أحدث المشاركات

الأربعاء، 22 مارس 2017

دور الشيخ أبي الحسن الندوي في حركة رسالة الإنسانية

محمد مصعب ، الطالب في السنة النهائية من الدراسات العليا-قسم الحديث

مجلة النادي العربي السنوية عدد ممتاز عن منهج الإمام الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الدعوة والفكر الإسلامي لطلبة النادي العربي دار العلوم لندوة العلماء ، لكناؤ 1435هـ الموافق 2014م

 الأوضاع العنيفة إثر استقلال الهند
خفت حدة الاضطرابات الطائفية الدامية التي كان المسلمون فيها الفريسة الوحيدة منذ عام 1947م ، وقام نظام ديمقراطي في عام 1950م ،واتخذ دستورعلماني ،لكن بعض العناصرالتي لم تكن منسجمة مع الفكرة العلمانية كانت تريد تحقيق سيادة كاملة للهندوس لكونهم في الأغلبية ،واعتقدت هذه العناصر أن الهند بلد الهنادك ،وأن المسلمين كانوا غزاة وأجانب،وأنشأوا دولة خاصة لهم باسم "باكستان "، ووجهت الدعوة إلى المسلمين بقبولها،وأن يندمجوا إلى المجتمع الهندوسي،وطالب بعض القادة أن يقطع المسلمون صلتهم بالماضي ،ولا يفاخروا بأمجاد التاريخ الإسلامي،وكان هذا الإتجاه خطرًا كبيرًا،على العلاقات الطائفية، وقد أثارت نوعًا من الصمود في المسلمين والشعور بذاتيتهم، وأنهم محاربون لمجرد انتسابهم إلى الإسلام .(الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما،ص 44 )
الشعور القوي بالخطر الداهم :
شعر العلماء المسلمون هذا الخطر في حينه، وكان في مقدمة العلماء الذين شعروا بضرورة خوض هذه المعركة، سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي ، إنه ألف عدة رسائل في مكافحة هذه الدعوة باللغة الأردية ، ونقلت هذه الرسائل إلى لغات الهند المختلفة في أهمية الثقافة الإسلامية وضرورة الاحتفاظ بها ،والاهتمام بتصحيح العقيدة ،وتجنب العادات الوثنية ، كما أكد على أهمية الانسجام الطائفي ،وتنمية روح التعايش السلمي والاحترام المتبادل ،ولم يكتف سماحة الشيخ الندوي بتأليف رسائل ،بل فكر في عقد اجتماعات عامة مشتركة للتحدث إلى المسلمين وغير المسلمين لإيجاد الانسجام ،وعرض الإسلام ،والخلق الإسلامي ،والتصور الإسلامي للحياة الاجتماعية.(الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما،ص 45 )
ويقول:"قادني جهازي الفكري والتربوي الذي لم يكن قد ترك عمله،ولم يطبق عينه عن الظروف والأوضاع المخيفة،والذي وضع نصب عينه دائما تجارب الماضي وحقائق الحاضر وأخطار المستقبل إتجاه جديد وتجربة جديدة في المجال الدعوي الشعبي ،لاسيما المثقفين منهم،وتلقى فيها خطابات مع مراعات أجوائهم وعقلياتهم ، تعرفهم بالإسلام ،وتزيل الوحشة منه،وسوء التفاهم،وتحثهم على دراسة الإسلام والسيرة النبوية بعمق وانصاف،وتجسم لهم الأخطارالمحدقة بالبلاد،للإفلاس الروحي والعقائدي،والإنهيار الخلقي،وسيطرة النظر المادي ،والشره للمال على المجتمع (مسيرة الحياة،1/247)
الخطوة الحازمة:
وقدعقدت عدة اجتماعات ضخمة في مدن الهند الكبرى خاطب فيها سماحة الشيخ الندوي ،    يصف سماحته تأثير هذه التجربة بعد أن ألقى خطابا في مدينة "سيوان"في ولاية بيهار،وقدحدثت في المنطقة قبل ذلك اضطرابات عنيفة ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين ،وكانت العواطف ملتهبة، والجو مكفهرا،وسوء الفهم عن الإسلام والمتكلمين سائدًا،وقد كانت الصحافة القومية كعادتها في مثل هذه المناسبة قد عرضت المسلمين كالفئة الباغية المثيرة للفتن ،يقول سماحته بعد إنتهاء الخطاب ،تقدم إلي شيخ هندوكي معمر ،وهو يقول بالإنجليزية ، رائع رائع ،ثم قال،أريد أن أقول شيئا ، وقال ،إني سمعت في حياتي خطابين تأثرت بهما جدا،أحدهما خطاب س.ر.داس ،والثاني خطاب مولانا اليوم ،وأقول بصراحة،إن محمدا صلى الله عليه وسلم حق،ويا مولانا إنك لست للمسلمين فحسب،بل إن لناحقا عليك ، وسوف نكلفك بزيارة هذه المدينة مرة ثانية. (مسيرة الحياة،1/250)
وبهذه التجربة الطيبة نبتت فكرة رسالة الإنسانية ،وهي الخطوة العملية الأولى في هذا الاتجاه،كانت هذه الاجتماعات التي يتحدث فيها الشيخ الندوي تجربة فريدة في تاريخ الهند الحديث، فقد عرفت الهند في العهد القريب اجتماعات سياسية ،يتحدث فيها الزعماء السياسيون الذين كانوا يخوضون معركة تحرير البلاد ،وقد اتخذ سماحة الشيخ منهجًا جديدًا،وهو كحديث القلب مع القلب لعرض ما يؤثرعلى القلوب من تعاليم الإسلام والتاريخ الإسلامي من الناحية الإنسانية،وعرض حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كمربي الإنسانية ،والذي بعث كمتمم الأخلاق ،رحمة للعالمين، واستعراض التاريخ الإسلامي بإبراز جوانب المساواة،والتسامح والعدل بين الناس ،ورعاية حقوق غير المسلمين واحترام الأديان وكرامة الإنسان،والدعوة إلى إنشاء مجتمع إنساني نبيل ،ينتقد ما وقع في حياة المسلمين من انحراف عن الجادة ،وتقصير في اتباع تعاليم الإسلام ،والخلق الإسلامي ، فنال هذا المنهج إعجاب غير المسلمين الذين كانوا يعرفون عن الإسلام ،أنه دين القتال ،والانعزال عن الحياة، وأن الحكم الإسلامي حكم القسوة ،ولذلك كان عدد غير المسلمين في الاجتماعات التي يتحدث فيها الشيخ الندوي يتزايد كل يوم ،ونالت هذه التجربة قبولاً، وبهذا المنهج استطاع ان يلفت عنايته عدد من الزعماء من غير المسلمين إلى قضايا المسلمين ،وكسب عطفهم وتاييدهم (الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما،48)
تعد حركة رسالة الإنسانية من المجهودات الإيجابية لإزالة الشكوك والشبهات في أذهان غير المسلمين بالنسبة للمسلمين ،وتعد حركة رسالة الإنسانية من أقوى الحركات في الهند ،التي نالت القبول في مدة قصيرة.
إنشاءحركة "رسالةالإنسانية"
أنشئت حركة رسالة الإنسانية في عام1974م بعد سلسلة من الاجتماعات التي كان يعقدها سماحة الشيخ منذ عام 1953م من أجل إيجاد وعي إنساني ،وترسيخ المثل الخلقية والتعامل النبيل بين مختلف أفراد المجتمع، واستأنف سماحته عقد مثل هذه الاجتماعات في مختلف ولايات الهند بعد فترة عكف فيها على التأليف والبحث العلمي في عام 1974م عند ما تجددت الصراعات الطبقية والإقليمية في البلاد ،وتصعد حب المال ،وكسب المصالح الذاتية ،والاتجاه إلى العنف، وأنشئ مكتب له لإيجاد روابط مع رجال مختلف الفرق وإيجاد منبر للتحاور بينها (كاروان زندگي،2/117)
فكرة الشيخ عن رسالة الإنسانية :
وتتلخص دعوة سماحة الشيخ وفكرته عن رسالة الإنسانية،"إن العالم الإنساني يحتاج فيما يحتاج إليه أن توضع أمام الإنسان ،بالإرتفاع عن المصالح الذاتية ،والعصبيات القومية ،والمصالح السياسية ،تلك الحقائق والقيم التي تلزم لنجاته وحياته بأمن وسلام ،وهي حقائق إذا أغفلت تعرضت حضارتنا ومجتمعنا لأخطار جسيمة ،وواجهت صراعًا عنيفًا للبقاء،وقد بين هذه الحقائق الأنبياء في عصورهم ،وجاهدوا في سبيلها، ولا تزال هذه الحقائق تحمل حيويتها وتأثيرها ونفعيتها للإنسان ،وتقدر على أن توصل الإنسان اليوم إلى النجاة ،لكن الحركات السياسية والمنظمات المادية ،والنزعات القومية أثارت الغبار الكثيف،واجتاحت عاصفتها ،فاختفت هذه التصورات الإنسانية عن الأنظار ،إن ضمير الإنسان لم يمت رغم هذه العواصف الهوجاء ،ولم يجمد ذهن الإنسان ،ولم يتعطل عن العمل ،فإذا عرضت الدعوة إلى هذه الحقائق بإخلاص،وبأسلوب سهل مستساغ يفهمه الإنسان اليوم،فإن ضمير الإنسان وذهنه سيتجاوبان لهذه الدعوة ،ويقبلان عليها ،ويعرف الإنسان أن هذه الدعوة بلسم لجروحه ،وتعبير عن هواجسه (الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما،70)
الحوار لإزالة سوء التفاهم:
شعر سماحة الشيخ بضرورة التحاور بين أعضاء مختلف الطبقات لإزالة سوء التفاهم الذي يؤدي أحيانا إلى الصراع،فعقدت لهذا الغرض عدة حوارات ،ووجه سماحة الشيخ الدعوة إلى إيجاد جو الأمن والسلام في البلاد،وإعادة الثقة إلى النفوس لمحاربة الخوف والذعر،والشكوك والشبهات بين مختلف الطبقات والمجتمعات ،وأكد على أن هذا الهدف يطابق مع دستورالهند الديمقراطي الذي وضعه واضعوه بدراسة المجتمع الهندي وطبيعته، وهي دعوة لا يتنازع فيها أحد،لأنها دعوة إلى كرامة الإنسان وصيانة حقوقه، وإتاحة فرصة للعيش بطمأنينة،صرح سماحته في كلمته:إن لكل إنسان في هذه الحياة دارين،دار يسكنها هو وأعضاء أسرته،وهي داره الصغيرة ،وهناك دار أخرى أيضا،وهي أكبر من هذه الدار،وهي البلاد،ونحن ننسى في غالب الأحوال أن هاتين الدارين لنا،وينسى هؤلاء الناس أن العواصف الهوجاء إذا هبت خارج الدار الصغرى، وإذا شب حريق واشتعلت نيران ،وانتشرت لفحاتها،وإذا تعرضت المنطقة التي تقع فيها الدار الصغيرة للفيضان الجارف ،فإن هذه الدار الصغرى مهما كانت مشيدة بالحجر أو القرميد لن تبقى مأمونة من النار،أو السيل ،أو الرياح العاصفة،كذلك إذا كان سكان هذه الدار الكبيرة  يعيشون بأمن وسلام وثقة واحترام فيما بينهم،فإن نار الكراهية والحقد والصراع والتفاهم والعداوة التي تجتاح خارج الدار في المنطقة،التي تقع فيها الدار ستؤثر على هدوء هذه الدار الصغيرة ،
وأعرب سماحته عن أسفه،"بأن الهند بلد عظيم،مترامى الأطراف، بلد الحضارات والديانات،والفلاسفة والمفكرين،والساسة والمدبرين،ولكن لا ينهض رجل واحد اليوم من المثقفين والحكماء والقادة،وعددهم كبير،بهذا الفكر لبناء خلق الإنسان، فلا يهم أحدا أين تتجه هذه البلاد؟وقد بلغ السيل الزبى،وهل يتصورفساد أكبر من تلويث الأدوية التي تستعمل لوقاية الحياة،وقد سمعت أحد وزراء الصحة ،يقول:إن ستين في المأة من الأدوية ممزوجة،كذلك المحسوبية،والرشوة،والتسيب،واللامبالاة،والابتزاز والأمراض الاجتماعية عمت في هذه البلاد ،ولا تخلو منها المستشفيات، ودور الصحة، والتعليم، والمؤسسات الإنسانية، فكيف تسير هذه البلاد؟ وكيف تجري الحياة فيها بسلام؟ (الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما، ص-(76)
منهج الشيخ عن الحركة:
وكان منهجه في ذلك يختلف عن منهج زعماء الحركات الإسلامية الأخرى،وهو منهج المواجهة أو المقاومة،بل كان منهجه منهج الإقناع والتفهيم،والكفاح في إطار الدستور،والحقوق الديمقراطية،والاحتراز عن كل حركة، تحدث شحناء أو رد فعل ،لذلك كان ينال الشعبية العامة واحترام سائر القادة والحكام،وأدى هذا العمل بكريم أخلاقه وحسن سلوكه مع الناس،وبذلك كله عد علمًا من أعلام المسلمين الذين قاموا بأداء عمل عظيم في مجال دعم الفكر الإسلامي ،وتصحيح المفاهيم المنحرفة للمسلمين في مجالات الفكر والإجتماع والسلوك واتجاهات الحياة المختلفة ومجالات شتى للحياة.
النتائج المثمرة لهذه الحركة :
كان الوضع في بعض المناطق متوترًا ومتأزمًا ،فعقدت اجتماعات مشتركة تحت هذه الحركة، فآتت أكلها بإذن ربها ،وتآلفت القلوب،وتقدم عدد من كبار العقلاء والمثقفين من الهندوس، وهدأت العواطف في الأماكن التي عقدت فيها هذه الاجتماعات ،وأمكن تجنب الصراع،والواقع أن هذه الحركة كانت مجهودًا لتقويم سلوك الإنسان،وبث المثل الخلقية في المجتمع البشري التي تتفق عليها جميع الأديان، ولذلك نالت هذه الحركة القبول من سائر الأديان، ووراء هذه الأهداف الإنسانية هناك هدف آخر، وهوملأ الخليج بين المسلمين وغير المسلمين، وإتاحة فرص اللقاء بين المسلمين وقادتهم وقادة الأديان الأخرى لإزالة الشكوك والشبهات في المسلمين التي تبثها الحركات الطائفية المعادية للإسلام والمسلمين،وعرض الوجه النقي لتاريخ الإسلام،وعرض صور التسامح التي تشتمل عليها تعاليم الإسلام، وقد شوه هذا الوجه وزور التاريخ المستشرقون وتلاميذهم بكتب تعتدي على الإسلام والمسلمين،وقد حققت هذه الحركة هذا الهدف الكامن،فاعترف بعض القادة من غير المسلمين أنهم ماكانوا يعرفون أن المسلمين أيضا في قلوبهم محبة للإنسانية وللوطن،وإنما كنا نعرف أنهم حملة السيف. وقد حققت هذه الحركة هدف التقارب بين المسلمين وغيرهم،وجمعت على رصيف واحد أعداءهم الذين اعترفوا بعد سماع كلماته أن هذه الحركة حاجة العصر،وتغير تصورهم عن المسلمين ،وبذلك أتيحت لهم فرصة دراسة الإسلام ،وتغير موقفهم إزاء قضايا المسلمين ،بل قدم عدد منهم خدماتهم لحل قضايا المسلمين ، وأصبحوا مدافعين عنهم.(الشيخ أبو الحسن الندوي قائدا حكيما،31)
الحاجة إلى تجديد الحركة ومسئولية المسلمين تجاهها:
إن أكبر حاجة في هذا العصر ،وهي خلاصة حركة الرسالة الإنسانية أن نفكر في دارنا الكبرى ولا نقع في خداع أننا آمنون،ونعيش حياة هدوء وسلامة،وحياة المبادئ والأخلاق، وأننا نحتاج إلى أن ننظر إلى ما يقع خارج دارنا.
وذكر سماحته مسئولية المسلمين ،بأن المسلمين كانوا مقصرين في هذا المجال ،بإعراضهم عن تأدية واجبهم إزاء بناء الإنسان ،وتقديم أسوة خلقية ،وقال :إننامسئولون عند الله يوم القيامة عن هذا التقصير،فتعود إلى المسلمين مسئولية إنقاذ البلاد،لأن هذه السفينة إذا غرقت غرق بها المسلمون وغير المسلمين ،ولكني رغم ذلك متفائل ،ولا أقنط من رحمة الله، فإن البلاد نامت، ولكن لم تمت،والنائم يوقظ،وأما الميت فلا أمل في حياته وانتعاشه،ولكن يجب أن تكون للنوم نهاية،وأن تتلوه صحوة،فحاجتنا الماسة اليوم إيقاظ هذا المجتمع، ولذلك أبذل سعي المتواضع لإيقاظ ضمير الإنسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة