أحدث المشاركات

الثلاثاء، 10 مايو 2016

الفتح المبين: مرآة منعكسة لمقاومة كيرالا

منصور أمين ك

(أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية يم. يي. يس ممباد(الحكم الذاتي)، ممباد، ملبرم) 
التمهيد
الحمد لله الواحد القهار والعزيز الجبار وغافر الذنب وقابل التوبة وشديد العقاب، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وعلى آله وصحبه ‏الشرفاء..وبعد.‏


هذه محاولة ساذجة لقراءة تحليلية لملحمة كيرالا المشهورة "ال
الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين" للقاضي محمد الكاليكوتي، وقد أقر ‏المؤرخون أن الفتح المبين مرآة قلقة تزخر فيها تجارب أهل كيرالا ولا سيما المسلمين في عهد الاحتلال البرتغالي، وصورة واضحة تنعكس فيها فتح المسلمين ‏على قلعة البرتغاليين، حقا أنها مثل ملائم للشعر المقاوم، وأضحى الشاعر معظم أوقاته لتأليف هذه القصيدة التاريخية رغم أن حياته مملوءة ‏بالنشاطات الحكومية.‏
القاضي محمد الكاليكوتي
القاضي محمد يقدم "الفتح المبين للسامري"(صورة خيالية
ولد القاضي محمد بن عبد العزيز في كاليكوت في  أسرة قضاة كاليكوت، وهو حفيد القاضي أبو بكر بن رمضان، وتعلم المبادئ الإسلامية ‏من أبيه القاضي عبد العزيز ثم قرأ على الشيخ عثمان لبا القايلي وعلى الشيخ عبد العزيز المعبري، وأتقن في علم الحديث والتفسير والفقه وعلم ‏الأفلاك والفلسفة وعلم الحساب وعلم النجوم، ومع كلها بذل الرمق الأخيرة لتربية اللغة العربية ولتحمية ولاية كيرالا وسكانها.‏
عينه الملك السامري قاضيا رسميا لمدينة كاليكوت، وأخذ المسجد الجامع بكوتشيرا  kuttichira      مقرا لهللقضاء والإفتاء، واستمر ‏القضاء حتى لبى لنداء ربه.‏
وهو الأديب المرموق الذي فاض من ريشه تأليفات جذابة ووقارة، وترك القاضي محمد لنا نحو خمسين كتابا إلا أن معظمها ضاعت في ‏مر الزمان ولم يصل إلينا إلا القليل وأهمها:‏
- ملتقط الفرائض
- نظم الأجناس
- نظم قطر الندى
- مدخل الجنات
- منظومة في تجويد القرآن
- منظومة في علم الأفلاك والنجوم
- منظومة في علم الحساب
- منظومة في الخطوط والرسائل
- نظم العوامل
- إلى كم أيها الإنسان: تحتوي 80 قصيدة رائعا، وهي قصيدة قرضها الشاعر نصيحة لإخوانه المسلمين الذين على الحياة ‏المادية ولا يعملون شيئا للحياة الأخروية. والقصيدة ذات عاطفة نبيلة يوجد فيها خيال رائع، ويصور الإنسانية تصويرا بديعا ويبعث في نفوس القراء ‏الذكر عن الموت، وشرحها القاضي أبو بكربن محي الدين الكاليكوتي وسماه " نصيحة الإخوان إلى كم أيها الإنسان".‏(1)
- مرثية على الشيخ عثمان لبا القايلي: وهي قصيدة رثى بها الشاعر أستاذه العالم الكبير عثمان لبى، ويقول الشاعر فيها أن ‏أستاذه الفقيد شخص عظيم عديم المثل وكان يحط إليه الناس من بقاع بعيدة.‏
- مقاصد النكاح: وهي قصيدة طويلة يشتمل على أحكام النكاح على المذهب الشافعي تحتوي على 252 بيتا.‏
الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين
لا شك أن هذه القصيدة شرارة في الهشيم، وهي رصاصة ضد الاحتلال الأليم، هذه القصيدة قصيدة حربية في بحر الرجز، تبلغ 537 ‏بيتا، ويبين فيها أحوال المسلمين تحت السامري الذي كان على علاقة طيبة وثيقة بالمسلمين، ويبين وصول البرتغاليين إلى ساحل كيرالا وأعمالهم ‏الوحشية مع الأهالي، ولا سيما مع المسلمين.‏
يعني الشاعر ب"الفتح المبين" فتح قلعة تشاليات سنة 1571م بعد قتال مستمر بين البرتغاليين والمسلمين، وهذه القلعة تقع على الضفة ‏الجنوبية لنهر تشاليات بعد الحلف مع راعي أني راما(Unni Rama)‏الذي كان من إمارة السامري. ولم يصرح الشاعر تاريخ نظم هذه القصيدة، ‏والمؤرخون يختلفون فيه.‏
وكانت مخطوطة إلى أن طبعها المولوي عبد القادر الفضفري وجمعها في كتابه جواهر الأشعار. وقد ترجم أولا هذه القصيدة إلى اللغة ‏المليبارية المؤرخ والباحث المشهور ك.ك. محمد عبد الكريم الكندوتي سنة 1986م، ثم نشر الدكتورعبدالعزيز ترجمة مليالمية سنة 1992م مع ‏مقدمة تفصيلة للدكتور غنغادرن (Gangadaran).(2)
    وإذا قرأنا هذه القصيدة الجذابة نرى أنها ألفت لهذه الأعراض الهامة:‏
  - ليسمع الملوك والسلاطين الذين تخاذلوا عن نصرة إخوانهم في الدين.‏
 - أن يذيع أخبار السامري في الآفاق وفي بلاد العرب.‏
- الإشادة والإمتداح بفضائل الملك السامري.‏
 - معاملة البرتغاليين الشنيعة مع أهل كيرالا ولا سيما مع المسلمين.‏
   - تحريض المسلمين بقول كل أعمال الإنسان عبادة إذا قصد بها وجه الله.‏

بداية القصيدة
تبدأ هذه القصيدة بالحمد على الله والثناء عليه بما يليق به سبحانه وبذكر صفات الله عز وجل ما يدل على ملكوته وجبروته وسيرته في ‏الأمم الغابرة وهو قاصم الملوك والجبابرة وقاسر الأقيال والأكاسرة، وأهلك عادا أولا ثم ثمود وقوم نوح بظلمهم وطغيانهم في الأرض:
الحمد لله القوي القـــــادر               المالك المغني العلي القــــــاهر
القاصم الملوك والجبابرة              وكـــاســـرالقــيول والأكاسرة
وهو الذي ما شاءه يكون               وكل مــــا لا فـــــهو لا يكـون
ثم يصلي على النبي المصطفى وآله وصحبه:
ثم صلاة الله مع ســلام      
                      على النبي المصطفى التهامي
محــــمد وآلــــه الأبرار
                        وصــــحبه والتــــابع الأخيار (3)‏ ‏
ثم بذل الكاتب معظم أبياته لمدح السامري خاصا ولذم البرتغاليين عاما، ونعرف أن الحروب المستمرة التي جرت هنا ضد البرتغال في ‏القرن السادس عشر لإثبات استقلال شاطئ كيرالا والبحر العربي هي أهم فصل في تاريخ كيرالا السياسي وفي هذه الحروب كانت مساهمة مسلمي ‏مهابلا برئاسة ساموتري هو الذي حدد حقيقة سير تاريخ الهند في العصور الوسطى. وبسبب هذه المدافعة لم يتحول كيرالا إلى مركز احتلال برتغالي ‏مثل جووا.‏(4)
في مدح السامري ‏
أساطيل السامري الذي يقودها كُنْجْ علي مَرِكارْ
وإن هذا الشاعر الذي يحب ساموتري من أعماق قلبه لم يؤلف هذا التأليف إلا لحيازة رضى الرب تعالى ويصف الشاعر ملكه كما يأتي:‏
وعلمها تســـير في الآفاق
                      لا سيما في الشـــــــــــام والعراق
ويعلموا لهمة الســـــلطان
                     السامـــري المشـــهور في البلدان
                      صاحب كاليكوت المشهور
                        لا زال من فضل الغني المعمورة
وهو محب ديننا الإســـلام
                           ومســــــلمين بين ذا الأنــــــــــام(5)
ويصف أوصاف الملك وفضائله كما يقول:‏
ناصر ديننا ومجري شرعنا
                        حتى بخــــــطبة على الســـــلطان
والمسلمون كلـهم رعيتـــــه
                          وإن يكـــن في أي أرض بلــــدته
ويرجى لهدايته:‏
والله يهــــــديه هداية الأبــــد
                             ويجرين أمــــوره على الســـــدد
فواجب على جميع المسلمين
                                  أن يدعـــــوا بمثـــل ذايا مسلمين
لأنه مــــع كــفره يحـــارب
                              والمـــلك المســلم لا يحــــــارب
ويصف الشاعر بسداد رأي السامري وحسن تدبيره وشجاعته وصبره إنه كان يخبر الأعداء بوقت الحرب  وموعدها ليستعدا لمواجهة الآخر ‏ولقائه، ولا يفعل ذلك من ملوك كيرالا إلا السامري لثقته بنفسه وقوته في حين يهاجم غيره من الملوك على الأعداء خدعة، يقول الشاعر: ‏
ويخبر الأعدا بوقت حـــــربه
                              ليســـــتعد خــــــصمه بـــــحربه
فخرا لدى الملوك بالشجــــاعة
                           إذ حرب غير السامري بالخدعة
ثم السلاطين الصغار في القرى
                                يخدمه في الــــحرب مثل الأمرا
يصرف بالشعور والجـــــريمة
                                 عــــــلى وجوه الخير والأطعمة
ذو الرأي والتدبير والشجــاعة ‏
                              والصـــبر والعفو لدى الشفاعة(6)
قدوم البرتغاليين ومقاومتهم
والبرتغاليون دخلوا أرض كيرالا باسم التجارة ولكنهم ستروا أنياب الاستعمار، وشبههم الشاعر بأسراب الجراد، ومعلوم أن أسراب ‏الجراد إذا جاءت منطقة زراعية أكلت كل رطب وأخضر.‏
ويعرف نفسهم أمام السامري بأنهم من التجار يحبون التجارة ومتاعها، وقاموا أمام السامري كالعبيد حتى جمعوا قوتهم وتشتدوا أزرهم، ‏ثم انقلب إلى مرحلة المنافق فورا: ‏
فقام العــــبيد حتى يجتمع              قوتــــه كاملــــة ثم ارتفع
وقمع البلدان حتى الصين             وهنـــد وسنـــد بغير مين
ويشبه الشاعر البرتغاليين بالكلب الذي يعض صاحبه: ‏
ثم غدا مخــالف للسامري
                          من بعد ما كان كعبد صاغر
ولم يزل يفعــل ما يضره                ويســـعى إلـــــى الذي يغره
         ككلب من رباه لانتفــاعه ‏               وهــــو يعــض دائما لرجله(7)
ويصور الشاعر طول أبيات هذا الشعر مكر البرتغاليين على السامري والمسلمين معا، حتى نجحوا في بناء القلعة الكبرى، ثم خطوا خطوة ‏وفرضوا بعض الإجراءات القمعية على التجار المسلمين، كما وجبوا عليهم الضرائب ومنعوا المسلمين من سفر الحج إلى بيت الله الحرام، وأقبح من ‏ذلك أن حاولوا قتل السامري باستدعائه إلى قلعتهم لقبول هدية سنة 1517م،  ولكن الله تعالى سلمه من ذلك الخداع.‏
فتح القلعة
وهاج المسلمون والسامري وحاصروا القلعة بسنتين متتاليين حتى اضطر البرتغاليون ترك هذه القلعة والخضوع أمام السامري، ويبين ‏الشاعر فتح هذه القلعة: ‏
       فحاصروا القلعة نحو سنتيـــن ‏               ونبشوا الخندق بين الجهتين
وأهل كل جـــــهة في جــــهته               مرابــــط في يومـــــه وليلته
ثم رموا بالمنجــــــنيق والطفق                      حتى أبادا بهما كــل طبـــــــق
فاجتهدوا في الحرب مثل النمر                ولم يملوا من هـلاك العســـكر
             حتى سمعنا أنــــــه في ليلــــة ‏                        قد مات ألف عسكر في ساعة
     فترك القلـــعة ليلا وهــــــرب               بنفســــــه لما رأى من العطب
وكان فتــــحها بمصض المنة                        عام ثلاثــــين وتســـــــــعمائة(8)
الاضطهاد على المسلمين ‏
ثم ذهب البرتغاليون إلى كوشن، وبنوا في أرضها قلعة أخرى، وبعد ذلك أسرحوا على المسلمين أشد العذاب تقشعر منه الجلود ‏وتذوب له القلوب، وأحاطوا المسلمين من أمامهم ووراءهم وجنوبهم وشمالهم بفتنات الرذيلة، ونحن نستطيع أن نفرق العذاب نحو المسلمين إلى ‏صورتين: ‏
          فعوق الركوب فوق البحر                          لا سيما للحــــاج والمعتمر
وأحرق البلدان مع مساجد                      وصير الخـــلق له كالأعبد
في البحر: البرتغاليون انتزعوا احتكار التجارة من أيدي المسلمين، ومنعوا السفن المتجهة إلى مكة المكرمة، ووجبوا أوراقهم الأجوزة للسفر في ‏البحر، وإن سافر المسلمون دون أوراقهم أخذوا السفينة وعذبوا من فيها أشد عذاب ومع ذلك عملوا لرد المسلمين إلى النصرانية كما بينه الشاعر:
           وكــــــل من سافر دون خطه ‏                       في مركــــب عذبهم بسخطه
        يكتب في التخـــط جميع ما فيه ‏               حتى سلاحهم وراس من فيه
        عبارة الخــــطوط إن المسلمين ‏                  عبيده الملـــــــوك بالمسلمين
وقصده الأعظم جعل المسلمين               في دينهم أو قتلهم يا مسلمين(9)
في البر: هجم البرتغاليون على المسلمين في بيوتهم ومساجدهم وأحرقوا كلها، وعذبوا الرجال والنساء في جميع حالهم في داخل البيت ‏وخارجها، وإليه يشير الشاعر:
ومنعوا للمســــــــــلمين الطرقا                        برا وبحـــــرا لم يزالوا فرقا ‏
فصار يمشي الناس فوق الجبل               لكن يمرون بـــــــها بالوجل
وأحرقوا المصحف والمساجدا                  ثم بنوا لهم بها المـــــــعابدا
       ونبشوا بظلمـــــــهم قبـــــــورا ‏               وعمروا بها لهم قصــــورا
وهتكوا لحرمـــــة النســــــوانا               بين محارم وزوج عانى(10)
القيم اللغوية والأدبية
اللغة بين يديه كالشمع طواعية وهو مالك زمامها ومتسلط عليها  وواقف على أدق أسرارها ومتعمق في كل مناحيها،  ونستمتع من أبياته الأغراض الأدبية الهامة.‏
المدح على السامري: صب الشاعر الثناء على السامري في نصره للمسلمين في المقاومة ضد الاحتلال البرتغالي في الوقت الذي يبعد فيه الملوك المسلمين من ‏حمايتهم، وقام بعناية المسلمين رغم أنه الملك الهندوكي، ومن أبياته التي مدح فيها السامري:‏
       لا يأخذ المال بغيـــــــر جرم ‏              وليــــس يؤذي أحــــــدا بظلم
 لا يأخذ البلدان ممن دونــــــه                     وإن عصوا يغفوا بما يهدونه
ذو الرأي والتدبير والشجاعة                    والصبر والعفو لدى الشفاعة
الهجاء على الملوك: هجا على أمراء البرتغاليين مثل أندونيو، والملوك الذين أهملوا من المسلمين مثل ملك تانور، كما قال:‏
            لأنه ذلك الشخص ذا الوجهتين ‏                        قــــد مد كفــــه إلى الجهتين
  وأنه يبذل مــــــــــا في يـــــده ‏
يجعل كل مــن رأى في يده
الرثاء على المسلمين: يذكر الشاعر الأعمال الرذيلة والشنيعة من جهة البرتغاليين نحو المسلمين، ويرثي عليهم:‏
        ويقتل المســـــــلم لمنشــــــار ‏                   وبعضــــــــــــهم بكلب ونار
       وتارة بالحـــــبس والــــدخان ‏              ورملة بالخيــــــل والصيانة
الخاتمة
سامري المار الذكر
ومما لا شك فيه أن هذه القصيدة مصدر هام للمؤرخين لدراسة حال المسلمين في مقاومة البرتغاليين، ومرجع خاص لمستمتعي الشعر ‏العربي بغزارة من الكنوز الأدبية. أسلوبه جريء وصريح وحازم  يشبه بعجيج البحر واندراء السيل. وصب المؤلف مهاراته ونبوغاته في كتابه الشهير ‏حتى عبر حدود البلاد بصيته  الحميد.‏
المراجع:
1) د. ويران محي الدين الفاروقي، الشعر العربي في كيرالا مبدأه وتطوره، مكتبة عربنت، كاليكوت، ص-79. ‏
2) د.سلينة .أن، حركة المقاومة لعلماء كيرالا كما تنعكس في مؤلفاتهم العربية( رسالة الدكتوراه)، قسم العربية –جامعة كاليكوت، ص-113،114،.
3) نفس المرجع ، ص-116.
4) د| زهر ابي ماتومال و الأستاذ كلنجاتودي ، تراث مسلمي مليبار ( ترجمة كتاب K.K.N Kurup ) ،معهد مليبار للبحوث والتنمية ، ودكرا، ص-32.
5) نفس المرجع ، ص-35.
6) د.سلينة .أن، حركة المقاومة لعلماء كيرالا كما تنعكس في مؤلفاتهم العربية ( رسالة الدكتوراه)، قسم العربية –جامعة كاليكوت، ص-121.
7) نفس المرجع ، 125.
8) نفس المرجع ص-129.
9) نفس المرجع،ص- 132.
10) نفس المرجع،ص- 138


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة