أحدث المشاركات

الثلاثاء، 10 مايو 2016

الأسرة المخدومية أصل التراث الفقهي في ولاية كيرالا


عبد الرحمان مبارك الهدوي

التراث الإسلامي في ولاية كيرالا
اليمن دولة عربية تقع في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية بين السعودية وسلطنة عمان، وتشرف على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي، يحد اليمن من الشمال السعودية ومن الشرق سلطنة عمان، لها ساحل جنوبي على بحر العرب وساحل غربي على البحر الأحمر، تطل اليمن على البحر الأحمر وبحر العرب ويبلغ طول الشريط الساحلي لليمن 2500 كم.

روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم».  وفي رواية: «الفقه يمان والحكمة يمانية»

لأهل العلم في هذا الحديث آراء، رأى ذو دعم شديد أنه أراد أهل اليمن عامة في كل زمان، بما أن قد أورد هذا الحديث الإمام أحمد في كتابه «فضائل الصحابة» في "فضائل أهل اليمن"، وأورده الترمذي في «الجامع» (5/726) في "باب في فضل اليمن"، وبوب عليه ابن حبان في «صحيحه» (16/286) قال: "ذكر إضافة المصطفى صلى الله عليه وسلم الإيمان والفقه والحكمة إلى أهل اليمن".
دخل الإسلام إلى اليمن عام 630 وأسلمت القبائل اليمانية سريعا عقب قدوم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن وأوصاه قائلا: يسر ولا تعسر، وبشر ولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة؛ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نعم إن أهل اليمن استجابوا للدعوة ولم يقاتلوا، ولما جاءهم الدعاة إلى الإسلام استجابوا، ودخلوا في أول مرة؛ في أول دعوة دخلوا في الإسلام، وبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة؛ فبعث إليهم معاذ بن جبل فاستجاب له من وصله، ثم بعث أبا موسى وهو من أهل اليمن ثم بعث عمار بن ياسر وسلمان كلهم دعاة، وتفرقوا في اليمن لسعة البلاد وصاروا يعلمون الناس، وكل من دعوه استجاب ولم يتلعثم، ثم تنوروا أنفسهم ونوروا أجوائهم والبلاد البائدة فكأنهم لم يطفئوا المصابيح المنورة من دعاة الصحابة الكرام، بل نشروا ضوءها ونورها سائر القرى والبلادان، وفقا للأسباب التاريخية ومصداقا للأخبار النبوية.
الجامع الفناني مركز المخادمة
عندما نتحدث عن المجالات العلمية والثقافية والسياسية والصوفية والأدبية  في ولاية كيرالا، ترجع سطور التاريخ جلها بل كلها إلى سواحل اليمن وأجوائها، لما أن شقت الزوارق الدعوية من سواحل اليمن إلى أراضي كيرالا حملا بالفنون العلمية والأدبية والثقافية والصوفية والسياسية.
ومما لا ينتطح فيه عنزان أن مراحل كيرالا الساياسية والاجتماعية والثقافية في عهد العولمة نمت وتطورت واستثمرت بسبب العلماء والسادات الذين وصلوا هنا من بلاد اليمن وبخارى وحضرموت. وقد لعب أهل البيت في دوائر كيرالا دورا مهما لا بديل له، مثلما سجل في سجل التاريخ أن قد وصل في كيرالا عشرون قبيلة من خمس وسبعين قبيلة، أشهرهم البخاريون والباعلويون والجفريون.
وقد أشعل العلماء اليمنيون ثورة ثائرة في تطوير المجالات الإيمانية والعملية والأدبية لمسلمي كيرالا، ارتحلت العائلة المخدومية اليمنية من مسقط رأسهم بمعبر في اليمن إلى تملنادو في القرن السادس الهجري وسموا القرية التي أقاموا بها بـ "المعبر".
تخبرنا صفحات التاريخ أن هذه العائلة المخدومية قد وصلت إلى بلاد مليبار ضمن القرن  الثامن و التاسع الهجري، وكان أول من وصل في كيرالا الشيخ أحمد المعبري، وكان ابناه علي المعبري وإبراهيم المعبري تابعي أبيهم في الدعوة الإسلامية،  وهذا الشيخ القاضي زين الدين إبراهيم بن أحمد- عم الشيخ زين الدين الأول  انتقل إلى فنان/بناني (Ponnani) إحدى المراكز الأولى للمستوطنين العرب في شواطئ جنوب غربي الهند على بحر العرب، حيث صار مركزا لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية بين أهالي مليبار، وأقام هناك مشتغلا بالخدمات الدعوية والتربوية. طابت الحياة لهذه الأسرة الكريمة العريقة بفنان، واندمج أهلها مع أهل فنان، حتى أصبح آل مخدوم عمدة هذا البلد كله، بل بلاد مليبار بأكملها، يرجع إليهم في المعضلات والمشكلات ويلاذ بهم في المهمات والملمات.
ضمنما نتحدث عن التراث الإسلامي في كيرالا تتصل المناهل التراثية كلها إلى هؤلاء العلماء المخدوميين، من التراث الثقافي والتراث العلمي والتراث الصوفي والتراث السياسي والتراث الأدبي وما إليها، أما نحن نسير ضمن هذه الأوراق إلى بعض صحائف هؤلاء العلماء العباقرة الذين أثمروا قرى كيرالا بخدماتهم الفقهية  اختصارا على الموضوع الحالي مع الإشارات الملخصة إلى المنتسبات.
   الشيخ أحمد المعبري وابناه الشيخ علي المعبري والقاضي إبراهيم المعبري
وهو العالم الفاضل الشيخ أحمد المعبري الذي وصل أولا في كوشن في أوائل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي وأقام هناك مشتغلا بالخدمات الدعوية والتربوية، ويؤيد وروده بعض الأبيات من القصيدة المخدومية لإبراهيم مولوي :
            والمعبر بلده أصلا زال إلى                        الكوش والزين الدين مخدوم
          ما بين كالي وكضم ب كان عامرة         قد ما فزالت زين الدين مخدوم
 وتبعه ابناه الشيخ علي المعبري وإبراهيم المعبري حتى صار كوشن مركزا دينيا في ولاية كيرالا، ثم حول الشيخ القاضي زين الدين إبراهيم بن أحمد المعبري مركزه إلى فنان حنيما كان قاضيا هناك، أصبحت هذه المدينة من بعد منار النور والعرفان ومحط رجال العلم والأدب.
شيخ الإسلام أبو يحيى زين الدين بن علي بن أحمد المخدوم الكبير المعبري الفناني المليباري
ولد بكوشن بعد طلوع الشمس من يوم الخميس الثاني عشر من شهر شعبان سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاثة –على أقوال - وسبعين وثمانمائة (873 هـ/1467م)، كانت نشأته الأولى في محل ولادته، وترعرع هناك إذ درس على يد عمه الشيخ زين الدين إبراهيم المذكور أعلاه،  فأول أستاذ له عمه الشيخ زين الدين إبراهيم المعبري حيث درس عليه في كوشن أولا، ثم انتقل إلى فنان ليتولى مهمة القضاء هناك، فرافق أستاذه إلى فنان. وهنا تعلم القرآن وحفظه وتدرس العلوم الدينية الفقه والعقيدة واللغة العربية والصرف والنحو على يد عمه المشهور.
ودرس في فنان أيضا على العلامة شهاب الدين أحمد بن عثمان بن أبي الحل اليمني، درس عنده الفقه والحديث وغيرهما، وقرأ عليه  كتاب "الكافي في علم الفرائض" أيضا.ودرس الفقه وأصوله عند الشيخ أبي بكر فخر الدين بن القاضي رمضان الشالياتي المليباري، وكان ذلك في مدينة كاليكوت كما يقول بعض المؤرخين ، وأقام في كاليكوت مدة سبع سنوات.
وبعدما فرغ من تحصيل شتى فروع العلم لدى القاضي أبي بكر فخر الدين لسبع سنوات سافر إلى مكة المكرمة، وأقام هناك عدة سنوات، وتلقى العلوم والفروع من العلماء العرب العباقرة المشهورة في ذلك الزمان،
ثم توجه إلى المصر ودرس الحديث من القاضي عبد الرحمن العدمي وتلقى منه إجازة الرواية أيضا، ودرس في جامعة الأزهر أيضا (وكان أول وافد إلى جامعة الأزهر من مليبار)، والتقى مع العلماء العرب ومشاهير الفنون.
وأما مشربه الروحي فيذكر المؤرخ الهندي الكبير العلامة عبد الحي بن فخر الدين الحسيني في كتابه نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: إنه أخذ الطريقة الجشتية عن الشيخ قطب الدين بن فريد الدين بن عز الدين الأجودهني، فألبسه الخرقة ولقنه الذكر الجلي، ثم أجازه لتربية المريدين وتلقين الذكر وإلباس الخرقة والإجازة لمن يجيز، ولقنه أيضا الذكر على الطريقة الشطارية الشيخ ثابت بن عين بن محمود الزاهدي وأجازه في تلقينه، ويصفه المستشرق الكبير كارل بروكلمان بأنه "الصوفي المعروف".
وكان الشيخ شريكا لعدة علماء عظماء في مصر والعرب، أمثال الإمام جلال الدين الصافي والإمام نور الدين المحلي والإمام كمال الدين الدمشقي والإمام شهاب الدين الحمصي والإمام بدر الدين الصيوفي.
وبعد بذل مدة طويلة في طلب العلم والفنون المختلفة رجع إلى فنان وافرا متوفرا كنائنه بالعلم والتصوف والحكمة مع الإجازات من مشاهير العلماء في ذاك الزمان، وقام بخدمات جليلة في نصرة الدين بالدعوة وإصلاح المجتمع المسلم وتربيته على السلوك المستقيم، ودعا أهالي مليبار المسلمين إلى بناء مسجد جامع بفناني لحسن أداء هذه المهمة الدعوية حتى أجابوا لدعوته حتى تم بناء مسجد الجامع الكبير وصار قاضيا هناك وفق طلب من الناس، وعمل الشيخ مدرسا وأستاذا في هذا المركز العلمي الكبير الذي كاد أن يتنافس المراكز العلمية العالمية الكبرى، حيث بدأ الوفود يتوافدون على فنان من مختلف أرجاء الأرض من إندونيسيا وماليزيا وسرنديب ومصر وسوريا والشام والبغداد والمكة والمدينة ويمن وغيرها حتى اشتهرت القرية باسم "مكة مليبار".
أما عائلته الفروعية فكان للمخدوم الكبير ثلاثة بنين وبنتان وكان يحيى أكبرهم، قد انتقل إلى رحمة الله تعالى في صغر سنه، و الثاني محمد الغزالي كان عالما عبقريا فاضلا وأديبا مشهورا وصوفيا متورعا، كان قاضيا في جونبال قرب ماهي، وكان مسكنه أيضا هناك، وقد أنجب الله منه علما بارزا من أعلام العلم والفقه وهو زين الديـن المخدوم الصغير، توفي سنة 947 هـ ودفن في جونبال، والابن الثالث عبد العزيز المخدوم المتوفـى سنة 994هـ/1585م، كان عالما ماهرا في شتى الفنون والعلوم، وله دور مهم في إحياء الفقه الشافعي في الهند بتصانيفه وتلاميذه كما سنذكره إن شاء الله.
ثم انتشر أبناءهم وأحفادهم في القريات الكيرالية، وصارت الرياسة الدينة في أياديهم لطول الأعوام، وقد أنجبت هذه الأسرة ولا تزال تنجب حتى الآن علماء عباقرة الذين يترأسون لإحياء التراث الإسلامي مثلما قدمنا عن بعض رأساء جمعية العلماء لعموم كيرالا.
وخدماته في مجال التصنيف والتأليف لا تسعر ولا تثمن، فإنه قد ترك مؤلفات كثيرة في اللغة العربية في فنون الحديث والفقه والتصوف والسيرة والنحو والصرف والجهاد وغير ذلك التي تشهد على منتهى تحقيقه العلمي وتدقيقه الحججي وتمكنه للتصرف باللغة العربية.
ولكن الأسف البالغ أن  كثيرا من مصنفاتالشيخ المخدوم الكبير لم تر النور بما لم تطبع ولم تحفظ حق حفظها، وقد طبع البعض، وبقي البعض مخطوطا تحتاج الطبع والتحقيق والتدقيق من خادمي الدين الإسلامي وناصريه وناصحيه.
فمن مؤلفاته المشهورة:
مرشد الطلاب إلى الكريم الوهاب في التصوف،وسراج القلوب وعلاج الذنوب في التصوف، والمسعد في ذكر الموت في الرقائق، وشمس الهدى في الموعظة والتذكير، وتحفة الأحباء وحرفة الألباء في الأدعية المأثورة، وإرشاد القاصدين في اختصار منهاج العابدين للإمام الغزالي،وشعب الإيمان معرب لشعب الإيمان للإيجي، وكفاية الفرائض في اختصار الكافي في الفرائض في الفقه، والصفا من الشفا للقاضي عياض في السيرة النبوية،وتسهيل الكافية شرح كافية ابن الحاجب في النحو،وكفاية الطالب في حل كافية ابن الحاجب، وحاشية عليها، وحاشية مختصرة على ألفية ابن مالك في علم العربية.
وقد تلمذ منه كبار العلماء في شتى أنحاء المعمورة، من أشهرهم الشيخ عثمان بن جمال الدين المعبري صاحب  كتاب علم النحو المسمى بـ قطر الندى، وابن الشيخ نفسه الشيخ محمد الغزالي أبي زين الدين المخدوم الثاني صاحب فتح المعين، والشيخ عبد العزيز المخدوم، والقاضي أحمد شهاب الدين الكاليكوتي.
وبعد أن ملأ أرجاء البلاد بنور الهدى والحق وأطفأ نار البدعة والضلالة، لبى الشيخ نداء ربه الكريم راضيا مرضيا بعد نصف ليلة الجمعة السادس عشرة من شهر شعبان سنة ثمان وعشرين وتسعمائة الهجرية (928هـ/1522م)،  ودفن بفناء مسجده الجامع ببناني ، ولا يزال ضريحه يفد إليه الزوار من شتى أنحاء البلاد. نفعنا الله بعلومه وخدماته في الدارين، وجمعنا معه وأمثاله في جنات النعيم.
   الشيخ عبد العزيز المخدوم ابن الشيخ زين الدين المخدوم الكبير
وهو الشيخ عبد العزيز المخدوم ابن الشيخ زين الدين المخدوم الكبير، المتوفـى سنة 994هـ/1585م، كان عالما ماهرا في شتى الفنون والعلوم، وله دور مهم في إحياء الفقه الشافعي في الهند بتصانيفه وتلاميذه، كان قاضيا ومدرسا في مسجد فنان بعد أبيه، تعلم من أبيه ثم من الشيخ شهاب الدين أحمد الكالكوتي، نختصر هناك على خدماته في مجال التأليف:
مسلك الأذكياء شرح هداية الأذكياء، وتحفة الألباء، وقصيدة الأقسام، وشرح ألفية بن مالك، وباب معرفة الكبرى، وباب معرفة الصغرى، والمتفرد، وأركان الصلاة، وأركان الإيمان، ومرقاة القلوب.
توفي سنة 994 هـ، ودفن قرب أبيه، جزا الله عنا وعنهم خير الجزاء.
الشيخ زين الدين المخدوم الصغير
هو الإمام الهمام الحبر البحر الفقيه العالم العلامة والفاهم الفهامة الكامل الفريد الفاضل الوحيد ذو الفضل العديد مخدومنا ومولانا الصغير أحمد زين الدين بن الشيخ محمد الغزالي بن مخدومنا ومولانا الكبير الشيخ العلامة زين الدين بن الشيخ علي بن الشيخ أحمد المعبري الشافعي المليباري الفناني.
ولد ببلدة جوبال (Chombal) قرب ماهي (Mahe) سنة 938هـ/1532م، ونشأ بها، وقد اضطربت أقوال المؤرخين في تاريخ وفاته، فقال العلامة الشالياتي في أسماء المؤلفين في ديار مليبار في ترجمة الشيخ زين الدين: "ولم يتحرر سنة وفاته"، وقال جرجي زيدان وبروكلمان والزركلي:إنه توفي عام 987 هـ/1579م، ولكن هذا التأريخ لا يوافق ولا يعادل لما أن الشيخ زين الدين نفسه قد تحدث في آخر كتابه تحفة المجاهدين عن حوادث سنة 991هـ/1583م، وقد أرخ الأستاذ محمد على مسليار النلكتي في كتابه الجليل تحفة الأخيار في تاريخ علماء مليبار من أنه توفي عام 1028هـ، فيكون قد عاش قرابة تسعين عاما، وهو أقرب إلى الصواب.
ولما أن اختلف العلماء عند بيان ترجمته من تواريخ الميلاد وغيره، طالعت كتب التواريخ وغيرها فوجدت أن الترجمة التي قدمها مكتبة الأمين - منجيري- في نسخة فتح المعين مع التعليقات المهمة للشيخ محمد بن الصوفي الكرنغباري المتوفى سنة 1405 هي التي يرجى القبول وتعتمد، جامع هذه الترجمة أحمد مولوي الفاضل المشهور ابن الشيخ المرحوم زين الدين المخدوم رحمه الله، وها أنا أنقلها هنا مع بعض اختصار وزيادات من عندي.
وأما ما يذكر من اسم والده عبد العزيز فليس بصحيح وإن جرى عليه بعض المحشيين تبعا لأهل مطابع مصر لكتابه فتح المعين، وقد صرح الشيخ رحمه الله اسمه واسم والده في أول كتابه الأجوبة العجيبة وبعض خطوطه، وذلك كما بيناه، وان الشيخ عبد العزيز عمه لا والده كما صرح في الأجوبة العجيبة أيضا، فلا اعتماد على ما يذكر، اللهم إلا أن يقال إنه عد العم من الأب لشهرته منه.
كان رضي الله عنه من العلماء الفائقين والأئمة المحققين والصوفية المتقين والأولياء السابقين، أشرقت به وبآبائه أنوار العلم والهدى في بنادر المليبار وأقطارها، وانمحت به وبأولاده ظلمات الجهل والفسق من بقاعها وديارها، ذو الحظ التام والفضل الخاص والعام، فيا له رفعة لا تنقطع مدى الدهور ومفاخر لا تنتهي حتى ينفخ في الصور، حج بيت الله الحرام وجاوره مستصحبا لأئمته وعلمائه الكرام، وأخذ العلم من مشايخ متعددين وعلماء متبحرينمنهم:
الإمام إمام الحرمين شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي، وعز الدين عبد العزيز الزمزمي رحمه الله،ووجيه الدين عبد الرحمن بن زياد الزبيدي رحمه الله، وشيخ الإسلام السيد عبد الرحمن الصوفي رحمه الله، و عمه مخدومنا ومولانا الأعظم، والشيخ عبد العزيز ابن مخدومنا ومولانا الكبير الشيخ زين الدين ابن علي بن أحمد المعبري رحمه الله.
واستفتى في مسائل متعددة هؤلاء المشائخ وغيرهم كشيخ الإسلام مفتي مصر والشام الشيخ محمد بن أحمد الرملي والعلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني والإمام العلامة المحقق عبد الله بن عمر با مخرمة العدني والإمام العلامة عبد الرؤف بن يحيى الواعظ رحمهم الله.
ولقنه الشيخ العارف بالله العليم زين العابدين  أبو المكارم وأبو بكر محمد بن أي الحسن البكري الصديقي رحمه الله ورضي عنه الذكر الجلي بالنفي والإثبات بعد أن أخذ العهد منه بعهد الله أن لا يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب وأن لا يصر على صغيرة من صغائرها قبيل فجر يوم الجمة العاشر من شهر الله العتيق رمضان سنة ستة وستين وتسعمائة من الهجرة حين كان مجاورا في مكة المشرفة، وسأل رحمه الله شيخه المذكور أن يدله على عمل يكون به نجاته من النار وصلاح أحواله في الدارين، فأوصاه بوصايا شتى، وذلك قبيل عشاء ليلة الخامس عشر من رمضان العتيق، ورأى من شيخه المذكور كثيرا من الكرامات ، وأخبره شيخه أسرارا.
 وله رحمه الله مصنفات مفيدة وتأليفات نافعة حميدة، فمنها:
قرة العين بمهمات الدين، وهو في الفقه مختصر جدا قل في وجه الأرض من مثله وجل في العرب والعجم فضله. وفتح المعين بشرح قرة العين، وهو كتاب حوى من المسائل الفقهية ما لم يحوه نظيره، وفاح من نفعه العميم عبيره، اشتمل على أرباع الفقه الأربعة، عمدة في المذهب الشافعي، عدة للمبتدي والمفتي، سارت به الركبان وتلقاه الأعيان، ومن إنشاد بعض العلماء الحضرميين في مدحه قوله:
        يا من يريد النجاحا           وللعلوم افتتاحا
       فتح المعين فلازم              له مسا وصباحا
      واجعله خير سمير             تعطى الهدى والفلاحا
     غص في معانيه تلقى       كنوز فتوى صحاحا
وكفى لفتح المعين وصفا وبيانا ما أنشد العالم الفاضل الصالح الباذل المولوي فريد بن محيي الدين البربري رحمه الله:
                                    فتح المعين كتاب شأنـه عجـب
                                                  حوى من الفقه ما لم يحوه كتب

                                   وقد رقى في اختصار اللفظ ذروته           
                                                       حتى تهون على حفاظه الكرب
                                      
                                           كم من لآلي حسان فيه كامنـة        
                                                     عن غير أهل لها تخفى وتحتجب
                                
                                     وقد حوى من نصوص الشافعيومن
                                                          منصوص أصحابه ما كان ينتخب
                            
                                 أحكام مذهبنا فيه مبوبة
                                               أثنى على حسن تأليف له العرب

                                  فلا تبال بمن زاغت بصيرته       
                                                           عن قدره فهو أعمى فاته الشنب
          
                  فيه الغنى غالبا عن سائر الكتب            
                                                    وذاك فضل علينا شكره يجب
ومن مؤلفاته: إحكام أحكام النكاح، تشتمل على فقه النكاح، والمنهج الواضح بشرح إحكام أحكام النكاح، والأجوبة العجيبة عن الأسئلة الغريبة، وإرشاد العباد إلى سبيل الرشاد، (وليس من مصنفاته كتاب ذكر الموت المطبوع ملحقا بإرشاد العباد، وإن رؤي في الطبع المصريمنسوبا إليه، بل هو لجده مولانا الكبير الشيخ زين الدين ابن علي بن أحمد المعبري.
قام بتدريس العلوم مدة طويلة، وقد درس في المسجد الجامع الكبير الفناني ثلاثا وستين سنة، وله آلاف من التلاميذ الكبار النجباء في البلاد والأنحاء، من مشاهيرهم:
الشيخ الإمام العلامة المرحوم عبد الرحمن المخدوم الكبير الفناني،وأخوه الشيخ القاضي جمال الدين بن الشيخ عثمان المعبري الفناني،والشيخ جمال الدين بن الشيخ الإمام عبد العزيز المخدوم الفناني، والشيخ العلامة القاضي عثمان لبا القاهري، والشيخ العلامة القاضي سليمان القاهري، وغيرهم.
وكان من شركائه وقرناءه علماء عباقرة من بلاد العرب والعجم، منهم:
السيد أبو بكر بن سالم الحضرمي (المتوفى سنة 992)، والشيخ أحمد بن السيد الشيخ عيدروسي الأحمدابادي (المتوفى سنة 1024)، والعلامة السيد عبد القادر عيدروسي الأحمدابادي (المتوفى سنة 1037)، والإمام ملا علي القاري صاحب المرقاة شرح المشكوة (المتوفى سنة 1014)، والعلامة السيد الشيخ بن عبد الله الثقاف الحضرمي (المتوفى سنة 1010)، والعلامة السيد عبد الرحمن بن السيد شهاب الدين الحضرمي (المتوفى سنة 1014)، والعلامة عبد العزيز قاضي كالكوت (المتوفى سنة 1010)، والشيخ عبد القادر الثاني البرتلي (المتوفى سنة 983)، والشيخ أبو الوفا محمد بن علاء الدين الحمصي (المتوفى سنة 1980 م)، والشيخ قطب الزمان السيد شاه الحميد الناهوري (المتوفى سنة 977).أأأغا
 انتقل الشيخ الفاضل إلى جوار الله المنان بعد أن أتم عائلته الدعوية والعلمية، دفن بجوار المسجد الجامع بـ كنجي فلي في منطقة شومبال (Kungippalli/Chombal) وقبر زوجته أيضا موجود بقربه، يزار قبره ما بقي الفرقدين، رضي الله عن هذه الأسرة ورضوا عنه، وجعل جنان الفراديس مأواهم وبل بوابل رحمته مثواهم وجمعنا معهم ومع سائر الأنبياء والصلحاء في دار النعيم.
الخاتمة
أشرقت بهذه الأسرة المباركة أنوار العلم والهدى في ديار مليبار وأقطارها، وانمحت ظلمات الجهل والفسق من بقاعها وديارها، طبقوا التعاليم الدينية في حياتهم الفردية والاجتماعية، الثقافية والسياسية؛ بل في شتى مرافق الحياة، وعلموا الأجيال سماحة الإسلام وصلاحيته لكل عصر وفي أي مجتمع، فيا لها شهرة و رفعة لا تنقطع مدى القرون والدهور، ولا تنتهي ما دامت الطروس مسودة بالسطور.
ففي العصر الحاضر، عندما نقوم تحت راية جمعية العلماء لعموم كيرالا، نجد رئيسها العام الأول السيد وركل مل كويا بن أحمد با علوي رحمهما الله من قبيلة باعلوي، والرئيس العام بعده الشيخ بانغل أحمد كتي مسليار من أسرة مالك بن حبيب الأنصاري، وتتصل سلسلة شمس العلماء إي.ك. أبي بكر مسليار و إي.ك. حسن مسليار إلى العلماء اليمنيين، وتصل سلسلة أستاذ معظم العلماء المشهورين في كيرالا اليوم الأستاذ أو.ك. زين الدين كتي مسليار الأودكلي إلى أسرة مخدوم التي نورت ولاية كيرالا بالعلم والأدب والثقافة والتصوف، فكل أصولهم اليمنيون وجلهم المخدوميون.
نحمد الله الجليل ونشكره على هذه النعمة الجليلة، التي أنعم بها على شبه القارة الهندية، مازالت آثرها وخطواتها باقية في أجواء أراضيها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة