أحدث المشاركات

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

امرأتان عظيمتان من دولة المغول

للدكتور محمد بهجت
عندما يطوف السائح بمدن لاهور وأكرا ودلهي بشمال الهند تتفتح أمامه صحف عديدة من تاريخ المغول العظيم، حافلة بجلائل الأعمال وضروب البطولة، ويلمح في ثنايا تلك الصحف بعض السطور البارزة التي خطتها أنامل بعض نساء المغول في تاريخ تلك البلاد المجيدة. ومن ابرز نساء تلك الدولة سيدتان عظيمتا الخطر، ربطتهما وشيجة الرحم وعاشتا في عصر واحد. كانت كلتاهما زوجة لإمبراطور، رائعتي الجمال، راجحتي العقل تلكم المرأتان هما (نور جاهان) و (ممتاز محل(
أما نور جاهان فمن اصل فارسي، ضاقت سبل العيش في وجه أبيها - (مرزا غياث) - فأزمع الهجرة من طهران إلى الهند عسى الحظ يبسم له هناك. وفي الطريق ولدت له ابنة سماها (مهر النساء). وكان مسافرا معه في القافلة تاجر ثري رقيق القلب اسمه (مالك مسعود) أخذته به
وبعائلته البائسة شفقة فتولاهم بعنايته ومعونته طول الطريق حتى بلغوا دلهي بسلام. وهناك أراد (مسعود) ان يسدي يدا أخرى لصديقه المسكين فقدمه للإمبراطور (أكبر) العظيم الذي ألحقه بخدمته كما الحق زوجه وبناته بالقصر مع حريمه. وبعدما أبدى كفاءة وإخلاصا في عمله احبه الإمبراطور وأدناه ورقاه.
وفي أثناء ذلك نشأت (مهر النساء) وترعرعت بين نعيم القصر وأبهته، والفت حياة البذخ والترف. وما أن بلغت السابعة عشرة حتى تزوجت من ضابط باسل بجيش الإمبراطور اسمه (علي كولي) وكان هو الآخر فارسيا وسيم الطلعة، قوي البنية، خدم في أول الأمر الشيخ إسماعيل الثاني - شاه الفرس - بان كان نادلا يقدم له صحائف الطعام، وسرعان ما جذبته الهند واستهوته مغامراتها فهاجر إليها والتحق بخدمة اكبر. وهناك برزت مواهبه فألحقه بأركان حرب أبنه الأمير (سليم) عندما خرج على رأس جيش كبير لإخضاع ولاية (ميوار) فأبدى من ضروب البسالة والشجاعة ما حبب الأمير فيه وقربه إليه، واجزل له العطايا والمنح، وسماه (شر أفغان) أي قاتل النمر لأنه أردى نمرا متوحشا أمامه، واصبحا علما له فيما بعد. وبعد انتهاء الحملة، ولأمر ما، شق الأمير عصا الطاعة على أبيه ومليكه فأنفض اكثر الضباط المخلصين من حوله ومن بينهم (شر أفغان) ولما كان من عادة الج المغول استصحاب نسائهم في الحروب فربما عرضت للأمير فرصة لمح فيها زوجة صديقه الشابة الفاتنة. ويقول بعض الكتاب أنه رآها عدة مرات ترتع في حدائق القصر وردهاته فأسرت فؤاده وسكن طيفها قلبه حتى آخر عمره.
وسارت الأحداث سيرها إلى أن توفى (أكبر) واعتلى (سليم) عرش أبيه بعد حوادث دامية في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر عام 1605 وصار يعرف باسم نور الدين محمد وبكنيته (جاهان جير) أي القابض على ناصية العالم. وفي يوم ما تذكر صديقه القديم فاستدعاه وصفح عنه واسند إليه منصبا كبيرا بعيدا ببنغالة. وهنا تختلف رواية المؤرخين، فبعضهم يقول إن حب (مهر النساء) استبد به وعصف بقلبه فأرسل إليها رسولا خاصا يغريها بهجر زوجها والالتحاق بالإمبراطور المتيم بها، فأبت كل الإباء، وغضبت لهذه المساومة الدنيئة وكذلك ثار زوجها لشرفه، فأوعز الرسول إلى الحاكم أن يغتاله، فاغتيل مدافعا عن كرامته وعرضه، ثم حملت زوجه وأبنتها الطفلة إلى العاصمة وألحقتا بجناح الملكة (سليمة). والبعض الآخر من المؤرخين ينفي هذه الرواية بل يستنكرها بقوة قائلا ببراءة الإمبراطور من هذه التهمة القذرة، ويفسر ما حدث بأن الأخبار ترامت إلى الإمبراطور بأن (شر أفغان) ثائر عليه باستدعائه إلى العاصمة ليشرح موقفه منه، وليمتحن إخلاصه له، فأبى. وعند ذلك أراد (قطب الدين كولا) حاكم بنغالة أن يقبض عليه فعلاه (شر أفغان) بسيفه وأصابه بجراح بالغة، وعند ذلك انقض عليه حرسه وقطعوه بسيوفهم إربا. وهكذا فصل الموت بين ذينك القلبين المتحابين بعد ستة عشر عاما من زواج سعيد موفق.
وفي شهر مايو من عام 1611 أي بعد ست سنوات من اعتلاء (جاهان جير) العرش وبعد أربع سنوات من مقتل (شر أفغان) أعلن الإمبراطور زواجه من (مهر النساء) بالغا من العمر اثنين وأربعين سنة، أما هي فكانت تصغره بتسع سنوات. وهكذا أصبحت الطفلة التي ولدت من أب رقيق الحال، والفتاة التي أوردها الحظ موارد النعيم، والأرملة الشابة الفاتنة التي بكت زوجها الحبيب أربع سنوات، إمبراطورة لدولة عظيمة، وهكذا بدت هذه المرأة الفذة تملي والتاريخ يكتب.
نحن لا نعلم على وجه التحقيق كيف رضيت أن تتزوج من الإمبراطور بعد طول إباء، واغلب الضن أنها توسمت فيه أداة المجد والشهرة، ووسيلة لتحقيق مطامعها الواسعة. ولكن دلت كل الدلائل فيما بعد أنها أحبته وأخلصت له مثلما أحبت زوجها الأول وأخلصت له. أما هو فقد هام بها هياما شديدا وأخذ يغمرها بأجزل العطايا الثمينة، ويغدق عليها اكثر ما يمكن أن يغدقه إمبراطور عظيم على آسرة روحه، ومصدر سعادته، ثم أنه اشتط فأمر بنقش اسمها بجوار اسمه على النقود الشيء الذي ليس له نظير في التاريخ الإسلامي. وكان يدللها بأعذب الألفاظ وارقها فسماها أولا (نور محل) غير أنه استقل ذلك فعدله إلى (نور جاهان) أي نور العالم، وهو الاسم الذي عرفت به حتى الآن. وإذا علمنا أن (جاهان جير) كان رجلا فظا غليظ القلب، سريع البادرة، صريع الخمر، لدهشنا كيف استطاعت هذه المرأة القديرة أن تسيطر عليه وتجعله طوع بنانها. فإذا ما انتابته نوبة من نوبات الغضب الجارف لم يجرؤ أحد أن يدنو منه سوى زوجته الحبيبة، فتطفئ تلك النار الخبيثة التي تأكل روحه بلمسة رقيقة أو بسمة مشرقة أو كلمة عذبة، فينقلب رادعا مستسلما، فكانت بحق مروضته الوحيدة.
ومن أهم مزاياها التي أسرت بها القلوب واستعبدت الرعية، الكرم الحاتمي والعطف على الفقير الذي كانت له بمثابة الغيث ينزل على الأرض الجديبة فيحييها. لم ترد طالبا رفد، أو تخيب أمل قاصد. وكانت راعية الفتيات الفقيرات تزوجهن وتمهرهن وتيسر لهن العيش الكريم. وكم من ضعيف حمته ومن مظلوم أنصفته وانتصفت وانتصرت له. ثم إنها شملت أقاربها بسامي رعاياها، فجمعتهم حولها وأسندت لهم المناصب العالية، فاصبح والدها رئيسا للوزراء مع لقب اعتماد الدولة أيضا، كما أصبح من اعظم رجال الدولة مالا وجاها.
وفضلا عن جمالها الساحر وأنوثتها الجارفة كانت (نور جاهان) شاعرة مجيدة، مرهفة الحس، واسعة الأفق والخيال، مصقولة الذوق، عالية الثقافة، ملمة بالآداب الفارسية والعربية، فكانت تهدهد الإمبراطور بشعرها العاطفي الرقيق، وبمقطوعاتها العذبة المسكرة. وكانت تضع جميل الرسوم للمنسوجات، وتبتكر الأزياء في الملابس والحلي بذوق رفيع نادر لم يعهد من قبل في بلاط الإمبراطور.
ومن عجب أن امرأة هذه بعض صفاتها تكون قوية البنية، صلبة الخيزرانة، مولعة بالألعاب الرياضية، بل وفارسة من الطراز الأول، تمتطي صهوات الجياد، وتخوض المعارك بشجاعة نادرة وثبات عجيب، فلا يطرف لها جفن، أو يتزلزل لها جنان في أخطر المواقف وأخطر الملمات. وكثيرا ما وافقت زوجها في حفلات صيده وقتلت بعض النمور المفترسة أمام الإمبراطور المعجب، الذي لم يسعه مرة إلا أن يهدي إليها سوارين من الماس النادر، وأن يأمر بتوزيع ألف كساء على الفقراء، إعرابا عن فرط سروره ببطولة زوجته. وسوف تقف على المزيد من ضروب شجاعتها بعد قليل.
وبجانب هذا كله استطاعت (نور جاهان) أن تدير شؤون الملك بيد حازمة، وعقل راجح، وعين يقضة ثاقبة، تنفذ بها إلى بواطن الأمور، وأعماق السرائر، فلم تفتها شاردة ولا واردة من شؤون الدولة، وأحاطت بجميع المسائل السياسية والعسكرية إحاطة تامة، حتى تهيبها رجال السيف والقلم، الذين لم يكونوا أندادا لمناقشتها، فكانوا يأتمرون بأمرها راكعين. أما أكابر البلاد وسراتها، فكانوا يقدمون لها فروض الطاعة، ويبتغون مرضاتها، علما منهم بان سعادتهم أو شقاءهم رهن بكلمة تخرج من شفتيها، أو بإشارة عابرة من يدها، حتى لقد قال عنها بعض المؤرخين: (إنها قوة من وراء العرش)
ولو إن الأمور اقتصرت على ذلك لختمت هذه المرأة حياتها خاتمة سعيدة ولتمت لها حياة راضية هنيئة لم تتم لامرأة أخرى. فقد كانت إيثارها لأفراد أسرتها ومحاسبيها، وخصهم بأرفع المناصب عاملا من العوامل التي أوغرت عليها بعض الصدور، وبابا تسربت منه عوامل الفساد والرشوة واستغلال النفوذ.

ثم إن مطامعها أملت عليها أن تضمن العرش لابنتها من زوجها الأول، فكيف دبرت ذلك.
كان للإمبراطور أربعة أبناء هم خسرو وكرام وبارفز وشهريار. فأيهم تختار؟ كان خسرو ثائرا على أبيه، واشتبك في عدة معارك دموية مع جيوش الإمبراطورية، ولكنه هزم في آخر الأمر، وسملت عيناه وأودع السجن. ومع ذلك فقد كان محبوبا وله أنصار كثر. وأما كرام فقد فكرت فيه كثيرا، وراقبته طويلا، وأيدته إلى حين غير إنها عدلت عنه لما تبين لها من قوة شكيمته، وشدة مراسه، فضلا عن إن أخاه (أصف خان) سبقها إليه وزوجها من ابنته. وأما بارفز، الوارث الشرعي للعرش، فكان تافه الشخصية، احتضنه (مهابت خان)، القائد الكبير الذي ناصب (نور جاهان) العداء، (واخذ ينصب حولها شباك المؤامرات. إذا لم يبق أمامها سوى (شهريار) الذي زوجته ابنتها في عام 1622 وسندته بقوة، وأخذت تدفعه قدما نحو العرش. ولننظر الآن كيف انتهى ذلك الصراع بين تلك المعسكرات الثلاثة.
رق قلب الإمبراطور لابنه السجين (خسرو) فأطلق سراحه، ولما خافت (نور جاهان) مغبة ذلك أفسدت العلاقة بينه وبين أبيه الذي أمر بوضعه تحت يد قائده (مهابت خان) ليرى فيه رأيا، ولكن الأخير سلمه بدوره إلى أخيه الأمير (كرام) الذي أمر بقتله فوضع بذلك حدا لآلامه، ولتاريخه المحزن، وتخلص من مزاحم له على العرش.
ثم حدث أن استولى شاه الفرس (عباس) على قندهار، فأمر الإمبراطور ابنه البطل (كرام) (شاه جاهان) بالتوجه إليها واستردادها. ولكنه تردد بعد أن أبصر يد (نور جاهان) تقصيه عن طريق العرش وتمدها إلى (شهريار) الذي طلبت من الإمبراطور إسناد القيادة إليه، كما طلبت منه أن يأمر (شاه جاهان) بإعادة القوات التي تحت إمرته إلى العاصمة. وبعد ما حاول عبثا أن يصلح ما بينه وبين أبيه، وان يخلصه من نفوذ زوجته الذي يوشك أن يقوض أركان الإمبراطورية، ثار عليه وهاجم أكرا عام 1623 م ولكن هزمته جيوش أبيه تحت إشراف (نور جاهان) وبمساعدة أنصارها من الضباط القدماء ففر جنوبا إلى الدكن. - وبعد محاولات عديدة فاشلة لاستثارة حكام الولايات ضد والده، وبعد عدة مغامرات تبادله فيها الحض والنحس، وبعد معارك شديدة مع جيوش الإمبراطورية التي كانت تطارده حيثما ذهب، هزم في معركة فاصلة على يد أخيه الأمير (بارفز) (ومهابت خان) واستسلم لهما بعد أن هجره كثير من ضباطه وإنحازوا إلى جانب قوات أبيه -، ونزل عن كل ما كان في قبضته من ضباطه وانحازوا إلى جانب قوات أبيه، ونزل عن كل ما كان في قبضته من أراض وقلاع وحصون، واضطر إلى كتابة خطاب لأبيه - يعتذر عما فرط منه، ويستعطفه، ويطلب منه الصفح والغفران. وتأكيدا لحسن نواياه أرسل ابنيه (دارا) و (اورانك زيب) - إلى دلهي رهينة، كما أرسل لوالده هدايا ثمينة تقدر بنحو مائة ألف روبية. فصفح عنه والده بناء على نصيحة (نور جاهان) التي أوجست خيفة من تحالف الأمير (بافز) (ومهابت خان) ثم اعتكف مع زوجه وأبن له يسمى (مراد) في بلدة ناسك الصغيرة، مرتقبا الفرص.
بعد ذلك وقفت (نور جاهان) وجها لوجه مع (مهابت خان) فاتهمته بالاختلاس واستغلال النفوذ ونشر الفساد وجرد صهره من ثروته، ووجها بالسؤال: من أين لك هذا؟ ثم صدر أمر الإمبراطور له بالتخلي عن القيادة العليا للجيش، وبتولي حكومة ولاية بنغالة. فأبدى الأمير (بافز) استيائه العظيم واحتج عبثا على سوء معاملة القائد الأكبر الذي عيل صبره واشتم رائحة الغدر، فاعتزم أمرا خطيرا وهرب في خمسة آلاف مقاتل من الراجبوت الاشداء، وأخذ يقتفي أثر الإمبراطور فشاهده يعبر قنطرة على نهر (جهيلم)، بعيدا عن حرسه، فأطبق عليه وأسره. وكانت مفاجأة مؤلمة لمعسكر (جاهان جير) ووقع عليه اضطراب عظيم، وهربت (نور جاهان) مع أخيها (آصف خان) الذي كان معها. ولكن عز عليها أن تتخلى عن زوجها في محنته، فدبت فيها النخوة والحمية والنجدة فكرت راجعة وحضت قائد الجيش (فدائي خان) الذي قام بهجوم عنيف لم يكتب له النجاح لفرار الضباط والجند، ولحالة الفوضى التي كانت سائدة. وعندئذ تجلت شجاعة هذه المرأة العظيمة، فامتطت ظهر فيلها الهائل، وتقدمت به على من تبعها من الجند الذين دهشوا لجرأتها، فهجمت على الأعداء هجمة صادقة وهي تمطرهم بوابل من السهام، وحاولت في تقدمها عبور النهر، ولكن أسرع جنود (مهابت خان) إلى إشعال النار في القنطرة، فلم يثن ذلك عزمها واستطاعت أن تصل إلى الشاطئ في وجه مقاومة عنيفة، تتطاير السهام من حولها، وتتفجر الكرات النارية حول هودجها. وهنا بلغ الروع أشده والفزع غايته، وأخت الخيل والأفيال والفرسان تتساقط في النهر وتداس وتعرك. ثم قتل سائق فيلها فجمح فيها الفيل وغاص في ماء النهر، ولكنه بلغ بها الشاطئ مرة أخرى فأندفع بها النسوة يعولن، والمخلصين من الجند والحاشية يدرءون عنها السهام والرماح بأجسامهم، ويفدونها بأرواحهم. أما هي فجلست هادئة، مخضوبة بالدم، تنزع سهما أصيبت به حفيدتها من شهريار، وتضمد جراحها هي. ولما رأت إن لا جدوى من المقاومة، رضيت بالسر مع زوجها، عساها تستطيع إنقاذه. أما أخوها فأرتد بالثلاثة آلاف مقاتل الذين كانوا معهم واعتصموا بحصن قريب. وفي الأسر استخدمت أسلحة أخرى فعلت ما لم تفعله أسلحة الحرب. استعانت بذكائها ودهائها وجمالها. . . فاستمالت إليها ضباط (مهابت خان) ثم استولت على كنوزه. . . ولما رأى ذلك نجا بنفسه وبنفر قليل من أنصاره وفر إلى الدكن حيث وافى (شاه جاهان) وتحالف معه على (نور جاهان) واستعجل القدر خاتمة الرواية فمات الأمير (بار فز) عام 1626 م. أما الإمبراطور المسن فقد تابع سيره إلى كإبل ثم عاد منها إلى كشمير لقضاء فصل الصيف. وفي أواخر عام 1627م. حيثما كان عائدا من مصيفه بكشمير مرض مرضا شديدا ومات في الطريق ببلدة (بهمبار) ومنها نقل جثمانه إلى حديقة (نور جاهان) المعروفة باسم حديقة (دلكوشا) بشاه دارا إحدى ضواحي مدينة لاهور. وهناك كانت (نور جاهان) بجانب نعش زوجها تبكيه بدموع غزار إلى أن ووري التراب، وأمرت بإقامة ضريح فخم له. وبعد أن تمت مراسيم الدفن أعلن الأمير (شهريار) نفسه إمبراطورا في لاهور، تؤيده حماته، وفي نفس الوقت طير (آصف خان) نبأ موت الإمبراطور إلى صهره (شاه جهان) الذي كان بالدكن فأسرع نحو الشمال برفقة (مهابت خان) على رأس جيش كبير ليفوز بالعرش. وشغلا للعرش الشاغر بأكرا نصب (آصف خان) ابن خسر (دوار بخش) إمبراطورا إلى حين وصول (شاه جاهان) ثم تقدم على رأس جيش قوي إلى لاهور. وهناك حاولت (نور جاهان) أن تتصل بأخيها لتستميله إلى جانبها ولكنه أعرض عنها وانقض على جيش شهريار وهزمه هزيمة ونكرة وأسر (شهريار) وسملت عيناه ثم قتل بعد ذلك. ولما وصل (شاه جاهان) أعلن آصف خان الإمبراطور المؤقت على الهرب؛ أما أتباعه واتباع شهريار ونور جاهان فقتلوا شر قتلة، وكان الإسراف في القتل شديدا لدرجة ألجأت بعض نساء القصر إلى الانتحار. وهكذا سار شاه جاهان إلى العرش في طريق مخضب بالدم مرصوف بالجماجم. وكان ذلك في السادس من شهر فبراير عام 1628 م.
أما (نور جاهان) فلم تمس بسوء، أو تمتهن كرامتها، بل لقيت كريم الصفح، وعظيم الاحترام والعطف، وأجرى عليها الإمبراطور الحليم معاشا سنويا ضخما يضمن لها حياة كريمة. ولما رأت يديها خالية من زوجها الحبيب، وصرح آمالها منهارا أمامها، والدنيا عنها مدبرة، لبست الثياب البيضاء حدادا على زوجها، واعتزلت الحياة العامة، وزهدت في مظاهر البذخ والأبهة، وعاشت مع حفيدتها أرملة (شهريار) عيشة بسيطة إلى جانب قبر زوجها في لاهور إلى أن ماتت في الثامن من شهر ديسمبر عام 1645.
طافت برأسي قصة هذه المرأة العظيمة وأنا واقف بحديقتها بشا هدارا بعد أن متعت نفسي بمشاهدة ضريح زوجها الرائع الذي قست عليه يد الإهمال، وشوهت الكثير ممن محاسنه، وسألت رائدنا عن ضريحها الذي توقعت أن يكون في عظمة باقي آثار المغول. فأشار بيده إلى مكان قريب وقال أنه لا يستحق الزيارة لأنه من البساطة بحيث لا يلفت النظر أو يثير الاهتمام. وقد أوصت أن يكتب على قبرها شعر بالفارسية من نظمها معناه:
لا يكون على قبري مصابيح أو أزهار، حتى لا تحرق الفراشات أجنحتها، وحتى لا تأتي البلابل لتغني على الأزهار.
وأما (ممتاز الزمان) أو (ممتاز محل)، وأسمها الأصلي أرجومان بانو بيجم ففارسية الأصل أيضا. ولدت عام 1594م أبوها عبد الحسن بن اعتماد الدولة الذي عرف فيما بعد باسم (آصف خان). التحق في صباه بخدمة (أكبر) وبلغ مركزا في عهد أبنه (جاهان جير) ثم أرفع مركز وهو رئيس وزراء الإمبراطورية، ومستشار الإمبراطور، ومندوبه في مفاوضاته الدبلوماتية، وحامل لقب يمين الدولة - في عهد (شاه جاهان) وقد رأينا فيما سبق كيف ساعد هذا الرجل (شاه جاهان) على اعتلاء العرش، وكيف أصبحت أبنته (ممتاز محل) إمبراطورة من بعد عمتها (نور جاهان)

تزوجت ممتاز الأمير (كرام) عام 1612م وعمرها إذ ذاك ثمانية عشر عاما. أما هو فكان يكبرها بأربع سنوات. فأحب كل منهما الآخر حبا عميقا، صادقا قويا لم ير التاريخ مثله رافقته في جميع غزواته، وقاسمته التشريد والحرمان، وذاقت معه حلاوة النصر ومرارة الهزيمة ولا سيما في أواخر عهد أبيه، فكانت بحق الزوجة المثالية، وكانت نعم الصديق والمرشد.
كانت ملكة جمال عصرها حتى لقد سماها بعض المؤرخين فينوس الشرق. ويظهر أن جمالها كانة ينطوي على رقة متناهية وأنوثة جارفة، وروح عذبة وادعة، وسريرة صافية نقية، وطبع هادئ وخلق رزين، وبذلك بزت عمتها التي اتسمت بالمكر والدهاء، وبالفروسية وغيرها مما يغلب في طبائع الرجال. ومع هذا الجمال الهادئ الوادع حباها الله عقلا راجحا، ورأيا صائبا، وقريحة وقادة، وذكاء نادرا في غير خبث أو دهاء. وما كان زوجها الإمبراطور يبت في شأن من شؤون الدولة الهامة إلا بعد أن يستشيرها، ولا يقدم على أمر جسيم إلا بعد الاستئناس برأيها وظلت حاملة لخاتم الملك مدة طويلة إلى أن نزلت عن تلك الوظيفة لأبيها، ومع ذلك فإن الدور الذي لعبته في سياسة ومصاير الإمبراطور لم يكن بارزا قويا ضخما مثل دور (نور جهان).
وكانت مثل عمتها سخية كريمة إلى أبعد حدود السخاء والكرم، لم تبغ من وراء ذلك شه أو كسب أنصار وأعوان، بل فاقتها في الحدب على الفقير، ولأخذ بناصر المسكين والضعيف، حتى لكان قلبها الرقيق يتقطع حزنا وأسى لمجرد مشاهدة الفقراء والبؤساء، وتبادر لتوها بمسح جراحات نفوسهم ببلسم رحمتها، وندى كفها، ورفيع إنسانيتها، مما جعلها سيدة عصرها. وكم من مرة أنقذت أرواحا أمر الإمبراطور بإزهاقها في ساعة غضبه، وردتها على أصحابها سعيدة شاكرة.
ولا غرو إذا أحبها الإمبراطور ذلك الحب الجارف الفذ، وعندما اعتلى العرش زادت مظاهر حبه لها بما كان يغدقه عليها من الأموال والجواهر، وما كان يبديه لها من وافر المحبة والاحترام في الحفلات الخاصة والعامة. ويظهر أن شدة رغبته في إسعادها جعلته ينفق بسخاء. بل ويبذر تبذيرا شنيعا أثر في خزينة الإمبراطور أسوأ تأثير. ففي احتفاله الأول بعيد النيروز (عام 1628 م) أمر بعرشه الثمين فنصب في حديقة القصر اليانعة التي غصت بالزينة والتهاويل، وحفت به زوجته وأولاده والأمراء والأميرات وكبار الحاشية وسط مظاهر الترف والعظمة التي لم تشهد مثلها دول المغول، والتي كان يحرص عليها (شاه جاهان) كل الحرص، وأراد أن يبلغ بها النهاية. وعندئذ تعطف وأطلق يده بالعطاء فخص زوجته بنصف مليون ربية، وكل أبن من أبنائه الأربعة بمائتي ألف، وأبنته الكبرى (جاهان آرا) بمثلها، وابنته الصغرى (روشان آرا) بخمسين ألف ربية، هذا عدا ما أغدقه على حميه (آصف خان) وعلى بقية الحاشية.
ثم إنه اندفع في إنشاء عدد وافر من الأبنية العظيمة التي تعد من أجمل وأروع ما بنى في الهند، بل وفي العالم أجمع. ويظهر أنه حاول بذوقه الرفيع وموارد الإمبراطورية الواسعة أن يأتي بما لم تأته الأوائل، وأن تكون له قصور فخمة تتفق وعيشة الترف التي انتهجها وحرص على التوسع فيها لأبعد حدود التوسع. وكان من نتيجة ذلك، أنه أخلد إلى الدعة ولذا ذات العيش والرفاهية، ولم يعد يفكر في الغزوات وفي خوض غمار الحروب وإخضاع الثورات كما كان في صدر شبابه. أحب السلم والبناء وكرس لها كل وقته وجهوده وترك شؤون الإمبراطورية لوزرائه وأبنائه. ويظهر أن بعض المؤرخين ظلمه بقوله إنه كانت له القاجارية لم يكتف بهن بل راح يبحث عن خليلات أخر بين نساء أمرائه وحاشيته. ولكن يصعب تصديق مثل هذه الرواية إذا عرفنا مقدار حبه لزوجته الجميلة المخلصة الوفية التي لم يقو على فراقها يوما واحدا، والتي لم يتزوج غيرها من بعد وفاتها. ثم إنه لم تشب سعادتهما الزوجية شائبة فكانا زوجين مثاليين.
وفي عهده تطلع البرتغاليون إلى اقتطاع بعض أملاك الإمبراطورية المغولية في شيء من القحة والجرأة، وقامت سفنهم بأعمال القرصنة ضد السفن الإسلامية، فضاق الإمبراطور بهم ذرعا. ازداد سخطه عليهم عندما احتجزوا جاريتين من جواري (ممتاز محل)، فأمر بطردهم من جميع أنحاء البلاد وتم له ذلك في وقت قصير بعد معارك طاحنة دمرت فيها جميع ممتلكاتهم.
ومع أن حياتهما الزوجية لم تزد على ثمانية عشر عاما فقد أنجبت منه (ممتاز) أربعة عشر ابنا وابنة. وفي عام 1630م بينما كان (شاه جاهان) منشغلا بإخضاع حاكم قوي يسمى (خان جاهان لودي) خرج عليه، ماتت (ممتاز محل) في مدينة برهان بور في ريعان شبابها وهي تضع مولودها الرابع عشر. وبموتها ماتت أحلام الإمبراطور العظيم، وتحطم صرح هنائه، وبدأت نقطة تحول خطيرة في حياته فلم يعد يعبأ بنعيم الحياة ولذاذاتها، حتى ولا بشؤون الإمبراطورية، وأصابه ذهول ووجوم لازماه إلى آخر أيام حياته. كان لا يفكر إلا في شريكة روحه، ومنية فؤاده يذكر طلوع الشمس (ممتازا) ويذكرها لكل غروب شمس، على حد قول الخنساء. وأخيرا فكر في أن يبني لها ضريحا يضم رفاتها المقدسة، ويعبر عن مقدار وفائه لها، بل كعبة يتجه إليها بقلبه وبصره، يطوف بها وهو يناجي بعض نفسه التي دفنت تحت أطباق الثرى، فحمل رفاتها بعد ستة أشهر من موتها إلى مدينة أكبر آباد حيث أقام لها جنازة ملكية فخمة ومأتما عظيما حافلا، وبعد ذلك نقلت إلى أكرا حيث دفنت في (تاج محل). ألهم الحزن والحب والوفاء الإمبراطور أن يخرج إلى الوجود تلك التحفة الفنية الرائعة التي تقص على العالم قصة حبه. أختار لها الخام الأبيض الصافي صفاء قلبها وروحها، وأضفى عليها من جمال الهندسة والزخرفة ما يتناسب مع جمال وجهها وجسدها. ثم بث في كل ذرة من ذراته كل ما أراد أن يقوله أو يعبر عنه، أو أحس به. ولذا لم يظهر ذلك البناء بديعا فحسب. . بل كان يهمس بشتى المعاني السلمية، وبمزيج من الأحاسيس الدقيقة العميقة. ومما زاد روعه قيامه وسط تلك الحديقة البديعة الرشيقة التي ما زالت على شكلها ورسمها الأصلي. لو أطلعت عليه في الضحى أو في ضوء القمر لخلت أنك ترى ممتازا نفسها، بجمال جسمها وروحها مغلفة في غلالة من نور، باسمة حزينة. إنه تمجيد لجمال المرأة، ولكل ما فيها من صفات سامية.
اختار له الشاه موقعا جميلا على نهر جمنة الذي يخترق مدينة أكرا، وحشد له الصفوة من المهندسين والخطاطين والنحاتين والمزخرفين والصياغ، وكان أكثر هؤلاء من الأتراك والفرس، بل ومن الإيطاليين أيضا. وبعد دراسات واسعة أمر بالبدء في العمل عام 1631م. ثم فتح باب خزانته على مصراعيها وأخذ ينفق على إخراجه ببذخ عظيم. اشتغل فيه عشرون ألف عامل لمدة سبعة عشر عاما على حد قول بعض المؤرخين، ولكن يظهر أن الانتهاء من بعض الزخارف والمحسنات كان بعد ذلك التاريخ بدليل العبارة التالية التي نقرؤها على أحد أبوابه (كتبه الفقير الحقير أمانت خان الشيرازي عام 1613م - 1635 حيث انتهى منه).
لا يمكن لإنسان أن يدرك جمال هذا الضريح على حقيقته إلا إذا رآه عيانا ووقع تحت سحره المتجدد، وحين أن أذكر هنا أن الإمبراطور أصر على أن يكون أنفس تحفة، وأثمن أثر. . فكان باب المقصورة من الفضة، والستار الذي بداخلها من الذهب الخالص، تحليها أبدع النقوش، كما كان باب المقبرة نفسها من الفضة أيضا. وكان على القبر ستر من الحرير المرصع بصحائف اللؤلؤ، كما كانت تعلوه الماسة اليتيمة المعروفة باسم (كوهينور) وكال ذلك نهبه (الجات) عندما فتحوا أكرا.
جاء هذا الضريح أبدع ما أخرجه (شاه جاهان) من أبنية عظيمة لا نظير لها في العالم، وبعدما أتمه كان يجلس على الضفة الأخرى من النهر ساعات طويلة يتأمله في خشوع وحزن. ثم إنه فكر في أن يقيم لنفسه ضريحا في نفس المكان الذي أعتاد أن يجلس فيه، وشرع فعلا في البناء , ويرى أساسه قائما على ضفة النهر تماما، وكان يزمع أن يبنيه من الرخام الأسود. وليته عاش حتى أتم هذا العمل الجميل الذي لا يستطيعه إلا (شاه جاهان) وفيما هو منصرف إلى البناء ثار عليه أبنه (علم جير) المعروف باسم (اورنك ذائب) الذي استولى على أكرا وأسر أباه الشيخ الوقور الحزين وحبسه في قصره الفاخر لا يخرج منه لمدة ثماني سنوات مات بعدها (1666م) والمعتقد أن الابن هاله ما رآه من إسراف والده، وانصرافه عن شؤون الإمبراطورية التي كانت على شفا جرف هار ففعل ما فعل ولكنه كان يعامل أباه بكل ما هو جدير به من عطف واحترام. ولم يضمن عليه بكل ما كانت تصبو إليه نفسه.
وقفت طويلا أتأمل في أسى ذلك المكان البديع من العصر الذي قضى فيه الإمبراطور العظيم ثمانية أعوام في الأسر، تشرف عليه وترعاه ابنته المخلصة (روشان آرا) ثم خرجنا إلى شرفة تطل على النهر يرى منها التاج بعيدا إلى اليمين، ويتوسطها برج من الرخام الجميل، رائع الصنع ككل شيء في القصر، بل وكل شيء بناه (شاه جاهان) وبينما أنا ذاهل من روعة البناء والذكرى أشار الدليل بإصبعه إلى قطعة صغيرة من حجر كريم لونها أحمر داكن، لا يتجاوز طولها ثلاثة سنتمترات وعرضها سنتيمترا واحدا، مطعمة في جدار البرج، وطلب مني أن أنظر فيها ففعلت، وإذا بي أرى صورة التاج منعكسة عليها كاملة من ذلك البعد العظيم!!! وفي تلك اللحظة شعرت بقلبي ينقبض شفقة على ذلك الملك البائس الحزين الذي قضى ثماني سنوات يتطلع إلى قبر محبوبته من الشرفة ومن تلك القطعة الصغيرة!! بعد أن باعدوا بينه وبينها. . فياله من حب عظيم، ووفاءه نادر!! ومن يدري؟ فربما كان يتزود المسكين بآخر نظرة منه وهو يسلم روحه إلى بارئها.
دفنوه في قبر فخم إلى جانب قبرها تحت قبة التاج. . مع أنه لم يرد ذلك بدليل الضريح الذي وضع أساسه قبالة ضريحها على الضفة الأخرى للنهر. وكأنه لم يشأ أن يدنس هذا الهيكل المقدس جثمان آخر، حتى ولو كان جثمانه هو.
أثرت (ممتاز محل) بعقلها في تسيير دفة الإمبراطورية وأشرق جمال جسمها وروحها على العالم فترة قصيرة إشراقة الورد النظير، فكانت المثل الأعلى للمرأة والزوجة. وأخيرا أثر موتها الباكر في زوجها فخلد ذكرها بتحفة قلما يجود الزمان بمثلها، وأهدى إلى العالم أعظم وأجمل رمز للحب والوفاء والإخلاص.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة