أحدث المشاركات

الجمعة، 27 مايو 2016

الاتجاه الرمزي في رواية ‘رجال في الشمس’ لغسان كنفاني؛ القراءات النقدية


عبد الجليل. ت*.

خلاصة البحث:
غسان كنفاني هو الأديب الفلسطيني المناضل والصحافي الثائر والرسام الماهر، الذي ارتفع الأدب الفلسطيني بمؤلفاته الروائية إلى المستوى العالمي، المؤلفات التي تناول القضية الفلسطينية على البعد الإنساني والقومي معا. ومن بين هذه الروايات رواية ‘رجال في الشمس’ ، روايته الأولى، تناول حالة الشعب الفلسطيني إثر نكبة عام 1948م. وهذه الرواية تعرضت لدراسات نقدية من جهة متعدد الاتجاهات والنظريات النقدية، وهذه الدروس النقدية وصلت إلى نتائج متناقضة تماما أو متجانسة تماما. فمن بين النقاد من يرى فيها ملامح الواقعية عامة، والواقعية الاشتراكية خصوصا، ومن يرى وجود ملامح الرمزية في الرواية، وعلاوة على هذا، يوجد بين النقاد من يرى فيها ملامح الرومانسية. أما الاتجاه المسيطر في الرواية فهو الاتجاه الرمزي فاستخدم بعض الرموز للدلالة على الشعب الفلسطيني وقادتهم والقادة العربية، وزمن كتابة هذه الرواية ومكانها تطلب من الكاتب الاتجاه الرمزي كما تطلب منه الاتجاه الواقعي. فوظف كنفاني فيها الرموز لتناول الموضوع الواقعي.

غسان كنفاني
غسان كنفاني من مواليد عام 1936 في مدينة عكا في فلسطين، حين تضطرم بالثورة الكبرى النضالية ضد الاستعمار البريطاني. ودرس اللغة العربية والانكليزية والفرنسية من مدرسة الفرير في مدينة يافا. وفي عام 1948، إثر النكبة الفلسطينية العامة، اضطرت أسرته للهروب من يافا فنزحوا إلى دمشق وأتم دراسته الثانوية في دمشق نائلا جائزة التدريس من وكالة غوث اللاجئين الفلسطينين تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة (United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees (UNRWA)) في عام 1952م[1]. ثم درس في جامعة دمشق، وقدم أطروحة عن ‘العرق والدين في الأدب الصهيوني’. ولما انخرط في الأعمال النضالية ضد الحكومة نُفي من الجامعة، فسافر في عام 1955 إلى الكويت وعمل هناك مدرسا وصحافيا في شتى المجلات والجرائد، خصوصا في جريدة ‘الرأي’ الجريدة الرسمية للحركة الوطنية العربية. وفي عام 1960 عاد إلى بيروت وعمل محررا في الجرائد والمجلات إضافة إلى إصدار مؤلفاته القصصية والروائية. فعمل في جريدة ‘الحرية’ و‘المحرر’ و‘فلسطين الأسبوعية’ و‘الأنوار’ وأخيرا في مجلة ‘الهدف’ التي أنشأها هو نفسه مجلة رسمية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (Popular Front for the Liberation of Palestine-PFLP)[2]. تزوج من امرأة دنماركية التي جاءت إلى بيروت للدراسة عن القضية الفلسطينية واتصلت به كمرجع للدراسة، وكان ذلك في عام 1961م. وبعد أن اتهمت الجبهة بالهجوم على مطار ‘لود’ الإسرائيلي، اغتيل هذا الأديب المناضل في 9 تموز 1972 إثر انفجار قنبلة أخفيت في سيارته وكانت معه ابنة أخته لميس[3].
صدرت لكنفاني ثمان روايات فنية متكاملة، منها: رجال في الشمس، ما تبقى لكم ، عائد إلى حيفا، أم سعد، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان، العاشق، الشيء الآخر / من قتل ليلى الحايك، كما صدرت له أربع مجموعات قصصية، منها: القميص المسروق، أرض البرتقال الحزين، عن الرجال والبنادق، عالم ليس لنا. وله مؤلفات أدبية في جنس المسرحية، مثل: الباب ومسرحيات أخرى، جسر إلى الأبد، القبعة والنبي. وقد خصبت المكتبات العربية بدراساته النقدية الثمينة في أدب المقاومة الفلسطينية (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 – 1966، والأدب المقاوم الفلسطيني تحت الاحتلال، والمقاومة ومعضلاتها) والأدب الصهيوني (في الأدب الصهيوني)، كما له دراسات سياسية تحليلية عن الثورة الفلسطينية (ثورة 36- 49 في فلسطين خلفيات وتفاصيل وتحليل).
رواية رجال في الشمس
هي الرواية الأولى للأديب كنفاني وهي من أروع روايات له، وقد تم تضمينها ضمن مائة أروع الروايات العربية. صدرت هذه الرواية في عام 1962م، وهي تناول التراجيدية الفلسطينية خلال ثلاثة من الفلسطينيين الذين حاولوا للهروب إلى الكويت في خزانة ماء عبر حدود البصرة للخلاص من مشقات العيش في فلسطين إثر النكبة العامة عام 1948م. "يصور لنا الفنان ما يعانيه الرجال الثلاثة على أيدي سماسرة البصرة المختصين بالتهجير والهرب عبر الحدود. ويلتقون أخيرا بسائق عربة ‘فنطاس’ يقترح عليهم أن يعبر بهم الحدود بشرط أن يدخلوا إلى جوف القنطاس ويغلق عليهم أثناء مرورهم أمام محطات الرقابة ووحدات التفتيش.  ويوافقون على الاقتراح ويركبون العربة، وما إن تلوح مراكز التفتيش على الحدود حتى يندفعوا إلى بطن القنطاس ويحكم السائق إغلاق الفتحة العليا، وما إن يتجاوز بهم منطقة الرقابة حتى يعيد فتح العربة فيخرجوا منها بين الحياة والموت والعرق الغزير يتصبب من أجسادهم الساخنة بحرارة الشمس وانصهار الحديد. ثم يصل بهم إلى مركز جديد للتفتيش فيعيدون الكَرة ويهرولون إلى داخل الزنزانة الجهنمية. ولكن صاحبنا السائق يغيب عليهم هذه المرة وهو يمرر أوراقه بين الرقباء للموافقة على العبور إذ راح أحدهم يمزح معه حول ليلة حمراء مرتجاة، ويعود السائق ليجتاز بهم المنطقة كلها ويبادر إلى سطح القنطاس ليناديهم إلى الخروج.. ولكن بعد فوات الأوان، فقد سببت اللحظات القليلة التي تأخرها في موتهم جميعا، وكانت المهمة العسيرة التي تنتظره هي إخراج الجثث من بطن العربة ولا بأس من أن يفتش جثث الأموات بعد ذلك، فلعلها تحمل ما بقيت الأحياء"[4].
الاتجاهات الأدبية في ‘رجال في الشمس’
الاتجاهات الأدبية هي النظريات والتيارات الأدبية التي ظهرت في العالم العربي إثر النهضة العربية وازدياد التبادلات الثقافية والمعرفية بين العالم العربي والغربي في أواخر القرن العشرين، وهذه الاتجاهات الحديثة أثرت عميقا في الأدب العربي وغيَّرته قلبا وقالبا، فتجددت الأساليب والأشكال والمعاني. ومن بين هذه الاتجاهات الكلاسيكية، والكلاسيكية الحديثة، والرومانسية والواقعية، والواقعية الاشتراكية، والرمزية، والسريالية، والحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد الاستعمار.  وقد اتجه الأدب العربي في مسيرة تطوره عبر العصور في القرن العشرين إلى كل من هذه الاتجاهات بداية من الكلاسيكية الحديثة إلى ما بعد الاستعمار.
وأن زمان كتابة رواية ‘رجال في الشمس’ ومكانها والخلفيات السياسية والاجتماعية في العالم العربي وخصوصا في فلسطين تدعو من الأديب الملتزم، مثل غسان كنفاني، إلى اتخاذ تيار أدبي في مؤلفاته حيث يستطيع لتصوير واقع العالم العربي والشعب الفلسطيني. فالتياران الواقعي والرمزي هما خير اتجاهان أدبيان لتأدية واجب الأديب الملتزم بشعبه وواقعه. أما الاتجاه الأدبي الذي اتسمت به هذه الرواية فقد اختلف النقاد في آرائهم عنها في هذا الصدد. ومِن النقاد الذين تناولوا ‘رجال في الشمس’ للدراسة الفنية مَن لاحظوا ملامح الرمزية فقط أو ملامح الواقعية فقط، أو ملامح الرومانسية مع ملامح الواقعية والرمزية. ولكن معظمهم رأوا فيها الرمزية أكثر من الواقعية والرومانسية.
يلاحظ الدكتور ‘نضال الصالح’ في الرواية ملامح الاتجاهات الثلاثة من الواقعية والرومانسية والرمزية، إذ يشير في كتابه ‘قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية –دراسة‘: "ويمكن وصف الرواية بأنّها مزيج من ثلاثة اتجاهات فنيّة، يقف الاتجاه الواقعيّ على رأسها، وتتوزّع بنيتها العامّة بين الاتجاهين: الرّمزي والرّومانسي، ويتجلّى حضور الأخير (الرومانسي) من خلال علاقة شخصياتها بعنصرين رئيسين: الأرض من جهة، والحلم بالخلاص الفردي من جهة ثانية. فعلاقة أبي قيس، على سبيل المثال، بالأرض لا تتجاوز حنين الشخصية الرومانسية التي يدفعها عجزها عن التكيف مع الواقع إلى التفكير بالأرض بقصد السلوى، وليس بسبب وعيها لمعنى الارتباط بهذه الأرض. أما العنصر الثاني فيتطابق تماماً مع حرص الرومانسية على تصوير "تجربة الفرد الذي يقف وحيداً في مواجهة العالم"، أو على تغني هذا الفرد بالماضي المجيد للوطن بوصفه عزاء عن الحاضر ليس غير. ولعل كنفاني تعمد ذلك رغبة منه في إدانة شخصياته أكثر، وفي القول إن حلم هذه الشخصيات بالخلاص من واقعها لم يتجاوز أَنَواتها الفردية، ولذلك فهو "(محكوم بالفشل، محاصر داخل أسوار غربة الذات)"[5]
وبهذا المعنى الذي قصد كنفاني إليه، فإن الاتجاه الرومانسي، في الرواية، لا يبدو بمعطاه السلبي لأن الكاتب يتخير منه ما يحقق رغبته في كتابة "قصة تغير من شعور كل قارئ. قصة إنسان فلسطيني بسيط عادي يتملكه فجأة إحساس لا يقهر هو إحساس العودة إلى الأرض، وبه أيضاً يمكن اعتبار "مضمون الرواية ثورياً بالمعنى التاريخي للكلمة، لأنه يكشف أن الهرب حل خاطئ يؤدي إلى الطريق المسدود"[6]
الاتجاه الرمزي[7] في الرواية
قرأ الناقد ‘إحسان عباس‘[8]، الذي كتب التقديم للآثار الكاملة من الروايات لغسان كنفاني، من منظور جديد يغاير تماما من قراءته الأولى للرواية قبل أن يلتقي مع الكاتب نفسه بعد إصدارها. تتلمس قراءته الثانية البُعد الرمزي في الرواية. ويبدو أن إقرار هذا البعد قد كان بإيعاز وتوجيه من الكاتب نفسه. يقول إحسان عباس:"وإذا صح أن يستشهد الناقد حين يدرس أثر الفنان بشيء من تصور الفنان نفسه لعمله (...)[9] فلا ضير علي في أن أورد هذه الحكاية البسيطة :ذات يوم لقيني غسان في شارع أرتوا برأس بيروت على إثر صدور قصته ‘رجال في الشمس’ وبعد التحية قال لي: هل قرأت القصة؟ قلت:أجل يا غسان،الحق أنها قصة آسرة متوحشة تنشب أظافرها في القارئ بحيث لا تدع له منها فكاكا، ويخرج منها في النهاية، وسؤال خائف مفزع يعتصر وجدانه كله:"لماذا تم ذلك كله؟(أي مصير هذا؟).تماما مثلما أن "الخيزران" يصيح في نهايتها :"لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟" ولكن – قلت وقد توقفنا قليلا عن السير- إن كنتَ أردتها ذات بعد رمزي، فما أظنها استطاعت أن تحقق ذلك، فنظر إلي في شيء من التردد الذي لا يكاد يلوح حتى تمحوه الثقة النفسية، وقال :إن صح قولك، وكانت قد عجزتُ عن نقل هذه الناحية (أي البعد الرمزي) فإني أعد نفسي مخفقا[...] لقد أتيح –بعد ذلك التعليق الجازم الذي سمعته من كاتبها – أن أعود إلى قراءتها، فتبدت لي تحت ضوء جديد.[10]
يرى إحسان عباس في شخصية "أبو الخيزران" المركزية والمحورية رمزا للقيادة الفلسطينية، وذلك اعتمادا على اختيار غسان كنفاني هذه الشخصية من الشعب الفلسطيني نفسه عمدا. فيسأل: لماذا عمد القاص إلى اختيار رجل فلسطيني ليقود الشاحنة، وعدل – عامدا أيضا – عن إجراء الأمر على أحد المهربين المحترفين في البصرة من غير الفلسطينيين؟" ويسأل أيضا: "لم اختار القاص أن يكون أبو الخيزران امرأ فقد قدرته الجنسية؟"[11] ثم يكتب جوابا لهذين السؤالين: "ولو أننا اتخذنا شخصية ‘أبو الخيزران’ مدخلا لفهم هذه القصة، لما تعذر علينا أن نرى فيه رمز القيادة الفلسطينية في بعض الظروف التي مرت بها القضية، وهي تؤدي دورا "قاتلا" مغررا خادعا مخدوعا قائما على المداورة والمراوغة والكذب شأنها في ذلك شأن "المهربين الآخرين"- ممثلي القيادات العربية الأخرى"[12] ويقول جوابا للسؤال الثاني: "فذلك يجيء وكأنه أمر طبيعي، وخاصة حين نعلم أن ‘أبو الخيزران’ أصيب بذلك في حوادث سنة 1948، حيث أصيبت القياة نفسها بالعجز والعنة، وظلت – مع ذلك – تدعي أنها تستطيع (توجيه) الفلسطينيين (وإنقاذهم).[13]
فيرى إحسان عباس في قراءته الثانية لـ ‘رجال في الشمس’: "أن الشخصيات الرئيسية (أبو قيس، أسعد ،مروان) التي تتراءى عبر محمولات الأدوار التي تلعبها في نسج خيوط الأحداث المتشابكة والمتقاطعة ،إنما ترمز إلى الأجيال الثلاثة"[14].
هكذا تتسع دائرة الرمز في الرواية لتأخذ دلالات وأبعاد جديدة؛ وهذه الدلالات، في رأي الناقد إحسان عباس، على الشكل التالي:[15]
-         فأبو قيس وأسعد ومروان – باعتبارهم شخصيات متفاوتة الأعمار – ترمز إلى الأجيال الثلاثة.
-         موظفو الحدود يرمزون إلى بيروقراطية فاسدة.
-         الحاج رضا يرمز إلى قيادة أخرى مشبوهة التصرف والأهداف.
-         العالم العربي يرمز للصهاريج والأفران اللاهية...
هكذا يتضح أن ‘رجال في الشمس’ حسب هذا التأويل ترمز إلى القيادة الفلسطينية وإلى الشعب الفلسطيني بكل ملامحها السلبية التي اتصف بها وعي الشعب والقادة الفلسطينية إثر النكبة.
والناقد واصف أبو الشباب[16] في تحليله للشخصيات في الرواية على آليات، يدعم وجود الرموز في الرواية، ويتفق مع الكاتب غسان كنفاني نفسه من أن لرواية ‘رجال في الشمس’ أبعادا رمزية[17]. فيقف الناقد عند الشخصيات للكشف عن أبعادها الرمزية التي تتراءى عبر الأدوار التي تتقمصها في الرواية. مثلا:
·       شخصية أبي قيس التي ترمز إلى الإنسان الفلسطيني الذي تربطه بالأرض علاقة وثيقة، "علاقة لا تعترف بقانون النسبية"، أي أنها رمز للثبات والدوام.
·       الشخصيات الثلاثة التي كانت داخل الصهريج (أبو قيس، أسعد، مروان) والتي تتفاوت سنا، تمثل أجيالا ثلاثة من المجتمع الفلسطيني.
·       أما الشخصية الرابعة (أبو الخيزران) فهي رمز للقيادة الفلسطينية[18].
تُوافق قراءة واصف أبو الشباب مع قراءة إحسان عباس لرواية ‘رجال في الشمس’ من حيث إن الدلالة الرمزية التي تلف شخصية ‘أبو الخيزران’ تأخذ بعدا فلسطينيا أكثر منه عربيا، خلافا لقراءة فضل النقيب، الذي ذهب إلى أن لشخصيته بعدا عربيا. يقول واصف أبو الشباب: "فقد تكون القيادة الفلسطينية هي القيادة الفاشلة التي عجزت في حرب عام 1948، وأدَّت بالإنسان الفلسطيني إلى الضياع والتشرد، وبذلك تحملت مسؤولية النكبة الأولى، وخسرت قدرتها على القيادة وإصرارها على الاستمرار في هذا العمل أدى إلى كارثة، وهي موت (أبو قيس، وأسعد، ومروان)، وغسان يصر على استبدال هذه القيادة التي خسرت حربا، ولا يريدها أن تقود معارك خاسرة أخرى لأنها أودّت بعدد كبير من شباب فلسطين، وهو مطلب يوحي إليه الكاتب دون أن يصرح به وهو تغيير هذه القيادة، لأن الشعب الفلسطيني أصبح بحاجة إلى قيادات شابة واعية غير المجاهد (أبو الخيزران) الذي خسر رجولته في عام 1948م.[19].
اعتمدت الناقدة الدكتورة رضوى عاشور في دراستها لهذه الرواية على (آليات التأويل لاستشفاف الطبيعة الرمزية)[20] في الرواية. وترى أن غسان لم يلجأ إلى الرموز في الرواية لإثراء عالمه كترف فني، بل لحاجة ملحة لذلك، "حيث إن الواقع الذي يعمل على تقديمه فنيا واقع مكثف ومركب يشكله ويتداخل فيه العديد من القوى الخارجية"[21]
وهي تعبر عن الدلالة الرمزية التي تكتنف شخصية ‘أبو الخيزران’ أنها مرسومة بمهارة وتفرد، إلى الحد الذي لا يمكن أن تختصر إلى إشارة سياسية كما يذهب إلى ذلك بعض النقاد. تقول رضوى عاشور: "إن أبا الخيزران رمز لقيادة الشعب الفلسطيني الذي قصرت أثناء النكبة وبعدها مباشرة في الاضطلاع بدورها. وقد تكون الإشارة هنا أيضا للقيادات العربية، الملوك والرؤساء العرب إبان فترة 1948م. ومع هذا فالمؤكد أن أبا الخيزران جزء من الشعب الذي يقوده للهلاك. وهو جان ومجني عليه، نشفق عليه بقدر ما ندينه ونرفضه. إن ثراءه الإنساني كشخصية، وتوفيق غسان في خلق صورة دالة منه، يجعلان من الصعب أن نختصر وجوده إلى إشارة سياسية أحادية المعنى"[22].
"حاولت رضوى عاشور بخصوص رمزية ‘أبي الخيزران’ أن تُوَفِق في البداية بين تصورين متناقضين: تصور فضل النقيب الذي يؤكد بأن هذه الشخصية ترمز للجيوش العربية؛ وتصور إحسان عباس وواصف أبو الشباب اللذين ينظران إلى هذه الشخصية باعتبارها دالة على القيادة الفلسطينية التي تهاونت في الاضطلاع بمهام جسام أثناء النكبة وبعدها مباشرة"[23].
فمن الملاحظ هنا أن الناقدة رضوى عاشور رأت في الرواية الرموز في شخصية ‘أبي الخيزران’ دون الشخصيات الأخرى في الرواية، وأن رمز ‘أبي الخيزران’ لا ينحصر في القيادة الفلسطينية، ولا في القيادة العربية، وكذا أنه لا يشير إشارة سياسية أحادية المعنى، مع ذلك كله يرمز إلى قيادة فاشلة تقود الشعب الفلسطينية إلى الهلاك سواء كانت هذه القيادة الفلسطينية أم العربية.
أما الناقد ‘سامي سويدان’ فيحاول أن تطرح سؤال الرمزية على الرواية من زاوية مغايرة تماما عن القراءات السابقة، فتتركز دراسته في تحليل الرمزية في الرواية "على البنية العامة أو الكلية للرواية التي وحدها تتيح تميز الأبعاد الحقيقة لما ترمز إليه الرواية، وبالتالي تمييز الأبعاد الحقيقية لكل عنصر من عناصرها"[24]
فالناقد يُعرف الرمز أولا في كلماته: "فالرمز، بما هو إيحاء مكثف نوعا وكما، يشكل اختزالا واجتزاء لرؤية تدعي التعميم والإطلاق لظاهرة ما ليس على المستوى الاجتماعي (المكاني) فقط، بل أيضا على المستوى التاريخي (الزمني)"[25]
الرواية – في تفسير الناقد – "تحكي عن ثلاثة فلسطينيين يحاولون اجتياز الحدود الكويتية على متن خزان ماء شاحنة، يقودها سائق فلسطيني (أبو الخيزران) إلا أن محاولتهم هاته باءت بالفناء، حيث مات الثلاثة داخل الصهريج اختناقا. ماتوا بسبب انصياعهم أكاذيب وأوهام ‘أبو الخيزران’ في توصيلهم إلى الجنة الموعودة (الكويت) حيث العيش الرغيد والسعادة المنشودة. لقد ماتوا بسبب هذا الالتحام البنيوي المكاني – الزماني المتمثل في اتجاه تحركهم الذي فرض عليهم وضعا محددا (داخل الخزان) ومدة معينة (حوالي 20 دقيقة). فهذا الاتجاه يشكل في حد ذاته مؤشر التهديد المتفاقم، حيث يشكل مع الالتحام المكاني – الزماني المذكور إلى مرحلة الخطورة القصوى: الموت"[26]
فالدلالات الرمزية في الرواية - حسب الناقد - مرتكزة على بنية الخطر  والموت:
·       فـ ‘أبو قيس’ يذكر أول ما يذكره بعد تركه لقريته في فلسطين إثر سقوطها في يد الاحتلال موت ابنته ‘حسنا’. لقد كان هذا الموت – موت طفلة بعد شهرين من ولادتها، وبعد ثلاثة أشهر من انفصاله عن أرضه – مؤشرا بينا على خطر هذا الانقطاع بالتحديد، إذا علمنا العلاقة الحياتية / العضوية / الدموية التي يقيمها (أبو قيس) مع الأرض.
·       أما ‘أسعد’ فأولى الذكريات التي تخترق ذاكرته كحد السكين هي ذكرى خيانة أبي العبد له، وخداعه له عن ‘ألاتشفور’[27]، وقد كانت هذه الحادثة بالذات إشارة واضحة بالنسبة له لذلك الخطر الذي يحمله الهرب، والإغراق في الانقطاع عن الأرض.
·       أما ‘مروان’ فإن ذكرى توهمه بقيمة ‘تعريفة التهريب’ – خمسة دنانير بدل من خمسة عشر دينارا كما هو حاصل – والمواجهة التي خرج منها كسيرا ذليلا على إثر شتيمة وجهها أحد المهربين داخل دكانه، وانقطاع أخيه الذي يعيش في الكويت في مساعدة أسرته...كل ذلك مؤشرات على الخطر الداهم بمروان.
·       وقد كان الاتفاق مع ‘أبي الخيزران’ نقطة التمفصل التي صهرت التعرجات المختلفة للوجهة الواحدة، القائمة على الانهماك في السفر والانهماك في مخاطرة حتى النهاية، حتى الموت[28].
ينتهي سامي سويدان في دراسته للرواية ‘رجال في الشمس’ من حيث رمزيتها إلى أن "الدلالات الرمزية التي تحملها الشخصيات الأربعة الرئيسية في ضوء الصورة العامة للبنية الروائية تكشف عن محمولات وأدوار، وهي:
·       أبو قيس يمثل موقع العجزة المنساقين في الركب دون أن يكونوا متمكنين من اتخاذ قرار مستقل.
·       مروان يمثل موقع القاصرين والسريعي الاغترار والحماس، كما عبر عن ذلك حماسه في الإسراع بالموافقة على قرار أسعد مع أبي الخيزران، ولكن كذلك باتفاقه المسبق مع أبي الخيزران.
·       فهذان الشخصان / الجيلان (أبو قيس ومروان) يمثلان في سلوكهما وموقفهما عفوية وبساطة جماهير واسعة من الناس حد السذاجة على تفاوت كذلك القائم بين العجز والقصور
·       أما أسعد، فإن موقفه المتميز – حسب الناقد – يجعله يحتل في العلاقات الاجتماعية-التاريخية التي توصي بها رمزية الرواية، موقع القيادة النظرية لهذه المرحلة الفلسطينية الخاصة: فهو الوحيد الذي يمثل المسافرين في التفاوض مع أبي الخيزران، وهو الذي قام بأدوار سياسية، حيث تظاهر واعتقل وعد متآمرا على الدولة فأصبح مطلوبا؛ وهو الوحيد الذي يتكلم لغة أجنبية بين بقية الشخصيات.
·       أبو الخيزران، خلافا لأسعد، يمثل موقع القيادة العملية للمرحلة ذاتها. وهذا ما يعلنه النص ليس فقط عبر قيادة أبي الخيزران للسيارة، بل أيضا عبر الإشارة إلى قتاله العدو الإسرائيلي سنة 1948م متفردا بذلك عن بقية الشخصيات الأخرى.[29]
"بناء على هذا، فإن تخلى دور أسعد (ممثل القيادة النظرية) وتابعيه لأبي الخيزران، باعتباره ممثل القيادة العملية، يشي بالأساس عن عجز بنيوي في القيادة النظرية: "فحين يسلم القاصرون والعجزة أمرهم إلى سباب لا يحول وعيه وتجربته دونه ودون التخلي عن هذه المسؤولية – بل إن حدود وعيه وتجربته هي التي تدفعه إلى هذا التخلي – إلى رجولة مخصية، فلا يمكن لهذه الرجولة أن تؤدي إلا إلى ما تحمله في بنيتها ذاتها: العدم"[30].
يرى الناقد سامي سويدان في الرواية الرموز للقيادة النظرية (أسعد) والقيادة العملية (أبو الخيزران)، ويوافق رأيه مع رأي الناقدة الدكتورة رضوى عاشور في وجود الرموز في الرواية إلى القيادة العربية ليس إلى القيادة الفلسطينية، إذ يرى " أن المآل الذي وصل إليه الفلسطينيون ليس مرده فقط القيادة الفلسطينية، وإنما أيضا، كان للدور العربي أو القيادات العربية نصيبه الذي لا يستهان به"[31]. ومن الرموز التي تشير إلى حضور القيادة العربية في هذه الرواية:
·       سيارة خزان الماء كويتية، ومالكها الحاج رضا المسرف في لهوه، وحين يكون هو الذي أوحى ‘بقصة أبي الخيزران مع كوكب’.
·       وموظفو الحدود هم الدافع الحقيقي لدخول الفلسطينيين في الخزان الذي صار سبب موتهم، وهم (الموظفون) الذين ضاعفوا مدة وجودهم (الرجال الثلاثة) فيه تحت الشمس القاتلة، يتضح مدى الدور الذي يلعبه العنصر العربي في النص الروائي ليساهم في الموت الفلسطيني المرحلي. إذ أنه يؤمن الشروط اللازمة لهذا الموت المتوقع"،
·       وهذا الخزان العربي المقفل والمتصاعد الحرارة على أرض الصحراء العربية يكون التجسيد الرمزي لهذا الوضع، ويكون دخول الفلسطينيين الثلاثة فيه رضوخا بينا لما تفرضه الأنظمة العربية من تبديد لوجه نضالي فلسطيني مستقل، فيكون موتهم فطسا وكتمانا في الخزان: فهم إذ يفطسون قبل دخولهم الكويت، فإنما يفطسون خارجها، في اللامكان، في اللاانتماء، في اللاأرض، في اللازمان على مزبلة التاريخ، في ليل قاتم الظلمة – كقبر مطلق"[32]
يوافق موقف الناقد الأيديولوجي مع موقف غسان كنفاني، وهذا الموقف يتمثل في إدانة كل من الفلسطينيين الذين يختارون الوجهة الخاطئة التي تبعدهم عن الأرض. وكما أتى غسان كنفاني في آخر روايته ‘رجال في الشمس’ بسؤال وجهه نحو كل فلسطيني، أتى الناقد سامي سويدان بأسئلة أخرى لا بد من الجواب لها من قبل كل فلسطيني، ومنها: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ على القائد ‘أسعد’ – القائد النظري -؟ بل لماذا لم يفتح أبو الخيزران – القائد العملي – باب الخزان حين دقت لحظة الخطر؟ أكثر من ذلك لماذا أقفل عليهم باب الخزان مدورا "ذراعه المضلعة دورتين" محكما هذا الإقفال جاعلا من المستحيل على من بداخله أن يفتحه؟ وهم لماذا رضوا بذلك، بل لماذا رضوا ولوج الخزان أصلا، وقبل ذلك لماذا السفر؟ [...]، لماذا خرجوا من الأرض، أوقفوا النضال ضد عدوهم، أو لم يمارسوه وانخرطوا في أرض الغير وأوطان الغير...؟[33].
فوصلت دراسة سامي سويدان إلى أن الرمزية توجد في البنية العامة للرواية، ليس في الشخصيات فقط، واعتمد على المعطيات الخارجية ذات أبعاد اجتماعية وتاريخية وإيديولوجية.
أما الناقد ‘عبد الرزاق عيد’ فينفي وجود الرموز في الرواية التي ترمز إلى القيادة الفلسطينية أو العربية، ويقف موقفا خلافا تمام الخلاف من المواقف التي وقف النقاد من وجود الرموز في الرواية، فيرى "أن القراءة التي يقدم إحسان عباس ممكنة في حدود التأويل الأيديولوجي والسياسي للنص، لكنها بعيدة عن رؤية العالم التي يحققها النص بمثابته نصا معرفيا وتاريخيا ينتج أدواته الجمالية وفق منظومة معرفية تغدو الإيديولوجيا إحدى أبعادها فقط[34].
ولتفادي السقوط في بعض المزالق التي تجانب التأويل الملائم لدلالة هذه الشخصية (أبو الخيزران)، ينطلق عبد الرزاق عيد من النص الروائي، باعتبار المرجع الوحيد الذي يمكن أن يلامس جوهر هذه الشخصية، وأن يكشف عن بعض الهنات والهفوات التي سقطت فيها بعض القراءات كتلك التي قدمها إحسان عباس من خلال تقديمه ‘أبو الخيزران’ باعتباره مداورا ومراوغا وخادعا وكاذبا.
فيرى الناقد عبد الرزاق عيد: "الحقيقة أن النص الروائي لا يقدم لنا أي سند يساعدنا على تبرير مصداقية هذا الاستنباط التأويلي الذي قدمه إحسان عباس: فأبو الخيزران كما يحضر في النص كان مخلصا وصادقا في رغبته بتهريب رفاقه (أبو قيس، أسعد، مروان) إلى الكويت، فالرجل يريد النقود ليستريح بعد عناء طويل، ولا أدل على ذلك من إسراعه لإجراء المعاملات اللازمة لعبور الحدود، خوفا على رفاقه في الخزان، ومن ثم قلقه الكبير في التوقف الثاني، وسخطه الشديد على حرس الحدود الذين عرقلوا إسراعه بمداعباتهم المبتذلة.[35]
ومن جهة أخرى، فإن علاقة المتلقي بهذه الشخصية (أبو الخيزران) - في تقدير عبد الرزاق عيد – لم تكتريها أية عدوانية أو سخط من قبل المتلقي، بل ما ينتاب هذا الأخير هو حالة من الذهول لهول الفاجعة التي انتهى إليها مصير الشخصيات. وهذا الشعور الإنساني بقي ملازما للمتلقي حتى في بعض اللحظات التي يمكن أن تهتاج في داخله مشاعر الإدانة والسخط تجاه ‘أبو الخيزران’ كلحظة رميه الجثث عند أزام القمامة. غير أن النص – يرى الناقد – يقدم تبريرا لذلك الفعل، حيث كان دافعه لذلك أن تكتشف جثث رفاقه عند الصباح بجانب أكوام القمامة، وتدفن بإشراف الحكومة، حيث لا يروقه "أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء، ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات... ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل[36].
وعلى المستوى التكويني الدلالي، فإن الناقد يري أنه من غير المعقول أن يقدم ‘أبو الخيزران’ وهو السائق المسحوق الذي يحلم بأن يستريح متمددا بالظل بعد أن يجمع بعض الأموال من عمله الشاق – كرمز للقيادة الفلسطينية، إن في ذلك مجانبة للتأويل السليم.[37]
ولكي يقدم عبد الرزاق عيد بديلا لقراءة إحسان عباس، وللقراءات الأخرى المقدمة لرواية ‘رجال في الشمس’، ينطلق – من خلال تتبعه "في إطار الألفة لأعمال غسان القصصية والروائية، واستقرائه للرؤية المعرفية والجمالية فيها – من مسلمة مفادها أن الرؤية المتضمنة في نص ‘رجال في الشمس’ هي رؤية متشبعة بملامح الوجودية، وذلك "من خلال تعميم المآزق الفردية... ومواجهة الإشكاليات الإنسانية ليس بتنمية ديالكتيك العلاقة الدرامية القائمة بين الإنسان والواقع، كثمرة للوحدة الإدماجية بين مستوى السرد الداخلي (الذاتي) والسرد الخارجي (الموضوعي) بل عبر تنمية ديالكتيك ذاتي تتهاوى فيه الفعالية الإنسانية أمام سطوة الواقع واستبداده، حيث الإنسان يواجه مصيره كوضع، لا كشرط، كوجود أنطولوجي لا كوجود تاريخي، كفرد لا كطبقة"[38].
يتوصل عبد الرزاق عيد في دراسته إلى حقيقة مفادها أن هذه الشخصيات تمثل رموزا لضحايا قوة غاشمة كلية. بمعنى أن المسئول على هذا المصير المأساوي الذي آلت إليه الشخصيات ليس هو ‘أبو الخيزران’ كقيادة فلسطينية أو قيادة عربية أو ما شابه ذلك، كما ارتأت ذلك القراءات السابقة، لأن أبا الخيزران ما هو إلا وسيلة لظروف أكثر تعقيدا. فيقول الناقد: "فالقارئ لا يعرف إن كان عليه أن يحقد على ‘أبي الخيزران’ أو أن يعطف عليه لعمق مأساته الممتدة إلى 1948 [...] والقارئ لا يدري أيضا إن كان عليه أن يدين (أبو قيس – أسعد – مروان) أم أن يتعاطف مع مصيرهم المأساوي، أن يدين بحثهم الفردي عن حل لمشكلاتهم أم ييأس لمصائرهم التي وحدتهم في الموت. وحيرة وتردد القارئ مبعثه أن ليس هناك في عالم الرواية مسئول عن المأساة، فالمسئول هم "شيء آخر""[39].
وبالخلاصة يصل الناقد في دراسته، خلافا من الدراسات السابقة، إلى أن المسئول في رواية ‘رجال في الشمس’ ليس القيادة الفلسطينية، أو القيادة العربية أو ما شابه ذلك، بل المسئول هو "شيء آخر"، ولكن لم يشر إلى هذا الشيء الآخر، وما يفهم من دراسته أنه يعتقد أن هذا الشيء الآخر هو قوة مجهولة أو لعنة قدرية، أو شيء آخر لا يُدرك كنهه، والشعب الفلسطيني عاجز عن الدفاع عنه.
ومما تقدم يلاحظ أن الناقد عبد الرزاق عيد لا ينفي وجود الرموز في الرواية بتاتا، ولكن يقر بوجوده في الرواية. والرمز في الرواية حسب رأي الناقد يرمز إلى حالة الضعف التي عايشها الشعب الفلسطيني إثر نكبة عام 1948 وعشر سنين بعدها، وأن شخصية ‘أبو الخيزران’ ليس هو السبب لموت الرجال الثلاث (الشعب الفلسطيني) بل السبب هو شيء آخر، ولكن الناقد لم يوضح هذا الشيء الأخير، بل أشار في كلماته غير مباشرا إلى أنه هو وعي الشعب الفلسطيني بالضعف والقصور، وعدم المحاولة للخلاص الجماعي.
والناقد الأردني يوسف سامي اليوسف يرى "أن من العبث من العراك حول رمزية بعض جزئيات الرواية. فإذا ما كان أبو الخيزران رمزا للقيادة الفلسطينية، أو رمزا حتى للشيطان نفسه، وإذا كان المهربون البصريون رمزا للقيادات العربية، أو رمزا للاستغلال، أو رمزا لأي شيء قد يخطر على البال، وإذا كان موظفو الحدود رمزا للبيروقراطية العربية، أو رمزا لقصر النظر، هذه كلها لا يعني كثيرا. هناك رمز واحد هام، بل هو ليس أكثر من كناية فقط، وهو أن الأبطال الثلاثة هم المكافئ الروائي للشعب الفلسطيني، وهم يمثلونه خير تمثيل، حتى من جهة أجياله المتعقبة. فخلاصة رمزية الرواية هي استهجان اللاعقلانية في القضية التالية: لما كان لا بد من قبر، فلماذا نقبل أن نموت جبناء"[40].
والدكتور محمد فؤاد يلاحظ وجود الرمزية في الرواية ‘رجال في الشمس’، وهذه الرمزية مشكلة بالاتجاهين البارزين في فترة كتابة هذه الرواية، وهما الرومانسية والواقعية. فاستخدم الكاتب غسان كنفاني هذه الاتجاهات الثلاث في المواضع المناسبة في أحداث الراوية وشخصياتها. فيرى: "تلك المعطيات الفكرية الرومانسية والواقعية التي يحاول تجسيدها في رواية ‘رجال في الشمس’ بلغة الرمز والوقائع التاريخية، ولا يخفى على القارئ تلك الدلالات الرمزية ابتداء من عنوان الرواية وحتى نهايتها، بإطلاق صرخة أبي الخيزران: "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"[41]
والرمزية في رواية ‘رجال في الشمس’ لا تجنح إلى الإغراق في الصور الرمزية التي تطبع أدب بعض الرمزيين بطابع الإيهام والغموض المفرط، والبعد عن الواقع، دون أن تحول بين الحس الذاتي ورؤية كنفاني الخاصة، التي لا تلغي العقل والفهم الصحيح لحقائق الأمور، والتي تتسم بالبساطة والوضوح والعمق في الوقت ذاته".
"فإن رمزية الأدب الروائي في هذا العمل هي ‘الرمزية الواقعية’، حيث كان منطلق الكاتب التعبيري والفكري، نابعا من ظروف الحياة المأساوية التي عاشها الكاتب، وظروف من حوله، وما يعانيه الإنسان الفلسطيني من مشكلات، وما يتطلع إليه من طموحات، ضمن مسار نضاله وتحديه اليومي، متعمدا على وسائل وطرائق متباينة للتعبير، مرتكزا في الأساس على المعالجات الثورية النضالية، وهذا ما يستوجب أن تكون معتمدة على وسائل وطرائق مباشرة في التعبير والطرح، لأنها في أساس الأمور معالجات موجهة للجماهير، مما يدفع لضرورة اتسامها بهذا الطابع المباشر في التعبير الأدبي"[42]
"على الرغم من ذلك كله فقد أخذت رواية ‘رجال في الشمس’ من الرمز  وسيلة للتعبير والتصوير، غير أن هذه الرمزية قد اعتمدت بُعدين اثنين أساسيين في المعالجة الأدبية، الأول منهما: هو ما يمكن أن نسميه بالرمز الجزئي، وهو تضمين العمل بعض رموز يمكن أن يستقيها أو يستخلصها المتلقي من السياق أو من بعض الأسماء المعبرة، ذات الدلالات المباشرة في العمل، وهي كثيرة ومتعددة، منها: العنوان ‘رجال في الشمس’ رمز إلى حجم المعاناة لهؤلاء الرجال وشدة الحرارة التي واجهها أبطال القصة (الرواية) سواء في البصرة أو الصحراء، أو داخل الخزان، أو موتهم حرا"[43].
الرموز في الرواية في رأي الناقد:
يرى الناقد الرموز في كل الأشخاص والأحداث والأماكن رموز، وهي:
أبطال القصة الثلاثة: أبو قيس، أسعد، ومروان رمز للشعب الفلسطيني كله، الذي يمثلونه بفئاته العمرية المختلفة، الذين لا يستطيعون أن يروه قبرا – خير تمثيل لهم – فهم موتى بل قبور، أي موتى في قبر الخزان، فهو الذي رضي بنكبة 1948 ولم يرفض حتى أو يصرخ.
أبو الخيزران: تلك الشخصية الجبانة، وهذا الرجل العنين، المهزوم، رمز القيادة الفلسطينية الفاشلة المهزومة، والعاجزة عن مقاومة الاحتلال الصهيوني في زمن النكبة وما بعدها، وهو الذي يحملهم إلى الموت، قيادة لا تفي بوعودها، ولا تتحمل مسؤولياتها، ولا شك أن عجز هذه القيادات من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى النكبة والتشرد، كذلك دليل العجز والسكوت عل بما جرى، مع أنه كان يعلم مصيرهم.
والمهرب البصراوي: رمز الاستغلال الإنساني بأبشع صورة، ورمز القيادة العربية والفلسطينية المتكرشة، ورمز الساسة البرجوازية الرأسمالية، الذين يستغلون مأساة الفلسطينيين من أجل الانتفاع الشخصي والاتجار بها.
وموظفو الجمارك الحدودية: أبو باقر / رمز المسئول العربي الرسمي التافه الذي لا يقدر المسؤولية، ويشتغل بتوافه الأمور عن عظمائها، ورمز للبيروقراطية الفاسدة والمستغلة.
والصحراء: هي بطل مركزي في القصة، إنها المساح الفاصلة بين الحياة والموت، هي الفراغ السياسي، وهي مشوار لا ينتهي من العذاب دون أمل بإمكانية الوصول إلى الهدف المنشود. فالصحراء موجودة في كل مكان بالنسبة للفلسطيني، وهي رمز لبعد مأساوي، وترجمة أحوال الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني.
والخزان: رمز الحصار والسجن والقبر والموت يتجه نحو الشعب الفلسطيني بقيادته الفاسدة، وتشخيص للوضع العربي المقفل اللهيب على أرض الصحراء العربية، فهو صورة الجحيم الفلسطيني، هو ذروة المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في المنفى، هو السجن الكبير الذ عليهم أن يحطموا جدرانه إذا أرادو البقاء.
والموت: رمز الهروب إلى الحياة الجديدة، ورمز المخاض العسير الذي سيفضي عن مولود جديد ورمز الليل الفلسطيني المظلم الذي ينبلج عنه فجر جديد، وهو الثورة الفلسطينية.[44]
"وقد حاول غسان كنفاني عن طريق الرمز – حسب رأي الناقد -، أن يقول للمتلقي: "عليك أن تبقى في أرضك، وأن تشبث به برغم ضياع أشياء كثيرة، فترك الأرض والهجرة إلى رغيف الخبز مصيره الهلاك، وعدم الحصول على شيء، فخير لك أن تعيش في أرضك، أو تظل على مقربة منها على الأقل، ففي التجذر الحقيقي بالأرض كنز الهوية، والكيان، والوجود الحقيقي. وعليك أيها الفلسطيني ألا تتبع القيادات العاجزة التي هي كأبي الخيزران، كما أن عملية التنقل لا تتم في الخفاء كما فعل أبطال القصة" [45]
ومعارضا لهذه الآراء التي ترى ملامح الرموز في الرواية هناك آراء كثيرة تنفي وجود الرموز لا إلى الشعب الفلسطيني ولا إلى القيادات الفلسطينية ولا إلى القيادات العربية. ومن بين النقاد الذين ينفون وجود الرموز ويؤيدون وجود الواقعية فيها الناقد فضل النقيب، وكذلك الناقدة خالدة شيخ الخليل والدكتور محمد فؤاد السلطان. فترى خالدة شيخ الخليل " "أن استجابة شخصية أبي الخيزران لرمزها هي استجابة واهنة لا تصمد أمام حقائق التاريخ. كما أنها لا تصمد حتى من الناحية الفنية، نظرا لوجود دلالات محايثة وثاوية في تلافيف النص"[46] والدكتور محمد فؤاد السلطان يؤيد بقوله وجود ملامح اتجاه الواقعي الاشتراكي: " "لهذا استندت القصة في واقعيتها الجديدة على النظرية الشمولية للعالم والإنسان الفلسطيني، وأهمية تحليل الواقع المعاش، للوصول إلى كنه مأساة الإنسان فيه، والبحث عن خلاصه وتحريره وتجاوز أزمته." [47]
خاتمة
النص الروائي في رواية ‘رجال في الشمس’ تتسم بحضور الرموز التي ترمز إلى الشعب الفلسطيني من الكهولة إلى الفتية، وإلى القيادة الفلسطينية العاجزة عن إنقاذها من المأزق الذي وقعت فيه. وكما تقدمت الإشارات إلى الدلائل لوجود هذه الرموز وجوانب متعددة التي لمستها القراءات النقدية لهذه الرواية، أن الأديب غسان كنفاني أراد بهذا العمل الأدبي الرائع لتوعية شعبه عن واجبهم نحو وطنهم وللتحذير من وقوعهم تحت القيادات العاجزة والضعيفة، ومن الهروب من موطنهم المحبوب، خلال الشخصيات العادية من الشعب الفلسطيني. فكل شخصية في الرواية رمز يتمثل شعبه، فبينهم الولد والفتى والكهل الفلسطينيون وسائق ضاع رجوليته وموظفون في مراكز التفتيش في الحدود الذين تداعبوا بالسائق بالأمور الرذيلة. وقد وظّف الكاتب هذه الرموز لتوعية شعبه بأن النجاح على العدو الصهيوني والنجاة من مضرات الاحتلال ومن الحياة القلقة في المنفى إلا بتأدية مسؤوليتهم نحو وطنهم بنفسهم لا بالقواد خارج فلسطين.
المصادر والمراجع:
1.       أبو الشباب (1977) واصف. صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية المعاصرة من 1948 إلى 1973. المجلد 1. بيروت: دار الطليعة.
2.       الخليل (1982) خالدة شيخ. الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي. شرق برس.
3.       السلطان(2007) د. محمد فؤاد. "قصة رجال في الشمس لغسان كنفاني؛ دراسة نقدية." ملجة جامعة الأقصى، يونيو, 2007
4.       السوافيري، الدكتور كامل ، الأدب العربي المعاصر في فلسطين- من سنة 1860 – 1960، دار المعارف، القاهرة.
5.       سويدان (1986) سامي. أبحاث في النص الروائي العربي. المجلد 1. مؤسسة الأبحاث العربية.
6.       شكري (1980)، غالي، أدب المقاومة، دار المعرف في مصر، القاهرة.
7.       صالح(2004)، د. نضال. نشيد الزيتون: قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية؛ دراسة. دمشق: اتحاد كتاب العرب.
8.       عاشور (1981) رضوى. الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني.بيروت: دار الآداب.
9.       عباس (1972) إحسان. المبنى الرمزي في قصص غسان. المجلد 1، تأليف الآثار الكاملة (الروايات)، بقلم غسان كنفاني، 11-27. دار الطليعة للطباعة والنشر.
10.    عمراني (2011) المصطفى. مناهج الدراسات السردية وإشكالة التلقي- روايات غسان كنفاني نموذجا. المجلد 1. عمان: عالم الكتب الحديث.
11.    عيد (1988) عبد الرزاق، في سوسيولوجيا النص الروائي: دراسات في الرواية. المجلد 1. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
12.    كنفاني (1972)، غسان، الآثار الكاملة – الروايات، لجنة تخليد غسان كنفاني، عكا.
13.    اليوسف (1985) يوسف سامي. غسان كنفاني؛ رعشة المأساة.المجلد 1. الأردن: دار المنارات للنشر.
14.    Abdul Malek(2005), Kamal, The Rhetoric of Violence – Arab-Jewish Encounters in Contemporary Palestinian Literature and film, Ed:1, Palgrave Macmillan, England.




* أستاذ مساعد، كلية ب. ت. م. الحكومية بيرنتالمنا، ملابرام، وباحث في جامعة كيرالا تحت إشراف د/ عبيد أ، قسم اللغة العربة، جامعة كيرالا
[1] Abdul Malek(2005), Kamal, The Rhetoric of Violence – Arab-Jewish Encounters in Contemporary Palestinian Literature and film, Ed 1, Palgrave Macmillan, England, P: 36
[2] السوافيري، الدكتور كامل ، الأدب العربي المعاصر في فلسطين- من سنة 1860 – 1960، دار المعارف، القاهرة، ص: 380
[3]  Abdul Malek(2005), P: 36
[4]  شكري (1980)، غالي، أدب المقاومة، دار المعرف في مصر، القاهرة، ص: 08
[5] . صالح(2004)، د. نضال. نشيد الزيتون: قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية؛ دراسة. دمشق: اتحاد كتاب العرب، ص: 23
[6] د. نضال صالح، ص: 23-14
[7] تعد الرمزية اكتشاف لشكل موضوعي محدد يمثل مجالاً غامضاً فسيحاً من الذاتية، "بإظهار غير المرئي أو المعني عن طريق ما هو مرئي" وتمثل الرمزية عند برهبسون صورة مماثلة عن طريق الحدس، أما عند هيجل فهي تمثل "شئ خارجي مباشر، يخاطب حدسنا بصورة مباشرة" وبذلك تكون الرمزية تعبير عن النظام الأبدي وانسجام الكون كما أنها "المنهج الذي يعالج الموضوعات عن طريق صيغ شكلية جمالية لأشكال رمزية في تخطي لواقع الأشياء ومظهرها الخارجي للوصول إلي جوهر هذا الواقع، الذي يمكن إدراكه عن طريق الوجدان، كما يمكن إدراكه بواسطة الحواس التي تزيد معلوماتنا عن العالم المحيط بنا" والشكل في الرمزية يتخذ معاير عديدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحتوى فيظهر الشكل والمحتوى في وحدة واحدة كلاً منهما يؤكد الآخر. وتكمن وظيفة الرمزية في التعرف على المعاني العميقة لتلك الحياة الباطنة، "وللكشف عما وراء الظواهر الطبيعية"، كما أنها تعبير عن دينامية كامنة بالأشياء تؤلف بين الشكل والمحتوى في تكامل جمالي (تعريف من ويكي بيديا: المدرسة الرمزية)
 [8]هو ناقد ومحقق وأديب وشاعر وفيلسوف ومؤرخ وكاتب وباحث موسوعي فلسطيني، ولد في عام 1920 وتوفي عام 2003، كان غزير الإنتاج تأليفا وتحقيقا وترجمة من لغة إلى لغة؛ فقد ألف ما يزيد 25 مؤلفا بين النقد الأدبي والسيرة والتاريخ، وحقق ما يقارب 52 كتابا من أمهات كتب التراث، وله 12 ترجمة من عيون الأدب والنقد والتاريخ. كان مقلا في شعر لظروفه الخاصة كونه معلما وأستاذا جامعيا، وقد أخذه البحث الجاد والإنتاج النقدي الغزير من ساحة الشعر والتفرغ له
  [9]يدعم إحسان عباس هنا النظرة التاريخية التي تقر على أن دراسة الأثر الأدبي تبدأ بدراسة المؤثرات الخارجية لهذا الأثر ومنها طبعا شهادات الكاتب نفسه.
[10]  عباس (1972) إحسان. المبنى الرمزي في قصص غسان. المجلد 1، تأليف الآثار الكاملة (الروايات)، بقلم غسان كنفاني، 11-27. دار الطليعة للطباعة والنشر، ص:15-16
[11]  عباس (1972)، ص: 17
[12]  نفس المرجع
[13]  عباس (1972)، ص: 17-18
[14] عمراني (2011) المصطفى. مناهج الدراسات السردية وإشكالة التلقي- روايات غسان كنفاني نموذجا. المجلد 1. عمان: عالم الكتب الحديث، ، ص: 158
[15]  عمراني (2011)، ص: 159
[16]  أديب وناقد فلسطيني من مدينة صفد، له مؤلفات نقدية في الأدب الفلسطيني، من أهمها: صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية المعاصرة (1948 – 1973)
[17]  عمراني (2011)، ص: 175
[18]  أبو الشباب (1977) واصف. صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية المعاصرة من 1948 إلى 1973. المجلد 1. بيروت: دار الطليعة، ص: 222
[19] أبو الشباب (1977)، ص: 226
[20] عمراني (2011)، ص: 179
[21]  نفس المرجع
[22]  عاشور (1981) رضوى. الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني.بيروت: دار الآداب، ص:69-70
[23]  عمراني (2011)، ص: 180
[24]  عمراني (2011)، ص: 184
[25]  سويدان (1986) سامي. أبحاث في النص الروائي العربي. المجلد 1. مؤسسة الأبحاث العربية، ص:71
[26]  سويدان (1986) ص: 72
[27]  مركز الحدود الأردني على الطريق من عمان إلى بغداد.
[28]  عمراني (2011)، ص: 185
[29]  عمراني (2011)، ص: 186
[30]  عمراني (2011)، ص: 187
[31]  نفس المرجع
[32]  نفس المرجع
[33] سويدان (1986) ص: 111
[34]  عيد (1988) عبد الرزاق، في سوسيولوجيا النص الروائي: دراسات في الرواية. المجلد 1. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 185
[35]  نفس المرجع
[36]  نفس المرجع
[37]  عمراني (2011)، ص: 234
[38]   نفس المرجع
[39]  عيد (1988)، ص: 188
[40] اليوسف (1985) يوسف سامي. غسان كنفاني؛ رعشة المأساة.المجلد 1. الأردن: دار المنارات للنشر، ص: 19
[41]  السلطان(2007) د. محمد فؤاد. "قصة رجال في الشمس لغسان كنفاني؛ دراسة نقدية." ملجة جامعة الأقصى، يونيو, 2007
[42]  نفس المرجع
[43]  نفس المرجع
[44]  نفس المرجع
[45]  نفس المرجع
[46]  الخليل (1982) خالدة شيخ. الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي. شرق برس، ص: 91
[47]  السلطان(2007)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة