حاضرة في أذهان الشعراء أيضا، إذ لولاها لما تفاضل الشعراء فيما بينهم. وفي النصوص الأدبية التي نقلت لنا من العصر الجاهلي ما يدل على وجود الناقد الذي يكزن شاعرا ماهرا أو قبيلة بعينها، وفي قصة النابغة الذبيباني مع حسان بن ثابت[15] ما يوضح كلامنا أكثر[16].

 النقد في البيئة الجاهلية :

 إنّ التأمّل العميق و المتأنّي فيما ورد إلينا من نماذجَ للنقد في العصر الجاهلي على قلّتها ـ مقارنة بالأدب ـ يعطينا نظرة إجمالية وفكرة عامة على ما كان عليه النقد الأدبي يومها، ة فهو ابتداء يتجلى ويظهر في مستويات ثلاث:

النقد الذاتي: ويقصد به نقد الشاعر لنفسه وتهذيبه لقصيدته كيف لا والشاعر هو أكثر المحتفلين والمهتمين بتجويد شعره حتى يُرضي الجمهور المتلقي للشعر ويستقطب إليه أكبر قدر ممكن من الرواة والمعجبين , ولعل أبرز نموذج يمثّل هذا النوع من النقد هو ما اصطلحوا عليه باسم المدرسة الأوسية أو عبيد الشعر وأشهر رواد هذه الطائفة من الشعراء زهير بن أبي سلمة الذي كان يستغرق في تهذيب شعره وإعادة النظر فيه سنة كاملة قبل أن يخرج على الناس بقصيدته كاملة مكتملة... ولهذا السبب سميت قصائده بالحوليات[17].

 النقد الخاص: وهو النقد الذي نشأ بين طائفة خاصة من المجتمع العربي على رأسهم الشعراء أنفسهم، فالنقد الخاص بين الشعراء ما يروى من تحاكم علقمة بن عبدة التميمي والزربقان بن بدر وعمرو بن الأهتم والمخبل السعدي إلى ربيعة بن حذار الأسدي فقال لهم: أما أنت يا زبرقان فإنّ شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل ولا ترك نيّئا فينتفع به . وأما أنت ياعمرو فإنّ شعرك كبرد حبرة يتلألأ في البصر فكلّما أعدته فيه نقص , وأما أنت يا مخبّل فإنّك قصرت عن الجاهلية , وأما أنت يا علقمة فإنّ شعرك كمزداة قد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء.

وأبرز شاهد ها هنا النابغة الذبياني فقد كان شاعرا فحلا وناقدا فذّاً ومثله جلّ الشعراء فمعرفتهم للشعر من جهة وتنافسهم فيما بينهم من جهة أخرى يدفعهم إلى إصدار أحكاما نقدية من شأنها أو توجّه الشعر وتهذّبه[18].

النقد العام: والمقصود به نقد جماهير العرب وعامتهم. فالمعروف عن العرب أنّهم أهل البلاغة والفصاحة والبيان كانوا يتذوقون الأدب بفطرتهم وسجيتهم وكانوا ولوعين شغوفين بالشعر خاصة، ولا بدّ أنّ هذه العامة كان لها ذوق خاص واتجاه محدّد في الشعر وقوالب معيّنة تنجذب نحوها أكثر من غيره[19]. 

أن النقد الأدبي في العصر الجاهلي يتصف بعدة سمات هي الغالبة عليه من أبرزها:

1-     النقد في العصر الجاهلي فطري، يعتمد على ذوق الناقد، كحكم النابغة على شعر حسان بن ثابت[20].

2-    النقد الأدبي في العصر الجاهلي جزئي، أن الناقد يتجه إلى الجزئيات لينقدها في الغالب، تاركا باقي الجوانب الفنية، فهو ينقد الألفاظ أو الوزن، كقصة المتلمس مع طرفة[21].

3-    الحكم النقدي في العصر الجاهلي موجز، أي يصدر الناقد حكما نقديا بعبارة موجزة. كقول طرفة للمتلمس: أستنوق الجمل؟[22]

4-    الحكم النقدي في العصر الجاهلي بالعمومية، أي أن الناقد يصدر حكمه غالبا دون سبب أو تعليل، كالحكم على المعلقات بأنها أفضل ما قالت العرب، وكقول النابغة للبيد بن ربيعة: إذهب فأتن اشعر العرب[23].



 تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي لشوقي ضيف ص 39-40.[1]

[2] الفن ومذاهبه لشوقي ضيف ص 15-17 و في النقد الأدبي أيضا ص 25.

[3] بلوغ الأرب للآلوسي ج1 ص 16.

 سورة آل عمران، الآية 154. [4]

 سورة المائدة الآية 50.[5]

 سورة الأحزاب الآية 33[6]

 سورة الفتح الآية 26. [7]

 لسان العرب لابن المنظور، باب الدال فصل النون. [8]

 مختار الصحاح، ملدة (ن ق د ) [9]

 معجم مقاييس اللغة، ملدة نقد، القاموس المحيط باب الدال فصل النون. [10]

 نقد الشعر لقدامة بن جعفر ص 2. [11]

 تاريخ النقد الأدبي عند العرب لإحسان عباس ص 8. [12]

 لسان العرب: حرف الياء، فصل الهمزة. ج1 ص 206. [13]

 تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي لشوقي ضيف ص 7. [14]

 طبقات فحول الشعراء ج1 ص 115- 120. [15]

 طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي في الطبقة الأولى، 1|51 ، والشعر والشعراء لاين قتيبة ج1 ص 162-172. [16]  

 د. مصطفى عبد الرحمن ,في النقد الأدبي القديم عند العرب , مكة للطباعة 1419هـ 1998م[17]

 د. مصطفى عبد الرحمن ,في النقد الأدبي القديم عند العرب , مكة للطباعة 1419هـ 1998م،  [18]

 د. علي جواد الطاهر ؛ مقدمة في النقد الأدبي. ج1 ص 60- 80 و المصدر السابق ص 105.    [19]

 التفكير النقدي عند العرب لعلي العاكوب. ص 150-160.[20]

 المصدر السابق ص 150-60.[21]

المصدر السابق 150-60. [22]

 المصدر السابق 150-60.  [23]    



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

مختارة

Random Post

الإشتراك بالمدونة