أحدث المشاركات

الثلاثاء، 10 مايو 2016

ما مس أحد قلما إلا وللشافعي في عنقه منة


إسماعيل الهدوي أ.في.
إن العلم حسب مرورها بالأيام وكرها بالشهور والدهور شهدت لولادة كثير من الأشخاص العباقرة الجهابذة: منهم من نور الكون بنور الكاشفة والغناء، ومنهم من كانوا كباريت حمراء في ملكوت العلوم والحكم ومنهم من كانوا سلاطين فين مجال السياسة وإدارة الثقافة، ومنهم من كانو يجددون دين الله يرسلهم في رأس كل مائة سنة، فها نحن نبذر شذرات الحياة عن شخصية سيطون في هذه المجال كلها أو جلها، وتعرف غرفة واحدة من تلك البحر العميق ليكون القارئ على نهضة فكرية تبدل نمط حياته بمثل هذه الشخصيات، تلك شخصية الإمام ناصر الحديث والسنة صاحب إحدى المذاهب الأربعة وحلقة في سلسلة المجددين محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى.


وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف  جد النبي صلى الله عليه وسلم، ولد رحمه الله في  نهار الجمعة سيد الأيام في آخر يوم من شهر رجب في سنة 150 الهجري في قرية غزة،
ترحل من مسقط رأسه غزة مع والده إلى مكة مهبط الوحي بعد عامين من عمره خشية الإملاق والضيعة، كان محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله من أعقل العقلاء وأذكى الأذكياء وشديد اللب والدماغ حريصا على طلب العلم ممن ظفر بحفظ القرآن عن ظهر قلبه في باكورة عمره وبعده كتاب الحديث موطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ولم يتجاوز سن الحلم والبلوغ، ومع ذلك تمهر في الرمي حتى كان يصيب التسعة في العشرة في الرمي.
رحلاته وترحاله في طلب العلم
سطرات التاريخ شهد على جولان الإمام الشافعي لتراكم العلوم وتحصيله من شتى أنحاء العالم، جال في كثير من البلدان والأوطان بعد دراسته الإبتدائية في مسقط رأسه من مسلم بن خالد الزنجي وانكب على التعلم حتى نهل من معين مشائخه وعل من مدارسهم واستمر على هذا الترحال منذ نعومة أظفاره إلى آخر لحظة في حياته حتى جال في مكة والمدينة وبلاد اليمن والعراق ومصر صادرا من هنا واردا إلى هناك وبالعكس، ومما لا يخفى على أحد أنه رحمه  الله كان شديد التجربة والممارسة في اللغة العربية ألفاظها ومعانيها في شتى المناهيج والأسلوب، وانتقل بذلك من حضر مكة إلى باديتها واختار قبيلة هذيل المعروفة بالفصاحة والبلاغة، واستفاد من إقامته هناك حتى قوم لسانه وصقل ملكة الشعر لديه وحفظ الشعر كله وتمهر فيه.
 جزأ لياليه ثلاثة إحديها للكتابة والثانية للعبادة والأخيرة للنوم حتى مامرت به لحظة إلا استفاد بها في  نشر نطاق العلم وتوسيع مجاله حتى ترك تراثا عظيمة من الكتب الفخيمة في أثناء عمره القصير بمدة 54 سنة كأنما ساعاته في اليوم أكثر من مائة ساعة، كان مصابا بأكثر من ثلاثين دارا أعيت الأطباء علاجها، أقلها الباسور لا ينقطع منه التزين وربما ركب فسال الدم في عقبيه، وكان لا يبرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة ، وما لقي أحد ما أصابه من السقم والمرض.
ذات يوم سأله المزني تلميذه وقال كيف أصبحت؟ فرد قائلا أصبحت من الدنيا راحلا وللأخواب مفارقا ولكأس المنية شاربا وعلى الله عز وجل واردا، ورغم ذلك كله ألف هذه الكتب العزيزة يستفيد منها الناس في كل حدب وصوب حيث قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أحد الأئمة الأربعة "ما من أحد في يده محبرة أو قلم إلا وللشافعي في عنقه منة".  
ميزاته الشخصية  وخصائصه الفذية
إذا التفتنا أنظارنا خلال سيرته الشخصية كنا على تلك المعرفة بأنه انطبعت في شخصيته وكيانته ميزاته النسبية وأثرات البيئة الطيبة علما وثقافة، والمزينة لشخصيته  الشريفة مجده النسبية التي توافق مع النبي ÷ في جده عبد مناف- كان ممن جمع بين شرفي الدنيا والآخرة شرف النسب والعلم ، كان يكثر العبادة والتلاوة ويختم القرآن ثلاثين مرة في كل شهر سوى رمضان تسعين مرة فيه، ومن الجدير بالذكر أن شخصيته هي القدوة الأولى في محبة النبي وأهله عليهم أفضل الصلوات والتسليمات حتى اتهم بتحمسه بالشيعية والرافضية وقرض الشعار المبدي محبته، ولله دره شعرا
 آل النبي ذريعتي         وهم  إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطي غدا    بيد اليمين صحيفتي
ومنه أيضا
يا أهل بيت رسول الله حبكم
                   فرض من الله في القرآن أنزله                       
كفاكم من عظيم الفخر أنكم
              من لم يصل عليكم لا صلاة له
كثرت أقاويل المتقولين عن هذه المحبة ورموه حتى بالسهم الشيعية والرافضية فأنشد شعرا مبكتا لأفواههم وقال: لو كان رفضا حب آل محمد
                  فليشهد الثقلان أني رافض
ومما انطبعت في شخصيته كثرة الجود والندى كان ينفق جميع الأموال والهدايا على الفقراء والصعاليق.
واقعة مع إمام أحمد بن حنبل
 كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من يلازم الشافعي رحمه الله ملازمة العين لأخته ولا يفارقه كما لا يفارق ظل الشيء له كان بينها علاقة التعلم والتعليم، وابن حنبل كان يدعو للشافعي عقب كل صلوات ويمدحه بين الناس،  ذات يوم قري ابن حنبل الشافعي إلى بيته وأضافه وفق حاجة بنته التي أرادت أن ترى عبادة الشافي قلة أكله وقياس في الليل حتى طبخت طعاما شهيا لذيذا ولكن كلما رأت من أحوال الشافعي في تلك الليلة كانت منعكسا لما قالها أبوها أن شبع بطنه وملأه ثم لم يقم في الليل ولكن اضطجع في السرير فسألت أباها في الصباح عما رأت في الليل البارحة فسأل الشافعي التفصيل والبيان فرده قائلا شبعت في البارحة لأنني لم طعاما حلالا باليقين إلا في البارحة ثم اضطجعت على السرير ولم أنم حتى كنت أحلل في قلبي مائة مسئلة فقهية حتى أصبحت ساهرا، فتعجبت من تلك الواقعة. ولبى رحمه الله دعوة ربه إلى جواره سنة 204 في آخر يوم من رجب ليلة الجمعة بعد صلاة العشاء عن أربع وخمسين سنة حتى غرب تلك الشمس التي كانت تضيء العالم بأشعاتها وتستفيد الناس حتى الآن من ذلك المنار، ودفن في مصر وعلى قبره قبة عظيمة يتبرك بها


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة