أحدث المشاركات

الأحد، 19 يونيو 2016

العلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي وخدماته العلمية والأدبية


 الدكتور: محمد أويس صديقي

يعد الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله من الأعلام الهنود البارزين في القرن العشرين، الذين قاموا بخدمات جليلة في مجال العلم والأدب والدين، وبذلوا كل ما في وسعهم من جهود لنشر الوعي الإسلامي  والتعليمي، وتثقيف أبناء قومه و بنى جلدته ثقافة إسلامية في صورتها الصحيحة، بعدما استولى الاستعمار الإنجليزي الغاشم على البلاد، وحاول بشتى الأساليب القضاء على مقومات الحضارة الهندية العريقة المبنية على احترام مشاعر الأخرين، والتعايش السلمي بين معتقدي الديانات المختلفة الذين يعيشون معا بالوئام والتعاون فيما بينهم في هذه البلاد منذ قرون


وكان الشيخ شبير أحمد سائرا على درب سلفه علماء دار العلوم بديوبند، الذين كانوا في طليعة النضال والكفاح والمقاومة ضد الاستعمار الإنجليزي الذي استولى على البلاد، وبدأ يتلاعب بخيرات البلاد ومقدراتها، ويتحكم في مصير الأمة الهندية، ويتصدر ممتلكات الهنود في فرضه قوانينه اللأخلاقية.

ولد الشيخ شبير أحمد رحمه الله عام ١٣٠٥ ه، الموافق ل ١٨٨٧ في مدينة "بجنور" الواقعة في غرب ولاية أترابراديش الهند، في أسرة متدينة تنحدر إلى أصل عربي، إذ أنه كان من أولاد الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله، وكان والده الشيخ فضل الرحمان عالما معروفا متمكنا من العلوم العربية والإسلامية يعمل آنذاك في مدينة "بجنور" كمفتش للمدارس. حفظ الشيخ شبير أحمد القرآن الكريم - كعادة أطفال أشراف وسادات بلدة ديوبند – في سن مبكر، ثم التحق بالجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند، وقرأ كتب النحو والصرف والتفسير والحديث والفقه والعقيدة، وكتب العلوم الإسلامية الأخرى حسب المنهج النظامي المتداول في الجامعة، على يد كبار أساتذتها، أمثال الشيخ محمود حسن الديوبندي، الملقب ب  شيخ الهند"، والشيخ خليل أحمد السهارنبوري، صاحب "البذل المجهود في شرح أبي داؤد"، حتى تخرج في الجامعة عام ١٣٢٥ ه الموافق ل ١٩٠٧ م والشيخ العلامة أنور شاه ا لكشميري[1]
وكان الشيخ شبير أحمد من أبرز تلامذة الشيخ محمود حسن الديوبندي، الذي كان يدرس الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، وكتب الحديث الأخرى في الجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند آنذاك، وكان الناس يشدون إليه الرحال من أرجاء البلاد وخارجها في ذلك العصر لتعلم الحديث النبوي الشريف، وبعد تخرجه من الجامعة، عين كمدرس في "المدرسة العالية" المعروفة الواقعة بمنطقة "فتح بوري" بدلهي، وقضى فيها عدة سنوات، يدرس الطلبة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ونال درسه قبولا لدى الطلبة في هذه المدرسة لتمكنه من اللغة العربية، وتضلعه في العلوم الإسلامية وقدرته على تدريسها، الأمر الذي لفت انتباه القائمين على الجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند، الذين كان بعض منهم من أساتذة العلامة شبير أحمد، ويعرفون قدراته وتمكنه من اللغة العربية، وتضلعه في العلوم الإسلامية، فدعوه إلى الجامعة الإسلامية، وعينوه كمدرس فيها، فبدأ يدرس فيها كتب النحو والصرف، والتفسير والحديث. ونال درسه قبولا بين طلاب الجامعة أيضا، ثم اشتهر في الأوساط العلمية والدينية والعلمية بدرسه لصحيح الإمام مسلم رحمه الله، الذي شرحه وسمى شرحه ب "فتح المله في شرح الإمام مسلم" باللغة العربية. وسنتكلم عنه ببسط في نهاية هذا المقال. درس الشيخ شبير أحمد كتب الحديث والتفسير والأدب العربي في الجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند، حوالى عشرين سنة، ولكنه ترك منصب التدريس بالجامعة لحدوث خلاف بينه وبين القائمين عليها لذلك ذهب إلى منطقة "غجرات" مع أستاذه العلامة أنور شاه الكشميري رحمه الله، وبدأ يدرس الحديث النبوي الشريف في جامعة " تعليم الدين " ب "دابيل" غجرات، ودرس هناك سنتين، ثم رجع إلى الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، بأمر من مشائخه وأساتذته، وبدأ يدرس فيها الحديث، وتولى منصب شيخ الجامعة، ومكث بها إلى ماشاء الله أن يمكث.
ثم سافر العلامة شبير أحمد إلى مدينة "كراتشى" قبل انقسام الهند إلى دولتين، وأقام بها، وانضم إلى جماعة "مسلم ليك" (رابطة المسلمين)، لحدوث خلاف بينه وبين أعضاء جمعية علماء الهند، حول قضية مساندة جمعية علماء الهند لحزب المؤتمر الوطني، وأثناء إقامته بكراتشى، قام بإصلاح النظام التعليمي والإداري للجامعة العباسية الواقعة بمدينة "بهاول بور"، وأثناء قيامه بإصلاح النظام التعليمي والإداري لها أصابته وعكة__ صحية، أدت إلى وفاته، فقد وافاه الأجل المحتوم عام ١٣٢٥ ه الموافق ل ١٩٤٩ م بمدينة كراتشى، ودفن بها [2]
.
أعماله العلمية وجهوده الدينية

كان العلامة شبير أحمد العثماني كاتبا قديرا، وخطيبا مصقعا، وداعيا إلى الله، وله جولات وصولات دعوية، يخطب في المحافل الدينية، وكانت خطباته مقبولة في عامة الناس، كما كانت مقبولة في الأوساط العلمية. وكان الناس يعتبرونه ترجمانا لفكر علماء دارالعلوم/ديوبند، وكان فكره مستمدا من فكر الإمامين الجليلين، وهما العلامة المحدث الشاه ولي الله الدهلوي، صاحب كتاب "حجة الله البالغة" والإمام محمد قاسم النانوتوي، مؤسس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند.
وكان العلامة شبير أحمد العثماني كاتبا قديرا، يكتب باللغتين العربية والأردية، وقد قام بتأليف عدة كتب بالعربية والأردية، من بينها كتابه الشهير فتح الملهم في شرح مسلم باللغة العربية، وكتابه "الإسلام، العقل والنقل"، وكتاب إعجاز القرآن الكريم، وكتاب "الشهاب لرجم الخاطف المرتاب" باللغة الأردية وبالإضافة إلى ذلك كتب عدة مقالات أخرى حول القضايا الدينية والسياسية، ومن المناسب أن نتعرف على كتاباته بشيء من التفصيل.
1)     فتح الملهم:
هذا كتاب له شرح فيه الصحيح للإمام مسلم رحمه  الله باللغة العربية، وقد تم طبعه لأول مرة على نفقة السلطان "آصف جاه" السابع "مير عثمان علي خان بهادر" لذلك أهدى كتابه إليه، فيقول في الإهداء :
"إلى ذي الهمة الشماء والعزة القعساء، والشهامة والشهم، إلى من سهرت عينه لتنام عين رعيته حتى غدت في رفاهية حال، وراحت في طمانينة بال وسرور ونعم إلى سلطان العلوم والمعارف والحكم.
مقرب أهل العلم ناشر مجدهم                   مجدد علم الأولين الأوائل
إلى مظفر الممالك نظام الدولة نظام الملك السلطان بن السلطان سلطان العلوم آصف جاه السابع، مير عثمان علي خان بهادر أدام الله سلطنته وأيامه وخلد ذكره المسعود إلى يوم القيامة، أقدم هذا الكتاب الجليل، فإنه بعض مآثره الجليلة، ومساعيه الجميلة، ومكارمه المشكورة، ومفاخره المشهورة، وأهديه تخليداً لذكر ملكنا المحبوب المعظم، وإبقاءًا لعاطر الثناء عليه، ما بقى الفرقدان، وكر الجديدان" [3]
بهذه الكلمات العالية، أهدى الشيخ شبير أحمد العثماني كتابه هذه إلى مير عثمان علي خان، نظام الملك آنذاك. وفي بداية الكتاب كتب العلامة شبير أحمد العثماني مقدمة ضافية، تناول فيها علم مصطلح الحديث ومنهج شرحه لصحيح مسلم، وتكلم عن هذا العلم ببسط وإيضاح، وقد بدأها بهذه العبارة :
"الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإخوانه من الأنبياء والمرسلين السالفين، وعلى آله وأصحابه الطيبيين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبعد، فهذه فصول نافعة مهمة في بيان مبادئ علم الحديث وأصوله التي يعظم نفعها ويكثر دورانها، انتقيتها من الكتب المعتبرة عند علماء هذا الشأن مع بعض زيادات مفيدة سنحت لي في أثناء التأليف، فأحببت أن أجعلها كالمقدمة للشرح ليكون الناظر على بصيرة فيما يتضمن عليه الكتاب من مباحث الحديث ومتونه وأسانيده وبالله التوفيق" [4]
بهذه العبارة البليغة، بدأ بمقدمة هذا الشرح الذي ما استطاع إكماله، لأن الأجل المحتوم قد حال دون إكماله إلا أنه شرح الصحيح للإمام مسلم حتى كتاب الرضاع في ثلاث مجلدات. وقد قام بتكميله العلامة محمد تقي العثماني الباكستاني، وسماه بتكملة فتح الملهم، وقد طبع عدة مرات من ديوبند ومن المكتبات المشهورة في البلاد العربية.
والمقدمة الضافية التي كتبها العلامة شبير أحمد العثماني جديرة بأن تطبع على عدة في كتاب، لأنها مقدمة طويلة تشتمل على مائة صفحة، وقد تكلم فيها ببسط حول فن مصطلح الحديث وأصوله، وذكر تعاريف المصطلحات المعروفة لدى المحدثين، كما اهتم بذكر أقوال العلماء في تعاريفها، ورجح بعض الأقوال في هذا الشأن.
ثناء العلماء على هذا الشرح
وقد أثنى المحدثون والعلماء على هذا الشرح الجيد لصحيح مسلم، وبينوا خصائصه، كما أثنوا على مؤلفه، وأشادوا بعلمه من النواحي   المختلفة، يقول الشيخ أبوالحسن علي الندوي في مقدمة كتاب تكملة فتح الملهم:
" قيض الله في عصرنا الحاضر، وفي محيطنا العلمي والديني والتأليفي العلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي المتوفى ١٣٦٩ ه، لشرح مسلم  ، وكان جديرًا بذلك، قديرًا عليه لرسوخه في العلوم الشرعية، وتضلعه منها، مع صحة العقيدة، وسلامة الفكر، وما يحتاج إليه الجيل الإسلامي الجديد، والعصر الحديث من تحقيقات وإقناعات علمية عقلية وكلامية، وما يقتضيه     الزمان من بسط في بعض المواضيع العلمية، وإيجاز في بعضها، وما أثير في هذا العهد من بحوث وتساؤلات، وتشكيكات لتاثير الحضارة الغربية، والنظم التعليمية الأجنبية، مع بيان أسرار الشريعة، مستفيدًا في ذلك من كتب الإمام ولي الله الدهلوي، والإمام الغزالي، والشيخ محي الدين ابن العربي، مع الاستدلال للمذهب الحنفي في القضايا الشرعية، وإيضاحه مع البحث المقارن، والدراسة المقارنة ونقل ما انتقل من جيل إلى جيل من الدارسين لكتب الحديث والمدرسين لها، من تحقيقات أساتذة هذه المدرسة الحديثية الحنفية، وما جاء منها في كتاب مطمور أو مغمور لم يكن بمتناول الطلبة، مع إعطاء المذاهب الأخرى غير المذهب الحنفي حقها من العرض الصحيح والبحث المنصف" [5]
في هذه العبارة الوجيزة ذكر العلامة الندوي معظم خصائص هذا الشرح وأسلوبه، وذكر أن العلامة شبير أحمد العثماني لم يتناول الأحاديث الواردة في صحيح مسلم من ناحية، بل استعرض القضايا الواردة فيها من النواحي المختلفة، وترجيح المذهب الحنفي في القضايا الفقهية، وتفنيد آراء المشككين في العقائد الإسلامية، وذلك كله بعبارة سهلة مفهومة
. وقد أثنى على هذا الكتاب غير واحد من علماء العرب والمحدثين منهم، يقول الشيخ عبد الفتاح أبوغده رحمه الله :
" أما كتاب مسلم فكانت العناية به دون العناية بكتاب البخاري، وهو من حيث الصيغة الحديثية في سياقة أحاديثه. أعذب موردا، وأروى مشربا، وقد خدمه بالشرح والعناية علماء كبار، وفحول أبرار، وكان من آخرهم محقق العصر، مجمع الفضائل العز الزهر، مولانا الإمام الهمام شبير أحمد العثماني، فكان كتابه الذي شرح به صحيح مسلم، كما سماه "فتح الملهم" وانتهى به شرحا إلى كتاب الرضاع، ثم اخترمته المنية قبل بلوغ الأمنية." [6]
ويقول عالم من علماء العرب :
" فإن كتاب فتح الملهم من أجل مؤلفات العلامة المحقق الداعية الكير الشيخ شبير أحمد العثماني، لا يجهله أحد ممن له علاقة بالعلوم الإسلامية، وخاصة الحديثية منها، وقد شرح فيه رحمه الله الجامع__ الصحيح لمسلم شرحا حافلا، جمع فيه أبحاثا نادرة، وقواعد مبتكرة، وتكلم على كل حديث بما يشرح معانيه، ويبين وقائعه، ويوضح أقوال علماء الأمة فيه، ويرجح ما رجح فيها عنده، ثم يأتى في أكثر المواضيع برأي وجيهه من عنده، ثم من عند مشائخه وأساتذه" [7]
وقد أثنى على هذا الشرح العلامة زاهد الكوثري الذي زار الهند، وطالع هذا الكتاب، وأبدى إعجابه بلغته وأسلوبه وطرازه في عرض القضايا الواردة في الأحاديث، وإتيان أقوال علماء ومهرة الفنون المختلفة، وتفنيدآراء من يريد النيل من شعائر الإسلام، وترجيح رأي الأحناف في القضايا الفقهية، مع عرض الآراء الفقهية الأخرى واستدلالاتها، كما عده من العلماء المحققين البارزين.
2)     تفسيره لكلام الله عزوجل
وقد كتب العلامة شبير أحمد العثماني تفسير القرآن الكريم بلغة أردية، وقد عده علماء الديار الهندية من أفضل تفاسير القرآن الكريم باللغة الأردية، وفي الواقع، ترجم أستاذه الشيخ محمود حسن الديوبندي القرآن الكريم إلى اللغة الأردية مستفيدًا في ذلك من تفسير "موضح القرآن" باللغة الأردية للشيخ عبدالقادر الدهلوي، أحد من أبناء الإمام الشاه ولي اللهالدهلوي، وهو أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الأردية، فترجم الشيخ    محمود حسن الديوبندي القرآن الكريم كله إلى اللغة الأردية، ثم بدأ يكتب تفسيره، وكتب تفسير سورة البقرة، ولكن الأجل المحتوم قد حال دون إكماله، فلما لاحظ العلامة شبير أحمد نفع هذا التفسير، أراد إكماله، وانتهج   التلميذ البار أسلوب أستاذه في التفسير، وأكمل هذا التفسير. وهذا التفسير معروف في الأوساط العلمية الهندية بترجمة شيخ الهند، وقد طبع عدة مرات من ديوبند، ونال القبول في بيوت المسلمين في الهند
. ونظرًا لأهمية هذا التفسير، وعظيم نفعه، أشار سماحة العلامة الشيخ أبوالحسن علي الندوي على مسؤلي مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، يطبع هذا التفسير من المجمع، عندما استشاره مسؤلوا المجمع في طبع المصحف الشريف مع ترجمة معانيه إلى اللغة الأردية، وقد طبع من المجمع عدة مرات، وتم توزيع نسخه في شبه القارة الهندية على نطاق واسع.
3)     .الإسلام
هذا كتاب قيم للعلامة شبير أحمد العثماني باللغة الأردية وقد تكلم فيه عن العقائد الإسلامية الأساسية، وأثبتها بطرق شتى وأجاب عن من ينكرونها، مستدلا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمسلمات العقلية. تكلم أولا عن عقيدة التوحيد، والفوائد في الإيمان بها، والمضار في عدم الإيمان بها، كما أثبت عقيدة الرسالة والنبوة، وعقيدة الآخرة، والبعث بعد الموت، وذكر في نهاية هذا الكتاب خدمات علماء دارالعلوم في الحفاظ على العقائد الإسلامية في البلاد الهندية.
4)     العقل والنقل
كتاب قيم للعلامة شبير أحمد العثماني ذكر فيه قضية الخلاف بين العقل والنقل، وأثبت بأنه لا يوجد أي خلاف بين العقل السليم والنقل الصحيح وبين العقل والنصوص الشرعية، وأن جميع النصوص الشرعية موافقة للعقل السليم. وقد ذكر في تائيد موقفه من هذه القضية آراء علماء الإسلام، أمثال الشيخ أبوحامد الغزالي، والشيخ محي الدين ابن العربي، والمحقق الطوسي، وابن خلدون، وابن رشد، وابن تيمية، والشيخ أحمد السرهندي الفاروقي والشيخ الشاه ولي الله الدهلوي والإمام محمد قاسم النانوتوي.
5)     خوارق للعادة (الإسلام والمعجزات
في هذا الكتاب، بحث عن قضية المعجزات التي زعم فيها صغار الجهلاء بأنها توهمات وافتراضات عقلية، وليس لها وجود في الواقع. رد العلامة هذا الزعم، وأتى بدلائل عقلية ونقلية لإثبات المعجزات وأنها مظهرة لقدرة الله الكاملة، ومطابقة للفطرة الإنسانية. في بداية الكتاب، تكلم عن العلاقة الموجودة القائمة بين أمور خارقة للعادة، والقوانين الإلهية، ثم أثبته بالآيات القرآنية والمسلمات العقلية
6)     إعجاز القرآن الكريم
.
تكلم في هذا الكتاب عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم وكونه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون الرسول من المنذرين. وللعلامة شبير أحمد العثماني كتب أخرى، مثل الدار الآخرة، والهدية السنية وجزاء من يرتد عن الإسلام في الإسلام، وغيرها من الكتب القيمة، ومن يريد الاستزادة من معارفه فله أن يراجع كتاب "مقالات عثماني" الذي طبع من دار المؤلفين بديوبند عام      ٢٠٠٩ م.
والجدير بالذكر أن العلامة شبير أحمد العثماني كتب الخطبة الرئاسية بمناسبة تأسيس الجامعة الملية الإسلامية بمدينة عليكراه عام ١٩٢٠ م، نيابة عن أستاذه العلامة محمود حسن الديوبندي الملقب بشيخ الهند، الذي كان من مؤسسي هذه الجامعة، لأنه كان مريضا آنذاك، ثم قدمها أيضا العلامة شبير أحمد نيابة عنه في الجلسة الافتتاحية للجامعة الملية الإسلامية في حضور أستاذه.
تمكن العلامة شبير أحمد من اللغة العربية :
كان الشيخ شبير أحمد العثماني متمكنا من اللغة العربية والعلوم العربية وآدابها، وكانت لغته ممتازة، يكتب بالعربية بدون أي تكلف ومشقة، ولا توجد في عباراته ركاكة، وكان قادرًا على أن ينقل أفكاره إلى القراء بعبارات خالية من الأخطاء التعبيرية والنحوية والصرفية، وكان أسلوبه في شرحه لمسلم أسلوبا علميا رصينا محكما. يقول في شرح حديث "والحياء شعبة من الإيمان":
"الحياء في اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به ويلام عليه، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر، الحياء خير كله، فان قيل الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان، أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا ولكن استعماله على وفق الشرع  يحتاج إلى اكتساب علم ونية فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية "
هذه العبارة تدل على تمكنه من العربية، كما تدل على أن أسلوبه أسلوب علمي رصين يميل بعض الشيء إلى أساليب المتقدمين من المحدثين والشارحين للحديث.
وكان العلامة شبير أحمد العثماني قادرًا على الخطابة باللغتين العربية والأردية، وكان يتحدث العربية بكل طلاقة، وبدون أدنى عنا، وأرى من  المناسب أن أحكى للقراء قصة هدم القبة المبنية على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ١٩٣٢ م، أذكر هنا خطبة العلامة شبير أحمد العثماني البليغة المؤثرة التي ألقاها في المسجد النبوي أمام جمع كبير من علماء العرب والعجم، وقد حضرها الملك عبد العزيز المغفور له بنفسه.
كان الملك عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية السابق – طيب الله ثراه – فتح المدينة المنورة عام ١٩٢٥ م، بعد سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤ م، وأمر بإخفاء الآثار الإسلامية أو محوها، مخافة وقوع الناس في البدع والخرافات بإسم الدين، فبرزت على الساحة قضية هدم القبة الموجودة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشار الملك عبد العزيز علماء بلاده في هدم هذه القبة أو الإبقاء على حالها، فأشار علماء بلاده عليه بهدمها وقالوا : لا يناسب بناء قبة على قبر سواء كان القبر قبرا لنبي أو قبرا لولي، فلما أفتى علماء الحجاز بذلك، حدثت ضجة كبرى في العالم الإسلامي حول هذه القضية. وكان الملك عبد العزيز رجلا تقيا ورعا، بصيرا بالأمور، فأحس بخطورة هذه القضية، ووجه دعوة إلى علماء العالم الإسلامي للحضور في المدينة المنورة (زادها الله شرفا وتعظيما) بخصوص هذا الأمر، وناداهم بإيجاد حل إسلامي لهذه القضية.
فحضر علماء العالم الإسلامي إلى المدينة المنورة (زادها الله شرفا وتعظيما) لإيجاد حل مناسب لها. ومن بينهم كان صاحبنا العلامة شبير أحمدالعثماني، الذي كان يمثل هناك مسلك علماء دارالعلوم بديوبند. فاجتمع علماء العرب والعجم في رحاب المسجد النبوي الشريف وكان الملك موجودا في المجلس.
بدئ المجلس بتلاوة آي من الذكر الحكيم، ثم قام عالم من علماء العرب، وعرض القضية بجميع جوانبها وأبعادها، وبين موقف علماء الحجاز منها، وقال ! لا يناسب بناء قبة على قبر، سواء كان ذلك القبر قبرا لنبي أو قبرا لولي، لأن النصوص الشرعية تدل على كراهة بنائها، ثم قدم دلائل نقلية وعقلية لإثبات هذا الرأي، فلما انتهى ذلك العالم العربي من تقديم موقف علماء الحجاز، أشار الملك عبد العزيز رحمه الله إلى علماء البلاد الخرى الذين حضروه لتقديم موقفهم تجاه هذه القضية، فاختار علماء البلاد__ الأخرى العلامة شبير أحمد العثماني لتقديم موقفهم ورأيهم في هذا الأمر، إذن قام العلامة شبير أحمد فحمد الله وأثنى عليه، وصلى وسلم على الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، ثم قدم موقف علماء دارالعلوم/ديوبند من هذه القضية أمام العلماء بلغة قوية، وأسلوب محكم، فقال : نسلم أنه لا يناسب بناء قبة على قبر نبي من الأنبياء، إلا أنه لا يناسب الآن هدمها، لأن الملك عبد العزيز وحد المملكة العربية السعودية في العهد القريب، وكلنا نريد الإصلاح والحد من انتشار البدع والخرافات ، والإصلاح عملية لا تتم إلا بالتدريج، لأن التدريج عملية قوية راعتها الشريعة الإسلامية في كل مناسبة وفي كل أمر من الأمور المهمة، ثم استدل بحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، فقد ورد فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لزوجته عائشة يوم فتح مكة : يا عائشة "لولا أن قومك حديث عهد بالإسلام لنقضت الكعبة " الخ. ولكن قومها كان حديث عهد بالإسلام، لذلك امتنع عن نقض الكعبة وإبقائها على بناء قريش، مراعيا في باب الإصلاح عملية التدريج، التي تعتبر من أهم القواعد الشرعية، لذلك لا يناسب هدمها الآن. فلما انتهى العلامة من كلامه سكت الجميع، وكان الملك عبد العزيز المغفور له يقول لهم : أجيبوا الهندي، أجيبوا الهندي، فكانوا كلهم ساكتين، فمن أجل تلك الخطبة المؤثرة البليغة بقيت القبة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الواقعة إن دلت على شيء فانما تدل على أن العلامة كان يمتلك ناصية البيان، وكان متمكنا من العربية، وقادرا على الخطابة فيها.
ينتمي علامة العصر إلى المدرسة الأشعرية الأصيلة التي تسود العالم الإسلامي والتي هي من درب علماءه القدامي غير تائه عن جادة أهل السنة والجماعة وعن طريق السواد الأعظم من الأمة. حيث أورد معالمها ومساندها في عدة مواضع في كتبه ، وقد كان رحمه الله حنفي المذهب إذ نقد موقف اللامذهبيين نقدا صحيحا واضحا بعبارة سهولة، وتفنّد آراء متشدقي ألسنتهم وفق علماء الغرب ردفاء الوهم كأمثال الأستاذ أبي الأَعْلَى الَموْدُودِيِّ، وكسر مزاعم هؤلاء وأذل دلائلهم ورد تشكيكاتهم ردّا بليغا، قد حُفلت صحفات فتح الملهم بهذه القضايا .
مثلا قوله
قال في تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] علم من هذه الآية الشريفة: أنه لا يجوز الاستمداد في الحقيقة من غير الله، ولكن إذا جعل شخص مقبول واسطة لرحمة الله، وطلب منه العون على اعتقاد أنه غير مستقل في الإعانة، فهذا جائز؛ لأن هذه الاستعانة بهذا الولي في الحقيقة استعانة بالله تعالى قال علمائه السالفة "إن الاستمداد من أرواح الأموات هو عقيدة جميع أهل السنة بدليل أن الله تعالى قد سخر الملائكة لإعانة خلقه ومددهم" .
وقد قام العلامة شبير أحمد العثماني بأعمال أخرى عديدة وخدم الأمة الإسلامية الهندية طوال نصف قرن بأعماله العلمية والثقافية والاجتماعية والدينية، وانضم إلى جماعات تعمل في ذلك الوقت من أجل تحرير البلاد الهندية من براثن الاستعمار الانجليزي الغاشم، وحاول بكتاباته وخطاباته إخراج أبناء جلدته وبنى قومه من مستنقع الجهالة والتفرق والتشتت، كما حاول بكل ما لديه من وسائل، القضاء على تلك العبودية الذهنية والفكرية التي استولت على الهنود إثر احتلال القوى الاستعمارية لبلاد الهند، وذلك لأن استعباد الجسم مرض يمكن دواؤه ويرجى شفاؤه، أما استعباد الروح فموت للقومية والأمة التي لا يقدر على إحيائها طبيب ولو كان حاذقا. هكذا قضى العلامة شبير أحمد العثماني حياة حافلة بالأعمال العلمية والفكرية والدينية والدعوية، وكان من الرجال الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
1)     ) فتح الملهم في شرح الصحيح للإمام مسلم)
2)     ) تكملة فتح الملهم، الشيخ محمد تقي العثماني )
3)     ) تاريخ دارالعلوم/ديوبند، محبوب رضوي )
4)     ) مقالات عثماني، خالد القاسمي )
5)     ) ترجمة معاني القرآن الكريم لشيخ الهند، الشيخ شبير أحمد العثماني )
6)     ) ندائ دارالعلوم، مجلة شهرية تصدر عن جامعة إسلامية دارالعلوم وقف بديوبند )






[1] تاريخ دارالعلوم/ديوبند، ص ١٨٧ ، ج ٢


[2] مقالات عثماني، ص ٤

[3] فتح الملهم، ج ١

[4] فتح الملهم، ج ١

[5] تكملة فتح الملهم، ص 9، ج4

[6] تكملة فتح الملهم، ص 5، ج4

[7] تكملة فتح الملهم، ص 8، ج4

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة