أحدث المشاركات

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

العلمانية والارتداد القهري

نعمان الأريباري الفيضي

متى ستظل بلادنا الهند مستقلة في تعدديتها؟ ومتى ستصبح متحررة من قيود العصبيات والطائفية من أجلها؟ ومتى ستبقى مستنيرة في حضاراتها وتمدنها؟ سوف نتوقع يوما تصبح فيه بلادنا الهند تتألق في كمها كوردة يفوح منها العبير الفواح. وسوف نحلم أياما ترجع بها إلى تاريخها القديم المزهر ينتهي نظرة وبهاءا.
بلاد الهند أكبر دولة في جنوب آسيا. وتدعى بحنان "هندوستان". وهي سابعة بين الدول العالمية مساحة وثانية في الأكثرية نسمة وأولى في العالم ديمقراطية. ويحويها البحرالمحيط الهندي من الجنوب والبحر العربي من الغرب والخليج البنغالي من الشرق. وهذه نبذة من الجغرافية الهندية.
ثم إن بلاد الهند كانت مهدا لنشاة وتطور وانهيار كثير من المعتقدات والديانات. وقد اندفع في ساحتها إلى ضوء الحياة كثير من الحضارات وانهار في ضفتها كثير من المدنيات. ترى من التي جاءت إلى قيد الحياة في رحابها ديانة الهندوكية وديانة السيخ وديانة الجينا وديانة بودها. وهذه كلها مضت في مسيرتها أيام الازدهار وأيام الانحطاط. وبعضها ثرية بكثرة الجماهير كما أصبح البعض فتورا من قلة الأتباع. ومن بين الأديان التي دخلت بلاد الهند في القرون الأولى, ملة الإسلام وديانة اليهود والنصرانية والمجوسية. والتقاء هذه الأربعة ساعد بكثير على توطيد تعددية الهند وتثقيفها. ومن هنا نرى أن بلادنا كانت حافلة بثروة التراث النقي والحضارة الغنية. بناها أهلها بكد واجتهاد على مر الايام مكتتفين.
ومن القرن السادس عشر تظل بلاد الهند تحت أقدام قوات الاحتلال من مختلف الألوان حتى أدت الأمور إلى استعمار بريطانيا. وسارت في كنفها على مدى مائتي عام تولد أثناءها أعلام قادوا الشعب الهندي إلى فكر التحرير. وفي طليعتهم يوجد مهاتما غاندي وأمثاله ممن سعى لها سعيا يذكره التاريخ أبد الدهر حتى تم التحرير عام ۱٩٤٧.     
ويوجد في الاسفار الهندوسية ان امبراطورا باسم "بهرتن" كان قد استولى في القديم على شبه القارة الهندية وعن طريقه ساد اسم "بهارتم". هذا جانب واحد. ومن الجانب الاخر, ان اسم الهند وكذا هندوستان طلعا من اسم نهر " سندو" والذي دعاه الفرس الهند والمناطق حوله بهندوستان. والاغريق نادىه ب " اندس ".
والواقع هذا, فكيف ينتسب هذه البلاد وثروتها الى ديانة خاصة دون الاخريات التي برزت معها وتولدت في وقت واحد؟ ديانة الهندوكية ظهرت ونمت في بلاد الهند والهند احتضنتها ولكن انى لها صوت الاستحقاق والاهلية ؟ من الذي قاطع لها ثروة الهند وميراثها ؟ وهي فقط كالديانات والمعتقدات الاخرى لا تستحق اية اولوية فيما يخص بالبلاد. لانه لم يتم ظهور الهندوكية اولا وبعدها بلاد الهند حتى تستمد منها اسمها ونسبها. ولكن الهند هي الام والهندوسية احدى فرخاتها.
وهنا يتحد الشاعر علامة محمد اقبال والشاعر طاغور. وهنا تتانق اخوة بلاد الهند ومن هنا نستانف غناء توحيد صفوف الهنود جميعا. العصبية ؟ لا نعرفها .... الطائفية ؟ لن ننصت لها... اضفاء صبغة الهندوكية على بلاد الهند ؟ ابدا لن نسمحها...لاننا يد واحدة ولنا كلمة واحدة ...تلك الكلمة التي حققت لنا الحرية ....تلك الكلمة التي وحدت لنا الصفوف....كلمة نحن الهنود ونحب الهنود ونعيش للهنود ... كلمة تحمل رسالة العلمانية... كلمة تحمل محاسن الاشتراكية ... كلمة تحمل طابع الديمقراطية....
ان العلمانية لدينا مثرية مزهرة. وهذه العلمانية لا تعنى بها التباغض مع التدين ولاالتخالف معه ولاالتجانب منه. ولكنها هي رسالة تعجز عن تحملها حتى كلمة العلمانية. وهذه الكلمة لعلها لا تكون مطابقة تماما لتلك الرسالة في كل معانيها ولكنها هي اقصى تعبير ممكن لها كما اشار اليه الزعيم جوهرلال نهرو.
              وعلى صعيد اخر, ان هذه الكلمة اي العلمانية ضمت الى تمهيد الدستور الهندي عام 1976 عن طريق التعديل.
              ثم اي نوع من العلمانية كان يحلمها صغاة الدستور, نرى ذلك في قول اج. ام كمت : عندما يقال ان البلاد لن تلتزم ابدا بديانة خاصة ولا بمعتقد خاص لا نعني بذلك ان البلاد واجب ان تكون متعارضة للديانات او عارية عن المعتقدات. وقد حددنا ان الهند تحمل رسالة العلمانية ووفق رايي ان العلمانية لا تنكر الالوهية, اي ان البلاد لا تقوم بتاسيس عقيدة او ملة ولا بتمجيدها ولكنها تعطي العناية لكل اعتقاد مع الوسطية, والاشتداد ايظا خارج دائرتها.
              تتحقق المادة الخامسة والسادسة والعشرون من حرية الاعتقاد والحشد له والنشاطات الدينية ووضع المنشات والمعاهد والمعابد. وكذا المادة التاسعة والعشرون تتاكد من حرية اتخاذ الثقافات واللهجات المستقلة والحفاظ عليها وتاسيس المدارس والكليات وتنمية الثقافات بدون اي تمييز بين الاقلية والاغلبية. والمادة الخامسة عشر تعلن عن ترك التمييز لاحد باسم الدين.
                وهذه كلها هي الاسس لبلادنا الهند ولكنها طبعا غير سارية المفعول بالنسبة للاقليات. واما الاغلبية فهي الكل. القانون وتعديل القانون واخلاء القانون والتمرد على القانون... كل هذا ليس بشيء اذا حدث من الحكم او اصحاب الحكم. واما الاقليات فلا تزال تصطاد من اجل القانون ومن اجل تعديل القانون ومن اجل اخلاء القانون والتمرد عليه. والتسامح شيء غير مسموح للاقلية. والاعتذار شيء واحد يقبل من الاغلبية. اليس للاقليات اسهامات في تحرير الهند ومطاردة الاستعمار ؟ اليس لها دور معين في ثورة 1857 ؟ اكانت هي في مقدمة الجيوش ايام المحاربات ام تلك الاغلبية الفاشية التي تهتف وتتدخل متدشقة في كل ما لا يعنيها؟
                 اليوم, بلاد الهند تجري تحت قيادة الرئيس مودي من حزب الشعب الوطني. والحكومة تناهز النصف من عمرها. وبعد الحكم الممل لمؤتمر الهند الوطني الذي استغرق على مدى عشر سنوات اعتزم الناخبون على ايجاد تغير من الراس الى القدم. فسالت حكومة المؤتمر كعثالى السيل الهادم. وتولى الحكومة حزب الشعب الهندي والناخبون يحلمون اياما زاهرة. وتقلد مودي منصب عظيم الوزراء فبنوا قصورا شامخة في عالم المخيلات. ومن بينهم المسلمون ايظا. نسوا او تناسوا ما واجهوا في غجرات من الاضطهادات العصبية والمهاجمات العنيفة. واصبغوا الرئيس صبغة الجواد الكريم والبسوه لباس الاعتزاز والاعتداد.
              وقبل ان تمضي ايام قلائل برزت ار اس اس في الميدان وهي تستمد كثيرا من هتلر المانيا وتستلهم من قواه. وظهرت تصريحات عصبية تشبه جعل الملح في القرح الرطب. جاء الرئيس نفسه يعلن عن رجع المسلمين الناقلين الى بنغلاديش واعقبه غرراج سينغ بكلمة العنف وهي مطاردة منتقدي الرئيس مودي الى باكستان وتبعته سوشما سوراج بكلماتها الملوثة بتوطين كتاب بهكوت غيتا وانضم اليها نباح يوغي ادتيناد يهتف ان الهنود جميعا هندوسيون. هذه العواءات كلها تخلق جوا مريبا يزيد الازعاج والقلق. وكيف لا ؟ الاحداث المنصرمة في صفحات التاريخ قد جعلت المسلمين يصيحون هكذا. والمسلمون قوم ينسيهم اليوم فوضيات الامس! . يصبحون الى يوم جديد ويمسون الى ليل جديد. ومن نفس الطبيعة تعد تلك الاحداث الجارية في غجرات. فلننس كل ذلك ونواصل الحوار عن اليوميات.

               ترى ان حزب الشعب الهندي وار اس اس كليهما يعرفان في تاريخ الهند باسم سفك الدماء وهتك حرمة الانسان وسبك دموع الارامل وترك الاولاد الى الحارات ايتاما. ونكب الشعب الاسلامي واحد من جداولهم المكتوبة ينفذون تلك الجداول وفق المكان والمناطق. ليس امامهم ردع الا وجود الضحية بين اعينهم وارساله الى عالم النسيان.
              كم من دمع ذرفته اعين الامهات؟  كم من دمع صير مقلات الارامل ترعات؟ كم من دمع جعل الابناء يحلفون على الانتقام من معدمي الاباء؟
                الحكومة تعرف اسرائيل وتنكر فلسطين, تلك التي ترفع يديها لصوت مستقل مكين. والهند في التاريخ كانت من مؤيدي فلسطين ودعائمها. والان اصبحت من شعراء بلاط اسرائيل. تمدحها ولا تمل في مديحها. وحزب الشعب الهندي الذي برز على يد جيابركاش يشق طريقه الى الامام غير مباليا طموحات الوطن الديمقراطي مستمدا من فكرات الديانة الهندوكية المتشددة والتي ظهرت على يد الدكتور كيشو بلرام وهي تستلهم قوىها من فاشية المانيا. ولذلك اقتراب الحزب من المسلمين في كل زمان كان مليئا بالحقد والابتغاض. والزعيم سوركر مهما يعلن عن مواقفه تجاه المسلمين يقف يشير بنانه لقاء اليهود ويبني جسر المجانسة بين الاسلام واليهودية.
                  وفي الاخبار الجديدة نرى اشوك سنغال يعوي بان هذا الاقتراب من المسلمين سيصبح ذا حنان وعطف اذا تطوعوا باقرار قانون المدنية الوحيد وبترك دعوى الحقوق على ارض ايودهيا وكاشي ومدهرا المتنازع عليها. يريدون الوطنية الهندوكية مقابل الوطنية الهندية. ولا يطمعون شيئا اكبرمن هذا. ويحقنون هذا السم الشديد السريان حتى في قلوب الاطفال في المدارس التمهيدية. ويجري غسيل الدماغ حتى في السنين الحديثة. ويصفون فترة ملك امبراطور اشوكا في كتاب يدرس لاولاد الصف الرابع في مدرسة سرسواتي" المسلمون ولو كانوا من اي بلد كانت في ايديهم سيوف لامعة بارقة... وازدحموا من الجهات الاربع كالعواصف المحطمة... اسقطوا كل البلاد التي دخلوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة... المعاهد والمكاتب والمدارس والكتب...لم يفلت اي شيء من هجوماتهم البشعة .... حرقوا المكتبات واغتصبوا السيدات...ولا يعرفون الرحمة والعدالة "
 وبالمصادفة يحسن ان يقال ان زعماء الهندوكية الاوائل كانوا مختلفين تماما من زعماء اليوم. وكانوا لا يعرفون هذه الشدة والتطرف. وهم الذين اكتتفوا مع المسلمين لمحاربة الاجانب ومطاردة احزابهم. المسلمون يومها كانوا اخوة الهندوسيين في اعينهم. عملوا في حقل واحد واكتسبوا من مزرع واحد وعاشوا كاسرة واحدة. هذا المنظر مما يندر في بلادنا اليوم.  كان تاريخ الهندوكية القديم غير تاريخها الجديد. كان الاول يتمثل جيلا والثاني يتمثل جيلا اخر. ونعرف جميعا ان الهند قد تندى لاجلها جبين اسلافنا ايظا. تحت شمس واحدة اصطفوا... ولهدف واحد انهجموا...فعلى الشعب الهندي جميعا وعلى المسلمين بشكل خاص الارتقاب...... الارتقاب بكل معنى صحيح.....


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة