أحدث المشاركات

السبت، 25 مارس 2017

طلب العلم بين الماضي والحاضر دراسة مقارنة

عبد الحكيم علي الأزهري الوايكادي(أكادمية الإمام سالم)
لقد أثبتت علماء كيرلا في العقود المنسلية وجودا متميزا في منصة العلم والتحقيق، وهذامما ‏يعترف به القاصي مع الداني، وإن تغافل عن الإشادة به بعض أصحاب التوجهات ‏الخاصة؛لأنهممحرومون من الإنصاف والموضوعية، وكان علمائنا ضاربين بسهم ‏وافر  في العلوم الشرعية على اختلاف فروعها وشعبها وفي الفنون العقلية على تفنن مراميها ‏ومقاصدها،فهاك مثلا كتاب رسالة التنبيه للعلامة الراحل الشيخ مهران كتي بن عبد الرحمن الكيفتاوي؛ فإنه يذهب بك إلى بعد ‏جديد من التحقيق والتنقيح، والكتاب زُفَّ إلى العالم العربي قريبا فانبهر واندهش منه ‏الكثير سائلين كيف استطاع لعالم هندي أن يملك هذه العقلية المحررة الخارقة ، وكذلك ‏كتاب العوائد للعلامة الشالياتي  يشهد لعلو كعبه في بعد النظر وعمق الفكر،ولا أريدفي ‏هذه المقالة القصيرة التنويه بمقدرة علمائنا الأفاضل السابقين ‏بل غايتي الإلماح إلى حقيقة ‏ناصعة وهيأنهم ما كانوا يستطيعون الوصول إلى هذه المكانة المحمودة لولا وجود أمور ‏كانوا يهتمون بها لكننا ضيعنها ولم نعد نبالي بها وما هي تلك الأمور؟ فلعلها تَظْهَر من ‏خلال هذه السطور التي تهتم بدراسة مقارنة بين طلب العلم في الماضي وبينه في الحاضر ‏كما تبرز من خلالها بعض الآفات العلمية التي تحدث في بلادنا –حماها الله من كل شر- ‏
‎‎ولا ينبغي أن يتسرب إلى ذهن القارئ أن الذي  يتحدث عن المشكلات العلمية عالم متمكّن خلا منها ‏لأن كلي عيوب وتقصير وما أريد إلا تحريك المياه الراكدة وإشعال الهمم الباردة وبالله ‏التوفيق. ‏
الفروق الجوهرية بين طلب العلم في الماضي وبينه في الحاضر ‏
أوّلا: طلب العلم كان عبارة عن تفرغ كامل في الماضي؛ إذ يلازم الطالب شيخه، لا ‏يذهب إلى بيته إلا نادرا، ومن عجيب ما يحكى في هذاما سمعناه من بعض المشايخ أن ‏طالبا وصلته رسالة من بلده، وكان فيه نعي والده أو  والدته لكنه أهمل القرائة، ولم يهتم بها، ‏ثم بعد مرور سنة قرأ الرسالة ففوجئ  بالخبر، وهكذا كان خبر القدامي في التفرغ ‏والانقطاع، ولم يشغلهم عن العلم شاغل وكذلك كان المدرسون لا يذهبون إلى الولائم ‏والاحتفالات والبرامج؛  لأنها تضيّع عليهم دروس العلم، وكان بعض المشايخ عندما ‏يتولون التدريس يشترطون على الإدارة بأنه لا يحضر حفلات أحد كائنا من كان، ولكن ‏الأمر اختلف في الزمن الحاضر،فما من مأدبة أو عزومة إلا وحضرها طلاب العلم مضيعين ‏أوقاتهم الغالية، ولا يستنكفون عن قبول الدعوة ، ولو كانت لأسباب تافهة ، والأساتذة ‏كذلك بدأوا يستساهلون، وما أكثر مجالس البردة والإنشاد في بلادناالآن!، هل تظنون أننا ‏أكثر شوقا إلى الحبيب من علمائنا السابقين! ولا يعترضنّ أحد قائلا :إنشاد البردة أمر يجلب ‏الروحانيات ، وهو أمر مطلوب؛ لأن الكلام ليس في شرعيته واستحبابه بل في ترتيب ‏الأولويات؛فطلب العلم مقدم على مثل هذه المجالسولا يشك فيه من شم رائحة العلم.‏
وفي هذا الصدد لا يفوتني التعرض لظاهرة سيئة بدأت تطغى على ساحة العلم بل تقضي ‏على العلم كليا،وهي الانشغال بالهواتف الذكية والإدمان على الفيسبك والواتسب ‏وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي،وكثير من الطلاب لا يطيب لهم النومولا يستقر ‏لهم المقامإلا إذا التقطوا الصورأو نشروا منشوراأو قاموا بالبث المباشر ،والكل يعلم أن ‏فترة الطلب قصيرة جدا، والفنون عديدة،ومع كل هذا كيف يكون حال من شغله العالمان ‏الأزرق والأخضر،أولا يكون محصوله العلمي ضيقا ومحدودا؟! ،ولا يمكن أن ينكر أحد ‏ما للمواقع من دور فعال في نشر الدعوة،لكن أية فائدة في دعوة لم تنبن على الدعائم ‏العلمية المتينة ولم تعتمد على ركائزفهم الأصول الشرعية ‏
ثانيا: تصور أكثر الطلاب الجدد عن العلم والعالمتصور مغلوط لأنهم  يظنون أن العلم ‏هو حفظ المعلومات والبحث عنها وسردها لكن العلمالذي عَرَفَه الأقدمون، وهو عبارة ‏عن ملكة راسخة يقدر بها على فهم المسائل وتحليلها، وعلى تخريج المسائل على الأصول ‏وعلى فك العبارات العويصة،وبهذه الملكة امتاز علمائنا عن غيرهم في الزمن السالف ، ‏ومما يستطرف في هذا السياق ما قاله أستاذ الأساتيذ زين الدين عندما سئلعن الفرقبين‏علماء بلدنا وبين العلماء في الخارج :علمنا عميق وعلمهم واسع، وهذه الملكة تحتاج إلى ‏شيخيدرّب الطلاب على حل العبارات شيئا فشيئا ويحبب إليهم فهم ما وراء العبارة من ‏إشارات لطيفة،فالقرائة العابرة السريعة لنصوص الأئمةلا تثمر ولا تجدي هذه الملكة، ‏لأن الأئمة متمكنون من جميع العلوم الآلية وغيرها فتنطبع في مؤلفاتهم ما ترسخ في ذهنهم ‏من قواعد العلم وأصوله فالطالب الذيلا نصيب له من علوم الآلة يضيع ويتيه دون أن ‏يفهمالمقصود ، وفي الجملةنحن بحاجة إلى تأسيس أصول الفهم أكثر من حاجتنا إلى تكثير‏المعلومات.‏
ثالثا: عدمالاهتمام الكافي بكثير من الفنون التراثية التي كانت تُصَبُّ حولها الجهودُ المضنية ‏في الزمن الماضي،مثلا انظر إلى علم المنطقأليس هذا العلم مما ينفر منه طلاب العصر بينما ‏كان هذا الاسم محبوبا لدى الجيل الماضي، ولست أجاوز الحقيقةَ إذا قلت إن أكثر طلاب ‏زماننا هذا يجهلون أبسط اصطلاحات المنطق؛ لأنهم يقرأون المنطق وغيره من العلوم ‏العقلية قرائة البركة لا قرائة تحقيق وتدقيق، ومما يعزّز هذه الحقيقةَ أنّ كثيرا من الطلاب ‏يقرأون ملا حسن دون أن يعلموا أن هذا كتاب ألّف في علم المنطق ، فكيف يمكن لهؤلاء ‏فهم المصنفات الأصولية والكلامية المشحونةبالاصطلاحات المنطقية، وإضافة إلى هذا‏فإن للمنطق محوريةً في تكوين الملكة العلمية التي سبق ذكرهاآنفا، ولقد أبدع حجة ‏الإسلام الإمام الغزاليإذ قال في مقدمته المنطقية التي استفتح بها كتاب المستصفى "وليست ‏هذه المقدمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به بل هي مقدمة العلوم كلها ‏ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا" ، وأَمرُبقية العلوم من الفلك والهندسة والحساب ‏ليس مختلفا عن علم المنطق بل كاد يندثر ويضمحل علم الفلك من بلادنا، وقلما يعتني به ‏طلاب العلم في زماننا ولا شك أن كل هذا الإهمال يصغر مساحة العلم ويجعل الطالب ‏ضيق الأفق
رابعا:بدأت أعاصير التيسير  والتسهيل تعصف ببعض المدارس في بلادنا بعد احتكاكنا ‏‏الشديد بِبَعض دكاترة العرب الذين نادوا للقضاء على الكتب الصفراء، وبدأ الكثير ‏من المدرسين يغيرون الكتب التراثية شيئا فشيئافكتاب قطر الندى والألفية لم يعدا يُدرَّسان في بعض المدارس، وحلّ محلّهما النحو الوافي وجامع الدروس العربية ، وكذلك ‏كتابا الجوهرة والسنوسية طفقا ينسحبان من سُلّم التعليم، وحل محلهما كتاب  كبرى اليقينيات ‏الكونية للعلامة الشهيد البوطي ،وأنا لا أنكر  فضل  هذا الكتاب لكنه كتاب مطالعة ‏وليس كتاب تأصيل، فالأفضل الاعتماد على الكتب التراثية  فمثله كمثل الاعتماد على كتاب ‏المعتتمد في فهم المذهب الشافعي للزحيلي ، وقصدي من هذا الكلام ليس التحريض على ‏ترك الكتب المعاصرة كليالأني أعلم أن منها ما هو نافع جدا ككتاب البوطي المذكور ‏لكن الكتب المعاصرة لا تُكوّن الملكة لحل العبارة ولا تشمل على ما اشتمل عليه التراث ، ‏فهي إذن تصلح للاطلاع والمطالعة ،ومن الذي فهم التراث يمكنه فهم المنهج الجديد‏ بسهولة ومن الذي انكب على الجديد لا يمكنه فهم القديم إلا بصعوبة ، فتقديم القديم ‏مهم للغاية، وعلاوة على ذلك فإن الكتب النحوية القديمة مشحونة بالشواهد الشعرية ‏والنثرية فحفظها يفضي إلى ملكة لقرض الأشعار  والتذوق الأدبي بخلاف كتب المعاصرين‏ وهناك فوائد أخرى في أمثلة القواعد التي تشتمل عليها الكتب الحديثة، وانظر مثلا إلى ‏كلام القائل في تقدم المفعول على الفاعل قطف الوردة طفل وهذاالمثال مثال صحيح لكنه ‏لا يكون في قوة الاستشهاد بقوله تعالى (وإذا ابتلى ابراهيمَ ربه) وقوله( إذ حضـر يعقوبَ ‏الموت) وقوله (لن ينال اللهَ لحومها) لأن المثال الأول برز فيه القاعدة النحوية لكنه خلا عن ‏الوسامة والقسامة فكأنه تمثال أصم بينما الشواهد القرآنية تتنغش بالحياة وتمور  بالحركة مع ‏ما تعطيه من أنس وخبرة بالأبنية وكذلك التمثيل للتوكيد اللفظي  بمثل جاءجاء زيد لا ‏يكون هذا التمثيل في قوة قول عروة بن أذينة:
وكل حظ امرئ دوني سيأخذهلا بد لا بد أن يختاره دوني.‏
وهناك مشكلة أخرىفي تعليم النحو في بلادنا وهي ظاهرة جديدة لم تكن موجودة بكثرة في ‏الأيام الماضة وهيعدم الاهتمام بحفظ القواعد التي تساعد على ترسيخ الأحكام ‏وضبطها،وانظر إلى أمر الألفية مثلا، وكان حفظها شيئا عاديا في الماضي بينما أصبح هو ‏شيئا نادرا في زماننا كذلك أمر بقية المتون والمنظومات قل من يهتم بحفظها وللحفظ مكانة ‏عالية جدا لايستهان بها وليس أدلّ على أهمية الحفظ من هذا القدر الهائل من المنظومات في ‏اللغة والنحو والفقه والبلاغة، ربما يكون هناك بيتان أو بيت يجمع كل ما تناثر من ‏المسائل ففي الجملة أن للحفظ أثرا كبيرا في تكوين هيكل العالم .‏
خامسا: الاكتفاء بالتنظير  وإهمال التطبيق، هذه مشكلة قلّ من يسلم منها من المدرّسين فربّما نجد من بلادنا من درّس المختصر والمطوّل مرّات وكرّات لكنّه يعجز عن استخراج أوجه الاستعارات والمجازات في الأمثلة العادية مثلا إذا طالبناه باستخراج الاستعارة من قولنا"أثمرت الدعوة في المدينة" نجده يتحيّر  ويتلعثم، وكذلك نجد متقنين في علم النحو وقواعده مستحضرين للمسائل لكنّه في التطبيق صفر من الشمال.  والأمر في المنطق أغرب وأعجب كأنّنا ندرس المنطق وغيره من الفنون من أجل الامتحانات لا من أجل عصمة الفكرة من الخطأ ،فما أحوجنا إلى علم تطبيقيّ الّذي به يصير العالم عالما.
أخي القارئ:هناك مشاكل أخرى اعترتمنهجنا العلمي سأتحدثعنها لاحقا في عدد آخر، ونظرا إلى  الاختصار أكتفي  بهذا  القدر وبالله التوفيق.
‏ ‏

‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة