بقلم: محمد جسيم
باحث، المعهد العالمي للبحوث في تفاسير القرآن
ملخص
النحو ضروري للتواصل الفعّال والأدب، بلا مبالغة. لكن النحو العربي له طابع خاص، تشكّل على مرّ الزمن بسبب عوامل اجتماعية وسياسية، وارتبط بقوة بالتقاليد الإسلامية. في البداية، هدفه الأساسي كان الحفاظ على نقاء تلاوة القرآن الكريم. مدرستا الكوفة والبصرة لعبتا دورًا كبيرًا في تطوير النحو، وكل واحدة أضافت بصمتها. مع الوقت، وخصوصًا بعد ظهور المناهج الموحدة في بغداد في ظل الدولة العباسية، بدأ النحو العربي يتوسع ويدخل مجالات مثل الصرف والنحو والصوتيات. في تلك الفترة، كتب العلماء مؤلفات كثيرة في أنحاء العالم، والشعر كان وسيلة مفضلة عندهم لجعل هذه العلوم أسهل وأقرب للناس. ومن بين كل هذه المؤلفات، تبرز "ألفية ابن مالك" كواحدة من أهم الأعمال في النحو، لأنها قدمت القواعد بشكل واضح ومنظّم في قالب شعري. الألفية هذه دُرست في جامعات مختلفة حول العالم، من الحلقات التقليدية في كيرالا إلى الكليات الحديثة هناك.
ولكي يسهلوا فهم النص، أضاف العلماء شروحات مطوّلة، وبرز العلماء الماليباريون بشكل خاص بمساهماتهم في الشروح، الحواشي، التعليقات، حتى التصحيحات. إلى اليوم، ما زال النحو العربي يُدرّس في القرن الحادي والعشرين، وتوثيق هذه المساهمات وجمعها صار ضروريًا لدعم الطلاب وتقدير جهود الروّاد. هذا البحث يركز على إبراز مساهمات علماء مالابار في شرح الألفية. سنراجع الكتب، نبحث في الأرشيفات، ونجري مقابلات مع علماء مختصين. أيضًا، سنحاول تتبّع مسيرة النحو العربي من نشأته حتى يومنا هذا.
الكلمات المفتاحية: علماء مليبار,ألفية بن مالك,التعليم فى كيرالا,تطور النحو,الشرح والتوثيق
إشكالية البحث
تبدأ مشكلة هذا البحث من حقيقة بسيطة: منطقة مليبار تملك تراثًا علميًا ضخمًا، خاصة في تعليم العلوم الشرعية واللغوية. لكن رغم هذا التاريخ الطويل، ما زالت مساهمات العلماء المليباريين في خدمة ألفية ابن مالك متفرقة، ولم يهتم أحد بدراستها بشكل شامل يكشف تفاصيلها ويحدد مجالاتها. السؤال الجوهري هنا: ما طبيعة إسهامات هؤلاء العلماء في شرح ألفية ابن مالك؟ كم عدد هذه الشروح والحواشي والتعليقات؟ ما أهدافها التعليمية؟ وكيف ساعدت الطلاب في مؤسسات كيرالا على فهم النحو؟ ليس هذا فقط. البحث يريد أن يوضح ماذا يميز منهج وشروح العلماء المليباريين عن غيرهم، وما مدى تأثرهم بالمدارس النحوية القديمة أو بمنهج ابن مالك نفسه، مع مراعاة الظروف التعليمية المحلية. من هنا يظهر سؤال آخر: كيف أثرت هذه الجهود في تثبيت مكانة ألفية ابن مالك في مناهج النحو بمليبار عبر القرون؟ ولماذا ما زال تدريسها وحفظها مستمرين حتى الآن؟ وفي النهاية، تبرز الحاجة لجمع هذه الإسهامات وتوثيق أصحابها من خلال دراسة علمية دقيقة، تبرز دور علماء مليبار في إثراء التراث النحوي العربي، وتلفت أنظار الباحثين إلى قيمتها وأهميتها.
أهداف البحث
يركز هذا البحث على الحركة العلمية في ولاية كيرالا، وبالذات في منطقة مليبار. الموضوع يبدأ من الجذور التاريخية لتعليم العلوم الشرعية واللغوية هناك، ويتابع كيف ظهرت هذه الحركة مع انتشار الإسلام. المساجد والكليات لعبت دورًا واضحًا في ترسيخ هذا التراث، ولا يمكن تجاهل أثرها. البحث يحاول أن يجمع أسماء أبرز علماء مليبار ممن اهتموا بألفية ابن مالك، سواء في التعلم أو التعليم أو حتى في التأليف. بجانب ذلك، يشير البحث إلى مكانة هؤلاء العلماء ودورهم في نقل متن الألفية وتطويره محليًا. هناك جانب آخر، وهو دراسة مناهج هؤلاء العلماء في شرح الألفية. كيف كانوا يكتبون الحواشي والتعليقات؟ كيف سهّلوا الأمر على الطلاب؟ هذه التفاصيل تبرز الخصائص المنهجية التي جعلت إسهاماتهم مميزة فعلاً.
طموح البحث لا يقف هنا. هو يريد أيضًا أن يوضح القيمة العلمية والتربوية لإسهامات علماء مليبار في خدمة الألفية، ويكشف كيف أثرت جهودهم في تطور دراسة النحو في المنطقة عبر القرون.ولا يغفل البحث عن دور المؤسسات التعليمية، مثل المساجد والمعاهد والكليات الإسلامية، في تثبيت مكانة الألفية داخل المناهج. هذه المؤسسات حافظت على استمرارية تدريس الألفية حتى اليوم. من ناحية ثانية، يوضح البحث أيضًا مدى ارتباط المدرسة النحوية في مليبار بمنهج ابن مالك، وكيف ساهم هذا الارتباط في تشكيل هوية الدارسين العلمية هناك. الالتزام بمنهج ابن مالك يشبه إلى حد كبير تمسكهم بالمذهب الشافعي في الفقه. وأخيرًا، البحث يسلط الضوء على أهمية الشروح والحواشي والتعليقات التي كتبها علماء مليبار على الألفية. هذه الأعمال ساهمت في إحياء التراث النحوي العربي وخدمة الطلاب، وتفتح الباب أمام الباحثين والمهتمين للاطلاع على هذا الإرث وتوثيقه.
مقدمة
الحمد لله الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد, فإنّ ولاية كيرالا لا سيما منطقة مليبار تملك تراثا عريقا في تعلم وتعليم علوم الدين. وقد نشأت فى هذه المنطقة، عبر القرون، منظومات تعليمية متميزة حول المساجد والكليات. فكانت هذه المؤسسات مركزا للعلم والفكر ومنارة لنشر الدين وثقافته. وقد بدأ التعليم الديني في كيرالا مع وصول الإسلام إلى ساحل مليبار حين قامت المساجد بدور المدرسة الأولى، واحتضنت حلقات منتظمة لتعليم القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، واللغة العربية، فيما عرف بالدروس المساجدية. يذكر من أوائل هذه الحلقات ما أقيم في مسجد تانور في عام 670هـ على يد العلامة محمد بن عبد الله الحضرمي، ومنها انتشرت الحركة العلمية في مساجد كاليكوت وشاليات وبلنكوت وفنان وما إليها. ومع تعاقب الأجيال وتزايد الحاجة إلى تأطير العملية التعليمية ظهرت الكليات والمعاهد الإسلامية بصورتها الأكثر تخطيطا وانضباطا فكان من أبرزها: كلية دار العلوم في وازكاد، وجامعة النورية العربية، وجامعة دار السلام، وجامعة دار الهدى الإسلامية. وقد تميّزت هذه المؤسسات بتقديم برامج تعليمية منتظمة تشمل مرحلتى البكالوريوس والماجستير في علوم الشريعة كما ساهم العلماء الذين تخرجوا من تلك الحلقات الدراسية والمعاهد في فنون شتى مثل الفقه، والحديث، واللغة، والتفسير، والبلاغة، والمنطق، والفلسفة، وغيرها. وقد اعتنى هؤلاء العلماء بعلم النحو عناية خاصة؛ لكونه مفتاح فهم النصوص الشرعية، والوسيلة الأساسية لضبط المعانى وتحصيل المعرفة الدينية. وقد اهتموا به حفظا تعلما وتدريسا.
من أهم كتبهم في تعليم وتعلم علم النحو: ألفية ابن مالك، ولا يزال الطلبة يدرسونها ويحفظونها في هذا القرن أيضًا؛ لما تمتاز به من حسن التنظيم، إذ يسهل ذلك استحضار القواعد وضبطها سريعًا عند الحاجة إليها. وكان أول من عرّف بالألفية وشرحها في ديار مليبار العلامة زين الدين المخدوم الكبير بعد دراسته في جامعة الأزهر بمصر. وهو المرجع المتبع عند أهل مليبار في مجالى الشريعة والحقيقة. يدل هذا أيضا على عنايتهم البالغة بالألفية، حتى قيل إنّ الطلاب يتعلمون خلاصة ألفية ابن مالك وغيرها مثل تقويم اللسان، وقطر الندى، وتحفة الوردية من المتون التى تتخذ وسائل إليها. وقد ذهب بعضهم إلى أن المليباريين يتبعون مذهب ابن مالك في النحو، كما يقلدون الشافعية في الفقه. وقد ألّف علماء مليبار للألفية شروحا وحواشيا وتعليقات جمة، جعلوها علمًا حيًّا يتجدد للفهم والإفهام، تيسيرا على الطالبين لهذا الفن. وهذه الدراسة سعي إلى تعرف تلك الشروح والحواشى والتعليقات، مع تقديم ترجمات موجزة لها؛ لينتفع بها الراغبون ولتنبيه العامة إلى إساهمات السلف فى هذا المجال.
المبحث الأول: خلاصة ألفية بن مالك وشروحها المتداولة
ألفية ابن مالك منظومة نحوية من بحر الرجز، نظمها أبو عبد الله جمال الدين محمد بن مالك الجياني الأندلسي (توفي سنة 672هـ/1223م)، وجعلها خلاصة لكتابه السابق "الكافية الشافية" الذي احتوى على ثلاثة آلاف أبيات. ثم اختصر ابن مالك تلك المنظومة في نحو ألف أبيات، فسماها "الألفية"، ولها اسم آخر وهو "الخلاصة"، وقد صرّح المؤلّف بالإسم الأوّل في مقدّمتها، وبالاسم الثانى في خاتمتها حيث قال - على أسلوب يدلّ على ترتيب مقصود في اللف والنشر:
وأستعين الله في ألفية * مقاصد النحو بها محوية
أحصى من الكافية الخلاصة * كما اقتضى غنًى بلا خصاصة
وتمتاز ألفية ابن مالك بتبويبها وترتيبها المشابهين لكتاب "الكافية الشافية"، إذ تضم سبعة وسبعين عنوانًا، وقد نظمت على غرار "ألفية ابن معطى". ويتميّز ابن مالك في ألفيته بعدم انحيازه إلى مدرسة نحوية بعينها، فلا يلتزم مذهب البصريين ولا الكوفيين، بل يعرض آراء المدرستين ثم يقدم مذهبه الخاص. ويتفرد بأقوال في بعض المسائل. كما يعد من أبرز من وظّفوا شواهد القرآن والحديث لتأصيل القواعد النحوية. يطلق لفظ "الألفية" عند الإطلاق على هذه المنظومة دون غيرها، فإن أُريد غيرها وجب التقييد باسم مؤلفها. وقد حظيت الألفية بقبول واسع في الأوساط العلمية؛ لكثرة الشروح التى وضعت عليها، مما يدل على مكانتها الرفيعة. إذ كتب عليها أكثر من أربعين عالمًا شروحًا وتقريرات، وألف بعضهم فيها كتبا في إعراب أبياتها، بينما قام آخرون بنثرها وتلخيصها.
ومن أبرز هذه الشروح: شرح ابن مالك نفسه، وشرح ابنه بدر الدين (توفي سنة 656هـ/1287م) وقد خالف فيه بعض آراء أبيه، وكتب القاضي زكريا الأنصاري (928هـ/1521م) وابن ماجه (819هـ/1416م) حواشٍ على شرح بدر الدين. أما ابن هشام الأنصاري (761هـ/1359م) فكتب شرحين هما: "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" و"رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة"، وقد وضع محمد محيي الدين عبد الحميد حاشية على الشرح الأول بعنوان: "عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك".
يعدّ "شرح ابن عقيل" من أشهر شروح الألفية وأوسعها انتشارا لما يمتاز به من وضوح معانيه وحسن عرض المسائل. وقد ألف السيوطي عليه حاشية كما حققه محمد محيي الدين عبد الحميد في أربعة أجزاء بإسم "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل". ومن الشروح المهمة كذلك: "تمرين الطلاب في صناعة الإعراب" لخالد الأزهري، و"شرح شهاب الدين الرملي" المتخصص في بيان إعراب الأبيات.
أما "شرح الأشموني" المعروف بـ"منهج السالكين إلى ألفية ابن مالك" فقد حُشي أيضا بحاشية محمد محيي الدين عبد الحميد. ومن جملة الشارحين أيضاً أبو حيان الأندلسي (توفي سنة 745هـ/1344م)، وابن قاسم النحوي (749هـ/1348م)، وجمال الدين الاسنوي (762هـ/1360م)، والشاطبي (790هـ/1388م)، والعلامة العينـي (849هـ/1445م)، وزين الدين مخدوم الكبير. وقد تولى محمود بن أحمد العيني شرح أبيات الشواهد في الألفية.
ولا تزال ألفية ابن مالك تُدرّس حتى اليوم في الكليات والجامعات في العالم العربي والإسلامي، وقد اعتمدت طويلا في المساجد والكليات العربية في كيرالا. ويدرّسها العلماء فى المسجد هناك مع شرح زين الدين مخدوم الكبير، بينما تعتمد بعض الكليات هناك على شرح ابن عقيل. ومع ذلك تميل المدارس على حاشية الصبان على شرح الأشموني وحاشية الخضرى على ابن عقيل وغيرهما [1]
المبحث الثانى: تاريخ إهتمام النحو ودخول ألفية ابن مالك في مليبار ومكانتها فى الدرس النحوي
ترتبط منطقة مليبار في جنوب الهند بعلاقة وثيقة بالعرب واللغة العربية منذ القدم، وقد بدأت هذه العلاقة في شكلها الأول كعلاقة تجارية ممتدة في التاريخ لا يُعرف بدايتها بدقة، ثم تطورت لاحقًا إلى علاقة دينية وثقافية وحضارية مع انتشار الإسلام في المنطقة. وقد ساعد موقع مليبار بوصفه معبرًا تجاريًا وحضاريًا مهمًا على تلاقح الثقافات، وتبادل المعارف، خاصة العلوم الإسلامية، وفي مقدّمتها علوم اللغة العربية.وتُسجّل المصادر التاريخية أن الدين الإسلامي دخل مليبار على أيدي بعض أصحاب النبي ﷺ مباشرة، وحين وصل الصحابة رضي الله عنهم إلى سواحل المنطقة، حَمَلوا معهم دينًا جديدًا لم يكن الناس يعرفونه من قبل، كما لمسوا فيهم سلوكًا قويمًا لم يألفوه في بيئتهم التي كانت آنذاك تعاني انحدارًا دينيًا وأخلاقيًا بالغًا. فوجد السكان في الإسلام سبيل الخلاص، فدخلوا فيه جماعات. وبما أن الدخول في الإسلام يقتضي تعلم بعض المفردات العربية الضرورية لأداء العبادات، مثل قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، فقد بدأت الحاجة الملحّة لتعليم اللغة العربية وتعليمها في مليبار منذ اللحظة الأولى، لا سيما في المساجد.[2]
تدرّج هذا التعليم العربي من الضرورات الدينية الفردية إلى منظومة تعليمية منظمة، فانتشر في ربوع مليبار، وتوسّع عبر العصور، حتى أضحت اليوم آلاف المعاهد والمراكز التعليمية تدرّس اللغة العربية بانتظام. فاللغة العربية هي اللغة الرسمية للدين الإسلامي، ولغة النبي ﷺ، وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، ودوّنت بها الأحاديث النبوية، وصيغت بها الأحكام الشرعية، مما يوجب على المسلمين عمومًا، وسكان مليبار خصوصًا، تعلمها وتعليمها والحفاظ عليها.ولا شك أن تعليم اللغة العربية لا يكتمل إلا بدراسة علم النحو، إذ يُعدّ النحو جزءًا لا يتجزأ من اللغة، وله ارتباط وثيق بدلالات الألفاظ وتراكيبها، حيث تختلف المعاني باختلاف الإعراب والبناء. ومن هنا بدأت دراسة النحو في منطقة مليبار، وتطوّرت مع مرور الزمن، إلا أن ملامح هذا التطور في المراحل الأولى، حتى القرن التاسع الهجري، ما تزال مجهولة إلى حد كبير، ولم يُعثر على مصادر موثقة بشأنها حتى الآن.
وفي القرن التاسع الهجري، برز دور الشيخ زين الدين بن علي المعبرى الذى اشتهر بالمخدوم الكبير بوصفه شخصية علمية محورية. وقد سافر إلى مصر والتحق بجامعة الأزهر، وتلقّى العلم على أيدي أكابر العلماء، ثم عاد إلى مليبار حاملاً معه أمهات كتب النحو وغيرها من العلوم الإسلامية وشرح لها ولم يمكن الاتمام قبل موته وقام بإتمامه ابنه عبد العزيز المخدوم .وقد أسّس والده الجامع الكبير في بلدة فنان، وتفرّغ فيه للتدريس، مما جعله مقصدًا لطلاب العلم من داخل المنطقة وخارجها، وكان من ثمرة ذلك نشوء ما يُعرف بـ"المدرسة المخدومية"، وهي مدرسة علمية تميّزت بكونها مركزًا للنهضة العلمية والأدبية في المنطقة.وقد ركّزت المدرسة المخدومية على تعليم العلوم الإسلامية واللغة العربية، مع عناية خاصة بعلمي النحو والصرف، باعتبارهما المدخل الأساسي لفهم النصوص الشرعية. وقد أدت المدرسة دورًا محوريًا في إدماج ألفية ابن مالك ضمن البيئة التعليمية في مليبار، واعتمادها نصًا نحويًا رئيسيًا ضمن المنهج الدراسي. وقد جلب الشيخ زين الدين المخدوم الكبير شرح ألفية ابن مالك، وبدأ تدريسه في مسجد فوناني الذي أسسه بنفسه، فصار هذا المسجد مركزًا علميًا بارزًا، يحتضن حلقات دراسية يفد إليها الطلاب من مختلف أرجاء مليبار، بل ومن خارجها أيضًا.
ولم يقتصر دور الشيخ زين الدين المخدوم الكبير على التعليم والتشريح، بل أسس منظومة شاملة لإدارة التعليم الديني والفقهي، بحيث أصبحت المساجد تحت إشرافه مراكز تعليمية منظّمة إداريًا واجتماعيًا، ما ساهم في توحيد المناهج وتعميم دراسة الألفية في مختلف أنحاء المنطقة. وقد أدى هذا النظام التعليمي المتكامل إلى ازدهار ملحوظ في دراسة النحو بولاية كيرالا، وأسهم في تخريج علماء بارزين ألّفوا شروحًا، وحواشي، وتعليقات موسعة على الألفية، وشاركوا في تطوير فهمها، ونقلها بأساليب منهجية دقيقة. فإنّ دخول اللغة العربية إلى مليبار ارتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشار الإسلام والنشاط الدعوي المصاحب له، ثم تطور تعليم اللغة والنحو، خاصة عبر المدرسة المخدومية، التي جعلت من شرح ألفية ابن مالك محورًا أساسيًا في التعليم اللغوي. وقد كان للشيخ زين الدين المخدوم الكبير الدور الأبرز في ترسيخ هذا النهج، مما جعله منارة علمية تركت أثرًا بارزًا في مسار اللغة العربية وعلومها في أنحاء مليبار.
المبحث الثالث: شروح العلماء المليباريين على ألفية بن مالك
الشرح هو التوضيح والتفسير، وفي العرف (أي عرف الكتاب والمؤلفين) يطلق على بيان وتوضيح وتفسير غالب ما في الكتاب المشروح مما هو في موضوعه كما قاله أبو عبد الله الحمري. وفقًا لهذا التعريف، فإن جميع الشروح المؤلفة في مليبار بذلت جهدها؛ لأن الشراح قد شرحوا ووضحوا كامل القضايا المذكورة في ألفية ابن مالك .رغم أن الشروح المشهورة على "ألفية ابن مالك" قد كتبها علماء من المشرق العربي، كابن عقيل، وابن هشام، وغيرهما من كبار النحاة، فإن علماء مليبار لم يكونوا بمعزل عن هذا الإرث العلمي، بل قدّموا خدمات جليلة في هذا المجال من خلال شروحهم، وحواشيهم، وتعليقاتهم على الألفية، مما يدل على عمق تفاعلهم مع النص النحوي، وحرصهم على فهمه وتعليمه. وقد تعمقوا في معالجتهم لمباحث الألفية، وكان لهم فيها دور بارز ومميز يستحق الذكر.ومن أبرز هذه المساهمات شرح المخدومين على الألفية، الذي يُعد من الشروح الرائدة في البيئة المليباريّة، وكذلك شرح الشيخ أحمد كتي مسليار الكودنجيري، وشرح الألفية لأحمد كويا الشالياتي. كما يُعد كتاب بسيط الكلام على ألفية ابن مالك العلّام للسيد حسن البخاري الباقوي من الشروح المعاصرة التي تنتمي إلى هذا السياق العلمي.
وضع علماء مليبار حواشي علمية دقيقة على شروح الألفية، منها حاشية على شرح الألفية للشيخ كنج أحمد مسليار الكودنجيري، وحاشية الشيخ أحمد الشيرازي، ونور السالكين في إتقان شرح الألفية للشيخ كنج علي مسليار الجيلكادي، وتلميح الفوائد النحوية في حواشي شرح الألفية لباوا مسليار الويلتوري، وتدل هذه الحواشي على تفوق علمي واستيعاب دقيق للمباحث النحوية الدقيقة التي تتطلبها دراسة الألفية.
ومن مظاهر الاهتمام البارز بالألفية في مليبار كذلك ترجمتها إلى اللغة المليبارية، حيث قام بذلك محمد باقفي الفوكوتوري، وهو من المؤلفين الغزيري الإنتاج، وقد سمّى ترجمته بـترجمة الألفية وأبحاثها النحوية، وهي محاولة لشرح الألفية بلغة القوم، وتيسير فهمها للطلاب غير العرب، مما يُظهر البعد التربوي والتعليمي في مشروعه العلمي. وكل هذه الجهود المتنوعة والمترابطة تدل على مدى اهتمام علماء مليبار بـ"ألفية ابن مالك"، وحرصهم على إدماجها في السياق العلمي والتعليمي للمنطقة، مما يجعل من الضروري التعرّف على هذه المساهمات بتفصيل ودراسة علمية معمقة.
I. شرح المخدومين على الألفية
يعَدّ هذا الشرح من تأليف العلامة زين الدين بن علي المعبري وابنه الفقيه عبد العزيز المخدوم، وهو من الشروح الممتزجة حيث قام الشارح بإدماج شرحه بالنص الأصلي حتى غدا جزءًا لا يتجزأ منه. ويُدرَّس هذا الشرح في الكليات العربية والحلقات العلمية في المساجد بولاية مليبار، منذ أكثر من خمسة قرون. اما الشارح الأول فهو الشيخ أبو يحيى زين الدين بن علي بن أحمد المعبري المليباري، وقد شرح "ألفية ابن مالك" حتى قوله )قبل كغير بعد حسب أول ودون والجهات أيضا وعل( فى باب الإضافة ، ثم تولّى استكماله ابنه الشيخ عبد العزيز المخدوم. وفيما يلي نموذج من شرح المخدوم الأول في باب "المعرب والمبني" حيث يفسّر قول ابن مالك:
من نون توكيد مباشر ومن * نون إناث، كيَرُعْن من فتن[3]
من نون توكيد (ثقيلة كانت أو خفيفة (مباشر) فإن كان مع نون التوكيد المباشرة بني على الفتح، نحو لَيُنْبَذَنَّ). وأما غير المباشرة فيعرب معها تقديرا، نحو لَتُبْلَوُنَّ) أو لفظا نحو ﴿فَإِمَّا تَرَينَ﴾ ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِ) ولم تكن مباشرة في هذه الثلاثة؛ لفصل الواو والياء المقدرتين في الأولين والألف الملفوظة في الثالث (ومن نون إناث) فإن كان مع نون الإناث يبنى على السكون (كيرعن) أي يخفن (من فتن) ونحو ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ )
والتالى ما فى شرح ابنه عبد العزيز بن زين الدين المخدوم على اسلوب والده الكريم لقد شرح حيث لا يرى فرق ولا منافاة من شرح والده, وههنا شرحه فى باب "المضاف إلى ياء المتكم":
أويك كابنين وزيدين فذى * جميعها اليا بعد فتحها احتذى[4]
(أو) لم (يك) مثني أو مجموعا على حده )كابنين وزيدين، فذي) أي الأربعة المذكورة (جميعها) توكيد لـ«ذي» )الياء بعد فتحها احتذي( خبر المبتدأ الثالث، والضمير المستتر فيه عائد إلى «فَتْحُهَا» والجملة خبر المبتدأ الثانى الذى هو «اليا»، والضمير العائد عليه من الجملة الهاء في «فَتْحُهَا» والجملة خبر المبتدأ الأول، والضمير العائد فيه محذوف تقديره بعدها
II. شرح الشيخ أحمد كوتي مسليار الكودنجيري
أن المؤرخ المعروف محمد علي بن عبد الله كوتي المولوي النلكوتي أشار إليه في كتابه تحفة الأخيار[5] في أعيان مليبار، وذلك عند ترجمته للشيخ أحمد كوتي مسليارالمتوفى سنة 1325هـ حيث ذكر أنه ألّف شرحًا على ألفية ابن مالك. وقد درس الشيخ الكودنجيري في المسجد الحرام مدة سبع سنوات، وكان من أبرز تلاميذه في تلك الفترة العلامة أبو بكر عثمان بن محمد شطا الدمياطي البكري، صاحب كتاب إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين
III. شرح الألفية لأحمد كويا الشالياتي
للشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد كويا الشالياتي شرح ألفية بن مالك كما ذكرنى دكتور زيد على الفيضى[6] ولم أطالعه, وهو أحد أبرز علماء كيرالا وزعماء جمعية العلماء في بداياتها، وكان له دورٌ حاسم في ترسيخ جذور الجمعية والدفاع عن منهج أهل السنة والجماعة في وجه المعارضة السياسية والدينية آنذاك. تولى رئاسة المؤتمر السادس للجمعية في فاروق سنة 1933م، والذي صدر فيه عدد من القرارات المفصلية التي واجهت البدع والخرافات.ولد سنة 1302هـ بقرية شاليام قرب كاليكوت، في أسرة علمية عريقة. تلقى العلوم الدينية على كبار علماء المنطقة، ثم التحق بكلية اللطيفية في ويلور وتخرّج فيها، وعُيِّن مدرسًا فيها، ثم صدر المدرسين في مدرسة "رياض الجنان" ببيتا. عمل في التدريس بمناطق مختلفة كبتكل وترورنغادي وكديتور، وبنى مسجدًا ومكتبة ضخمة في قريته سنة 1365هـ.
امتاز الشيخ بغزارة علمه وتنوع مؤلفاته التي تجاوزت الخمسين في فنون متعددة منها: النحو، الفقه، التفسير، التصوف، العقيدة، الأدب، الطب، الفلك، والردود على الفرق الضالة، مثل الوهابية. من أشهر مؤلفاته: النباءة اليقينية، الفتاوى الأزهرية، القصيدة الأزهرية، شرح الجلالين، وتراجم أسماء المؤلفين في ديار مليبار.كان عالِمًا موسوعيًا، واسع الاطلاع، يجيد عدة لغات منها الأردية والفارسية والتاميلية والسانسكريتية، وعُيّن مفتيا للسلطان النظامي في حيدر آباد سنة 1346هـ .تزوج ثلاث مرات، وله أبناء من زواجه الثاني. توفي يوم الأحد 27 محرم سنة 1374هـ (1955م)، ودُفن في فناء المسجد الذي بناه في شاليام، ولا يزال قبره مزارًا معروفًا.
ولم تقتصر الجهود على شرح الألفية فحسب، بل شملت أيضًا شرح أبيات الشواهد التي وردت فيها، ومنها لمح الشواهد بتتمة الفوائد والفتوحات العربية لأبى محمد باوا مسليار الويلتوري، وشرح شواهد الألفية لباوا مسليار البربنغادي، حيث سعى هؤلاء العلماء إلى تبيين دلالة الشواهد الشعرية وربطها بالقواعد النحوية. هنا شرح أول بيت الشاهد من لمح الشواهد بتتمة الفوائد فى باب المعرفة والنكرة:
وَمَا نَبَا لِي إِذَا مَا كُنْتِ جَارَتَنَا * أَنْ لَا يُجَاوِرَنَا إلاكِ دَيَّارُ
أنشده الفراء ولم يعزه الى احد وما تبالى اى لا نكترث وروى وما علينا اذا ما الخ (اذا ما) اذا ظرف وما زائدة (كنت) فعل الشرط والجواب محذوف لدلالة ما قبله ويحتمل انها للظرفية المجردة عن الشرط (جارتنا ) خبر كان ان لا يجاورنا) مفعول تعالى (الاك) اى غيرك ( ديار ) اى احد فاعل يجاور (المعنى) اذا كنت ايتها المحبوبة جارتنا فلا نكترث ولا نعبأ من عدم مجاورة احد غيرك (والشاهد) في قوله الاك حيث ولى الضمير المتصل الا في الشعر[7].
المبحث الرابع: الحواشى وأثرها العلمى
والحاشية هي في معنى الشرح الا أنها لا تلتزم غالب الموضوع كالشرح، وبعبارة اخرى هي أصغر من الشرح.وقد تكون الحاشية لا تلتزم نوضيح المعنى من الموضوع، بل تزيد على الموضوع مواضيع أخرى تتصل به.وقد لا يلتزم بعض الكتاب معنى الشرح عند الغالب من الكتاب؛ فيضعون اسم الشرح على معنى الحاشية بالمعنى الأول كما ذكره أبو عبد الله الحمري. أما ما فى قاموس المعانى ما علق على الكتاب من زيادات وإيضاح أو إيضاح شرحه. فعلى هذا قد وفق المحشيون المليبارييون فى حدود وسعهم وبذل جهدهم كما يتبين مما يأتى.
I. بسيط الكلام على ألفية بن مالك العلام
هذه حاشية على شرح المخدومين، ومحشيه السيد حسين البجارى الباقوى، الذى هو مدرس جامعة إحياء السنة، اتكنغل، كيرالا - الهند. قد ذكر فى مقدمة كتابه سبب تأليفه لهذه الحاشية العظيمة، وهو احتياج الطلبة لتيسير تعلمهم لشرح المخدومين على الألفية. إنه ناقش وبيّن سائر الألفاظ فى الشرح والألفية شافيًا كافيًا. قد تم نشر الجزئين، ولا يزال يُنشر باقيه. إنه تحشى، حيث لا يقال حاشية بل شرح عميق. وههنا بعض تحشيته على البيت الأول فى الألفية:
ما يجب وما يسن على شارح في تصنيف
يجب من جهة الصناعة على كل شارع في تصنيف أربعة أمور: البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على رسول الله والتشهد، ويسن له ثلاثة أمور : تسمية نفسه وتسمية الكتاب والإتيان بما يدل على مقصوده، وزاد بعضهم رابعا، وهو لفظ «وبعد»
قال محمد هو ابن مالك * أحمد ربي الله خير مالك[8]
ابتدأ الناظم ما بعد البسملة التي هي مقدمة كل أمر ذي بال بأشياء ينبغى تقديمها في أوائل الأمور المعتنى بها, أحدها التعريف بنفسه اقتداء بفعله (ص)، لأنه كان يعرف نفسه في الرسائل التى يكتبها إلى الناس, فيقول: من محمد بن عبد الله، وهي سنة من كان قبل النبي(ص)، من الأنبياء كما حدثنا الله رسالة سليمان(ع) إلى أهل اليمن حين كتب لهم: {إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} (النمل ٣٠)، ولئلا يجهل القائل، ثم الثناء على الله ، ثم الصلاة على رسوله محمد (ص)، التي هي الوسيلة لقبول الطاعات
قال أي: لفظ «قال» فعل: صرح بأنه فعل؛ لأنه ربما يتوهم من كون العين ساكنا أنه اسم, أو مصدر مع أن الفعل الثلاثي المجرد لا يكون عينه ساكنا أصالة، ويجيئ، مصدر «قال» على «قال» كما يجيئ، على «قول»، وقول الشارح: «فعل» هو بكسر الفاء حقيقة عرفية أي: خاصة بالنحوي في كلمة دلت على معنى في نفسها مقترنا بزمان وضعا، ومجاز عرفي أي: نحوي في الحدث، والمراد هنا الأول.
II. تلميح الفوائد النحوية فى بيان حواش الألفية
وهوحاشية متوسطة الحجم لأبى محمد باوا مسليار الويلتورى على شرح "المخدومين" لألفية ابن مالك[9]. يتكوّن من أربعة أجزاء مجموعَة في مجلدَين كبيرين، ويتميّز بأسلوبٍ واضح ومحتوى علميّ ثريّ، مما يسهل على طلبة العلم إدراك ما ورد فيه من مسائل. قام المؤلف بشرح عبارات الشارحين بجلاء تام، مستندًا في ذلك إلى مصادر متعددة، شملت القرآن الكريم، والحديث الشريف، بالإضافة إلى كتب نحوية مرجعية مثل: "حاشية الصبان"، و"حاشية الخضري"، و"شرح الأشموني"، و"التصريح على التوضيح"، و"كافية ابن الحاجب"، إلى جانب غيرها من المؤلفات المعتبرة في هذا الفن. يتخذ المؤلف في مواضع موقفًا داعمًا للشارح، بينما يخالفه في مواضع أخرى، وذلك بناءً على أسباب علمية. ومن أمثلة موافقته، ما ورد في باب المفعول معه، حيث فسّر الشارح قول الناظم: "ينصب تالي الواو مفعولًا معه" بأن التقدير هو "اسم" كنائب فاعل لفعل "ينصب". بينما قدّر الأشموني العبارة بـ"الاسم" مقترنًا بـ(أل)، إلا أن الويلتوري يعلّق على تقدير الشارح بقوله:هذا أولى مما قدره الأشموني حيث قال (الاسم) بالألف واللام، لأن (تالي) وإن كان مضافا إلى المعرف إلا أن إضافته لفظية فلا تتعرف إلا بتأويل بعيد. ههنا بعض من تحشيته تحت بيت:
وَمَاضِيَ الأَفْعَالِ بِالتَّا مِنْ وَسِمٌ * بِالنُّونِ فِعْلَ الْأَمْرِ إِنْ أَمْرَ فَهِمَ
(وماضي الأفعال) الإضافة على معنى من التبعيضية كما في الصبان وماضي مفعول مقدم لمز وهو أمر من ماز يميز بمعنى ميز وبالتا متعلق به (سم) أمر من وسم يسم كوعد يعد إذا علم وبالنون متعلق به وأمر نائب فاعل المحذوف يفسره فهم لأن أداة الشرط إنما يليها الفعل ثم المراد بالأمر هنا الطلب اللغوي فلا يرد الدور وجواب الشرط محذوف وجوبا أي فسمه بالنون لا جوازا كما قيل لما نص عليه في المغني بأنه يجب حذف الجواب إن تقدم على الشرط أو اكتنفه ما يدل عليه أي مع كون فعل الشرط ماضيا نحو هو ظالم إن فعل ذلك وإنا إن شاء الله لمهتدون أفاده الخضري.[10]
III. نور السالك فى إتقان شرح ألفية بن مالك
هذا الحاشية "لشرح المخدومين" على ألفية ابن مالك لكنج على مسليار الجيلكادى، ، جاءت في مجلد واحد ضخم تزيد صفحاته عن ستمائة، ويجمع بين دقة التحقيق وسلاسة العرض. أبرز ما يميّز هذا العمل أن مؤلفه قد استوعب فيه جملة من تحقيقات أعلام علماء منطقة مليبار، الذين لمعوا في سماء النحو واللغة، منهم: العلامة أحمد الشيرازي المليباري، والعالم عبد الرحمن التركندي الأينجيري، والباحث عبيد الله الكيزني، فضلاً عن غيرهم من الفضلاء الذين أغنوا هذا الفن. وقد انتهى المؤلف من كتابة هذه الحاشية في صباح يوم الخميس، السادس عشر من شهر جمادى الأولى، في وقتٍ اتّسم بسكينة الفكر وصفاء الروح، مما انعكس على جمال السبك ورصانة الطرح.[11]
IV. حاشية الشيخ أحمد الشيرازى على شرح المخدومين
تقع هذه الحاشية في جزئين، وقد أشار إليها المؤرّخ محمد علي النلكوتي في كتابه تحفة الأخيار في أعيان مليبار .هو العالِم الفاضل أحمد الشيرازي، منسوب إلى بلدة شيريات الواقعة في منطقة مليبار[12]. كان من كبار العلماء المحقّقين في النحو والتصريف، وكان واسع المعرفة في الفقه والتصوّف والتفسير والبيان والبديع والعَروض والقوافي. تلقّى مبادئ العلوم في مسقط رأسه شيريات، ثم ارتحل إلى بلدة فنان، فتلقّى العلم والأدب على يد الشيخ زين الدين المخدوم الأخير المذكور آنفًا، وعلى غيره من أعيان مليبار. وقد درّس في مسجد نادافورام لسنوات عدّة، وتخرّج على يديه جمع غفير من العلماء. وله تصانيف عديدة في النحو وغيره، منها: وحاشية على شرح التفتازاني، وفتاوى في الفقه، وغيرها من المؤلفات. وتُوفي سنة 1326هـ
V. حاشية الشيخ كنج محمد مسليار الترورنغادى
هذه الحاشية أيضا ذكرها المؤرخ محمد على النلكوتى فى تحفة الأخيار[13] فى أعيان مليبار، قد توفي المصنف سنة 1352هـ
VI. حاشية محمد بن علي الفناني على شرح المخدوم لبسملة ألفية ابن مالك
تُعدّ هذه الحاشية من الأعمال الجليلة للشيخ محمد التنمي الدارفناني، وقد وُضعت على شرح المخدوم الأول لبسملة ألفية ابن مالك. وتشتمل على أكثر من سبعين صفحة، وتمتاز بغزارة المعلومات، ودقة التحقيق، ونُدرة التدقيقات الواردة فيها. وقد أكثر المؤلّف فيها من النقل عن الرسالة الكبرى في البسملة للعلّامة المحقّق محمد بن علي الصبان رحمه الله، كما استند إلى أقوال عدد من العلماء المشهورين في هذا الباب.
VII. القواعد النحوية فى تحقيق شرح الخلاصة الألفية للمخدومين
هذه حاشية على شرح المخدومين، ومؤلفه محمد سالم برهانى الذى بذل جهده لخدمة الدين الحنيف من التصانيف الخالصة والجمع والترتيب المتعدد لكتب شتى. قد تحشى فيه للأبيات وأبيات الشواهد وضم نقاط جديدة فيه. هنا قطعة من كتابته لبيته:
وَتَخْلُفُ اليَا فِي جَمِيعِهَا الْأَلْفُ * جَرًّا وَنَصْبًا بَعْدَ فَتْحِ قَدْ أُلِفْ
) وتخلف اليا (أشار الناظم إلى أن الياء تخلف الألف في المثنى والملحق به في حالتي الجر والنصب، وأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا، واحترز بذلك عن ياء الجمع، فإن ما قبلها لا يكون إلا مكسورا. هذا الذي ذكره الشارح تبعا للناظم من أن المثنى والملحق به يكونان بالألف رفعا والياء نصبا وجرا هو المشهور في لغة العرب، ومن العرب من يجعل المثنى والملحق به بالألف مطلقا رفعا ونصبا وجرا. ابن عقيل ٦١/١ باختصار ] . وخرج عليه قوله تعالى" إن هذان لساحران" وقوله صلى الله عليه وسلم " لا وتران في ليلة " وجاء عليها قول الشاعر:
تزود منا بين أذناه طعنة * دعته إلى هابي التراب عقيم
فإن من حق: هذان، ووتران، وأذناه - لو جرين على اللغة المشهورة - أن تكون بالياء، فإنّ الأولى اسم إن، والثانية اسم لا، وهما منصوبان، والثالثة في موضع المجرور بإضافة الظرف قبلها. [ ينظر للتفصيل التصريح ٦٨/١ والأشموني مع حاشية الصبان ١/ ٧٩ ومنحة الجليل ١/.٦٠[[14]
المبحث الخامس: التعليقات النفيسة لعلماء مليبار
كان معظم العلماء المليباريين الذين تولّوا التدريس في المساجد يضعون تعليقات على ألفية ابن مالك لتسهيلهم فهمها على طلابهم ومساعدتهم في دراستها. وقد كانت من العادات المتبعة آنذاك أن يقوم الطلاب بتدوين تلك التعليقات في نسخة أستاذهم من الكتاب، وهي عادة اندثرت في العصر الحاضر. ومن الدروس المساجدية المشهورة التي وُجدت في منطقة مليبار: درس تانور، ودرس فنّاني، ودرس بلنكوت، ودرس شاليام. وتحتفظ مكتبات تلك المساجد بمخطوطات ومطبوعات من الألفية تعود إلى أكابر العلماء. ومن بين تلك التعليقات: تعليقات لمهران كتّي مسليار الكيفتي، وسيتالي مسليار النننبري الشهير بـ"يافيكارن"، ومحمد مسليار الكرنغفاري، ومحيي الدين مسليار الترورنغادي، وكنج أحمد مسليار الكرواركندي المعروف بلقب "ألفيكارن"، وعبد الله مسليار الجركابرمي، والشيخ كنج محمد مسليار الترنقالي الكودنجيري، الذي هو ابن الشارح المذكورمحمد كتّي مسليارالكودنجيري، مدرس الحرم المكي.[15]
المبحث السادس: مساهمات علماء مليبار فى النحو لغير الألفية
هناك عديد من العلماء المليباريين الذين ساهموا في علم النحو. من خدماتهم شرح قطر الندى للشيخ عثمان بن جمال الدين المعبرى الفنانى، الذى هو ماهر ومتقن فى علم النحو على عين الهدى لإبن هشام، وله قبولية واسعة من اشتماله فى مناهج الدراسة للدروس المساجد والكليات. وشرحان، يعنى الكبير والصغير، للإمام زين الدين المخدوم الكبير على تحفة الإمام عمر بن المظفر الوردى. ورسالة فى النحو لزين الدين الأخير، الذى له تعليقات على فتح المعين، وحاشية مفيدة على شرح الإمام زين الدين المخدوم الكبير على تحفة الإمام عمر بن المظفر الوردى. ورسالة فى التصريف لمحمد بن على الفنانى المعروف بتونام ويتل محمد مسليار، وحاشية على شرح القطر للشيخ العثمانى، وكتاب النحو، وكتاب الصرف، وكتاب النحو الكبير لشاليلاكات كنج أحمد مسليار. وقد نظم القاضى محمد الكالكوتى قطر الندى والعوامل للجرجانى والأجناس وغيرها. وقد ساهم العالم الجديد المؤلف محمد الباقوى الفوكوتورى فى هذا المجال كثيرا كشرحه لتقويم اللسان المسمى بشرح تقويم اللسان بجمل حسان[16] وإعراب الإعراب فى مهم التراكيب[17] المشهور فى ديار مليبار وكذا مساهمات شتى من قبل علماء المليباريين أيضًا، ما لم تستوعبها هذه الدراسة[18].
خاتمة
في ضوء ما تقدّم من الدراسة المفصّلة حول دور العلماء المليباريين في التشريح والتحشية والتعليق لألفية ابن مالك، يمكن القول إنّ مساهماتهم تمثّل وجها مشرقا من وجوه التفاعل العلمي العميق مع التراث اللغوي العربي في جنوب الهند. فقد أثبت هؤلاء العلماء، منذ بدايات دخول الإسلام إلى منطقة مليبار، وعيا معرفيا وأصالة في الاقتراب من علم النحو، إدراكًا منهم لأهميته في فهم النصوص الشرعية وتعليم الدين الإسلامي .لقد تمكّن علماء مليبار، بفضل انخراطهم في مؤسسات التعليم الديني من مساجد ومعاهد وكليات، من تأسيس تقليد علمي راسخ في تدريس الألفية، بدءًا من جهود زين الدين المخدوم الكبير وابنه، ومرورًا بشرّاحها من أمثال الشيخ أحمد كوتي الكودنجيري، وأحمد كويا الشالياتي، وانتهاءً بالمحشّين المعاصرين الذين حفظوا هذا التراث، وأعادوا تقديمه للأجيال الحديثة بلغة ميسّرة.ولا تقف قيمة هذه الجهود عند حدّ الشرح والتقرير فحسب، بل تتعداها إلى الترجمة، والتعليق، وتحقيق النصوص، وربط الشواهد النحوية بدلالاتها التربوية، مما يشير إلى تطوّر منهج علمي منضبط امتزج فيه النقل بالعقل، والشرح بالتحقيق، والموروث بالمستجد.وهكذا يتبيّن أنّ الألفية لم تكن مجرّد متن دراسي محفوظ، بل صارت محورًا للجهود التعليمية والممارسات التربوية في البيئة المليباريّة، فتمكّن العلماء من تكييفها مع حاجات الطلبة، وإدماجها في منظومة معرفية أصيلة تخدم اللغة والنحو والفقه معًا. وهذا الدور العلمي البارز يستوجب مزيدًا من الجمع والتوثيق، خدمةً للتراث، وإحياءً لجهود أولئك الأعلام الذين أسهموا في صون العربية في موطن غير عربي، عبر شرح الألفية وتعليمها وتعميق فهمها.
المصادر والمراجع
- الباقوى الأستاذ السيد حسين البخارى 2024 بسيط الكلام على ألفية الإمام ابن مالك العلاماتكنغل : لجنة الطلبة إشاعة السنة.
- الدين عبد العزيز بن زين 2022. شرح المخدومين على ألفية بن مالكمنجيري : مكتبة الأمين.
- المليباري الدكتور عبد الغفور 2016 . مساهمة مليبار في علم النحو 26 "مارس
- الفلكوتي محمد على بن عبد الله المولوى 2022. تحفة الأخيار في أعيان مليبارتشماد : بك بلس.
- بی نجیب 2023. محولات علماء مليبار لتيسير تعليم الفية بن مالك " كاليكوت . 192
- IPH. 1995. Islamika vijana kosham, Calicut: IPH BOOKS
- الفوكوتورى, م. .... إعراب الإعراب في مهم التراكيبمنجیریAbjad Publishing House :
- الفوكوتورى, م. ا ... شرح تقويم اللسان بجمل حسانمنجیریAbjad Publishing House :
- الويلتورى, أ... تلميح الفوائد النحوية في بيان حواش الألفيةكوتكل المكتبة البدرية كوتكل.
- الويلتورى, أ. م ... لمح الشواهد بتتمة الفوائدكاليكوت: مكتبة الإرشاد.
- برهانی م. س ...القواعد النحوية في تحقيق شرح الخلاصة الألفية للمخدومين مكتبة البرهان للطبع والنشر والتوزيع
- مساهمة مليبار فى النحو العربى, جانفى 30, 2011 د. عبد الغفور المليبارىhttps://arabicindiaislam.wordpress.com/2011/01/30/malabar-nahw-3/
- ردود العلماء على المليبارى والسعد وأصحابهما, أبو عمير, ديسمبر 2007 https://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=1656
- شرح ألفية ابن مالك للشيخ محمد بن صالح العثيمينhttps://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=177100
- الشيخ أبو محمد باوا الويلتورى المليبارى: شاعرا وأديبا عبقريا من مليبار, ديسمبر https://www.nidaulhind.com/2025/12/sheikh-abu-muhammad-bawa-musliyar-genius-poet-writer-malabar.html#google_vignette 31,2025
- موسوعة شروح ألفية بن مالك- الإصدار الأول https://islamspirit.com/islamspirit_ency_275.php
- ألفية بن مالك, منهجها وأبرز شروحها, تلخيص محاضرة الشيخ عبد الرحمن السيس, 1431 ه
- حاشية على بسملة ألفية بن مالك للشيخ محمد بن علي الفنانى
- فنانى: منبع االثقافة الإسلامية المليبارية لعثمان بن حنيفةhttps://www.nidaulhind.com/2018/12/ponnani-islamic-culture.html
- ألفية بن مالك منهجها وشروحها, د. غريب عبد المجيد نافعhttps://cp.alukah.net/literature_language/0/138263/%D8%A3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC%D9%87%D8%A7-%D9%88%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%87%D8%A7-2/
- حاشية الحنفى على شرح الأشمونى لألفية بن مالك للشيخ سالم الحنفى الشافعى (ت:1181ه) من باية باب تعدى الفعل ولزومه إلى نهاية حروف الجر- دراسة وتحقيقا, صالح مرشود مبارك الصاعديhttps://rb.iu.edu.sa/Thesis/Details/39615
سؤال إلى الإخوة الكرام ما الفرق بين الشرح والحاشية, أبو عبد الله الحمريhttps://al-maktaba.org/book/31621/22097#p21
الحواشي الرقمية
[1] (IPH 1995, 880-881)
[2] (المليبارى 2016)
[3] (الدين 2022، 180)
[4] (الدين 2022)
[5] (النلكوتى 2022، 115)
[6] مقابلة مع الدكتور زيد على الفيضى فتكاد
[7] (الويلتورى أ.)
[8] (الباقوى 2024، 97-98)
[9] (بى 2023)
[10] (الويلتورى أ.)
[11] (بى 2023)
[12] (المليبارى 2016)
[13] (النلكوتى 2022، 270)
[14] (برهانى)
[15] مقابلة مع الدكتور سيتالى الفيضى فتكاد
[16] (الفوكوتورى, شرح تقويم اللسان بجمل حسان)
[17] (الفوكوتورى، إعراب الإعراب فى مهم التراكيب)
[18] (المليبارى 2016)