أحدث المشاركات

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

الشيخ نظام الدين أوليا الدهلوي: നിസാമുദ്ധീന്‍ ഔലിയാ,Nizamudheen ouliya

عمر الفيضي: مدكود
بودون! قرية إسلامية في شمال الهند! اتخذت سكانها من بلاد خراسان وإيران وشتى البلاد العربية حيث نقلوا ديارهم وأموالهم إلى هذه القرية الصغيرة. هذه البلدة المباركة هي مسقط رأس ولي الله الشيخ نظام الدين رحمة الله عليه. وكانت ولادته سنة 1338م. قدم جده من لاهور إلى بودون وأقام هناك لإشاعة دين الله القويم كما أن قدماءه قدموا من البلاد العربية إلى أواسط بلاد آسيا. وكانت أسرة الشيخ رحمه الله منتسبة إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتي الأبوة والأمومة.

ولما كان الشيخ في الخامسة من عمره توفي أبوه تاركا عائلته الكريمة بين الحياة وبين الممات حتى إن أمه الخاشعة لله قد أجهدت نفسها في حضانة ابنها اليتيم ويصب فقاره إلى أن بلغ أشده واستوى في شبابه الكريم.
وكان علاء الدين الأصولي من تلامذة الشيخ جلال الدين التبريزي عالما بارزا في ذلك الزمان وارتفع صيته في أرجاء الهند فوجهت هذه الأم الحنون ابنه نظام الدين إلى محضرة هذا الشيخ الجليل ليستفيد منه علما ينفعه في آخرته ودنياه . وبفضل الله وتوفيقه برع نظام الدين في شتى العلوم والفنون حتى لبس الخلعة والعمامة.
وفي السادسة عشرة من عمره ارتحل إلى دهلي ليتلقى العلوم من علماءها الأجلاء،  وكانت دهلي إذذاك تحت سلطنة ناصر الدين محمود حفيد السلطان "التمش"، ومسجد قوة الإسلام وماإليه من المعاهد الدينية المجاورة لمنارة قطب كان مركزا رئيسيا للعلوم الدينية والثقافة الإسلامية . وكان رئيس الأمور الدينية العالم النحرير شمس الدين الخوارزمي. والتحق الشيخ رحمه الله بمجلسه، فكان من أحب التلاميذ إلى الخوارزمي وخواصه.
وفي هذه المدة أمكن الشيخ رحمه الله أن يطالع مصنفات عديدة في فنون متنوعة، ومن بينها المقامات الحريرية، وهذا الكتاب – وإن حفظ الشيخ جميع أبوابه وفصوله – لم يقنع قلبه ولميرض يفسه ن مع أنه كان من مهويات طلاب ذلك الزمان ومعتكفاتهم، واعتقد الشيخ رحمه الله أنه لا يجدي أي نفع لماكان يضمر في أعماق قلبه من السير والشوق إلى الولي العزيز والفناء في جنابه المجيد، فحفظ كتاب مشارق الأنوار في الأحاديث النبوية، وكان أستاذه في الحديث الشيخ كمال الدين الزاهد تلميذ العلامة حسن بن محمد الصغاني رحمه الله صاحب كتاب مشارق الأنوار، وتفقه من العلامة برهان الدين المرغيناني صاحب كتاب الهداية المشهور في فقه الحنفية.
وفي هذه المدة ارتحلت أمه الحنون إلى جوار ربها الكريم تاركة أعباء الهموم والأحزان في قلب هذا الشيخ الجليل.
بابا فريد الدين كنج شكر رحمة الله عليه! شمس مشرقة في ذلك الزمان! وقطب يدور حوله السالكون إلى المنان! سكن في أجودان، وتولى خلافة الطريقة الجشتية. وكان الشيخ نظام الدين سمع صيته وعرف مكانته من قبل، وذلك في الثانية عشرة من عمره حين كان يتعلم لدى الشيخ أبي بكر القوال رحمه الله، حيث قدم رجل من الغرباء يزور الأستاذ ويتحاور معه، وفي أثناء المكالمات تكلم الرجل عن بابا فريد رحمه الله وعن زهده ومراقبته مع الله تبارك وتعالى، وكان الشيخ نظام الدين يسمع هذه الكلمات وتعجبه حق الإعجاب، وشوقته إلى زيارة الشيخ بابا فريد رحمه الله في أجودان.
وبعد ما ختم الشيخ دراساته في دهلي ولبس الخلعة والعمامة مال قلبه إلى بعض الوظائف الحكومية، وأن يعين قاضيا أو مفتيا تحت السلطنة كما كان عادة العلماء، وخيل إليه أنه يغني عن فقره وفاقته بعض الغناء، فجاء إلى الشيخ نجيب المتوكل رحمة الله عليه طالبا منه التضرع إلى الله تبارك وتعالى أن يعين قاضيا تحت السلطنة.( والشيخ المتوكل كان أخا لبابا فريد الدين وواحدا من كبار الأصفياء وملجأ المنكوبين والبائسين) ولكن الشيخ أبى عن هذا الطلب وقال: إن الخير كله لك في غير هذا" وكأنما مست كلمات الشيخ المتوكل وترا مرهفا في نفسه! وازداد تشوقا إلى بابا فريد الدين، فما هو إلا أن جهز نفسه للمضي إلى أجودان، والتقى مع الشيخ فريد الدين، وانضوى تحت رايته.
وكان للشيخ نظام الدين رحمه الله عناية متميزة عند الشيخ فريد الدين. وتعلم منه بعض الكتب المعتمدة في الطرائق الصوفية مثل عوارف المعارف للشيخ شهاب الدين السهروردي ، وكتاب التوحيد للشيخ أبي الشكور السالمي رحمة الله عليهما وغيرهما. ومع ذلك اختبر الشيخ في بعض الأحيان صبره وإخلاصه في السير إلى الله وصدق الحب فيه، وأسفرت جميع الانتخابات عن كمال نجاحه وحسن توفيقه، وظل يعيش في كنفه ورعايته إلى أن ذاق من نبيل شمائله وجليل خصائله ما تغبطه عليه الدنيا.
وذلك يوم الجمعة! دعاه الشيخ فريد الدين إلى جواره بعد صلاة الجمعة، وبعد ما وضع ريقه الطاهر على لسانه قال الشيخ : أي نظام! رحمك الله! احفظ القرآن عن ظهر قلبك!" وأوصاه أن يسير إلى دهلي وأن يقوم بشؤونها وإصلاحها، ومنحه شهادة الخلافة على بلاد الهند، وأضاف الشيخ قائلا: أي نظام! ستكون ظلا ظليلا للناس وملجأهم ومأواهم، فأشغل أوقاتك بقيام الليل وصيام النهار، ولقد أعطاك الله تبارك وتعالى كنوز الحكمة والمعرفة، وأنعم عليك بتمام العقل وكمال الفهم وصدق الحب فيه، ومن استمع هذه الخصال – لا محالة – فهو أجدر بتولي الخلافة." ثم دعا له الشيخ فريد الدين بالخير والسعادة وودعه أحسن توديع.
ارتحل الشيخ رحمه الله إلى دهلي حاملا أعباء الخلافة التي ألقاها الشيخ فريد الدين على عاتقه. وكانت مهمته ضخمة فخمة، لأن مدينة دهلي إذ  ذاك مركز السلاطين والملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، ويسكنها قوم أشداء عبدة الأصنام والأوثان متفرق الشعوب والقبائل يتكالبون ويتشاجرون فيما بينهم وجعلوا دينهم في الحياة أن يقال : لا مساس، واتهموا الإسلام والمسلمين لما كان هؤلاء السلاطين يعاملون معهم معاملة القهرة والجبابرة.
وصل الشيخ رحمه الله إلى دهلي، وآجر نفسه في بعض الأيام لما كان عليه أن يقضي بعض الديون التي اتخذها في أيام الدراسة هناك.
سكن في دار رجل من أقرباء الأمير خسرو الذي كان شاعر القصر، وصار تلميذا مخلصا له فيما بعد. وبعد ما توفي هذا الرجل الكريم لم يتسامح ورثته سكنى هذه الدار، فالتجأ الشيخ إلى مسجد في جوارها، ثم نقل مأواه إلى بيت سعد الكاغذي رحمه الله، وأقام هناك شهرا كاملا، وبعده قضى أياما قلائل في مسكن على مقربة القنطرة قيصر، ثم سكن في بيت الشادي الغلابي رحمه الله، ثم في مسكن تلميذه شراب دار رحمه الله، وأقام هناك سنوات غير قليلة.
انتقل الشيخ فريد الدين إلى رحمة الله سنة 1265م، وكان الشيخ نظام الدين رحمه الله إذذاك في دلهي، وشق قلبه هذا الخبر الحزين، وشكا بثه وحزنه إلى الله، وسار إلى اجودان، وزار الشيخ عند ضريحه الميمون، ودمعه ينحدر على خده المتورد. وتسلم من بدر الدين رحمه الله ما كان الشيخ فريد الدين يستخدمه من قميصه وسجادته وعكازته.
وبعد ذلك انتقل الشيخ نظام الدين إلى غياثبور على إرشاد من الشيخ فريد الدين في المنام، وكان قد دعا الله تبارك وتعالى ان يمكن له هذه النقلة الحميدة بعد ما رغب عن جو دهلي وضوضائه. وكانت غياثبور تحت سلطنة غياث الدين تغلق الذي كان عابدا مخلصا لله ومحبا للدين وأهله.
في رحاب التزكية   
وكانت مهمة الشيخ نظام الدين كبيرة جدا، لأن الناس كانوا في غاية الضلال والفساد، حتى إن تجديدهم وإصلاح شؤونهم كان أمرا غير يسير. والمسلمون لما كثر تعدادهم في الهند وانهمكوا في اللذات والشهوات خابت وخسرت مراكز الدين أمام حل المشاكل والأزمات التي يواجهونها في أمر الدين. والسلاطين والملوك إنما حاولوا لاستغلال رعاياهم في أمر الدنيا وشهواتها، ولم يصنعوا شيئا مما يزكيهم ويهذبهم رغم أن هذه السلاطين إنما عملوا لتوفير أموالهم وتوسعة سلطنتهم ومملكتهم.
وفي هذه الحالة المؤسفة كان للحركات الصوفية وطرائقهم أهمية كبرى ومكانة عظمى في الهند. والشيخ نظام الدين رحمه الله سلك هذه الطريقة المتمايزة، وقام بإشاعة ما اقتبسه من شيخه فريد الدين من أعمال التزكية والتصفية، وجعل يأخذ البيعة من الناس كما أخذها من شيخه ( والبيعة أخذ المواثيق والعهود من الناس على تحفظ الحركات والسكنات فيما يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي العقبة الأولى لسلوك طرائق الصوفية ورحاب إرشادهم وتزكيتهم)
وكان أسلوبه في هذه البيعة – كما هو أسلوب شيخه فريد الدين – أن يطلب من المريد قراءة سورة الفاتحة والإخلاص، وبعد ذلك يقرأ الشيخ نفسه خمس آيات من آخر سورة البقرة، ثم يأخذ المواثيق والعهود على اجتناب المعاصي وحفظ الجوارح وقضاء جميع الأوقات حسب الشريعة.    
وكان الشيخ رحمه الله يأخذ البيعة من جميع من يريده ويقصده، وليس عنده في ذلك أي شرط مما يشترطه سائر المشايخ، ولذلك كان من أصحابه ومريديه الأغنياء والفقراء والأمراء والملوك والعامة والعلماء، وبتوفيق الله وبفضله استطاع الشيخ أن يزكي جميعهم وأن يجمعهم في سلك واحد، شغلوا أوقاتهم في طاعة الله وأداء الصلوات وقراءة القرآن، واجتنبوا المعاصي والشهوات وجميع مكائد الشيطان، حتى إن ما بين دهلي وغياثبور لم يترك شيئا من بقاعه إلا ملئت بالمساجد ومراكز العبادة ومجالس الذكر، والناس في سلطنة علاء الدين خلجي تركوا جميع المنكرات والفواحش مثل شرب الخمر واستخدام الملاهي والانهماك في اللذات والشهوات، وكل ذلك كان نتيجة تربيته وإرشاده، حتى استطاع أن يربي زهاء أربعة آلاف من خلفائه وأصفيائه، نشروا له طريقته وبلغوا دعوته في جميع أنحاء العالم. 
ومن أبرز خلفائه الأمير خسرو والشيخ نصير الدين محمود روشن جراغ والشيخ أبو بكر النظامي والشيخ سراج الدين العثماني وغيرهم.
إلى جوار ربه الكريم
بلغ رحمه الله الثمانين من عمره! ذات يوم رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له: أي نظام! أنتظر قدومك!
ومرض الشيخ رحمه الله مرضه الأخير، فأمر من يكتب له بنسخ شهادة الخلافة وتوزيعها لمريديه البارزين، فوزعت هذه الشهادات، ونشر أصحابها طريقته الصافية في جميع أنحاء الهند.
انتقل الشيخ إلى رحمة الله سنة 1325م ، وذلك بعد الظهيرة في يوم الجمعة في الثامن عشر من الربيع الآخر، وشيعه شيخ الإسلام ركن الدين رحمة الله عليه، ودفن في جوار مسجد خلجي على مقربة دهلي. أسكننا الله معه في دار النعيم آمين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة