أحدث المشاركات

الخميس، 29 يونيو 2017

المقالة عند الدكتور محيى الدين الألواي

بقلم: محمد إقبال الندوي (الباحث في الدكتوراه بقسم الأدب العربي في جامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية بحيدراباد) مجلة "ثقافة الھند" المجلد ٦٥ ، العدد ٣١٤ م
لم تكن الكتابة عن الدكتور محيى الدين الألواي في مستوى الاهتمام به، فما كتب عنه يعد قليلا بجانب صيته الذائع ومكانته من حيث كونه أكبر أدباء الهند ، فقد كتب عدد من الباحثين عن الدكتور بشكل مقتضب ، وفي صفحات معدودة ، ولكنها ذات قيمة كبيرة على الرغم من أنها لم توفه حقه.
 أعتقد أن كل تلك المقالات والكتب التي صدرت لم تتعمق في دراسة فن المقالة عن الدكتور محيى الدين الألواي ، وغالبا ما تتناول شيئا عن حياته ، ووصفا أو تعليقا على أسلوب الدكتور الألواي وآرائه بشكل مختصر ، ويصف الكاتب طريقة الدكتور الآلواي في تناول موضوعاته ومدى بساطتها أو شموليتها.
 الدكتور محيى الدين الألواي أديب كبير وجد في الصحافة الوعاء الذي يحتضن كل أفكاره وآرائه ، لذا صب الدكتور الألواي عصارة فكره في تلك المقالات التي أرسلها إلى المجلات والصحف العربية ، الدكتور الألواي ليس صحفيا ، ولكنه أديب وجد في مشكلات الأمة الإسلامية والعربية مادة لمقالاته الصحفية ، وكتب لمدة تزيد عن نصف قرن ، وفي جميع المجالات : السياسية ، والاجتماعية والاقتصادية ، والفنية ، والأدبية ، والتاريخية والدينية وغيرها من المجالات.
تعريف المقالة:
في اللغة المقال مصدر قال يقول قولا وقيلا ومقالة ومقالا ، وقد ورد كلمة مقال في آثار اللغة العربية منذ عهد بعيد حتى العصر الحاضر، ودارت على ألسنة الكتاب والمفكرين وترددت في أحاديثهم ومحاوراتهم على امتداد العصور يقول النابغة الذبياني :
                                                     مقالة أن قلت سوف أناله
                                                                              وذلك من تلقاء مثلك رائع
وقال كعب بن زهير :
                                                        مقالة السوء إلى أهلها   
                                                                            أسرع من منحدر سائل
 وجاء في خطبة الوداع : نضر الله أمرأ سمع مقالتي فحفظها . ووعاها وأداها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه[1]
 وجاء في معجم لاروس تعريفا للمقال : المقال هو اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي صاحبها التعمق في بحثها أو الإحاطة التامة في معالجتها ذلك أن كلمة مقال محاولة أو خبرة أو تطبيقا مبدئيا أو تجربة أولية وعرفه قاموس أكسفورد فقال : المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما ومن الباحثين من حدد المقالة الأدبية بإنها التي تدرس شخصية أو ظاهرة أو اتجاها أو أثرا في الأدب العربي القديم أو الحديث أو في الأدب الأوربي الغابر أو المعاصر[2].
يقول الأستاذ سيد قطب عن المقالة في كتابه " النقد الأدبي أصوله ومناهجه " المقالة تعبير موح عن تجربة شعورية ، فتعتمد على الكلمة الراقصة والعبارة المنغومة ، ولكنها – قبل كل شيئ – فكرة وموضوع ، فكرة واعية ، وموضوع يعالج قضية ، قضية تجمع وتنسق عناصرها بصورة منطقية استنتاجية ، تؤدي إلى غاية مرسومة من أول الأمر فهي لا تهدف الانفعال الوجداني ، وإنما تحاول الاقتناع الفكري ، لأنها تشرح فكرة ، وتحشد لها الأدلة والأسانيد ، حتى يخرج القارئ منها ممتلئا بفكرة ، لا متأثرا بعاطفة .
 والمقال يتناول العديد من الموضوعات في كل المجالات وليس له مجال محدد وإنما يتسع موضوعة لكل ما في العصر من مفاسد اجتماعية وأمراض خلقية ومن ثم يتنوع المقال إلى أدبي وعلمي وسياسي واجتماعي ونقدي وتفسيري وغير ذلك .
بداية المقالة
تنتمي المقالة إلى جنس النثر الأدبي الحديث ، حيث إنه لم يعرف هذا الجنس الأدبي من قبل ، وإن كان بعض الباحثين يردونه إلى عصور سابقة ، فقد ذكر بعض الباحثين الأوروبيين أن بداية المقالة كانت عند اليونان والرومان ، وعند بعض الباحثين العرب أنها موجودة في الأدب العربي القديم ، في الرسائل والمقامات والفصول ، ولكن الحقيقة هي أن هذا النوع من النثر الأدبي جديد كل الجدة ولد بعد ظهور الجرائد والمجلات ، وارتباط المقالة بهما ، ولم يسبق للجنس البشري أن كتب مثل هذا النوع . وأول من ابتدع هذا النوع من النثر رجل فرنسي يدعى ميشيل دومونتين ، الذي ولد في فرنسا سنة ١٥٣٣ م ، ودرس القانون ، وأصبح بعد ذلك مستشارا في مدينة مونتين ، وتقلب في المناصب ليصبح محافظا مدينة مونتين في وقت لاحق ، وبعد تقاعده من المناصب الرسمية سنة ١٥٧١ م ، سكن في مزرعة العائلة ، وتفرغ لكتابة خواطره وآرائه ، وكان ذلك في عام ١٥٧٢ م ، تلك الخواطر كانت في مجموعة نثرية أسماها محاولات.
تلك المحاولات كانت البذرة الأولى للمقالة الذاتية ، والتي أصبحت مثالا يحتذى لمن جاء من بعده ، وتلك المحاولات وجدت لها صدى في أوربا ، وانتقلت إلى إنجلترا بالذات ، ووجدت من يقلدها ويكتب خواطره ، ولكن يظهر رجل آخر يرى رأيا مخالفا لمونتين ، ويكتب مقالات أخرى تكون نوعا آخر ألا وهو المقالة الموضوعية . رائد المقالة الموضوعية فرنسيس بيكون ، الذي ولد في لندن سنة ١٥٦١ ودرس في كامبرج ، ولكنه لم يستطع الحصول على وظيفة رسمية ، بسبب معارضته في البرلمان لبرنامج الملكة إلزابيث لأولى للضرائب ، لذا عمل في المحاماة ، ولم يستطع الحصول على منصب رسمي إلا بعد وفاة الملكة ، وتنقل في الوظائف إلى أن أصبح النائب العام عام ١٦١٣ م .
كان لظهور الصحف والمجلات الأثر الكبير في تطور المقالة ، وخاصة المجلات الأدبية ، ففي سنة ١٧٠٩ م أصدر ريتشارد ستيل ١٦٧٢ م – ١٧٢٩ م ) صحيفة أسماها " الثرثار " خصص نصفها للأخبار ، والنصف الآخر للمقالات التي كان يكتبها ، ثم ساعده صديقه ١٧١٩ ) حتى توقفها ، ثم أصدرا مجلة أخرى - جوزيف أديسون ( ١٦٧٢ بعنوان "المراقب وبهاتين المجلتين تطورت المقالة تطورا كبيرا ، من حيث المحتوي ، واتجهت ناحية التحليل لمظاهرالحياة ، ونقد المجتمع ، . وكذلك تطور أسلوب الكتابة ، وظهر أسلوب إنشائي جديد[3]
 أصبحت المقالة تتمتع بروح أدبية عالية ، وكان اختيارالموضوع من مهام الكاتب ، فهو الذي يختار ويكتب كيفما يشاء ، وكان لاتساع موضوعات المقالة التي شملت جميع مناحي الحياة الأثر الكبير في تطور المقالة ، وكانت تعتمد على ثقافة الكاتب ، ومدى معرفته بتناول تلك الموضوعات التي شملت الحياة بأسرها ، والصحفيون الأدباء لهم أكبرالأثر في تطورأسلوب المقالة ، لأنهم يجمعون بين الصحافة والأدب ، ومنهم الشعراء الكتاب .
وكان لظهور المجلات الأدبية الأثر الأكبر في تطور المقالة ، فأصدرت بعض الأحزاب مجلات أدبية ، وشجعت كتاب المقالات للكتابة فيها ، لما تتمتع به من سمعة حسنة ، ورصانة في طرح الموضوعات المختلفة ، كما أن هذه المجلات سايرت التجديد في الحياة ، وتبع الصحفيون ذلك التطور ، لذا كانت المجلات الأدبية خير ما يعتمد عليه في تطور المقالة الصحفية .
المقالة والصحافة في الأدب العربي
 ما كان للمقالة أن تتطور في العالم لولا وجود الصحافة ، والصحف بمعناها الحديث أخذها العرب من أوربا ، و كان للأوروبيين الدور الكبير في نقل هذه المهنة إلى الوطن العربي ، وكلما تطورت الصحف في أوربا انعكس ذلك على وطننا العربي، فمتى بدأت الصحافة في أوربا ؟ وكيف تطورت هناك؟
يرجع بزوغ فجر الصحافة في الوطن العربي إلى دخول الحملة الفرنسية مصر سنة ١٧٩٨ م ، إذ جلب نابليون بونابرت مطبعة تطبع الأوامر والإعلانات وأخبار الحملة الفرنسية ضمن صحيفتين أسسهما بونابرت ، إحداهما فرنسية ، وأخراهما عربية باسم " التنبيه " ولكن تلك الصحف توقفت بعد رحيل الفرنسيين ، ولم تعد الصحافة في مصر إلا في عهد محمد على سنة ١٨٢٨ م حين أصدر صحيفة " الوقائع المصرية " بعد . إنشاء مطبعة بولاق سنة ١٨٢١ م [4]
 تعلم العرب فن الطباعة ، وأصدر أحدهم أول صحيفة عربية ، وهو رزق الله الحلبي وهي جريدة " مرآة الأحوال " سنة ١٨٥٥ م ، ثم تلاه خليل الخوري اللباناني الذي أصدر " حديقة الأخبار " سنة ١٨٥٨ م في بير وت ، ولكن الجرائد العربية كانت في مستوى متدن حتى صدرت جريدة " الجوائب " سنة ١٨٦١ م ، لصاحبها أحمد فارس الشدياق ، فقد بلغت مبلغا كبيرا من الرقي والانتشار ، وكانت أعظم الصحف العربية ثم توالى بعد ذلك إنشاء الجرائد والمجلات العربية ، وخاصة مجلة " روضة المدارس " التي أنشأها على مبارك سنة ١٨٧٠ م .
 قيض الله للصحافة العربية الأدباء والكتاب العرب لكتابة مقالات صحفية في الجرائد العربية ، وكانت السبب في تطورها وازدهارها ، ومن هؤلاء أحمد فارس الشدياق ، ورفاعة الطهطاوي ، واسماعيل الخشاب ، والشيخ حسن العطار ، وبطرس البستاني ، وعلي مبارك ، وعبد الله النديم ، وإبراهيم البازجي وغيرهم من الأدباء والكتاب الذين أثروا الصحف بالمقالات الصحفية في شتى العلوم والفنون والآداب.
 الدكتور الألواي في غمار الصحافة
إذا كانت صحافة الخمسينات من القرن العشرين ، تشهد تطورا ملحوظا ، فتنتقل من كونها صحافة شهرية إلى صحافة أسبوعية ، ومن مقالات بسيطة تعكس وجهة نظر ساذجة ومتقطعة ، إلى صحافة ذات رأي وأسلوب رصين ، فتصبح الأساس المتين لصحافة الاستقلال ، وهذا التطور يأتي من حرية محدودة تمتعت بها .
 الأستاذ الدكتور الألواي بدا حاضرا لذلك التطور الكبير في الصحافة المصرية ، فقد أعد نفسه وهيأها بالقراءة الدائمة المستنيرة ، بما حباه الله من قدرة على التحليل المرضوعي ، والنقد البناء ، والتفاعل السريع مع الأحداث ، فبدأ كتابة الاجتماعية ، والأدبية واللغوية ، والسياسة ، بشكل شبه دائم ، ولم ينقطع عن الكتابة منذ كتابته في صوت الهند في الخمسينات حتى قبيل وفاته بقليل ، فكان مجلة الأزهر ، والرسالة ، ومنبر الأسلام ، وثقافة الهند ، والمدينة ، ومجلة الجامعة الإسلامية ومجلة الدعوة ، ومنار الإسلام، ومجلة البعث الإسلامي ، ومجلة الدعوة ونور الإسلام ومجلة الشبان المسلمون وغيرها من المجلات العربية تشهد للدكتور محيى الدين الألواي رحمه الله مساهمته الكثيرة في نشاطاتها ومقالاتها ، وأصبح الأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي معروفا في الأوساط الصحفية والأدبية .
احتل الاستاذ الألواي مكانة في عالم الصحافة منذ الخمسينات من القرن العشرين فكان كغيره من أصحاب المقالات ، يكتب هنا وهناك مقالات متفرقة  ولكن في صحافة الستينات والسبعينات كانت له مكانة مميزة ، إذ إن تلك الصحف والمجلات كونت الخلفية الجيدة لصحافة الستينات ، وكان
للدكتور مقالات متعددة في مجلات وصحف تلك الفترة . وكان له عموده الأسبوعي ، أو عمودان في الأسبوع في الصحافة اليومية " المدينة " قد تناول فيها القضايا الإسلامية بشكل دائم ، أما الصحافة الأسبوعية والشهرية فلم يكن له مقالات بشكل دائم وإنما مقالات متفرقة كلما سنحت الفرصة لمراسلة مجلة أو جريدة ، أسبوعية كانت أو شهرية .
 عرف العرب الأستاذ الدكتور الألواي من خلال الصحافة ، فراسل كثيرا من المجلات والصحف العربية ، في مصر وسوريا ، ولبنان والمملكة العربية السعودية ودولة قطر والهند وطبعا صحافة الخليج العربي ، فشهرته الأولى انطلقت من مصر في الستينات ثم جاءت مراسلاته لمجلة الرسالة ، التي أصدرها أحمد حسن الزيات ، وغيرها من المجلات العربية ، فشعر قراء مقالات الدكتنور محيى الدين الألواي بنبوغ هذا الرجل ، وإحاطته بالموضوع الذي يتحدث فيه ، وإلمامه بجوانب من المعرفة ، وحفظه مجموعة كبيرة من الأشعار ، والآيات يجمل بها مقالاته ، فتبدو كأنها قد لبست خلاخيل أو جواهر وعقودا ، لذا نرى الصحفيين العرب والأدباء يحتفون بهذا الرجل ويقدرونه ، ويدعونه للكتابة في مجلاتهم وصحفهم .
 نعم لقد كان الأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي كذلك ، فلقد شغل بكتاباته ومقالاته الساحة العربية والخليجية لمدة تزيد عن نصف قرن ، كان مثالا للكاتب الملتزم بهموم أمته ، يدعو إلى الحرية والأمن ، ويعالج ويحلل الأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية والوطن العربي ، وله آراء نقدية ذات قيمة كبيرة يقدرها المسؤولون ، لذا نجدهم يسارعون إلى الاستجابة والرد على كتابته .
كتب الأستاذ الألواي في معظم المجلات والجرائد الخليجية والمصرية منها مجلة الأزهم والرسالة وثقافة الهند والمدينة ، ومنار الإسلام ونور الإسلام من أبو ظبي ومجلة الجامعة الإسلامية من الجامعة الإسلامية بمدينة المنورة، ومجلة الشبان المسلمون وغيرها كما أن الألواي راسل كثيرا من المجلات والجرائد العربية ، كالشرق الأوسط ، والأهرام الأدبي ومجلة المجلة وغيرها من المجلات العربية .
 لا يخفى أن الأستاذ الألواي قد ارتبط بكثير من الأدباء والمفكرين العرب، كالدكتور طه حسين ، والأستاذ عباس محمود العقاد ، والأستاذ محمود شاكر، والأستاذ حمد الجاسر ,والأستاذ سيد قطب والأستاذ محمد قطب والأستاذ نجيب محفوظ والأستاذ علي طنطاوي والأستاذ أبو الحسن علي الندوي وغيرهم كثير .
أنواع المقالة عند الدكتور محيى الدين الألواي
وإذا كان الصحفي متابعا ذكيا للأحداث اليومية في العالم فإن الأستاذ الألواي يعشق المتابعة اليومية للأحداث، من خلال الإذاعة أو التلفاز، أو الجرائد والمجلات العربية لذا كانت مقالاته الصحفية انعكاسا لتلك المتابعات اليومية، ولا عجب أن نراه يكتب حوالي مئة مقالة سنويا في شتى مناحي الحياة، فإذا استعرضنا موضوعات المقالة عنده فإننا لا نستطيع تصنيفها بحسب التصنيفات المعروفة للمقالة الصحفية ، لأن الأستاذ الألواي قد كتب في كل شيئ تقريبا فهو يمدح أحيانا، ويهجو تارة، ويرثي، ويصف، ويؤبن، ويوجه، وينصح، وينادي برفع الظلم، ويعري المنافقين، وغير ذلك كثير.
لم يكن الأستاذ الألواي يفكر في التصنيفات المختلفة للمقالات بقدر اهتمامه بإبراز موضوعات الكتابة ، فهموم الأمة الإسلامية ، وهموم الوطن العربي تشغله عن التفكير في أي شيئ آخر ، ولتأت المقالة بأي نوع وبأي شكل .
١– المقالة الاجتماعية
هذا النوع من المقالات أكثر شيوعا من غيره ، وخاصة في مجتمعنا الإسلامي حيث تسود الخرافات ، والعادات السيئة ، والبدع الخبيثة ، والجن ، والزار ، وإذا كان الأستاذ الألواي كاتبا صحفيا فإن المقالة الاجتماعية تأتي على رأس المقالات التي يكتبها ، وربما تصل إلى نصف ما يكتب من مقالات، لإنه قد وطن نفسه على محاربة الجهل والمرض والفقر ، وما يتبع ذلك من مشكلات اجتماعية ، فسنقتصر على بعض منها ، ففي مقالة له بعنوان " المنهج الإسلامي في تربية الشباب " إن من أهم العوامل في تكوين شخصية الشباب في نظر الإسلام " تقوية الطاقة الروحية والشجاعة الأدبية فيه وأما التدين فأساسه الإيمان بخالق الكون وقضائه وقدره والإيمان بالآخرة والحياة الأخرى فإن هذه التربية تربي فيه الاعتماد في الشدائد على . الله سبحانه وتعالى [5]
٢ - المقالة التاريخية
يقول الدكتور محمديوسف نجم بأن المقالة التاريخية " تعتمد على جمع الروايات والأخبار والحقائق ، وتمحيىصها وتنسيقها وتفسيرها وعرضها ، وللكاتب أن يتجه في كتابتها اتجاها موضوعيا صرفا ، تتوارى شخصيته[6] "  ولكن لا شك أنه يتدخل رأي الكاتب في تفسير النصوص واستخراج النتائج والأستاذ محيى الدين الألواي كتب المقالة التاريخية ، ففي مقالة له بعنوان " روابط تاريخية والثقافية بين العرب والهند " كتب " إن الصلات التاريخية والثقافية بين القارة الهندية والبلاد العربية لترجع إلى عهود بالغة في القدم ثم تطورت تلك الروابط حسب تقلبات الزمن . يستدل الدكتور الألواي بقول ١١٥٣ م في كتابه (الملل – العلامة الإمام الشهرستاني المتوفي سنة ٥٤٨ والنحل ) في معرض تقسيم أهل العالم : منهم من قسمه بحسب الأمم كبار الأمم أربعة العرب والعجم والروم والهند ثم زاوج بين أمة وأمة فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد .
ويقول المؤرخون أن أول أسطول مسلم ظهر في الحياة الهندية سنة ٩٣٩ ميلادية أيام الخليفة عمربن الخطاب رضي الله عنه . وأول بقعة أشرقت بنور الإسلام من البلاد الهندية هي ولاية مليبار في جنوب الهند الغربي المواجهة لبحر العرب ، ومما هو جدير بالذكر أن الصوفيين والزهاد كان لهم نصيب وافر في نشر الإسلام في تلك البلاد وإليهم يرجع الفضل الأكبر في هذا الباب بعد التجار والملاحين . وفي آخر هذه المقالة قد سرد تاريخ الاستغلال الاستعماي الإنجليزي في الهند يكتب " وبعد أن عاشت القارة الهندية قرنا تحت نير الاستعمار الغاشم وعرفت ذله وهوانه وقاست لذعات المجاعة والامتهان .
٣ – مقالة السيرة
علاقة الأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي برجال الدين والعلم والدعوة علاقة وطيدة خاصة مع بعض الرجال الأفذاذ في تاريخ النهضة الحديثة وفي تاريخ الهند منهم جمال الدين الأفغاني كتب عنه الألواي في مقالة بعنوان " جمال الدين الأفغاني رائد النهضة الحديثة في الشرق الإسلامي " كما كتب الدكتور سيرة أعلام الهند كصديق حسن خان كتب الأستاذ في . مقالة بعنوان " من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند صديق حسن خان " [7]
٤ – المقالة التأملية
هذه المقالة تعتمد على تأمل الكاتب للمشكلات التي تعصف بالحياة ، ويكون الكاتب جزءا منها فيحاول تلك المشكلات ، وطرح الحلول لها ، ومجال هذه المقالة كل الوجود الإنساني ، بما في ذلك الصراعات بين البشر ، والأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي خاض غمار هذا النوع من المقالة ، بل كتب العديد من المقالات في هذا المجال ، وإذا أردنا أن نتناول بعض هذه المقالات فإنه يطول بنا المقام
٥ - مقالة العلوم الاجتماعية
 هذا نوع من المقالة معروف ومشهور ، ومعظم الكتاب يكتبون فيه ، لأن هذا النوع فيه السياسة والاقتصاد ، والاجتماع ، ويعتمد الكاتب في إثراء هذا الموضوع على الحقائق من إحصاءات ، ومقارنات ، وتحليل المعلومات ، والخروج بالنتائج ، فالأسلوب واضح رصين لا لبس فيه وليس فيه حشو أو ألفاظ غريبة ، وعلى الرغم من استعمال الكاتب للمصطلحات العلمية ، فإن رأي الكتاتب يدخل في المقالة عن طريق التحليل والتعليل والنقد ، وفالمقالة في هذا النوع تظهر مقدرة الكاتب بإقناع القارئ في الحجج التي يوردها في مقالته. والأستاذ الدكتور الألواي خاض هذا النوع من المقالة ، بل ربما أغلب مقالاته تندرج تحت هذا النوع ، فكتب في السياسة ، والاقتصاد ، والاجتماع حتى عد أحد فرسان هذا النوع ، إن لم يكن قائدهم الأول .
٦ - المقالة الفلسفية
درس الأستاذ الألواي الفلسفة العربية القديمة والفلسفة الهندية القديمة ، كما قرأ كثيرا من الكتب الفلسفية ، لذا أراه أهلا في هذا المجال ، أو الرد على المفكرين والفلاسفة بما حباه الله من عقل راجح وذاكرة قوية ، ونظرة مستقبلية لكثير من الأمور ، فإذا رد كان رده شافيا ، ورأيه ثاقبا ، وإذا نقل آراء الفلاسفة فإنه كان أمينا عارفا بالاتجاهات والتيارات الفلسفية ، ففي مقال له بعنوان " حضارتان متكاملتان : الهندية والعربية التصوف والفلسفات الهندية " كتب " عرف العالم حضارات ثلاث من أقدم حضارات الدنيا وأبقاها على الأيام بما تركته من تراث باهر ملموس وهي حضارة الهند ، واتصلت هذه الحضارات الثلاث واشتركت في كثير من المبادئ والمظاهر ثم يقول : إن أثر التصوف الإسلامي في الهند كان أثرا اختياريا غير مباشر في مراحله الأولى ، وكان بعض الفلاسفة الهنود ، مثل شانكار ورامانوجا في جنوب الهند يسايرون في تأملاتهم وتعاليمهم الفلسفية نظام الصوفية فإن حركة " البهاكتي " المبنية على الفلسفة الهندية تشتمل على أمثلة عديدة من سلطان التصوف الإسلامي ومنها التمسك الشديد بالوحدانية . والتعبد الانفعالي وعدم الاهتمام بالطقوس الظاهرية ونظام المرشد والمريد [8]
 المقالة الاقتصادية
كل المقالات التي تتحدث عن الاقتصاد ، سواء المال ، أو التجارة ، أو ما شابه ذلك ، يقوم االكاتب بتحليل كل شأن اقتصادي وشرح أسسه ، ويهتم به الجمهور ، ولا تغيب الأرقام غالبا عن هذه المقالة ، وتعزز وجهة نظر الكاتب ، والمكان الأمثل لمثل هذه المقالة هو المجلات الاقتصادية ولكن قد تقوم الجرائد اليومية بنشر المقالات الاقتصادية .
قضايا المقالة وموضوعاتها
انطلق الأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي في قضايا الأمة الإسلامية ، وأشبعها بحثا ودراسة تمثل ذلك في مجموع المقالات التي كتبها تحمل عناوين تلك القضايا ، ثم ينطلق الأستاذ الألواي إلى العقل والمنطق فيصحح الفهم للدين الإسلامي معتمدا على التفسير والصحيح من الأحاديث النبوية.
١ – الأعياد الإسلامية في الهند ٢ – حضارتان متكاملتان الهندية – والعربية ٣ – درس للعلماء المجاهدين من تاريخ كفاح المسلمين ٤ أضواء على الجامعة الإسلامية بالمدية المنورة ٥ – جمال الدين الافغاني رائد الحركة الإسلامية في العالم ٦ – كيف انتشر الإسلام في شبه القارة الهندية الباكستانية ٧ – ضرورة نشر اللغة العربية بين الشعوب الإسلامية ( المدينة ) ٨ – المنهج الإسلامي في تربية الشباب ١١ – الواقعية في الإسلام ١٢ – اللغة العربية وعاء القرآن والعلوم الإسلامية ١٣ – شمولية الإسلام وعموميته ١٤ – اعتدال الإسلام ١٥ – مصدر الإسلام ١٦ – مكانة الجامعة الإسلامية ١٧ – أضواء على العلاقات الهندية العربية عبر التاريخ ١٨ – المسلمون الهنود ونشاطاتهم في الدعوة . هذه بعض العناوين التي تناولها الدكتور محيى الدين الألواي في جريدة المدينة .
خصائص المقالة وسماتها الفنية
أشكال التعبير المقالي :
شغل الأستاذ الألواي نفسه بالحوادث اليومية التي تطرأ على حياة العرب خاصة ، والعالم عامة ، فكانت مقالاته ردود أفعال لما يحدث في الساحة السياسة ، والاجتماعية ، لذا كانت مقالاته من النوع القصير غالبا ، التي لا تتجاوز الثلاث صفحات ، ولكنه يكتب أيضا المقالة الطويلة التي تتعدى الصفحات السبع أو أكثر وهذا قليل جدا ،
عناصر المقالة :
المقالة فن من الفنون الإنشائية ، فهي لا بد لها من عناصر الموضوع : من مقدمة ، وعرض للموضوع ، ثم خاتمة ، والأستاذ الألواي لا تخرج مقالته عن عناصر المقالة المعروفة ، ولكن مقدماته ، وعروضه ، تختلف من مقالة إلى أخرى .
اللغة :
الاستاذ محيى الدين الألواي عربي الهوى واللسان ، رغم أنه هندي ، يدافع عن اللغة العربية الفصحى كدفعاعه عن العرب وتاريخهم وثقافتهم ، فيصف اللغة العربية بأنها لغة قوية واجهت لغات كثيرة وصدمت في وجهها ، ويقول : " إن اللغة العربية استقبلت الثقافة الفارسية واليونانية والهندية بكل قوة في أواخر القرن الثاني للهجرة ، ويعود سبب قوة اللغة العربية إلى أنها لغة مرنة ، من صفاتها الاشتقاق والمجاز ، والتوليد والإبدال ، وهذه الصفات تعطي مفردات اللغة العربية توسعا في معاني الكلمة . يعتبر الدكتور أن اللغة تعني وجود الأمة ، فإذا فنيت اللغة فنيت الأمة بأسرها ، وهي كائن حي ، تحيا بحياة الناس ، وعندما تموت ، فالناس مآلهم الفناء .
الإيجاز :
لم تكن عبارات الدكتور الألواي طويلة ، بل كانت قصيرة محكمة تخدم غرضه ، فيستطيع أن يصل إلى هدفه دون زيادة في الجمل والعبارات ، فيستطيع أن يأتي بمقالة من بضع جمل وتكون مفهومة معلومة ، فهو لا يكثر من الجمل ، ولا يكرر بعض العبارات ليفهم القارئ ما يريد ، عبارة االدكتور دقيقة ، وقصيرة ، ومعبرة عن المعاتي التي أرادها ، فهو لا يلجأ إلى التكرار ، أو التوكيد اللغظي ، ما دامت الجمل القصيرة  تخدم غرضه . نعم هكذا هي لغة الدكتور المقالية ،
جزالة الألفاظ :
ألفاظ الدكتور الألواي جزلة ، فيها القوة والرصانة ، ولغته معبرة عما يريد ، ولا ينزل إلى مستوى اللهجة المحلية بل عراقة اللغة الفصحى تسعفه في جميع المجالات ، يعرف الدكتور كيف يختار الألفاظ لموضوعاته ، إن كانت سياسية أواجتماعية ، أو غيرها فالكلمات المناسبة الدقيقة سمة مقالات الدكتور الألواي .
الأسلوب
أسلوب الأستاذ الألواي مميز من بين الكتاب في منطقة الخليج العربي ، وهو يعتمد على غزارة الحجج ، وأسلوب التوكيد اللفظي ، والاستشهاد بالآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، والشعر العربي ، فضلا عن أنه يورد بعض الصور البلاغية التي تزيد المعنى بهاء وأبهة .
الاستشهاد
الددكتور محيى الدين الألواي كان أكثر استشهادا في مقالاتها ، إذا جاز لنا التعبير ، فالأستاذ الألواي استشهد بالآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، واستشهد بالأبيات الشعرية ، قديمها وحديثها ، والمقالات الخالية من الاستشهاد قليلة ، وربما نادرة ، استخدم الأستاذ الألواي هذه الاستشهادات لتقوية حججه ، ولتثبيت رأيه ، وليكون الشاهد طرفا في رأي ارتآه ، أو ليبعد به خطرا شاهده .
التوكيد :
لا أظن أني قرأت مقالة للدكتور محيى الدين الألواي إلا كان فيها التوكيد، أو ما يدل عليه ، واستعمال التوكيد في أسلوب الدكتور يدل على الإصرار على رأيه ، بل والأعتزاز به ، والاقتناع بالكلام الذي يورده ، ومن أساليبه في التوكيد نورد بعض الفقرات من بعض المقالات :
التطور :
مسيرة الأستاذ الدكتور محيى الدين الألواي الصحفية لمدة تزيد على نصف قرن فيها الكثير من التجارب ، والتطور الكبير الذي حظي به الدكتور الألواي ، فمن الخمسينات من القرن العشرين إلى أواخر القرن ، ازداد في هذه الفترة ثقافة وعلما ، وقرأ الكثير من الكتب والمقالات ، وثقف نفسه ، وقد تغلب على جميع المعوقات التي وقفت في طريقه ، ولكنه شق الصفوف ، وذاع صيته في الوطن العربي ،
الخلاصة :
راينا أن الدكتور محيى الدين الألواي قد كتب في معظم فروع المقالة ، وكن لابد لنا من إبداء ملاحظات على طريقته الكتابة ، وإن كانت هذه الملاحظات غير نهائية ، فالأستاذ محيى الدين الألواي كاتب مقالة بالدرجة الأولي ، قلمه سيال لكل أحداث العالم الإسلامي ، فلم تمر مناسبات ، أو أحداث ، إلا وكان له رأي فيها ، سواء أدخل ذلك في دائرة اختصاصه ، أم لم يدخل ، ولا أريد أن أقول إنه يقحم نفسه في الموضوع ، ولكنه يكتب على قدر فهمه وإدراكه للموضوع ، فهو لا يكتب عن شيئ إلا كان عارفا به ، معرفة غزيرة أو بسيطة ، لذا جاءت موضوعات مقالاته شاملة لمناحي الحياة .
 هذه دراسة جديدة لمقالات الأستاذ محيى الدين الألواي ، لم يسبق أن درس أحد فن المقالة عند الدكتور الألواي ، وكل الدراسات السابقة عن الألواي كانت مقتضبة ، لا تتناول فن المقالة عنده إلا بكشل يسير ، ومن ناحية شكلية ، أما هذه الدراسة فإنها تغوص في فنه ، وتستخرج منه مدى تعلقه بكتابة المقالة ، لذا كانت هذه الدراسة شاقة اعتمدت على محصوله من المقالات .
كشفت هذه الدراسة منهج الدكتور في كتابة المقالات من حيث شمولية الثقافة التي لديه ، لذا كتب في كل الموضوعات تقريبا ، لو قمنا بإحصاءتلك الموضوعات لما استطعنا إلى ذلك سبيلا .
وضح في مقالاته الإسلام الصحيح ، معتمدا على الآيات المحكمة ، والأحاديث الصحيحة ، ووجه إلى فهم الإسلام يعتمد على اللغة العربية ، ودراسة الفقه والأصول والبلاغة ، ولا يمكن أن يفسر الدين فرد لا يملك هذه المؤهلات .
تباين أسلوب الدكتور بين القوة والضعف ، مع عمق الفكرة التي يكتب عنها ، واختيار للألفاظ ، دون تكلف ، فجاء أسلوبه جزلا أحيانا وسهلا أحيانا أخرى ، متسقا مع نوع الفكرة التي يكتب عنها ، ولا تخلو تلك الأفكار من هدف تعليمي ، أو نصيحة يسديها لمن يكتب عنه ، أو توجيه الأنظار إلى هدف معين ، والقوة والضعف تعتري كل عمل فني ، وخاصة المكثر ، مقالات الدكتور تراوح بين القوة والضعف لأنه كتب مئات المقالات .
 من خلال دراسة مقالات الأستاذ محيى الدين الألواي يتضح أنه كاتب مقالة بالدرجة الأولى ، تتميز مقالته بالهدوء ، فلم يعرف عنه أنه كان عنيفا في مقالاته ، وكان يتحرى جانب الحق الوصدق ، لم يمدح تملقا ، ولم يذم حبا في غرض معين ، بل كان سعيه الدائم الوصول إلى الحقيقة . مقالات الدكتور محيى الدين الألواي من النوع الإصلاحي التربوي ، وكان قصده توجيه مسارات البياء التنموي ، لذا نراه يشجع العمل الجاد ، ويتصدى للعمل الردئ ، ونراه أيضا بسيطا في طرحه للفكرة ، هادئا في توجيهه المسؤولين ، حتى لا يثير غضبهم ، أو ردة فعلهم السريعة .



[1] ابن ماجه : سننه ، (بيروت : المكتب الإسلامي ، ١٩٨٦ م ) ٤٥
[2]  د/ أحمد هيكل ، تطور الأدب الحيث في مصر ص ٤١٦ دار المعارف ١٩٦٨
[3]  د/إبراهيم إمام ، دراسات في الفن الصحفي ، الأنجلوالمصرية ١٩٨٢
[4]  محمد يوسف نجم ، فن المقالة ص ٦٥ بيروب دار الثقافة . ط ٥  ،  ١٩٨٨   
[5] مجلة الأزهر ١٩٧٩
[6] محمد يوسف نجم ، فن المقالة ص ٦٥ بيروت: دار الثقافة ط٥   ١٩٧٧ م
 [7]  المدينة ١٩٨
 [8]  مجلة منبر الإسلام العدد ١٢ القاهرة ١٩٧٩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة