أحدث المشاركات

السبت، 10 ديسمبر 2016

النبي الكريم في الأدب العربي الحديث


د/ أحمد إبراهيم رحمة الله*

العصر الحديث هو عصر تحد كبير بالنسبة إلى من يعتقد بأن الرسالة المحمدية ليس لها زمن معين أو أنها فوق الزمن. فالغزوة الحديثة قد استعمرت الوطن الإسلامي مدة من الزمن، وما زال هذا الاستعمار في مختلف مجالات حياة الأمة الإسلامية في العالم. والعالم الإسلامي لم يبعد قبضتها عن عنقه إلاّ بشق الأنفس، ولم يزل هذه القبضة على اقتصاده وفكره فيحاول الخلاص منها. ونرى في عصرنا الحديث أن الأدب النبوي يعود قوة دافعة من جديد، كما قام هذا الأدب للدفاع عن العقيدة ورد هجوم المشركين في فترة صراع بين الإسلام والشرك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
والواقع أن الأدب النبوي قد ازدهر ازدهارا واضحا في ثلاث فترات: الفترة الأولى هي فترة الدعوة الإسلامية نفسها، والفترة الثانية هي فترة الحروب الصليبية، والفترة الثالثة هي العصر الحديث. أما أدب الفترة الأولى فهو أدب التراث العربي، وفيه فرعان ناضران فيما يتحدث عن الرسول (ص)، هما المدائح النبوية في الشعر والسيرة النبوية في النثر. وعندما نريد الحديث عن الرسول (ص) في الأدب العربي الحديث يجب أن ننظر إلى هذين الفرعين. وقد قام الشعر في تلك الفترة بدوره باعتباره سلاحا من أسلحة الدعوة، فكان كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وعبد الله بن جحش يردون على شعراء مكة أمثال ابن الزبعري وضرار بن الخطاب. أما السيرة النبوية فما سجل ابن هاشم في فترة التدوين وما بنى منه ابن سعد كالجزأين الأولين من كتاب الطبقات الكبرى وبعض كتب المغازي والحديث كلها يعد أساسا للمعلومات المقررة عن حياة الرسول (ص).
وفي فترة الحروب الصليبية عادت المدائح النبوية، وعلى رأسها بردة البوصيري. وهكذا نشأ في هذه الفترة فن البديعيات، ومن أشهرها بديعة ابن حجة الحموي التي سماها خزانة الأدب، كما ظهرت كثرة الدواوين في مدح الرسول (ص)، وما ألف ابن الجوزي في فضائل المصطفى وما فعل البيهقي وأبو نعيم لإثبات المعجزات، وربما كان العالم الإسلامي في حاجة إلى ما يشبه المعجزة للعودة إلى النبع المحمدي وقت الشدة أو للقوة في الجهاد والأمان النفسي.
هكذا في العصر الحديث لا بد أن نتوقع ظهور لون جديد للأدب النبوي بحكم التطور الفني المعاصر كما ظهرت البديعيات باعتبار تجربة جديدة في المدائح النبوية.
فنعتبر هنا البارودي رائد الشعر العربي الحديث، فهو نقطة انطلاقنا في المدائح النبوية الحديثة، وله قصيدة في مدح الرسول (ص) التي ضمّنها سيرة الرسول (ص) منذ ولد إلى أن توفي. ويذكر الشاعر في مقدمة قصيدته أنه بناها على سيرة ابن هشام ومطلعها:
يا رائد البرق يمم دارة العلَم      واحد الغمام إلى حي بذي سلم
ومن الواضح أن قصيدته معارضة لبردة البوصوري:
أمن تذكر جيران بذي سلم       مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أما البارودي فيتابع السيرة ويعارض البردة، وفي نفس الوقت يضعف قصيدته من حيث القيمة الفنية ويجعلها أقرب إلى السرد التاريخي، ولكنها امتازت بوصف الغزوات وصفا حيا، وذلك يرجع إلى طبيعة البارودي الذي خاض غمار الحروب في عهد الاحتلال، وربما لذلك سمى قصيدته "كشف الغمّة في مدح سيد الأمة".
ثم بعد البارودي يجيئ أمير الشعراء أحمد شوقي في أوائل القرن العشرين بقصيدته المشهورة "نهج البردة"، وكان أيضا يعارض بردة البوصوري، ولشوقي دون هذه القصيدة قصيدة "ذكرى المولد" و"الهمزية النبوية" ومطلعها:
ولد الهدى فالكائنات ضياء      وفـــم الزمان تـبسم وثناء
وقد تأثر البوصيري ومن تبعه بالسيرة النبوية، ويذكر الظواهر الكونية التي صاحبت مولد النبي(ص) كتصدع إيوان كسرى وخمود النار، كما تناول الإسراء والمعراج والهجرة باعتبارها تكريما للرسول(ص). أما شوقي فيقف عند الجهاد ليعرض رؤيته في قضية انتشار الإسلام بالسيف، وهي قضية معاصرة أثارها المستشرقون. وفي الحقيقة الجهاد في الإسلام لايعني الإكراه على الدخول في الإسلام، بل الجهاد في الإسلام يمتلئ بصور الرحمة التي لامجال للموازنة بينها وبين وحشية الحروب الدينية الأخرى[1]، ولذلك نحس انفعال شوقي في تناوله لهذا الاتهام:
قالوا غزوتَ ورسل الله ما بُعثوا               لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
جهـل وتضليل أحلام وسفسطة                فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
يوضح هذا أن المدائح النبوية ظلت متواصلة مستمرة قرونا طويلة تمنح الإحساس بالإيمان، وتمكن قوة دفع كبيرة بما تقدمه من قيم سامية ومثل عليا نحن في أشد الحاجة إليها. فالعودة إلى نبع الإسلام الأول وأصوله، هي الملاذ من التخبط الفكري. وفي ذلك يقول أحمد محرم:
 ســــــــن النبي لـــنا أيام هــــجرته                                 من صادق العزم شرعا غير مجهول
    مـضى على الحق لم تعصف بهمته               ريـــح الضلال ولــم يـحـفــل بتهـويل
        والنفس تغـلب إن صحـت عـزيمتها                 فـتـك الجـيوش وتـدمــير الأسـاطــيل[2]
ويدور حول هذا المعنى كثيرون من الشعراء أمثال محمد مصطفى الماحي وحسن عبد الله القرشي وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة ومحمود فضل إسماعيل الذي خصص له من يوانه خمسين صفحة وجعل عنوانها: "من وحي السيرة النبوية الشريفة".
وفي أوائل هذا القرن انتهت الغزوة الصليبية الثانية باستعمار الوطن الإسلامي وبالهجوم على الإسلام وعلى رسوله، فتناول أمثال محمد عبده وأحمد شلبي ردا شافيا بإقامة الحجة على هجوم المستشرقين الفكري عن طريق تناول أخلاق الرسول (ص) وإبراز حاجة الناس إليه وإلى شريعته.
يقول أحمد شلبي: " قال محمد (ص) إنه خاتم النبيين، ومرت بعد ذلك القرون تلو القرون، ولم يأت رسول بعد محمد (ص)، وقد كانت الرسالات قبله يتلو بعضها بعضا، دون حدوث فترة زمنية طويلة، بل كان بعضها يعاصر بعضا، كما حدث بالنسبة لإبراهيم ولوط وبالنسبة لإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبالنسبة لشعيب وموسى، وبالنسبة لزكريا ويحيى، ثم جاء محمد(ص) وقال: إنه خاتم الأنبياء والرسل، وصدقه الواقع أربعة عشر قرنا، وليس مثل ذلك دليل"[3].
وقد ركز الشاعر المعاصر أحمد محمد الصديق على عناصر معينة من السيرة النبوية كأنه يرد الاتهامات:
وأطـل نـور مـحمـد مـن شـرعــه          للـدين والـدنيا هــوى وصلاح
             وعلى خطاه نمت أصول حضارة             هـي للخـلـود وللعـلا مـفــتـاح
             لا وحـي بـعــد مـحـمـد وكـتـابــه                    الـحق أبلج والشـموس وضاح [4]
بعد أن بيّن الشاعر أن محمدا خاتم النبيين يسجل معجزة القرآن الخالدة الذي لم يصبه تحريف ولا تبديل مع توالي السنين، وصلاحه لكل مكان وزمان:
المعجزات وحسبك القرآن معجزة الخلود          قد صانه الرحمن من عبث وزيف أو جمود
لم يـبق إلا نـوره الوهاج في هـذا الوجود       أما سواه فقـد مضى وأصاب شعلته الخمود
ثم ينتقل الشاعر إلى حال المسلمين اليوم:
يا حبيب الرحمن لو كنت فينا          اليوم أنكرت أمة الإســلام
كـثرة لو ترى ولـكن قـليل                  في مجال الإصلاح والإقـــدام
شـيع الـبغي والضلالـة تـمشي             بينـنا بالـفـسوق والآثـام
غـير الدهـر غيرت يا رسول الله             مـــنا ورث حبل الذمام
وشعر الصديق نموذج من نماذج الشعر العربي الإسىلامي في الخليج. كذلك نجد شعلة إسلامية متوقدة في ديوان خالد الفرج الشاعر الكويتي وفي ديوان عبد الرحمن المعاودة الشاعر القطري وفي ديوان أحمد محمد الخليفة الشاعر البحريني. أما أحمد محمد الخليفة فهو شاعر رومانسي، ولذلك نجد المذاق الرومانسي في شعره "المولد النبوي" وفي قصيدته "إسراء محمد" و"تحية العام الهجري" كما نجده في القصائد أمثال "نبي الحرية" و"قصة ظلام" و"جنازة الوثنية" و"النور المهاجر" من ديوان محمود حسن إسماعيل. أما قصيدته " قصة ظلام" فهي قصة الصراع بين النور والظلام وانتصار الحق والهدى. ولها منهج جديد في بناء القصيدة، لأن وحدة القصيدة الفقرة لاالبيت.
وفي قصيدة "جنازة الوثنية" أيضا نهج الشاعر نفس النهج باتخاذ شكل حوار بين اللات والعزى ومناة، تخر فيها الأوثان ساجدة في النهاية فـتـتحطم. وفي قصيدة "معجزة العنكبوت" نرى مشهدا غنائيا أبطاله العنكبوت والحمامتان والثعبان. هكذا أعطت الرومانسية السيرة النبوية مذاقا جديدا في الصورة والبناء الفني.
الواقع أن الأدب النبوي في العصر الحديث بتنوعه قد أثر في الأدب العربي كله، حتى أن يقول جبران: "أنا مسيحي ولي فخر بذلك، ولكني أهوى النبي العربي، وأحب مجد الإسلام، وأخشى زواله، إنني أسكن المسيح شطرا من حشاشتي، ومحمدا الشطر الآخر"[5] وأن يقول رشيد أيوب:
فمن يا ترى أعلى الورى كمحمد               وأرفعهم مجدا وأسمى مناقبا[6]
ويشارك المسلمين كل من شعراء المهجر أمثال رياض المعلوف والشاعر القروي رشيد سليم خوري وأبو الفضل الوليد (إلياس عبد الله طعمة) في الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول (ص )، وأنشدوا قصائدهم في مدح النبي (ص)، فيقول رياض المعلوف في قصيدة "وحد الله":
وحــــد الله فـالـمـــؤذن وحــد           ويـذكــر الـنـبي فـي العـيـد أنـشـد
           يا رسول الأنـام أنت وعـيسى         خير من يصطفى ويرجى ويقصـد
          وكفى العرب فخرهم بانتساب          لـنـبـي هـــو الــنــبــي مــحــمــــد[7]
ويقول إلياس عبد الله طعمة:
          يا أحمد المرتضى والمرتجى أبدا           ألست من سطوات الروم تحمينا
        يــا أرفــع الـنـاس عــند الله منزلة         متى نرى السيف مسلولا ليشفينا
وجدير بالذكر أن هذا الشاعر كان في أمريكا الجنوبية، ثم في سنة 1916م، أسلم واتخذ اسم الوليد بدلا من إلياس، ويذكر إسلامه في أكثر من قصيدة وفي أكثر من مقالة، معتزا بدينه ومفاخرا بسيرة رسوله:
          أعــاهـد ربــي أن أصـلي مسـلـما                 عــلى أحـمـد المـختار من خيـر أمة
           هـداني هـواهـا ثـم حـقـق شرعه                 إلـيّ فـصـحـت مـثـل حـبي عـقـيدتي.
              فـمـن قــومــه قومي أديـن بـديـنه                   لأنـي أرى الإسـلام روح الـعــروبـة
              تـوسلـت بالقربى إليه  ولـم تضح            لـدى الـعـربي الـهـاشـمي شـفاعـتـي
                فـشرفـني بـعـد الـعـروبة بالهدى               وفـضـلـني بـيـن الـورى بقــرابــتي[8]
هكذا بدا أن هناك وعيا إسلاميا جديدا قد استيقظ في نفوس المسلمين بعد فترة من سقوط الخلافة الإسلامية على أيدي المستعمرين، وبعد أن عرفوا لفترة ما هي مؤامرات المستشرقين ضد الإسلام، فجذب هذا التيار كثيرا من كبار الكتاب، فظهر كتاب طه حسين "على هامش السيرة" سنة 1922م، وظهر كتاب "حياة محمد" لهيكل سنة 1935م، وكتاب "عبقرية محمد" للعقاد في نفس الوقت، وتوالت الكتب الإسلامية بعد ذلك. والحقيقة أن كتاب "حياة محمد" لهيكل يعتبر من أوائل الدراسات الجادة في أدبنا المعاصر التي تمثل التشكيل الجديد للسيرة. أما محاولة طه حسين في كتابه "على هامش السيرة" فهي محاولة أكثر أصالة في فن السيرة الأدبية، فقد اصطنع المنهج في كتابه "محمد رسول الحرية"، كما تبعه عبد الحميد جودة السحار في كتابه "محمد رسول الله والذين معه" ومحمد شوكت التوني  في كتابه "محمد في طفولته وصباه".هكذا تبعه معروف الأرناؤوط في كتابه "سيد قريش" وبنت الشاطئ في كتابها "مع المصطفى" وغيرهم. يقول طه حسين في مقدمة  "على هامش السيرة" موضحا منهجه الفني: "وأحب أن يعلم الناس أني وسعت على نفسي في القصص، منحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد بأسا إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي أو بنحو من أنحاء الدين، فإني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعة".
أما التشكيل المسرحي في الأدب النبوي ففي هذا اللون نجد "محمد" لتوفيق الحكيم و"الزيتونة" لخالد الشواف. يقول الناقد المشهور الدكتور ماهر حسن فهمي: "قد استطاع الحكيم أن يكتب سيرة ناجحة في إطار جديد، لبس ثوب المسرحية من حوار ومناظر وفصول، وأن يعبر بهذا البناء عن وقفة فنان معاصر أمام الشخصية الإسلامية الأولى"[9].
أما "العبقريات" للعقاد فهو النموذج الثالث للتشكيل الجديد للسيرة النبوية. يذكر العقاد في تقديمه "لعبقرية محمد" أنه كان متأثرا بكتابة كارليل، وأنه يعتقد بأن كارليل يرى الرسول مخلصا وأمينا. أما منهج العقاد في كتابة السيرة فهو منهج الاختيار في حدود الفكرة التي حددها: "فالرسول عظيم في دعوته الدينية، عظيم في قيادته العسكرية، عظيم في سياسته وإدارته، عظيم في أبوته"[10].



* رئيس قسم العربية سابقا، جامعة كاليكوت، كيرالا، الهند
[1] سعيد حوي : الرسول ، ص : 387
[2] أحمد محرم : ديوان، ج 2، القاهرة، ص 195
[3]  محمد نظرة عصرية جديدة، دار الهلال، القاهرة،ص:54
[4]  ديوان نداء الحق
[5] محمد مصطفى هدار: التجديد في شعر المهجر,
[6]  الأيوبيات، نيويورك، 1916م، ص:37
[7] خيالات، طبع سان باولو، 1945م
[8] كتابه  "التسريح والتصريح" بيروت ، 1934م
[9] د. ماهر حسن فهمي ، قضايا في الأدب والنقد.
[10] المرجع السابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة