أحدث المشاركات

السبت، 16 نوفمبر 2019

نماذج منهجية من جهود علماء الهند في خدمة السنة النبوية «في التدوين والتصنيف والنقد والشرح»

الإعداد: خالد ترغي
 مشاركة في الندوة الطلابية بمؤسسة دار الحديث الحسنية لموسم 1436ه/2015م في موضوع: السنة والسيرة، المناهج والآفاق.

بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة: اعتناء علماء شبه القارة الهندية بالسنة النبوية:
فإن من فضائل هذا الدين أن كانت دعوته دعوة عالمية؛ منذ بزوغ فجره ونشوء دوله انتشر في أقطار الأرض، ودخل فيه الناس أفواجا مصداقا لقوله عز وجل: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. ومن تلكم الأقطار شبه القارة الهندية، تلك الحضارة الضاربة بجذورها في التاريخ، وتلك القبائل والطوائف المتعددة النحل والمذاهب. نعم، دخل الإسلام الهند منذ عصر الصحابة، وتلته دويلات فدول حكمت أجزاء الهند إلى أن استطاعت الدولة المغولية أن تحكم أقطارا واسعة منها.
وإذا قلنا بوجود الإسلام وانتشاره في الهند، فإن ذلك كان على يد دعاة وعلماء وحكام، جاهد كل فريق بما أوتي من جهد، والغاية واحدة: إقامة دين الله، والدعوة إليه، وتعليمه. من هذا المنطلق، شهدت الهند وجود علماء أجلاء سواء من أهلها أو من المهاجرين إليها، بل كانت مصدرا للعلوم في بعض حقبها، بحسب وضعية العلم وأهله وحُماته. ومن بين هؤلاء العلماء علماء الحديث، الذين شهد لهم أهل المشرق والمغرب بالنبوغ فيه، وشدة العناية به، وخدمته روايةً ودراية ونقدا ودفاعا.
يذكر ذلك رشيد رضا (1935م) في مقدمة كنوز السنة إذ يقول: ”ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر، لقُضِيَ عليها بالزوال من أمصار الشرق؛ فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز، منذ القرن العاشر للهجرة، حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل القرن الرابع عشر.“[1] ويقول عبد العزيز الخولي (1931م): ”ولا يوجد في الشعوب الإسلامية مَن وفَّى الحديث قسطه من العناية في هذا العصر مثل إخواننا مسلمي الهند، أولئك الذين وجد بينهم حفاظ السنة، ودارسون لها على نحو ما كانت تدرس في القرن الثالث حرية في الفهم ونظر في الأسانيد.“[2]
هذا الوضع المتميز لأهل الحديث لم يكن كذلك دائما، بل برز في حقب معينة، وخفت في أخرى؛ ويسجل المؤرخون أن بداية العناية بالحديث كانت بتقرر مذهب المحدثين فيه في القرون الثلاثة الأولى، ثم مع الدولة الغزنوية دخل المذهب الحنفي، فضعف التفقه بالحديث، إلا ما كان من كتاب مبارق الأزهار على مشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين للغصاني. إلى أن وصل إلى الهند من إشعاع حديث الشرق على يد تلاميذ السخاوي والهيتمي الذين وليا تدريس الحديث بمكة، ومن تلاميذ الهيتمي العلامة علي المتقي الهندي صاحب الكنز.[3]
لكن المحطة البارزة في تاريخ حركة أهل السنة في الهند بدأت مع الإمام الشاه ولي الله الدهلوي، صاحب التصانيف المشهورة، والسائر على مذهب الفقهاء المحدثين. وقد كانت لجهوده آثار متصلة إلى يومنا هذا؛ حيث إنه في أواخر القرن الثالث عشر ستنشأ مدرستان بارزتان في خدمة الحديث: إحداهما مدرسة أهل الحديث بريادة العلامة صديق حسن خان القنوجي، والثانية مدرسة فقهاء الأحناف الديوبندية. ولكل منهما جهود وفرسان وآثار مشهودة، على صراع علمي بينهما، لا ينفي تأثير إحداهما على الأخرى.[4]
واليوم، وإن نقص بريق الحديث في الهند عما كان عليه، إلا أن أثر تلك الحركة الشريفة لها مآثرها المشرقة حتى الآن، تتجلى في علماء دافعوا عن الحديث ومنهجه وشيوخه، واحتفظوا بأسانيده وشروحه، منهم من قضى نحبه في السنوات الأخيرة، ومنهم من يواصل سيره على طريقة أسلافه. ونذكر على سبيل المثال: الجامعة السلفية ببنارس وشيوخها المباركفريين: عبيد الرحماني صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، وصفي الرحمن المباركفوري صاحب الرحيق المختوم، والشيخ وصي الله عباس المدرس بالحرم المكي، والدكتور مصطفى الأعظمي وغيرهم كثير.
ونحن في هذه الورقات، نسعى إلى إطلالة موجزة على نماذج من هذه الجهود تعطينا لمحة عن جهد هؤلاء العلماء في خدمة السنة النبوية. وقد ذكر العالم المغربي الدكتور تقي الدين الهلالي في ترجمته الذاتية لما كان في الهند ما وجده من تراث مجهول لعلماء الهند، بلغات العالم الإسلامي، وما تزخر به الخزائن العامة والخاصة من نفائس الكتب والطبعات الحجرية... وتحسر لانحصار ذلك التراث في تلك الأقطار البعيدة، مع شدة الحاجة إلى محتوياته، وكثرة ما فيها من فوائد غزيرة ومتنوعة.[5]
وقد وقع اختياري هنا على أربعة نماذج يمثل كل واحد منها منحى من مناحي التأليف في الحديث، ويختص كل واحد منها بخصائص تميزه. فالأول في تدوين الحديث، وهو كتاب السيد مناظر الكيلاني: تدوين الحديث، والثاني في التصنيف، وهو الكتاب المشار إليه آنفا للعلامة المتقي الهندي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، والثالث في نقد الحديث، وهو كتاب الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: منهج النقد عند المحدثين، والرابع في الشرح/ التعليق، وهو شرح العلامة عبد الحي اللكنوي لموطإ الإمام مالك: التعليق الممجد على موطإ محمد. فلنا وقفة – إن شاء الله - مع كل نموذج منها نُعرِّف به، وبصاحبه، ثم نتحرى منهجيته، وفائدته، ومدى خدمته للسنة.
تدوين الحديث: العلامة السيد مناظر أحسن الكيلاني:[6]
العلامة السيد مناظر أحسن الكيلاني (1892 – 1956م) وُلد في قرية الكَيلاني من قرى الهند. وهو أحد تلاميذ العلامة محمد أنور شاه الكشميري (1353ه)، وخريج جامعة ديوبند الإسلامية، وأستاذ بها ثم بالجامعة العثمانية بحيدر آباد إلى التقاعد. اهتم بالتاريخ والعلوم العصرية والأدب الأردي. من مؤلفاته: تدوين القرآن، تدوين الحديث، تدوين الفقه، أبو ذر الغِفاري رضي الله عنه، حياة الإمام أبي حنيفة السياسية... وقد كتبها كلها بالأردو.
أما كتاب تدوين الحديث فقد ترجمه رئيس جامعة العلوم الإسلامية بكراتشي الدكتور عبد الرزاق إسكندر، وطبعته دار الغرب طبعة أولى سنة 2004م بمراجعة وتقديم الدكتور بشار عواد. ومناسبة الكتاب ما لاحظه مؤلفه من تفاقم محاولات إقصاء السنة والطعن في حجيتها التاريخية والشرعية، بدعاوى مختلفة: منها كفاية القرآن، ومنها ضعف الرواية الشفوية، ومنها التشكيك في طرق التدوين... سيما أثناء الاحتلال البريطاني للهند وما صاحبه من غزو فكري ضد المسلمين.
§     تعليل:
يقول الدكتور بشار عن أثر هذا الكتاب: ”وقد ترك هذا الكتاب أثره الحميد في الساحة الثقافية الهندية وحُمد عمله لأنه أدى رسالة مهمة في الحفاظ على المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وكان هذا الكتاب مصدرا ملهِما لكثير من الدراسات التي جاءت بعده.“[7] ولأهمية الكتاب وأسلوبه الميسر وطريقته المعقولة في الاستدلال اخترته نموذجا هنديا لمنهجية تناول موضوع تدوين الحديث. كما أنه يعد من أوائل ما كتبه المعاصرون ضد الحملات المشككة في السنة.
§     أفكار الكتاب:
ذكر مترجم الكتاب عن المؤلف أنه عُرف بكتابة مسودات غالبا ما لا يراجعها حتى يفعل ذلك تلاميذه. وفي كتابنا هذا لا نجد فصولا مرتبة، بل هي عناوين تتعلق بموضوع البحث، وبدون خاتمة. ولاستخلاص منهجية الكتاب، سنقسم أفكاره الأساسية إلى مقدمات وتقريرات وردود.
-      المقدمات: تأثير العوامل الطبيعية (الشخصيات والبيئة). بيان أثر العوامل التاريخية (طلب الحديث، التعبد به، الاجتهاد فيه، ريادة الموالي). حديث المنع من كتابة الحديث هي التي تدل على قدم كتابته. دلائل قرآنية على حجية الحديث ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ الآية. فكرة أن عصر النبوة والصحابة لكونه أقرب إلى عصر الجاهلية قَلَّت فيه أدوات الكتابة فكرة خاطئة.
-      التقريرات: كثرة الحديث جاءت من جهة الطرق لا المتون. احتياط المحدثين بتعداد الطرق وطلب العوالي. اتساع مفهوم الحديث (حفظ الأقوال والألفاظ والوقائع). سنة الرسول صلى الله عليه وسلم نُقلت بثلاث وسائط: التعامل، الرواية، الكتابة. النبي عليه السلام لم يرد لبعض الأحاديث تبليغا عاما؛ يؤيده نهي عمر عن الإكثار من الرواية واتفاق الصحابة معه. زيادة مرتبة المشهور بدأت مع سيدنا عمر. معيار سيدنا علي في رواية الحديث بعد الفتنة السبئية وعمل الصحابة به: (فلا نأخذ إلا ما نعرف).
-      الردود: محل النزاع هو في العهد الذي ما بين الصحابة وبين أصحاب السنن. حفظ الحديث في العصر الأول ثم التدوين بعد قرون فرضية فاسدة. الأخبار والأحكام التي جاءت من طريق الآحاد لم تعامل كالتي ثبتت بالتواتر. معيار الدراية فقط في نقد الحديث يبعده عن العوامل الغيبية، ولأجل تتميم النقد نشأ فن الجرح والتعديل.
-      مفاهيم: بينات الدين فرائضه ، السنن العملية للمطالب القرآنية، الحديث ظاهرة تاريخية.
§     خلاصة المفاهيم = 8: 
الحيز الزمني الذي وقع فيه التشكيك. الطرق التي وقع بها النقل. اتساع مفهوم السنة. توجيه الكثرة المشهورة في رواية الحديث. التدوين بدأ من عهد النبي فالصحابة. التمييز بين بينات الدين والسنن العملية. جهود الصحابة في حماية الحديث. مكانة العوامل الغيبية في حفظ الحديث.
§     استخلاص المنهجية:
-      يخاطب المؤلف بكتابه جمهور المتعلمين، بدليل أسلوبه الأدبي التاريخي الميسر.
-      حرص على أن يوسع دائرة المشترك والمتفق عليه مع المخالف، ككون الحديث جزء من التاريخ البشري، بل محطة انقلابية فيه، والغاية من هذه الطريقة تهييء جو الإقناع.
-      بناء على الفكرة السابقة رتب امتياز هذا الجزء من التاريخ بفروق جوهرية من حيث توثيقه وموثقوه، مما لم يتيسر ولن يتيسر لأي حدث تاريخي، مما يجعله أولى بالاهتمام من غيره.
-      استصحب فكرة العوامل الغيبية في إثبات الحديث، ولم يهمل العوامل الطبيعية والتاريخية.
-      صحح بعض الأفكار الشائعة، كاعتبار الحديث على درجة واحدة في الدلالة، واعترف بالشبهات التي تؤيدها الدلائل المبكرة كوضع الحديث أيام الفتنة.
§     الاستفادة المنهجية:
-      كلما بنينا قاعدة مشتركة بيننا وبين المخاطَب كلما بسطنا المسلمات التي نحتاجها لإقناعه.
-      كلما نوعنا الأدلة لتشمل المنقول والمعقول واللغة والمألوف كلما كان حجاجنا أكثر تأثيرا.
-      كلما وضعنا الشبهات وناقشناها نقاشا علميا دون هجوم على شخص قائلها كلما كان الخطاب أكثر موضوعية وعلمية.
-      كلما أخرجنا الكلام عن سياق تأليفه وغرض خطابه كلما صارت مصطلحاته أكثر تشكيكا.
§     كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: العلامة علي المتقي الهندي:[8]
علاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي البرهانفوري ثم المدني فالمكي الشهير بالمتقي الهندي (المتوفى: 975هـ). من تلاميذ ابن حجر الهيتمي وأبي الحسن البكري، اشتغل بالتدريس والإرشاد بمكة. يبلغ عدد مؤلفاته أكثر من مائة كتاب، منها موسوعة الحديث كنز العمال، ومختصر النهاية لابن الأثير، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان...
أما كتابه الكنز فهو مجموعة كتب رتب فيها ترتيبا فقهيا كتب الجامع الكبير والجامع الصغير وذيله للسيوطي، مميزا بين أحاديث كل كتاب منها؛ فأخذ الجامع الصغير وزياداته ورتبه على الأبواب الفقهية وسماه منهج العمال في سنن الأقوال، ثم أضاف إليه ما بقي من الأقوال في الجامع الكبير وسماه غاية العمال، ثم أضاف إليه قسم الأفعال وسماه كنز العمال. ولذلك قال عنه شيخه البكري: للسيوطي منة على العالمين وللمتقي منة عليه. والكتاب له أكثر من طبعة، من أجودها الطبعة الخامسة لمؤسسة الرسالة (1981م) بتحقيق بكري حياني وصفوة السقا، في 16 مجلد.[9]
§     مجاميع الحديث:
ذكرنا أن الكتاب محاولة في تصنيف أحاديث جمع الجوامع وما زيد عليها بحسب مواضيع الفقه. ويندرج هذا النوع من التصنيف ضمن محاولات جمع كل ما وجد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مما سمي مجاميع الحديث. وللمؤلفين في ذلك طرق: منها الترتيب بحسب حروف الهجاء كالجامع الصغير للسيوطي، أو بحسب الأبواب الفقهية كمجمع الزوائد للهيثمي، أو الجمع بين الطريقتين كجامع الأصول لابن الأثير، وكنز العمال هذا، أو ما هو مرتب على أسماء الصحابة كتحفة الأشراف للمزي؛ وفائدة ذلك التوفر على أكبر قدر ممكن من الحديث،.
§     منهجية الكتاب:
بنى المؤلف عمله على ما رآه من الحاجة إلى الاستفادة من جمع السيوطي لحديث النبي عليه الصلاة والسلام التي اعتبرت أكبر محاولة من حيث العدد والمصادر المرجوع إليها. ولأن السيوطي رتب الأحاديث القولية على حروف الهجاء والأحاديث الفعلية على أسماء الصحابة، عمد المتقي الهندي إلى إعادة ترتيبها على مواضيع الفقه مع ترتيب هذه الموضيع ألفبائيا. فبدأ ترتيبه بكتاب الإيمان والإسلام، وختمه بكتاب اليمين والنذر.
وقلنا إن كتابه الكنز نتيجة لضم مجموعة كتب: وذلك أنه عمد أولا إلى ترتيب أحاديث الجامع الصغير من حديث البشير النذير الذي يقول عنه صاحبه الجلال: ”هذا الكتاب أودعت فيه من الكلم النبوية الوفا، ومن الحكم المصطفوية صنوفا، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج فتركت القشر وأخذت اللباب، وصنته عما تفرد به وضاع أو كذاب...“[10] مضيفا إلى ذلك ما زاده السيوطي في ذيله على جامعه الصغير، مما هو غير موجود في الأصل، أي الجامع الكبير؛ وسمى المتقي هذا الكتاب: منهج العمال في سنن الأقوال.
ولتمام الفائدة عمد إلى ما بقي من أحاديث الأقوال في الجامع الكبير ورتبها على نفس الترتيب في منهج العمال، وسمى الكتاب: الإكمال لمنهج العمال. بعد ذلك مزج بين هذين الكتابين بابا بابا، مميزا أحاديث المنهج عن أحاديث الإكمال، لكون المصنِّف الأول أي السيوطي قصد في الجامع الصغير ما لم يقصده في الجامع الكبير، من التحري والاختصار، وسماه: غاية العمال في سنن الأقوال.
ثم قام بنفس العمل في أحاديث الأفعال من الجامع الكبير التي كان السيوطي رتبها حسب أسماء الصحابة مبتدئا بالعشرة، فرتبها المتقي على نفس مواضيع غاية العمال، وسماه: مستدرك الأقوال بسنن الأفعال، ثم مزج بينه وبين غاية العمال، مميزا كتب الأقوال أولا عن كتب الأفعال ثانيا، وسماه: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، وبلغت أحاديثه: 46624، ثم اختصره بحذف المكرر منه (الثلث تقريبا)، وسماه: منتخب كنز العمال، بغلت أحاديثه: 32000.
وقد بدأ المتقي بعد ديباجته المختصرة بنقل ديباجات كتب السيوطي التي تعتبر الأصل، حيث يشرح الجلال غاية تأليفه وطريقته ورموزه لمصادر الحديث. وقد حافظ المتقي على طريقة السيوطي في ذكر المتن مجردا عن السند، ثم إردافه بمن خرجه (بالرمز)، والصحابي الذي رواه. ثم ذكر فهرسة الكتاب في المقدمة، لأن فهرسة المحتويات آنذاك لم تكن موجودة، ومثال ذلك: حرف الهمزة: كتاب الإيمان والإسلام من قسم الأقوال: باب في تعريفهما حقيقة ومجازا: فصل في حقيقتهما، وهكذا بنفس الترتيب كتاب الإيمان والإسلام من قسم الأفعال. مميزا خلال قسم الأقوال ما كان من أحاديث الجامع الكبير دون الصغير بقوله آخر الحديث: الإكمال.
§     انتقادات:
اعتبر الباحثون أن كنز العمال محاولةٌ جادة ومهمة لجمع الحديث في كتاب واحد بلغت عدد مصادره أكثر من 90، لكن إذا كان السيوطي – كما ذكر الكتاني – توفي ولما يكمل جامعه الكبير، علمنا أنه لم يستوعب كل الحديث. ثم إن المتقي اقتصر على الترتيب والتصنيف ولم يبين حكم الحديث، فجاء الكتاب جامعا للصحيح والضعيف والموضوع. وأيضا، فإن نقل السيوطي ومن بعده المتقي للحديث من تلك المصادر الكثيرة حدثت فيه أخطاء غير قليلة، مما لا يغني عن الرجوع عن تلك المصادر، علما بأن لكل مصنف طريقة وغاية علمية أرادها مؤلفه لكتابه.
§     منهج النقد عند المحدثين، نشأته وتاريخه: محمد مصطفى الأعظمي:[11]
الدكتور محمد مصطفى الأعظمي من علماء الهند المعاصرين ولد في الهند بقرية (مَئُو) سنة 1350ه/1930م. تخرج بدار العلوم ديوبند الشهيرة، ثم رحل إلى الأزهر وتخرج منه، ثم التحق بجامعة كمبريدج ونال بها الدكتوراه برسالته المشهورة: دراسات في الحديث النبوي، الذي رد فيه على جماعة المستشرقين. ثم برزت جهوده بعد ذلك في الدفاع عن السنة من خلال كتاباته وتحقيقاته. وهو أول من كشف عن مخطوط صحيح ابن خزيمة ونشره، وكذلك حقق موطأ مالك، وكتب أخرى. وأما كتاب النقد فقد طبع ثلاث طبعات مع كتاب التمييز للإمام مسلم بن الحجاج.
وهذا الكتاب (منهج النقد) من الدراسات المعاصرة في مجال قواعد النقد عند المحدثين وتطورها التاريخي. والغاية منه هو إثبات منهج خاص بالمحدثين من إبداعهم، تفوقوا فيه وسبقوا إليه؛ فجاء هذا الكتاب ليبرز قواعد هذا المنهج في ظل الحملة الموجهة ضد مصادر الحديث النبوي وعلمائه، وغياب الدراسات المحققة التي نبهت إلى مكامن القوة والنبوغ في منهج المحدثين.
§     تعليل:
يذكر الدكتور الأعظمي في مقدمة الكتاب أن الدراسات التي قام بها المعاصرون في منهج النقد عند المحدثين، لم يتجل فيها الفرق الجوهري بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين من علماء الحديث؛ وعليه، لم تستطع أن تبرز خصوصية منهج النقد عند المحدثين، وصلاحية تطبيقه، وعدم قابليته لغيره من المناهج في محاكمة الحديث. كما سجل غفلة الباحثين عن إبراز مكانة العقل في منهج النقد عند المحدثين. وبناء على هذه الأغراض اخترنا هذا الكتاب لتفهُّم منهج النقد الحديثي.
§     أفكار الكتاب:
-      لمصطلح الحديث ثلاثة أطوار: الأول: عهد الصحابة، وطابعه تعديل كافتهم. الثاني: يبدأ بالتابعين إلى منتصف القرن الرابع، وطابعه التنفير الشديد عن عدالة الرواة وضبطهم. الثالث: يبدأ من منتصف القرن الرابع، وبدأ فيه التساهل في شروط قبول الرواية.
-      مفهوم النقد: الحاجة إلى الحديث + الخطأ من الفطرة = ضرورة النقد (تمييز الصحيح من الضعيف، والحكم على الرواة توثيقا وتجريحا = العدالة والضبط). دلنا عمل الصحابة على أهم قاعدة في النقد: المقارنة بين الروايات.
-      العدالة: أن تكون الطاعة غالبة ولا يكون مطعونا في ظاهره. الفسق المؤثر في العدالة هو الفسق بالمعصية، عدا الداعي إلى بدعته (للأمور النفسية التي تجعله ميالا إلى تأييد بدعته).
-      الضبط والإتقان: طرق معرفته مجموعة تحت عنوان المعارضة. تطور في منهج النقد بعد الفتنة (بدأ التفريق بين الصحابة والتابعين في قبول الرواية) ¬ توسع في استعمال المعارضة ونشوء نماذج للمقارنات: معارضة روايات التلاميذ عن شيخ واحد، معارضة كتاب بكتاب...
-      النقد العقلي عند المحدثين: من المستحيل استعمال العقل من الناحية العقلية نفسها في تقويم كل حديث. صحة الإسناد لا يلزم منها صحة المتن. أمور كلية يعرف بها وضع الحديث.
-      المقارنة بين مناهج نقد الحديث والتاريخ: الفرق الجوهري: لا يمكن اعتبار حديث/وثيقة إذا لم تكن متصلة الإسناد إلى صاحبها، وإذا لم يكن النقلة من المعروفين بالصدق والعدالة.
-      الطعن على منهج المحدثين في تعديلهم لكافة الصحابة ≠ النصوص والأدلة على عدالتهم.
-      المستشرقون ومنهج نقد الحديث: اختاروا منهج نقد المتون، بدعوى إغفال المحديثن له؛ واستعاروا له آليات ليست من ذات منهج المحدثين، ولم يراعوا خصوصية الحديث فقاسوه على الوثائق والنصوص التاريخية.
§     خلاصة المفاهيم = 9:
الفرق الجوهري بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين. مجمل النقد العدالة والضبط. التوسع في استعمال المعارضة. مراعاة العقل في أربعة مواطن: السماع، التحديث، الحكم على الرواة، الحكم على الحديث. ليس المحدثون فقط الذين بنوا أحكامهم على الظنون الراجحة بل شؤون الدنيا قائمة على ذلك. المحدثون وجدوا لأنفسهم منهجا علميا لنقد الحديث. تخبط من حاد على هذا المنهج.
§     استخلاص المنهجية:
-      هدف الباحث هو تفهم منهج المحدثين في النقد، لأجل ذلك وقف على مفاهيم ومصطلحات يدور عليها منهج النقد: النقد، العدالة، الضبط... وتطورها الزمني.
-      وفوق ذلك يريد الباحث التدليل على تميز هذا المنهج وخصوصيته، لأجل ذلك استعمل المقارنة بينه وبين مناهج نقدية أخرى: منهج المؤرخين، منهج المستشرقين...
-      وضمن هذين الغرضين وظف آليات تدليلية كالتمثيل، حيث عرض مجموعة من الأمثلة.
-      أيضا؛ عرض مجموعة من الآراء المخالفة للأفكار التي يريد تقريرها، قبل الرد عليها.
-      استعان الباحث أيضا بلغته الأجنبية سواء في تقرير آراء المستشرقين أو أفكار الكتاب.
-      كذلك ركز على ما أغفلته الدراسات في هذا المجال كبيان مكانة العقل الطبيعية في نقد المرويات، واختلاف طريقة المتقدمين عن المتأخرين، مع التعليل لكل طريقة.
§     الاستفادة المنهجية:
-      ضرورة ضبط المفاهيم والمصطلحات في خلال تداولها الزمني.
-      بيان خصوصية المنهج تقتضي المقارنة وعدم قابلية غيره من المناهج.
-      في التمثيل لآراء الباحث وللآراء المخالفة معارضة حجاجية تدل على القوة العلمية للباحث
§     التعليق الممجد على موطأ محمد: عبد الحي اللكنوي (1304ه):[12]
أما الموطأ فغني عن التعريف، وأما رواة الموطأ فقد أوصلوهم إلى 83، وأما محمد بن الحسن الشيباني، فتلميذ الأئمة مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف وشيخ الشافعي، وأما اشتهار روايته بموطإ محمد، فلكثرة ما فيها من مرويات عن غير مالك وآراء للشيباني وأبي حنيفة والفقهاء. وقد طبع مرات بالهند طبعات حجرية بالخط الفارسي، حتى اعتنى به الدكتور تقي الدين الندوي، بوصية من العلامة أبي الحسن الندوي والعلامة عبد الفتاح أبو غدة ، الذي أتحف الكتاب بمقدمة نفيسة.
الشارح هو أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي، ولد سنة 1264ه ببلدة باندا بالهند، قرأ على والده وخاله، حج مرتين فأجازه علماء الحرمين، واستقر ببلدة لكهنوء، وانفرد في الهند بعلم الفتوى. وكان على مذهب أبي حنيفة في الأصول والفروع، لكنه غير متعصب له، بل متبع للدليل. زادت مصنفاته على 115 منها 86 بالعربية, منها: النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار وقد عرف عنه الضبط والإتقان وتنوع المعارف وكثرة المصادر.
§     تعليل:
أغلب ما كُتب على الموطأ من شروح وتعاليق كان على رواية يحيى، ورواية الشيباني لم يشرحها إلا بيرى زاده وعلي القاري، حتى جاء اللكنوي. فكانت الفكرة مقارنة فقه مالك وأبي حنيفة من خلال شرح رواية الشيباني لموطإ مالك. ”هذا، ويرى القارئ في الكتاب مسلك مالك في السنن، وروح أبي حنيفة في الاستنباط، وعلم الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.“[13] زد على ذلك القوة العلمية للشارح واتباعه لمنهج المحدثين الفقهاء؛ فاستحق الكتاب وقفة دراسية.
§     تقصيد:
ومقصد اللكنوي هو أن يبين مسألة غاية في الأهمية، يبدو من ثنايا كلامه في المقدمات أنها شغلت همه الدعوي، وهي كون فقه الأئمة راجعا إلى فقه الصحابة والتابعين، ولكل إمام قدوة، بحيث لا مجال لإنكار الخلاف. هذا في مواجهة الرافضين للتمذهب، وفي المقابل يؤكد في غير ما موضع على أن تمذهبه لا يمنع من اتباع الدليل إذا وجده يخالف المذهب، ولا يعني هذا خروجا عن المذهب وإنكارا له. فلإظهار الوشائج التي بين المذاهب، والأصول الخبرية لفقه الأئمة، وقع اختياره على رواية الشيباني للموطأ، ومعلوم منزلة الشيباني وأثره في المذاهب الأربعة.
§     منهجية التعليق:
بدأ اللكنوي تعليقه بمقدمة طويلة، يمكن أن تكون كتابا مستقلا، حوت ثلاث عشرة فائدة، منها ما يتعلق بأصل الكتاب، وبمصنِّفه، وبرواته، ومعلومات أخرى عنه. ثم فوائد عن الإمام محمد بن الحسن، ومآثره، وطريقته في رواية الموطأ، وتعداد مروياته. وأيضا ترجم لنفسه، وذكر أمورا أخرى تتعلق بطريقة تناوله للتعليق، وسبب اختياره لهذا الكتاب ولهذه النسخة. وجل ما في هذه الفوائد نقول من كتب الأئمة المشهورين كالحافظ ابن حجر وابن الأثير والسيوطي. ومما التزمه اللكنوي في تعليقه ونص عليه:
-      أنه لا يبالي بتكرار المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة.
-      أنه يذكر مذاهب الأئمة مع الإشارة إلى دلائلها.
-      أنه يسند البلاغات والأحاديث المرسلة والموقوفة.
-      أنه يذكر تراجم الرواة وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم.
-      أنه يشير إلى اختلاف نسخ الموطأ سيما نسخة يحيى.
هذه مبادئه في التعليق، ومصداق ذلك كما نراه خلال تعاليقه أنه كان مختصرا بما يناسب نوع التعليق؛ حيث يترجم لبعض رجال السند معتمدا على ما كُتب عن رجال الموطأ. ثم يشرح بعض الألفاظ الغريبة، وإذا تخلل الخبرَ ذكرُ أسماء في متنه عَرَّف بها وبيَّن مبهماتها. يلي هذا التعليقُ على أقوال الإمام محمد: فيؤصل رأيه ورأي شيخه أبي حنيفة معتمدا على أمهات المذهب الحنفي، كشروح الهداية. وإذا كانت المسألة خلافية ذكر أقوال أئمة المذاهب والتابعين والصحابة، وقد يُرجح ما يراه صوابا، وإن كان خلاف مذهبه. كما أنه يوجه مصطلحات الشيباني، كقوله: ينبغي، يكره، حسن...
§     الاستفادة المنهجية:
التعليق الممجد أنموذج لمجموعة من الفوائد المنهجية نذكرها على شكل نقاط كالآتي:
-      أنموذج لفقه الحديث، الذي ينطلق من مذهب فقهي، ويستدل بالحديث والخبر، دون انفصال عن أصول المذهب وفروعه، ودون تعصب لمسائله.
-      أنموذج لطريقة التعليق، والذي يتميز عن الشرح، بكونه تعاليق على ألفاظ معينة من الكتاب دون شرح تفصيلي لكل ما فيه. فيأتي التعليق متوسطا في حجمه، سببا إلى الشرح المستفيض.
-      أنموذج للروح المفتشة عن التوسط والاعتدال العلمي، والساعية إلى أغراض علمية نظرية وعملية واقعية، تتخذ من التعليق وسيلة نافعة لتحقيق هذه الأغراض.
-      أنموذج لتراث أهل الهند، فقد تخلل الكتاب ذكرٌ لشخصيات وكتب مجهولة في العالم العربي، مع كثرتها واتساع مجالاتها العلمية، ويفيد هذا منهجيا في طريقة تنويع المصادر عند التعليق.
-      لم يستعمل اللكنوي أثناء تعاليقه وتقريراته في المسائل الخلافية لغة عنيفة أو ألفاظا قاسية تجاه المخالف. بل ذكر الآراء ولم يحصرها في مذهب معين، وجمع إليها من كتب الحديث وفقهه.
-      أنموذج لتأصيل أقوال أئمة المذاهب من فقه الصحابة بذكر مدار مسلك الإمام من التابعين.
وخلاصة القول أن هذه عينات أردنا أن نتشرف بها على تراث واسع ونافع، معظمه مهجور مجهول، لأسباب كثيرة: منها بعد القطر الهندي عن قلب العالم الإسلامي، ومنها قلة القارئين بلغات تلك البلاد، ومنها الغفلة عن مساهمات وجهود علماء الأقطار المختلفة للعالم الإسلامي، واعتزاز كل ذي رأي برأيه...
هذا، وقد آن الأوان - مع تيسر وسائل التواصل - أن نستكشف درر بلدان العالم الإسلامي؛ وما هذه المشاركة إلا رمز عن هذه الرغبة والأمنية التي لابد أن تختلج صدر كل من تطلع ولو بنظرة خاطفة إلى تراث علماء الهند. ولاشك أن الأمر نفسه يجده من اهتم بأقطار أخرى كدول الغرب الإفريقي مثلا. فنرجو من الله تعالى أن ييسر لنا سبل الإفادة من تراث أمتنا، على اختلاف دولها ولغاتها وتخصصاتها. آمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.



[1] - مفتاح كنوز السنة، ص ق من مقدمة رشيد رضا، والكتاب معجم مفهرس للحديث من وضع المستشرق فنسنك.
[2] - تاريخ فنون الحديث، 293، ط دار ابن كثير.
[3] - الثقافة الإسلامية في الهند، عبد الحي الحسني، ص 135 وما بعدها.
[4] - انظر جهود مخلصة في خدمة السنة المطهرة، عبد الرحمن الفريوائي.
[5] - الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة، ص 133 وما بعدها، ط دار الطباعة الحديثة، الدار البيضاء.
[6] - ترجمته في مقدمة الكتاب بقلم مترجم الكتاب الدكتور عبد الرزاق اسكندر.
[7] - تدوين الحديث، 7.
[8] - الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، عبد الحي الحسني ص 385 وما بعدها.
[9] - الوجيز في تعريف كتب الحديث، 164.
[10] - مقدمة الكنز، 5 – 6.
[11] - الشيخ محمد مصطفى الأعظمي ومساهماته العلمية في مجال الحديث النبوي دراسة استقرائية لسيد عبد الماجد، مجلة الحديث يصدرها معهد دراسات الحديث التابع للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، العدد الثامن.
[12] - من: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، لتلميذ الشارح عبد الحي الحسني. وقد ترجم الشارح لنفسه في نحو ستة من كتبه، منها هذا الكتاب في آخر الفائدة التاسعة. وللشيخ عبد الفتاح أبو غدة عناية ببعض كتبه، سيما الحديثية.
[13] - مقدمة المحقق، 53.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

مختارة

Random Post

الإشتراك بالمدونة