أحدث المشاركات

الاثنين، 22 أغسطس 2016

شاه ولي الله الدهلوي نابغة الدهر وعبقري الزمان


البروفيسور أختر الواسع
( بعض توجيهات الكاتب غير صحيحة حسب اطلاعي الكتب الدهلوية)

الشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي   (1114-1176  هـ/ 1703-1762م) شخصية نابغة  الدهر، ولايكون عبثا إذا قلنا: إن الشاه ولي الله الدهلوي أحد عباقرة التاريخ الإسلامي ورجالاته، ولا يكتمل تاريخ العلم والفكر للهند الإسلامية من دون ذكره، وذكر شخصيته الجامعة، والمعتدلة، والوسطية، والعبقرية النادرة، وقد ترمز شخصيته ومآثره إلى اطلاعه الدقيق على مجريات العصر، وإلى بعد مداه، ولخدماته العلمية والفكرية جوانب تتميز بها شخصيته، وينفتح بها دور جديد لعلوم الإسلام، وحضارته، وأفكاره، ونظرياته في الهند، فالدور الذي أداه ولي الله الدهلوي في تجديد الدين وإحيائه في شبه القارة الهندية لايوجد له نظير عند الشخصيات الأخرى، ولم يترك إمامنا الدهلوي شعبة من الحياة والمجتمع، ومجالا من العلم والفكر إلا وقد قام فيه بتجديد الدين والملة.

ولد الشاه ولي الله الدهلوي في أسرة علمية، كان والده الشاه عبد الرحيم عالما مميزا، وشيخا  صوفيا في وقته، وله المساهمة في تدوين : "الفتاوى العالمكيرية" في عصر عالمكير، لقد أكمل ولي الله الدهلوي علومه الظاهرة والباطنة على يد والده الكريم، واشتغل بالتدريس والتحقيق بعدما أكمل دراسته في باكورة شبابه، وقد حصل له النضج في العلم والمعرفة والسلوك، ثم توجه إلى الحجاز، وتلقى العلوم من كل الجوانب، ومن كل المذاهب الفقهية خلال مدة سنة ونصف عاش بالحجاز، فنجد بعض أساتذته عالما حنفيا، وبعضا مالكيا، وأحب أساتذته الشيخ أبو طاهر الكردي المدني ممثل المذهب الشافعي، وتتلمذه على يده لقد رسم في صدره نقوشا عميقة للحديث والسنة، إضافة إلى بركات الحرمين الشرفين، وفيوضهما بتعبداته ومناجاته التي ذكرها في كتابه: "فيوض الحرمين" الذي هو بمثابة وثيقة تاريخية لأحوال حياته.
بدأت تتجلى بوادر نبوغ الشاه ولي الله   الدهلوي، ومميزاته الاجتهادية، والتجديدية منذ بواكير حياته، لقد توسع نطاق خدماته بعدما انتهل من رحلته إلى الحرمين الشريفين، وأصبحت أكثر استقصاء واستيعابا، فالآثار الفكرية والعلمية والعقلية والتنظيرية التي خلفها الدهلوي في مدة حياته القصيرة يعتز بها العالم الإسلامي فضلا عن مسلمي الهند، والتي ثبتت منارة نور للقرون المقبلة.
تتمثل مآثر ولي الله الدهلوي في شتى الحقول والجوانب، لقد قدم أفكارا اجتهادية نيرة في كل مجال من مجالات العلوم الإسلامية، سواء كانت علوم القرآن أم الحديث والسنة، أم الفقه الإسلامي، والتصوف، أم تاريخ الإسلام، وكذلك إنه كشف الستار عن رموز الشريعة  الإسلامية وأسرارها، وقدم التفسير العقلي للدين وأحكامه، وأوضح مبادئ الاقتصاد، والقيادةالسياسية، بالإضافة إلى تشخيص أمراض الأمة العقلية والفكرية والروحية، وتقديم حلول ناجحة وناجعة للإصلاح، وتربية الأفراد، وهذه هي العناوين المتجلية التي تتوافر حولها الآثار التأليفية، والفكرية والتجديدية للشاه ولي الله الدهلوي بين أيدينا اليوم.
تتبلور أهمية خدماته التجديدية في مقياس ظروف العصر، الذي ولد وعاش فيه إمامنا الدهلوي، وحقا هو أشد العصور، وأخطر الأدوار ظلم ة ومحن ة طوال التاريخ الإسلامي في الهند، لقد اهتزت أسس الحكم المغولي بعدما توفي عالمكير أورنك زيب للاضطرابات والفوضى، ولم يقدر خلفه المترفون أن يدعموا الحكومة المغولية، ويمنعوا جدرانها من السقوط والانهدام، وكانت القوات المرهتية، والسكهية، والجاطية مشمرة عن ساق جدها  لتمزيق الإمبراطورية المغولية شر ممزق، وكاد أن يطوى بساط الحكومة الإسلامية، وينتهي دورها، وفي جانب آخر، لقد كان الجمود سائدا في أوساط العلماء، والمثقفين على مستوى العلم والفكر، كأن مسيرة الفكر الإسلامي قد تعطلت، ولاتقدر أن تخطو خطاها إلى الأمام، فكان العلماء والفقهاء فرائس الخلافات النظرية بين الإفراط والتفريط، منغمسين إلى الحروب الداخلية المذهبية، ومنفكين في المناظرات والمجادلات الطبقية، وكان الصوفية مشغوفين بالدنيا تاركين طريق الزهد والتقوى، ويمكن تخمين قلق ولي الدهلوي على هذه الأوضاع المذهبية، والسياسية، والاجتماعية المتأزمة من الفقرات التي خاطب بها هذه الطائفة في كتابه: "التفهيمات الإلهية" )المجلد الأول(، لقد كتب العلامة سيد سليمان الندوي:
"لقد كانت شمس السلطنة على أفولها، وكانت المحدثات والتقاليد فاشية فيما بين المسلمين، وكان المشائخ والصوفية الاسميون قاعدين أو متقاعدين على المساند في مقابر أوليائهم مع بعض السرج الموقدة، وكانت زوايا المدارس مجلجلة بصخب المنطق والفلسفة، وكان كل المفتين محصورين بقيود مفردات من الفقه والفتوى، لقد أصبح التتبع والتدقيق في مسائل الفقه جريمة عظيمة في المذهب الفقهي، وكان المتخصصون متغفلين، ومهملين عن معاني القرآن الكريم، ودلالات ألفاظه، ومعاني الحديث، وأحكام الشريعة، وأسرار التفقه في الدين، ومصلحته فضلا عن عامة الناس" [1]
والقرآن الكريم الذي هو مفتاح كل العلوم، ورسالة الهداية الموثوق بها لا للأمة المسلمة فحسب بل للإنسانية جمعاء، خطط الإمام الدهلوي مخططات من عدة جهات لربط الأمة بهذا القرآن، ولتبليغ رسالته إلى كل فرد من أفراد الأمة، ثم بذل هو وأبناؤه النبغاء الأكفاء مساعيهم في تحقيق هذا الغرض المنشود، وأقوى وأجرأ خطوة خطاها إمامنا الدهلوي هي ترجمته لمعاني القرآن الكريم في ظروف محرجة للغاية، حيث كانت عملية الترجمة موضوع النقاش والخلاف، فالسؤال: تجوز أم لا؟ لقد أخذ الدهلوي على كاهله ترجمة معاني القرآن الكريم في لغة عامة الناس المفهومة، وقدم الترجمة الكاملة لمعاني القرآن الكريم باللغة الفارسية التي هي الآن بمتناول الأيدي بعنوان: "فتح الرحمن"، وهذه هي الخطوة التي سجلت تاريخا جديدا، وربطت عامة الناس بكلام اله تعالى، ولقد أحسن مولانا عبد الماجد الدريابادي حيث قال:
"إن الحديث عن فهم القرآن الكريم الذي نجده اليوم، وهذه الترجمات التي صدرت بعشرات اللغات من الأردية والإنكليزية واللغات الأخرى، يكتب الجزء الأكبر من أجور كل ذلك في حسنات الإمام الدهلوي، إذ تنورت هذه المصابيح كلها من المصباح الذي كان أوقده الإمام الدهلوي". [2]
 ولا بد أن نتذكر هنا أنه هو العهد الذي كانت لغة جديدة قيد التنشئة والتشكيل على المستوى العام في الهند، وتتنبأ لمستقبلها المشرق باسم "الأردية"، لقد اختار أنجال الدهلوي لترجمة معاني القرآن الكريم هذه اللغة النامية المتطورة، ولم يكن واحد بل اثنان من أنجاله قاما بترجمتين اثنتين لمعاني القرآن الكريم بجوانب مختلفة جدا، لقد ترجم الشاه رفيع الدين نجل ولي الله الدهلوي الثاني الترجمة اللفظية، وترجمه ابنه الثالث الشاه عبد القادر في أسلوب أدبي حي بعنوان: "موضح القرآن"، وهذه الترجمة لاتزال تنال إعجاب القراء وتقديرهم حتى يومنا هذا، فانظر مدى حبهم لخدمة القرآن الكريم، وعواطفهم الجياشة لإصلاح الأمة، وتربيتهم بواسطة القرآن الكريم، أن ثلاثة أفراد من أسرة واحدة تابعوا ترجمة معاني القرآن الكريم، ولم يبال أحد بأن هناك لاحاجة إلى ترجمة بتواجد ترجمة أخرى في اللغة نفسها.
لقد د بج ولي الله الدهلوي مقدمة ضافية على ترجمته الفارسية لمعاني القرآن الكريم، بين فيها أصول ومبادئ الترجمة، وفي أي أسلوب تكون الترجمة أوضح وأنفع، ومن أروع أعمال الدهلوي في علوم القرآن رسالته في أصول التفسير بعنوان: "الفوز الكبير" باللغة الفارسية، وقد صدرت لها ترجمات باللغة العربية وباللغات الأخرى، ويعترف أصحاب الفن بأن هذه الرسالة الصغيرة الحجم تفوق الكثير من الأسفار الضخمة في عمق علمها، ومعالجة المباحث، والقضايا القرآنية، وحل المسائل الصعبة، ومن أجل ذلك تندمج في المقررات الدراسية للمراحل العليا في دور العلوم الدينية الكثيرة.
اشتغال الدهلوي بالحديث، والسنة نشرا ، وتدريسا ، وتأليفا من أجلى العناوين لخدماته، والحق أن هناك تاريخا طويلا لإهمال الناس، وعدم اعتنائهم بالحديث في الهند، لقد صور الحكيم سيد عبد الحي الحسني والد الشيخ أبي الحسن الندوي إهمال الناس عن الحديث في القرون الوسطى من تاريخ الهند بكلمات تالية:
"كانت قصارى نظرهم في الحديث في مشارق الأنوار للصغاني، فإن ترفع أحد إلى مصابيح السنة للبغوي أو إلى مشكاة المصابيح ظن أنه وصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا لجهلهم بالحديث.....والقليل منهم كانوا يقرؤون المشكاة لاغير، وهذا على طريقة البركة لا للعمل به". [3]
لقد حاول أن ينور الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي مصابيح علوم الحديث في هذه الآونة التي كان اعتناء الناس بالحديث شبه مفقود، ولكن كما كتب الشيخ أبو الحسن الندوي في المجلد الخامس من كتابه: "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" أنه لم يتهيأ للحديث أن يحظى المكانة اللائقة به في الأوساط العلمية والفكرية لوجوه، على رأسها الغلو في تقليد المذاهب الفقهية.
ومما لاشك فيه أنه من المآثر العظيمة للشاه ولي الله الدهلوي أنه بعدما انتهل من مناهل الحرمين الشريفين وعاد إلى وطنه غرس الشجرة الطيبة للحديث، التي لاتزال تجتني من ثمارها الأجيال الإسلامية في الهند، وسوف تظل تستفيد منها إلى قيام الساعة -إن شاء اله-، مآثر ولي الله الدهلوي في الحديث حلقاته لتدريس الحديث في المدرسة الرحيمية ماعدا ما خلف من مؤلفاته الحديثية، من أمثال: المسوى، والمصفى، وشرح تراجم أبواب البخاري، وأجلى عناوين تدريسه: التطبيق بين الحديث والفقه، وهذه العملية من أجل وأعظم ما قام به ولي الله الدهلوي من خدمات، فإنه و طد علاقة الفقه بالحديث النبوي الشريف تحت هذه النظرية، كما وقد انتقد انتقادا شديدا ما اتخذه الناس الحديث هجرا مهجورا، وكذلك ما رجحوا أقوال الأئمة الفقهاء على الحديث، وأولوا الحديث وفق آراء الفقهاء، ولم يكتف الدهلوي بتدريس الحديث جالسا على مسند والده، كما لم يكتف بإعداد جيل فحسب بل إنه قام بترويج الحديث فيما بين المشتغلين به، وفيما بين واضعي القانون رواجا متينا، فآراؤه في هذا المجال قيمة ومحققة تماما ، لقد ذكر في كتابه: "حجة اله البالغة" طبقات كتب الحديث، ومدارجها، وأحل صحيح البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وموطأ الإمام مالك في الطبقة الأولى، وأحل الموطأ بالرقم الأول فيما بين هذه الطبقة، وأصح الكتب بعد كتاب اله تعالى على وجه الأرض هو موطأ الإمام مالك في رأي الإمام الدهلوي، وهذا هو اللقب الذي لقب به جمهور علماء الإسلام الجامع الصحيح للإمام البخاري- رحمه اله -، لقد وفر ولي الله الدهلوي أسسا علمية لهذا الرأي، ومن أجل الأهمية الكبرى للموطأ كتب الدهلوي شرحين له، أحدهما بالفارسية اسمه: "المصفى"، وآخرهما بالعربية اسمه: "المسوى"، وعلاوة على ذلك كتب شرحا لتراجم أبواب البخاري، وألقى الضوء على دقائق المعاني، ومدلولات الحديث.
ومن أروع ما قام به الإمام الدهلوي من خدمات علمية هو تطبيق المسائل الفقهية، وتقريبها إلى الحديث النبوي الشريف، يتجلى اعتدال الدهلوي، ووسطيته، وجامعيته في تطبيقاته بين المذاهب الفقهية، وتسوية مسائلها، والتقريب بين الاجتهاد والتقليد، لقد أنجز الدهلوي في هذا الموضوع عدة بحوثا تراثية عدة، قدم فيها نتائج دراساته الدقيقة العميقة، وتتوافر آراؤه الفقهية كلها في العديد من مؤلفاته، كما وقد خص بهذا الموضوع رسالتين، إحداهما: "عقد  الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، وأخراهما: "الإنصاف في بيان سبب الاختلاف" ، لقد ذهب في الرسالة الأولى إلى رأي معتدل، وقابلٍ للعمل حول الاجتهاد والتقليد، واستخلص كتابات عديدة حول الموضوع في هذه العجالة، في جانب ص رح الدهلوي بأن باب الاجتهاد مفتوح، ويلزم الاجتهاد على كل مسلم حسب قدرته وصلاحيته، وفي جانب آخر، ب ين أن تقليد المذاهب الأربعة مصلحة عظيمة لعامة الناس لكي يسهل لهم الحفاظ على الشريعة الإسلامية، ولكنه بجنب ذلك أوضح أنه ليس هناك مذهب فقهي معين لهم ، بل عليهم العمل
بما أفتى به المفتي والعالم في المسألة المبحوثة، وذلك هو مذهبه، ثم قال إن هناك الصواب في رأيين مختلفين في كثير من الخلافات الفقهية، وفي رسالة: "الإنصاف" عالج أسباب الخلافات العلمية المتواجدة بين الرواة والفقهاء، وبين أن هذه الخلافات كلها كانت موجودة في عهد النبي-صلى اله عليه وسلم-أيضا، وكان النبي-صلى اله عليه وسلم- نفسه أيد كلا الرأيين في مثل هذه الخلافات، ومن أجل هذه العوامل والأسباب كانت الآراء مختلفة في عهد الصحابة-رضي اله عنهم جميعا-، وبقيت هذه الخلافات حتى عهد الأئمة المجتهدين، ولكنهم لم يتركوا ذيل الحلم، والمفاهمة في مناقشة هذه الخلافات المذهبية، لم يقم أحد
بالمشاتمة والسباب، كما لم يترددوا قط في ترك رأيه إلى رأي غيره، لقد أبدى الدهلوي عن
آرائه الفقهية القيمة في العديد من مؤلفاته علاوة على هاتين الرسالتين، من أمثال:
"التفهيمات الإلهية" و"فيوض الحرمين"، وفي كتابه الرائع " حجة اله البالغة" تتوافر مباحث فكرية دقيقة وعميقة عن هذا الموضوع، بلور فيها أهمية المذاهب الفقهية الأربعة. ومن أهم مجالات خدمات الإمام الدهلوي التصوف، لم يكتف بمعالجة التصوف في كتبهالرائعة أمثال: اللمعات، والسطعات، والقول الجميل، والخير الكثير، وفيوض الحرمين، فحسب، بل إنما حاول أن يع رف الفكر الإسلامي بالعلوم الظاهرة والباطنة عن طريق هذه المؤلفات محاولة جادة وناجحة، فالخلافات حول: "وحدة الوجود" و "وحدة الشهود" التي كانت في طبقات الصوفية، لازالت صداها قائمة في عصر الشاه ولي الله الدهلوي أيضا، فقد طبق الإمام الدهلوي بينهما، وقال: لايوجد فرق واضح بينهما، والفرق في التعبير الذي لا معنى له، وليس ذاك عنده إلا صراع الألفاظ والتعبير، وإلا لا فرق في المدلول، وكلاهما توضيح لوجهة نظر واحدة )وقد حاول الدهلوي تفهيم انسجامهما بالأمثلة(
وثمة موضوع مهم آخر لعلوم الشريعة، قلما كتب حوله العلماء والمفكرون طوال التاريخ الإسلامي، وهو علم أسرار الشريعة، إن البصيرة التي وهبها اله للإمام الدهلوي كانت تتقاضى منه أن يتخذ هذا الموضوع عنوان كتاباته، والتفكر فيه، وكانت لدى الإمام الدهلوي نفسه أهمية كبرى لهذا الموضوع، كما وقد أدرك هذه الحقيقة، وأحس جيدا بأن دور قبول الأحكام الشريعة على أساس العقيدة والإيمان كاد أن ينتهي، وسيأتي قريبا عصر التعقل، والمنطقية، والتكنالوجيا، ففي هذه الظروف تمثيل الشريعة الإسلامية وفق أسلوب العصر وإطاره هو عين التجديد، لقد ألقى الدهلوي الضوء على هذا الموضوع، فقال:
"إن أدق الفنون الحديثية بأسرها عندي، وأعمقها محتدا ، وأرفعها منارا ، وأولى العلوم الشرعية عن آخرها فيما أرى، وأعلاها منزل ة، وأعظمها مقدارا ، هو علم أسرار الدين، الباحث عن حِكم الأحكام، ولمياتها، وأسرار خواص الأعمال ونكاتها، فهو واله أحق العلوم بأن يصرف فيه من أطاقه نفائس الأوقات، ويتخذه عدة لمعاده بعدما فرض عليه من الطاعات، إذ به يصير الإنسان على بصيرة فيما جاء به الشرع، وتكون نسبته بتلك الأخبار كنسبة صاحب العروض بدواوين الأشعار، أو صاحب المنطق ببراهين الحكماء، أو صاحب النحو بكلام العرب العرباء، أو صاحب أصول الفقه بتفاريع الفقهاء، وبه يأمن من أن يكون كحاطب ليل، أو كغائص سيل، أو يخبط خبط عشواء". [4]
وحجة اله البالغة إنجاز علمي شامخ ورائع في هذا الموضوع، وإثراء عظيم في التراث العلمي الإسلامي، لقد قدمت منطقية الشريعة الإسلامية، وعلاقتها بمقتضيات الإنسان في أسلوب علمي وعقلي خالص بالدلائل، وهذه هي العملية التي قلما أنجزها العلماء في التاريخ الإسلامي، ولم يظهر عمل مع هذه الجامعية والشمول والإسهاب إلا للإمام الدهلوي، كأن هذا الكتاب إعداد على أساس عقلي واستدلالي للعصور المقبلة، لكي ينجز كتاب عن الدين الإسلامي الكامل وشريعته الغراء في ثوب عقلي، وفلسفي حكيم، ولأهمية هذه العملية الجليلة الموفقة، أسمى المؤلف كتابه ب"حجة اله البالغة".
وحجة اله البالغة كتاب عديم النظير عن أسرار الشريعة الإسلامية بدون ارتياب، تتبلور فيه عبقرية الدهلوي، وإمامته على القمة، ربما لم يصدر كتاب في المكتبات الإسلامية علىهذه الجامعية والشمول عن هذا الموضوع، يقول الشيخ أبو الحسن الندوي:
"رغم أن التفسير المنطقي للقضايا الإسلامية، والتطبيق بين العقل والنقل لم يكن موضوعا جديدا لعالِم القرن الثاني عشر، لقد ذكر الإمام الدهلوي نفسه أسماء الإمام الغزالي، والخطابي، والشيخ عز الدين عبد السلام في مقدمة حجة اله البالغة، الذين بينوا حِكم الأحكام الشرعية، ومصالحها، ولكن هذه حقيقة أن كل ما كتبه هؤلاء الجهابذة لم يكن إلا إشارات ونقاط، ولا نجد التفسير المنطقي الحكيم للنظام الشرعي الكامل للإسلام قبل الشاه ولي الله   الدهلوي، وكما أعلم أن حجة اله البالغة أول ما ألِّف في هذا الموضوف مع هذه الجامعية والشمول والاتساع". [5]
وأهم جوانب اجتهاد الإمام الدهلوي وفكره، آراؤه ووجهات نظره التعليمية، وهذا الموضوع أيضا يحتل أهمية أن الانحطاط والتخلف التعليمي باعث أساسي لتدهور الفكر الإسلامي في العالم الإسلامي، لقد تحدث الدهلوي عن هذا الموضوع في كتاباته المختلفة بكل جد وأهمية، حتى إنه استرعى الانتباه إلى هذا الموضوع في وصيته بوجه خاص، وبين فيها المناهج التعليمية للمسلمين، ماهي الأمور التي تقتضي التركيز الخاص، وماهي الأشياء التي لابد من غض البصر عنها، فلنتذكر أنه كان هناك رواج أكثر لتعليم الطلبة فرادى في عصر الشاه ولي الله الدهلوي ، ستفيد الفقرة الآتية في هذا الصدد، يقول الدهلوي:
"لقد ثبت من الاستعراض أنه لابد أن تكون المناهج الدراسية أن يدرس الطالب في البداية ثلاثة أو أربعة كتب دراسية للصرف والنحو حسب قدرة الطالب وذكائه، ثم يدرس الطالب كتابا للتاريخ والحكمة باللغة العربية، وعلى المدرس أن يتابع المعاجم اللغوية أثناء التدريس، وأن يحل للطالب الكلمات العسيرة، ولما يتقن الطالب على اللغة العربية، يدرس موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى المصمودي، ولايجوز الإهمال عن دراسة الموطأ، إنما هو الأصل والأساس في علم الحديث......، ثم يعلّم القرآن". [6]
 هذه فقرة طويلة جدا، لقد اقتبست هنا جزءا من بدايتها، قدم فيها الإمام الدهلوي مشروع تدريس كتب العقائد، والسلوك، والفنون، والحكمة بالإضافة إلى القرآن، والحديث، والفقه، ولايخفى على أحد أن تدريس الصحاح الستة في الهند بدأ على أيدي الشاه ولي الله   الدهلوي، وخلفه. تحتل العلوم المعقولة والمنقولة أهمية متساوية عند الإمام الدهلوي، ولكن العلوم المنقولة لها المكانة الأساسية و الأولية، ينتقد الإمام الدهلوي المباحث الطويلة، والقيلات العابثة في المناهج الدراسية للعلوم المعقولة انتقادا شديدا، كما وقد يذم الجهود في تدريسالعلوم الآلية باتخاذ العلوم العالية هجرا مهجورا، فانظروا انتقاده في كتابه : "التفهيمات الإلهية" يقول:
"أيها السفهاء المسمون أنفسكم بالعلماء، اشتغلتم بعلوم اليونانيين، وبالصرف والنحو والمعاني، وظننتم أن هذا هو العلم، إنما العلم آية محكمة من كتاب اله أن تتعلموها بتفسير غريبها، وسبب نزولها، وتأويل معضلها أو سنة قائمة من رسول اله-صلى اله عليه وسلم-.....كان مرضى الحق أن تشتغلوا بكتاب اله تعالى، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ابتداء، فإن سهل عليكم الأخذ بهما فبها ونعمت، وإن قصرت أفهاكم فاستعينوا برأي من مضى من العلماء ما تروه أحق، وأصرح، وأوفق بالسنة، وأن لاتشتغلوا بالعلوم الآلية إلا بأنها آلة لا بأنها أمور مستقلة، أما أوجب اله عليكم أن تشيعوا العلم حتى يظهر شعائر الإسلام في بلاد المسلمين، فلم تظهروا الشعائر، وأمرتم الناس أن يشتغلوا بالزوائد". [7]
ومستخلص القول، لابد من الانتفاع بهذه النظريات التعليمية للإمام الدهلوي، كما لابد من العمل بالجوانب المختلفة المهمة من أفكاره، وشخصيته بوجه مخصوص، وأهم هذه الجوانب في رأيي: الاتحاد والمفاهمة بين المذاهب الفقهية، والمدارس الفكرية المختلفة، لقد م هد الإمام الدهلوي الأسس الفكرية لكل ذلك، كما وقد حاول تشكيل اتجاه مستقل في ضوء المبادئ والمناهج العلمية، ومن الغريب جدا أن الأوساط العلمية كلها في شبه القارة الهندية تعتز بانتمائها إلى ولي الله   الدهلوي، ولاتتفق المدارس الفكرية كلها على فكر الدهلوي المسالم والمفاهم فحسب، بل كلهم يع دونه عنوانا متجليا لمآثره، ولكن من العجب العجاب لا يستعد أحد أن يطبق فكر الإمام الدهلوي على المستوى العلمي والفكري، كل أسير لمذهبه، ومدرسة فكره، ربما يبدو أن الذين، لسانهم رطب باسم الإمام الدهلوي هم أبعد الناس عن آرائه ونظرياته الفكرية الاجتهادية والمسالمة.
)هذا خطاب ألقاه الأستاذ أختر واسع في اجتما لتذكار شاه ولي الله   الدهلوي(
ونقله إلى العربية: د/ قمرشعبان الندوي






[1] العلامة سيد سليمان الندوي: مقالات سليماني،ص44
[2] الفرقان: عدد ممتاز عن الشاه ولي اله الدهلوي، بريلي، ص:31
[3] رجال الفكر والدعوة في الإسلام، الجزء: 5، ص:182 نقلا من : الثقافة الإسلامية في الهند.
[4] حجة اله البالغة، الجزء الأول، دار الجيل بيروت،2005م ص22
[5] الفرقان: عدد ممتاز عن ولي اله الدهلوي، ص:341
[6] التفهيمات الإلهية، الجزء الثاني، المجلس العلمي، دابهيل،1936م ص 245
[7] التفهيمات الإلهية، الجزء الأول، المجلس العلمي، دابهيل،ص214-215

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة