أحدث المشاركات

السبت، 4 نوفمبر 2017

أبو البشير محي الدين كتي مسليار الفَرَوَنِّي العبقري المتفنن في القرن الماضي

محمد إسماعيل الهدوي. أ.ب. جملشيري (نائب العميد: كلية إصلاح العلوم العربية، تانور، الكلية المتابعة لمنهج الدراسي لجامعة دار الهدى الإسلامية)

إن ولاية كيرلا لها يد طولى في المساهمة العلومية مع تنورها بالنور الإيمانية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنجبت علماء عباقرة وخطباء مصاقيع والمهرة الجهابذة في شتى الفنون مع ما كان لهم فضل كثير في توسعة نطاق الدعوة الإسلامية ونشر المعالم الدينية في ربع الولاية وخارجها. وكان الشيخ محي الدين كوتى مسليار الفًرونِّي، الذي تحلى بالمؤهلات العلمية  والخبرات التنسيقية  والتجارب الترببة، من إحدى النجوم اللامعة المتألقة التي لا زالت تنبثق منها أشعة النور في دروب الولاية.
الولادة والنشأة
حظيت الولاية بولادة هذا العبقري في سنة 1898 العيسوية نجيبا لكَمَّتْ علي[1]، وعائشة كُتِّي في بلاد فَرَوَنَّا قُرب ترور في مقاطعة مالابرم، نشأ وترعرع في مسقط رأسه واشتغل بالدراسات الإبتدائية فيه، ثم التحق في المسجد الجامع في فرونّا وتلمذ فيه، ولم يكتف بتلك الدراسات الأولى بل تاقت نفسه إلى أن يعتكف حول نبراس العلوم، حتى ظفر بالتلمذ عند العلامة التعلامة الشيخ كنج أحمد مسليار الشاللكتي في المسجد الجامع في مناركاد من مقاطعة فالكاد، ومن المسجد الجامع في كوتاي عند باوا مسليار، وكان محي الدين مسليار ممن تمت عليه النعمة بالخصال الثلاثة اللازمة للمتعلم من العقل والأدب وحسن الأدب، كذلك ممن ظفر بالتوفيقات المختصة بالمتعلم من ذكاء القريحة وطبيعة صحيحة وعناية مليحة ومعلم ذي نصيحة[2].
بعد ما نهل وعلَّ من معين المساجد الجامعية في الولاية، ركب للدراسات العليا على جناحيه إلى كلية باقيات الصالحات في ويلور من ولاية تاملناد[3]، وكلية اللطيفية العربية أيضا في تلك البقعة من تاملناد ، قد جد واجتهد في اكتساب العلوم والتبحر في الفنون، وقطع شوطا أو شوطين في صعود القمم في العلوم حتى صار بحرا لا يجارى وحبرا لا يبارى،
وكان أستاذه الجليل الشيخ كنج أحمد مسليار من العباقرة اللا مثالية في الولاية، الواضع الأول للمنهج الدراسي المنظَّم في مجال التعليم العلوم الدينية في الولاية، والمدرسُ المشهور في كلية دار العلوم العربية في وازكاد من مقاطعة مالابرم التي استفاضت شهرته بإنجاب المدرسين بموهبات نفيسة، والخطيبُ المصقعُ الذي أبهر العقول وبَكَتَ الخصوم وقمع البدع، وصاحب المؤلفات العديدة التي أصبحت عمدة الجيل المتأخر في العقود المتتابعة،
كان الشيخ محي الدين كتي مسليار ماهرا أشم، آتاه الله بسطة من العلم والحكم، وخطيبا مصقعا ولغويا ألمعيا ذا ألسنة ، وكاتبا نحريرا، ومنسقا محتالا، منحه الله فرصة في العمر، ولم يضيع أي فرصة أتت إليه ولكن انتهز كلها بما في يديه، فكان عطاؤه هائلا صدقا لقول الله عز من قائل: ‘كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا’[4].
خدماته العلمية
وبعد ما تخرج من الكليات بشهادة المولوي الفاضل الباقوي واللطيفي ركّز على تجديد الأمة في مليبار في مجال العلم والدين والثقافة بأنشطة جديدة وفعاليات حادة، تولى أولا منصب المدرس في المسجد الجامع في بلاده ولم ينزو في زاوية المسجد بوظيفة التدريس ولكن جعل التجديد منصب العين وتفكر عن طريق التنفيذ، وضع أولا الحجر الأساسي في سنة 1928 العيسوية لمبنى المدرسة النورية في شمال المسجد الجامع في طبقين، في الطبقة الأولى قاعة الدرس والمكتبة وغرفة المدرسين وفي الثانية تسهيلات السكنى للطلاب، خدم هناك مدرسا سنتين، وفي السنة الأولى كانت الخدمة بغير راتب شهري.
وقد اشتغل مدرسا بعد ذلك في فولكل، وكنور، وفرغتور، وفرمبت، وفرفرنغادي، وتانور مختلف البقاع في داخل ولاية كيرالا، وتخرج من تلك الجامعة خبراء ماهرون أمثال الشيخ ك.ك. أبوبكر حضرت، الأستاذ المتخصص في علم الحديث والرئيس السابق لجمعية العلماء بعموم كيرالا، وبافو مسليار الجفني الصوفي الزاهد صاحب الطرق الروحية والشيخ المربي إلى الطريقة الربانية، وإبراهيم مسليار جملشيري، وعبد الله مسليار الكرواركندي العميد السابق للجامعة النورية العربية، كلهم أيقونة الأمة ونماذج العلماء.
وكان الشيخ الموقر كاتبا نحريرا فضلا عن نبوغه في اللغات المختلفة مثل اللغة العربية والإنجليزية والفارسية والأردية والتاملية، صدرت مقالاته العديدة في مجلات شتى مثل ‘البيان’ و‘نور الإسلام’،  في العناوين المختلفة عن الموضوعات المتعددة المسائلية والعقائدية، أصبحت تلك المقالات عمدة الخطباء ومصادر العلماء ضد البدع وأهل الكفر. وكان محررا لمجلة البيان حقبة من الزمن، ومؤسسا لمجلة نور الإسلام.
وهو الذي أسس أول مدرسة للبنات في قريته سنة 1948 قبل تأسيس لجنة تعليم الدين الإسلامي لعموم كيرلا للمدارس، ووضع المنهج الدراسي لمدرسته وجميع المدارس تحت اللجنة فيما بعد لبضع سنوات. وصار مدربا الأساتيذ لتلك المدارس ومفتش الأولاد ومشرف الإمتحانات.
رئاسته لجمعية العلماء لعموم كيرلا
جمعية العلماء لعموم كيرلا، هي جمعية مؤسسة في الولاية على أيادي السادات والعلماء ذوي الفضل والشرف وأهل العلم والتقوى، ساسها أهل الورع ويرؤسها أهل العلم منذ التأسيس، يقوم بعدة نشاطات على وجه تطور الأمة ثقافة وعلما، لا يجحدها أحد له قلب سليم. وكان الشيخ محي الدين كتي مسليار ممن أخذ زمام الجمعية ولجامها. أختير كنائب رئيس لجمعية العلماء في سنة 1945 في شهر مايو، ثم صار عميدا عاما في سنة 1951، ولما أسست لجنة تعليم الدين الإسلامي لعموم كيرلا كان هو الرئيس الأول بلا نزاع،
لما أراد علماء الجمعية تعميم نشاطاتها إلى العوام وتنفيذها بينهم أسسوا لجنة الإشاعة ووُلي الشيخ محي الدين كتي مسليار عميد اللجنة. لم يكن رئيسا في الإسم فقط بل كان عاملا إيجابيا نشيطا، لم يمكن تنفيذ جميع مخططاته في مجال التربية والتنسيق حتى الآن.
ومما يسترعي الإنتباه أنه كان عميدا عاما لجمعية العلماء ورئيس لجنة تعليم الدين الإسلامي لعموم كيرلا ومحررا للمجلة وعميدا لكلية إصلاح العلوم العربية في وقت واحد. لما تقاعد عن هذه المناصب وصارأسير السرير وفق الأمراض المعضلة أختير إلى هذه المناصب رؤساء آخرون مثل شمس العلماء إي.ك. أبوبكر مسليار ومحمد مسليار، وإبراهيم مسليار الأينكادي، وأبوبكر مسليار الكوتوملي. فإن دلت هذه على أي شيء تدل على أن الشيخ لم يرئس على هذه المناصب العلمية والإدارية إلا بمؤهلاته العلمية والخبرات التنسيقية.
مدير كلية إصلاح العلوم العربية
 إصلاح العلوم العربية كلية عريقة التراث رست أصلها تحت الثرى، وسمت شهرتها فوق الثرى بناها الشيخ المرحوم الفاضل أحمد كتي مسليار الملوي سنة 1924 العيسوية، قد تكرس في منصب التدريس في تلك الكلية عباقرة الولاية في العلم والتقوى مثل محمد مسليار القطبي، وشمس العلماء، وغيرهما.
هذه الكلية قد تولى إدارتها جمعية العلماء في سنة 1954 فصار الشيخ محي الدين كتي مسليار أول مدير عامي للكلية، وكان محمد مسليار القطبي الأستاذ الرئيسي أنذاك، وبعد نوبة القطبي كان زمام التدريس أيضا في يد الشيخ. وفي بداية إدارته قد رمم الكلية على وجه حسن. ومما حر بالذكر أن الشيخ له يد طولى إتيان فَتِي عبد القادر المسليار  الذي له دور بالغ في استئصال عقائد البدع من مليبار وجعله مدرسا في إصلاح العلوم العربية.
أسرته وعياله
قد تزوج الشيخ محي الدين كتي مسليار عائشة كُنَّتَّكَتّْ فويل وأنجبت إثني عشر ولدا. ستة أولاد وستة بنات. منهم قاسم الباقوي، وعبد الرحيم المسليار، وعبد الغفار المولوي، والدكتور بشير المولوي، ومحمد علي، وعمر،
الدكتو بشير محي الدين (ابنه)
وقد ذاع صيت ولده الدكتور بشير في مجال الدعوة والتأليف في داخل القارة الهندية وخارجها مثل القارة الأفريقية. تلمّذ من أبيه وعبد القادر الفضفري وفتي عبد القادر مسليار ثم تخرج من كلية باقيات الصالحات، وتكلل بالنجاح بالدرجة الأولى من جامعة الأزهر وجامعة القاهرة. تنبغ في اللغات الهندية والإنجليزية والأفريقية أيضا وألف مؤلفات في تلك اللغات حتى في لغة ‘هَوْسَة’ و ‘يُورْبَة’ اللغتي الأفريقية. وفسر القرآن في اللغة الإنجليزية باسم QURAN: THE LIVING TRUTH.
قد  لبى الشيخ محي الدين كتي مسليار بعد حياته الموقوفة للعلم والدين وخدماته الجليلة في مجال الدعوة والتبشير نداء ربه الكريم في سنة 1957 العيسوية في شهر يونيو الموافق لشهر ذي القعدة. تقبل الله جميع خدماته وجعلها ذخيرة لمعاده وجمع الله بيننا وبينه في فراديس جنانه. آمين.




[1]) أصله كنج معمد علي،
[2] )القليوبي، حاشية القليوبي على المحلي، ج 1، ص 5، تنوير، تالفرمبا، كيرلا
[3] )كلية قديمة في الهند تقوم مقام جامعة الأزهر بمصر، أسسها الشيخ عبد الوهاب حضرت،
[4] ) سورة الإسراء، رقم الآية 20،



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة