أحدث المشاركات

الثلاثاء، 3 مايو 2016

دور الزكاة في تحقيق الأمن

أ. د/ بهاء الدين محمد جمال الدين الندوي
العميد بالنيابة لمجمع دار الهدى الإسلامي،

المقالة المقدمة إلى المؤتمر العام 20 للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة  تحت رعاية  السيد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية  
التمهيد
إن المشكلة المالية مسألة خطيـرة تشغل العالم اليوم حيث عجزت النظم الاقتصادية المادية الجوفاء عن سد حاجات الأوضاع الجديدة ومتطلبات العصر الراهن، فلا بد من وجود نظام مستوعب يقدم حلا مناسبا لما يواجهه العالم من مشاكل عديدة مشتعلة في الميدان الاقتصادي، ومن هنا تجدر بنا نظرة إجمالية في نظام الزكاة ودورها الرائد في تحقيق الأمن المجتمعي .

وقبل الخوض في التفصيل علينا أن نعرف جيدا أن المال وديعة في يد صاحبه وأمانة لديه، وله أن يصرفه في مصارف الخير وليس له أن يأخذ من الناس أكثر مما أعطاهم، والإسلام لايجوز كنـز الأموال وادخارها بأن لا يخرج زكاتها كماقال الله جل شأنه:  والذين يكنـزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ماكنـزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنـزون  قال  ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في مانعي الزكاة والحقوق الواجبة

تعريفها ومشروعيتها
الزكاة لغة التطهير والنماء وشرعا اسم لما يخرج عن مال أوبدن علي وجه مخصوص، وفرضت زكاة المال فى السنة  الثانية من الهجرة بعد صدقة  الفطر ووجبت فى ثمانية أصناف من المال النقد ين والأنعام والقوت والثمر والعنب وفقا للامام الشافعى رضي الله عنه، أمّا أبوحنيفة رضي الله عنه فقد أوجبها فى كل ماخرج من الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش ولايعتبر عنده النصاب وفى مذهب أحمد رضي الله عنه تجب فيما يكال ويوزن ويدّخر من القوت ولا بدّ من النصاب ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه كالشافعي ويكفر جاحد وجوبها ويقاتل الممتنع عن أدائها وتؤخذ منه قهرا، والهدف النبيل وراء مشروعيتها نقل الأموال من الطبقة العليا من المجتمع إلى الطبقات السفلى المتخلفة حيث قال ÷ لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: إنّك تأتى قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لاإله الاالله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم  أنّ الله تعالي فرض عليهم خمس صلوات فى يوم و ليلة فإن هم - يعنى أطاعوك بذلك -فأخبرهم أن الله عزوجل فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد ّ علي فقرائهم
فقوله ÷ تؤخذ من أغنيائهم وتردّعلي فقرائهم جدير بالملاحظة، فإن الفقر هو الذى يقف حجر عثرة فى طريق الأمن المجتمعى، والغني هوالذى يوقع الإنسان فى قعر الضلالة، فلا بدّ من تبادل ماليّ بين الأغنيآء والفقراء حتى يتحقق بين الفرقتين جوّ الإخاء والوئام.
فضائلها
إن المال الذى يغيّر أفكار الإنسان ويؤثر فى وجهة نظره تأثيرا بالغا في العهد الذي نعيش فيه والإنسان يمجد المال وصاحبه ويخضع له بكل حبّ وحفاوة ويستميت في كسبه بكل وسيلة جائزة كانت أومحرمة فلا بد أن يكون لانفاقه ثواب عظيم ولحبسه بدون أداء حقه عذاب أليم  قال  الله تبارك وتعالي:  مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة،  والله يضاعف لمن يشآء،  والله واسع عليم
وهناك كثير من الآيات الكريمة التي تشير إلى أن إنفاق المال أمر له أهمية بالغة لمن عنده مال كثير ولنقرأ قوله عزّوجل: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلي أجل قريب  فأصدّق وأكن من الصالحين
وقوله تعالي (وانفقواممارزقناكم ) قال ابن عباس:  يريد زكاة الأموال
وقد روي الترمذي  عن ابن عباس قال:  قال رسول الله ÷ من كان عنده مال تجب فيه الزكاة فلم يزل سأل الله الرجعة عند الموت،  فقالوا يا ابن عباس إنما كنا نرى هذا الكافر،  فقال: أقرأ عليكم  بها قرآنا (يا أيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم) إلى قوله (فأصدق وأكن من الصالحين)
وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق في سبيل الله وعلى مصالح الطبقة المحتاجة ورغب في هذا الإنفاق ووعد المنفقين بحسن المثوبة والأجر العظيم في الآخرة،  قال الله جل وعلا: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهارسرا وعلانية فلهم أجرهم عندربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون. قيل نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر رضي الله عنه حيث تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة آلاف بالليل ومثلها بالنهار ومثلها سرا ومثلها علانية، وقيل في علي رضي الله عنه كان معه أربعة دراهم لم يملك غيرها،  فتصدق بدرهم ليلا وبآخر نهارا وبآخرسرا وبآخر علانية
نعم كان هؤلاء السادة الكرام قد تيقنوا بصميم قلبهم بأن الدنيا فانية زائلة والباقية الدائمة هي الأخرى، فتصدقوا بدينارهم ودرهمهم ونفسهم ونفيسهم واستعدوا لاستقبال الحياة الأخروية، فلابد للمسلم الذي يحمل معه رسالة الإسلام ورسالة القرآن أن ينفق في سبيل الله إما لاعلاء كلمة الإسلام أوالدفاع عنه أو نشره بين الناس أو إقامة أحكامه أو غيرها مما يوصل إلى مرضاة الله كإزالة الجهل ومساعدة الضعفاء وترقية الصناعات وكل ما يرفع مستوى المسلمين من كافة النواحي .
والإنفاق على الضعفاء له أهمية خاصة من بين التعاليم القرآنية النيرة حيث وصف الله البررة في آية بقوله:  ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.
وجعل أول صفات المكذبين بالإسلام القسوة على اليتيم وعدم الحث على إطعام المسكين حيث يقول سبحانه:  أرأيت الذي يكذب بالدين؟ فذلك الذي يدع اليتيم ولايحض على طعام المسكين . وقوله يدع اليتيم أي يدفعه عن حقه دفعا بعنف وجفوة .
الوعيد لمانعي الزكاة
وقد جاء في مانعي الزكاة وعيد شديد حيث إن منعها يوجب حبس حقوق الناس الأمر الذي يزيد قلق المجتمع ويرفع الأمن من بينهم. روى النسائي رضي الله عنه عن أبي ذر رضي الله عنه قال:  جئت إلى النبي ÷ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني مقبلا قال:  هم الأخسرون ورب الكعبة! فقلت:  مالي لعلّي أنزل فيّ شيء؟ قلت: من هم؟ فذاك أبي وأمي،  قال: الأكثرون أموالا،  إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا حتى بين يديه وعن يمينه وعن شماله،  ثم قال:  والذي نفسي بيده لايموت رجل فيدع إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ماكانت و أسمنه،  تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما نفدت أخراها أعيدت أولاها... حتى يقضى بين الناس.
وقوله إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا أي الا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب وهو كناية عن كثرة التصدق،  والمراد بالقول هنا الفعل،  وقوله هكذا إشارة إلى حثيه في الجوانب الثلاث أي تصدق في جميع جهات الخير. وقد تنبه الخليفة الأول للحكومة الإسلامية أبوبكر رضي الله عنه لغلظ منع الزكاة واستعد لمقاتلة هؤلاء الممتنعين وأخذها منهم قهرا.
دورها في تحقيق الأمن المجتمعي
ونعني بالزكاة في هذالصدد المعنى الشامل لجميع أنواعها فرضا كان أو سنة،  ومما لا يخفى على من له معرفة وافرة بالتعاليم الإسلامية أن الإسلام قد حث الإنفاق وجعله مسؤولية عامة،  وهو لا يرضى أن يشبع مسلم فوق الحاجة حتى يشكو التخمة وإلى جواره من يموت جوعا وعطشا،  بل يرى الإسلام أنه إذا بات فرد واحد من الأمة جائعا فالأمة تكون آثمة ما لم تتحاض على إطعامه كما قال صلى الله عليه وسلم: ’ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جانبه طاو‘
وأكثر المشكلات التي يواجهها العالم اليوم تأتي من قبل الفقر،  فإذا زال الفقر وكان للفقراء حق في أموال الأغنياء انحلت عقد كثيرة،  ومن الحقائق الغضة أن الإسلام يمتاز جميع الأديان والملل بفرض الزكاة فيه، ولكن الأغنياء قد ظنوا ظنا خاطئا أن المال ملك لهم أخذوا كيف شاءوا و أنفقوا كيف شاءوا وهم لا يعرفون أنهم لو أقاموا فيهم الزكاة لما وجد في المجتمع فقير مدقع يموت جوعا وعطشا وقرا وصرا،  وهم لا ينظرون إلى قول الله جل وعلا:  ولله ملك السموات والأرض . أي لله التصرف فيما في السموات والأرض وهو المالك الحقيقي للمال،  والإنسان إنما هو خليفته  فيه حيث يقول تبارك وتعالى: وأنفقوا مماجعلكم مستخلفين فيه . أي أنفقوا من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لالكم كما قال تعالى أيضا:  وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.
ويسأل الله سبحانه وتعالى من يمسك المال بدون إنفاق:  ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض . أي أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى وأنتم ميتون تاركون أموالكم .
وقد رد الله سبحانه وتعالى ظنا خاطئا قد وقع فيه أكثرالناس وهو أن الإنفاق ينقص المال ردالله هذاالظن بقوله:  والله يقبض ويبسط – أي يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء ويوسعه لمن يشاء امتحانا،  فالإنفاق لايقبض الرزق وعدمه لا يبسطه بل القابظ الباسط هوالله،  والمطلوب من الإنسان أن يكون كما قال الشاعر:
إستغن ما أغناك ربك بالغنى         وإذاتصبك مصيبة فتحمل
فلا يشكو ربه في حال فقره ولا يطغى في حال غناه
الختام
وفيما ذكرنا فوق أسوة حسنة لأغنياء القرن الواحد والعشرين الذين يستظلون تحت وفرة المال وينامون في الأبنية المرتفعة الناطحة الجوزاء ملء جفنيهم حينما يموت جيرانهم الفقراء جوعا وعطشا لايجدون ما يسد رمقهم
وفي الختام يحلو لي أن أقول بكل صراحة ووضوح أن الإيمان الخالص يحث الإنسان على الإنفاق في سبيل الله والتضحية له بنفسه وماله وكل ما يملك،  وذلك هو العاقل الحقيقي الذي عرف ربحه وخسارته ونفعه وضرره وعرف سر الحياة وسرالوجود وذاق لذة الإيمان واستخف بالمظاهر الجوفاء الخلابة وأبهة الملوك والأمراء والأغنياء. نسأل الله حسن الخاتمة.
12) جامع الترمذي – كتاب التفسير 5/418
13) سورة البقرة 274
14)حاشية الصاوي 1/206
15) سورة الإنسان 8
16) سورة الماعون 1-3
17)تفسير الوسيط 4/558
18)سنن النسائي – باب التغليظ  في حبس الزكاة 1/260
19)النسائي – باب مانع الزكاة 1/260
20) سورة آل عمران 189
21) سورة الحديد 7
22) سورة الحديد 10
23) تفسير الوسيط  4/245
الكاتب




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة