أحدث المشاركات

الأربعاء، 25 مايو 2016

اللاعنف والإسلام


مفكر الإسلام (الفيلسوفي الهندي)  وحيد الدين خان
ينبغي عدم الخلط إطلاقًا بين اللاعنف وبين التقاعس عن العمل أو السلبية. فاللاعنف هو فعل بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ بل هو أكثر قوة وفعالية من فعل العنف. والنشاط اللاعنفي ليس محصورًا في مجاله، بل هو مسار عمل يمكن اتباعه على كل الأصعدة.


حينما تواجه مشكلة ما أفرادًا أو جماعات أو مجتمعات، يكون اللجوء إلى العنف هو السبيل الوحيد لحلها. بيد أن السبيل الأفضل هو محاولة حلِّ هذه المشكلة بالوسائل السلمية، وتجنب العنف والمجابهة. وقد تتخذ الوسائل السلمية أشكالاً شتى حسب طبيعة المشكلة التي تحدد أيًّا من هذه الوسائل قابلة للتطبيق على الحالة المعطاة.
الإسلام دين يعلِّم اللاعنف. فقد ورد في القرآن أن الله لا يحب الفساد fasad، العنف. وتعبّر الآية 205 من السورة الثانية في القرآن بوضوح ما المقصود هنا بالفساد. فالفساد، أساسًا، هو ذلك الفعل الذي يفضي إلى اختلال النظام الاجتماعي، مُوقِعًا خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
وعلى النقيض من ذلك، يمكن القول بيقين إن الله يحب اللاعنف. وهو يمقت النشاط العنفي لأنه يفلت عنان الأمور في المجتمع الإنساني، مما يجبر الناس على دفع الثمن من حيواتهم وممتلكاتهم. وهذا ما هو مدعَّم ببيانات أخرى في القرآن. فعلى سبيل المثال، يخبرنا القرآن أن السلام هو أحد أسماء الله (23:59). أما أولئك الذين ينشدون رضاء الله فتطمئنهم الآية 5 من السورة 16 بأن الله سيهديهم إلى “سبل السلام”. وفي القرآن، يُشار إلى الفردوس، الذي هو الوجهة النهائية لأخيار الله، بـ “دار السلام” (30:89).
تتسق روح القرآن بأكملها مع هذا المفهوم. مثلاً، يعلِّق القرآن أهمية كبيرة على الصبر. وفي الحقيقة، يعلو الصبر على كل الفضائل الإسلامية: “إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب” (10:39).
ينطوي الصبر بداهة على استجابة أو رد فعل سلمي، في حين يتضمن نفاذ الصبر استجابة عنفية. فكلمة صبر sabr تعبِّر بالضبط عن فكرة اللاعنف كما هي مفهومة في الأزمنة الحديثة. وفعل الصبر هو فعل لاعنفي مُعبَّر عنه في القرآن على نحو واضح. وقد ورد على لسان نبي الإسلام ما معناه أن الله يعطي على الرفق rifq (اللطف) ما لا يعطي على العنف unf (سنن أبو داوود، 4/255).
لقد استخدمت كلمة رفق في هذا الحديث كنقيض لكلمة عنف. وتُوصِل هذه المصطلحات بدقة ما المقصود بالعنف واللاعنف في الأزمنة الحاضرة. فهذا الحديث يشير بوضوح إلى أعلويّة النهج اللاعنفي.
إن منح الله اللاعنف امتيازًا لا يمنحه للعنف ليست مسألة بسيطة؛ فلها مضامين عميقة وواسعة للغاية. إنها تجسد قانون الطبيعة الأبدي. وبموجب قانون الطبيعة ذاته، تقترن كل الأمور الطالحة بالعنف، بينما ترتبط كل الأمور الصالحة باللاعنف.
تُولِّد الأنشطة العنيفة الكراهية في المجتمع، بينما تستحثُّ الأنشطة اللاعنفية المحبة. العنف هو سبيل دمار، في حين أن اللاعنف هو سبيل بناء. ففي جو العنف تتنامى العدواة، وفي جو اللاعنف تزدهر المودَّة. فالنهج العنفي يفسح المجال للقيم السلبية، أما النهج اللاعنفي فيتسم بالقيم الإيجابية. النهج العنفي يورِّط الناس في المشاكل، لكن النهج اللاعنفي يقود الناس إلى استثمار الفرص. باختصار، العنف موت، واللاعنف حياة.
لقد عقد كلٌّ من القرآن والحديث أهمية على الجهاد jihad. فما هو الجهاد؟ الجهاد يعني الكفاح، الكفاح إلى الحد الأقصى. لكن بداية يجب إدراك أن هذه الكلمة تستخدم من أجل كفاح لاعنفي وفي تعارض مع الكفاح العنفي. وأحد البراهين الجليّة على هذا الأمر هي الآية القرآنية (52:25) التي تقول: جاهد ولو بكلمة (أي، كلمة القرآن).
القرآن ليس سيفًا أو بندقية؛ إنه كتاب عقيدة. وفي هذه الحالة، أداء الجهاد بالقرآن يعني كفاح عقائدي من أجل غزو قلوب وعقول الناس عن طريق فلسفة إسلامية متفوقة.
وعلى ضوء هذه الآية القرآنية، يكون الجهاد في واقع الأمر اسم آخر لنشاط سلمي أو نشاط لاعنفي. وفي حين أن القتال qital نشاط عنيف، فإن الجهاد نشاط لاعنفي.
بداية سلمية
عندما بدأ القرآن بالنزول، حملت الآية الأولى منه أمرًا: إقرأ (Iqra) (1:96). ولدى التمعُّن في هذه الآية، نتعلم عن كيفية استهلال العمل الإسلامي. فهي تبدأ من نقطة تتضمن أملاً في استمرارية الحركة على أسس سلمية، وليس من نقطة تشوبها احتمالات مُفسَدة بالعنف.
في الحين الذي تجلَّى فيه أمر “إقرأ”، كان هناك العديد من الخيارات المتاحة في مكة كنقاط انطلاق للحركة. فعلى سبيل المثال، كانت إحدى نقاط البدء المحتملة هي الانطلاق في حركة تطهير للكعبة من الـ 360 صنم المنصوبة فيها. لكن، من خلال انتهاج مثل هذا المسار، كان سيتعيَّن بالتأكيد على الحركة الإسلامية مواجهة رد فعل عنيف من قريش. كما كان يمكن أن تكون نقطة بدء بديلة هي محاولة ضمان مقعد في دار الندوة (برلمان مكة). وفي ذلك الوقت، كانت كل بلاد العرب تقريبًا تحت النفوذ المباشر أو غير المباشر للإمبراطوريتين الرومانية والساسانية. ولو جُعِل تحرير بلاد العرب من هذا النفوذ نقطة البدء لكان قُوبل أيضًا برد فعل مباشر من جانب قريش.
وإذا وضعنا جانبًا هذه الخيارات، فإن المسار المتبع كان قراءة القرآن، وهو نشاط يمكن أن يستمر بالتأكيد على أسس سلمية: فما من رد فعل عنفي سيترتب على الانهماك في مثل هذا النشاط.
لقد اتبع نبي الإسلام هذا المبدأ طيلة حياته. فكانت سياسته تعتمد على الطرق اللاعنفية تفضيلاً لها على الطرق العنفية. إنها السياسة التي أشارت إليها عائشة، زوجة النبي، بهذه الكلمات: “كلما كان يتوجب على النبي اختيار أحد طريقين، كان يختار دومًا الطريق الأسهل” (فتح الباري 6/654).
ما هي مزايا النشاط اللاعنفي مقارنة بالنشاط العنفي؟ لنذكرها باختصار:
1)    وفقًا للقرآن، هناك شكلان من الاستعداد الفطري في كلِّ كائن بشري متنافران على نحو متبادل؛ أحدهما هو الأنا، والآخر هو الضمير، سُمّيا على التوالي: النفس الأمّارة والنفس اللوّامة (القرآن، 53:12؛ 26:75). وما يقوم به النهج العنفي على نحو ثابت هو إيقاظ الأنا التي تؤدي بالضرورة إلى انهيار التوازن الاجتماعي. ومن جهة أخرى، يوقظ النشاط اللاعنفي الضمير، ومن هذا تنتج صحوة الناس للاستبطان والتقدير الذاتي. وحسب القرآن، تكون النتيجة الإعجازية لهذا الأمر هو أن “الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”. (34:41)
2)    للنهج اللاعنفي ميزة عظيمة، لن يهدر المرء الكثير من وقته بالسير على منوالها. وعندها قد يتم استغلال الفرص المتاحة في أي موقف مُعطى على أكمل وجه – كما حدث بعد صلح الحديبية. فمعاهدة السلام هذه مكَّنت المؤمنين من استخدام طاقاتهم في نشاطات سلمية بنَّاءة عوضًا عن تبديدها في مواجهات مسلحة عقيمة. فإحدى حالات الضرر المؤذية للغاية جرَّاء نشاط عنفي هي كسر النواميس الاجتماعية بإطلاق تحركات عسكرية. وعلى العكس من ذلك، المنفعة العظيمة الناجمة عن النشاط اللاعنفي هي الشروع بعمل لا ضرر فيه للتقاليد وإطالة أمده.
وعمومًا، إن المحاولات الرامية إلى تحسين أو استبدال الأنظمة القائمة عن طريق النشاط العنفي تأتي بنتائج عكسية. فغالبًا ما يكون انقلاب واحد مؤشرًا إلى سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة، بدون أية فائدة تُذكر لصالح عامة الشعب. فالثورة المرغوبة حقًا هي تلك التي تتيح الفرصة للتغييرات التدريجية والنافعة. ولا يمكن تحقيق هذا العمل إلا على أسس لاعنفية.
النجاح من خلال النهج اللاعنفي
لقد تم إنجاز كل النجاحات العظيمة في الطور الأول من الإسلام، فضلاً عن الفترات اللاحقة، بوسائل لاعنفية. وها هي بعض الأمثلة عن هذه النجاحات:
1)    طوال فترة 23 سنة من النبوة، وقد أمضى النبي الـ 13 سنة الأولى منها في مكة، تبنى خلالها النبي الطريق السلمي أو اللاعنف تمامًا. ففي ذلك الوقت، كانت في مكة الكثير من القضايا التي يمكن أن تكون موضوع صدام ومجابهة. لكن نبي الإسلام، وبمثابرة، تفادى كل هذه القضايا، وحدَّد مجاله بصرامة في النشر السلمي لكلام الله، وقد أسفر هذا عن تحقيق أداء الدعوة بزخم كبير طوال تلك الفترة. وكانت إحدى المكاسب العظيمة خلال الـ 13 سنة من الدعوة انضواء رجال من ذوي الوزن المعنوي الرفيع تحت راية الإسلام، كانوا مسؤولين عن تشكيل تاريخ الإسلام، ومنهم على سبيل المثال: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، إلخ.
2)    عندما كان زعماء قريش في مكة يتهيأون لشنِّ حرب ضد النبي، اختار النبي الهجرة إلى المدينة سرًا بدلاً من اللجوء إلى سبيل مقابلة الأذى بالمثل.
3)    كانت الهجرة، بحد ذاتها، مثل ساطع على النشاط اللاعنفي. فهذه الاستراتيجية السلمية مكَّنت النبي وأصحابه، الذين كان يناهز عددهم المائتين، من تشكيل مركز قوة للإسلام في المدينة. فلو أن النبي تبنى سبيل المواجهة بدلاً عن الهجرة السلمية، ربما دُفن تاريخ الإسلام هناك في مكة بعد فترة وجيزة من بدئه.
4)    بعد الهجرة، اتخذ خصوم النبي قرارًا بشن الحرب عليه. وبالتالي جرت مواجهات دامية مثل موقعتي بدر وأُحد. ثم عقد النبي معاهدة سلام مع أعدائه لمدة عشر سنوات عُرِفت في التاريخ بصلح الحديبية، موافقًا على جميع شروطهم. وقد دُعي هذا في القرآن “نصرًا مُبينًا”. إنها ذات المعاهدة التي مهدت الطريق في نهاية المطاف لنشاطات بناءة سلمية جعلت من الممكن فتح مكة وكل بلاد العرب فيما بعد.
5)    مع نهاية الخلافة الراشدية، وقعت مواجهة دموية بين بني هاشم وبني أمية. وهذا ما أعاق تقدم الإسلام لفترة 10 سنوات. لكن ما أدار عجلة التقدم مجددًا هو الانسحاب الطوعي للحسن بن علي (توفي سنة 50 بعد الهجرة) من ميدان المعركة. وكان هذا نموذج عملي من النشاط اللاعنفي لا يمكن إنكاره. فهذا التحرك السلمي من جانب الحسن بن علي أعاد فتح أبواب التقدم التي كانت مغلقة بوجه الإسلام.
6)    في الطور الأخير للخلافة العباسية، هاجمت القبائل المنغولية بلاد الإسلام، مدمِّرة البلاد بأسرها، على طول الطريق من سمرقند إلى حلب. وبدا حينها أن تاريخ الإسلام قد وصل إلى طريق مسدود. وفي تلك اللحظة، وُلِدت روح الدعوة في داخل المسلمين. ونتيجة لذلك، تحوَّلت غالبية المنغوليين إلى دين الإسلام. وحدثت تلك المعجزة التي وصفها أحد المستشرقين بهذه الكلمات: “لقد غزا دين المسلمين حيث فشلت أسلحتهم”.
7)    اتخذ التاريخ الإسلامي منعطفًا حاسمًا عندما نخر الفساد نظام الحكم في السنوات اللاحقة للخلافة الدينية، وتحولت الخلافة إلى ملكية مطلقة. وفي ذلك المنعطف، برزت عوامل عديدة كان من شأنها أن تؤدي إلى صدام ومواجهة بين الحاكم والمحكومين. لكن، اتباعًا لتوجيهات النبي، تجنب المسلمون كليًا المواجهة السياسية في هذا التاريخ الذي بدأ مع الخلافة الأموية، واستمر لقرون عدة. وقد كان تجنب الصدام أو المواجهة مع الحكام ممكنًا بفضل التابعين (رفاق صحابة النبي) وما تلاهم من أجيال مؤلفة من تقليديين وفقهاء وعلماء ومتصوِّفة وعلماء دين عظماء آخرين.
خلال تلك الفترة التي بدأت فيها الدعوة السلمية بالانتشار في مختلف البلدان وكذلك علوم الحديث، ظهر إلى حيز الوجود الفقه والعلوم الإسلامية الأخرى على نطاق واسع بعد فترة طويلة من الكفاح العقائدي العظيم. وكل الكتب النفيسة التي تزيِّن مكتباتنا والمؤلفات الكلاسيكية الإسلامية هي نتاج هذه الأنشطة السلمية.
فعلى سبيل المثال، يُعتبر الحديث هو المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية بعد القرآن. وهذه الأحاديث موجودة الآن على شكل كتب مطبوعة، وهي ثمينة إلى حد أنه، بدونها، لم يكن من الممكن تطوير الإسلام إلى نظام متكامل كما هو موجود اليوم. فخلال الفترتين الأموية والعباسية، عندما كان النظام السياسي قد بدأ بالانحلال، كانت هناك عشرات الآلاف من هذه الأحاديث المُخزَّنة في ذاكرة علماء الدين المذكورة أسمائهم في الكتب كحلقات وصل مع المراجع التي أوصلت لنا هذا الموروث. فلو أنهم تبنوا مبدأ النشاط العنفي واصطدموا مع الحكام “الظالمين”، لكانوا ذُبحوا جميعًا ودُفِن معهم في القبور كامل موروث الأحاديث بدلاً من إيجاد مكان له على صفحات الكتب. فبمعجزة كان تبني اللاعنف بديلاً عن العنف حبل نجاة لمصادر تراثنا الثمينة وتسطيرها في كتب لا تزال تزيِّن مكتباتنا حتى اليوم.
لامشروعية الثورة السياسية
على الرغم من الضلال الصارخ في مسار الحكام المسلمين بعد الخلافة الدينية، لم يَقُدْ العلماء المسلمون تمردًا ضد هؤلاء الأفراد الفاسدين. ولفترة تقارب الألف سنة عزلوا أنفسهم عن هذه القضية وواصلوا بذل كل جهودهم في الميادين غير المادية. ولم تكن هذه مسألة عرضية، بل إذعانًا لتعاليم الشريعة.
وكما نعلم، دُوِّنت في كتب الحديث المُفصِّلة فصول بعنوان “كتاب الفتن”. وقد أورد نبي الإسلام بكلمات واضحة أن الانحرافات في الأزمنة اللاحقة ستتمكَّن من الحكام فيضحون مستبدِّين وظالمين، لكن ذلك لا يجب أن يدفع المسلمين إلى أن يشهروا سيوفهم بوجوههم؛ فعلى المسلمين، بدلاً من ذلك، الانتقال إلى الجبال مع ماعزهم وجمالهم.
والمقصود بـ”الماعز والجمال” هي الفرص المتاحة في الميادين غير السياسية المتواجدة حتى عندما تكون المؤسسات السياسية مُفسَدة. هذا التعليم الذي أوصى به النبي عنى بأن على المسلمين الإفادة من مثل هذه الفرص عن طريق تجنب الصدام والمواجهة في الميدان السياسي. وباختصار، بتجاهل المشكلة السياسية، عليهم الاستفادة من الفرص غير السياسية.
كانت تعاليم نبي الإسلام هذه جليِّة بحيث أجمع علماء المسلمين في أوقات لاحقة على أن التمرد على الحكام غير شرعي.
وفي تعليقه على بعض الأحاديث النبوية كما وردت في صحيح مسلم كتاب الإمارة، يقول الإمام النووي:
يجب ألا تدخل في صراع مع الحكام في أمور قوتهم. فحتى وإن كنت تجدهم ماضون ضد التعاليم الإسلامية الصريحة، عليك محاولة تبيان الحقيقة لهم فقط من خلال قول الحكمة والمشورة. فالتمرد والحرب ضدهم من أجل عزلهم غير شرعي كليًا بإجماع العلماء، حتى عندما يكون الحكام ظالمين Zalim وفاسقين Fasiq (طغاة وأشرار). (صحيح مسلم، بشارة النووي، 12/229).
كان أمر النبي هذا، كما هو مُعبَّر عنه بوضوح أعلاه، مستند إلى اعتبارات بالغة الأهمية. ففي واقع الحال، كان لزامًا في الطور المبكر من الإسلام (كما في مرحلة لاحقة) إنجاز الدعوة وأعمال الإصلاح والتي بدونهما لن يكتمل تاريخ الإسلام. فلو حاول علماء المسلمين أن يشكلوا تهديدًا للمؤسسات السياسية، لما أمكن بالتأكيد إنجاز كل هذا العمل البناء. ولهذا السبب، حرَّم نبي الإسلام صراحة أي صدام مع المؤسسات السياسية. وقد ضمن تجنب الصراع هذا استمرار العمل البناء غير السياسي بدون أي انقطاع.
في كل مجتمع، ثمة نظامان متعايشان جنبًا إلى جنب، أحدهما سياسي والآخر غير سياسي. والثاني مؤسَّس عبر مؤسسات غير سياسية مختلفة. ووفقًا للنظام الإسلامي، تبقى المؤسسات غير السياسية المنشأة على المستوى الاجتماعي مستقرة دومًا. وبهذه الطريقة، هناك مسعى حثيث – حتى عندما تكون المؤسسات السياسية قد أصبحت فاسدة – للحفاظ بثبات على إسلام مؤسس على مستوى من النظام غير السياسي.
أمر الحرب في الإسلام
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن بعض الآيات في القرآن تحضُّ على القتال وتأمر به (39:22). فما هي الظروف الخاصة التي تبرر صدور مثل هذا الأمر والامتثال له والتي نتعلمها من دراستنا للقرآن:
1)    النقطة الأولى التي تجدر الإشارة إليها هي أن العدوان أو بدء الهجوم من قبل المسلمين ليست حالة محرَّمة بالكامل؛ فهي جائزة، لكن بشروط معينة. لقد صدر إلينا الأمر في القرآن بوضوح: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. (190:2)
2)    الحرب الدفاعية فقط هي المسموحة في الإسلام. فمثل هذه الحرب هي عدوان يرتكبه طرف آخر مما يوجب على المؤمنين الدفاع عن أنفسهم. وليس مسموحًا للمسلمين بدء العداء. ويرد في القرآن: “وكانوا البادئين في مهاجمتكم”. (13:9   يُضاف إلى ذلك، حتى في حالة هجوم تشنها جماعة معادية، لا يُفترَض بالمؤمنين الرد على الفور. ففي البداية، يجب بذل كل الجهود لتفادي الحرب، وفقط إن أصبح ذلك مستحيلاً، لا بد من اللجوء إلى القتال دفاعًا عن النفس.
3)    وفقًا للقرآن، كان ثمة شكل وحيد للحرب محددة زمنيًا بدقة فيما يتعلق بغرضها. وهذا ما يضع حدًا للفتنة: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة”. (193:2) وفي هذه الآية تدل الفتنة على نظام قسري وصل إلى أقصى أشكال الاضطهاد الديني. وقد ساد هذا النظام القسري في الأزمنة القديمة في جميع أنحاء العالم، وأغلق جميع منافذ التقدم، الروحية والمادية. وفي ذلك الوقت، أمر الله المؤمنين بتحطيم هذا النظام القسري من أجل ولوج عالم الحرية، وبالتالي تُشرع كل أبواب التقدم الروحي والمادي أمام الإنسان.
وقد بُوشر بهذه المهمة، خلال حياة النبي، وأدَّت إلى خاتمة ناجحة على الصعيد الداخلي ضمن بلاد العرب. ولاحقًا، إبان الخلافة الدينية، تم تفكيك الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية بعون إلهي. وبالتالي، استعيض عن القمع الفكري بحرية فكرية.
وفي هذا الصدد، الأحاديث التي تستحق الملاحظة هي الواردة في صحيح البخاري. فبعد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، عندما نشب نزاع سياسي بين عبد الله بن الزبير والأمويين، نأى عبد الله بن عمر، الأعلى منزلة من بين صحابة النبي، بنفسه بعيدًا عن المعركة. وحين فاتحه الناس، مستشهدين بآية قتال الفتنة، متسائلين عن السبب الذي يدعوه إلى عدم المشاركة في القتال، أجاب عبد الله بن عمر بأن “الفتنة” كما وردت في القرآن لم تُشِر إلى خلافات سياسية داخلية، وإنما إلى النظام القسري الديني الذي سبق أن وُضِع حد له من قبلهم. (فتح الباري، 8/60)
نتعلم من هذا أن الحرب ضد الفتنة كانت حربًا محدودة المدة، وكان القصد منها خوضها إلى يتحقق غرضها المحدد فقط.
من غير المناسب استحضار العظات القرآنية بشأن القتال ضد الفتنة بغية شرعنة أعمال حربية لها أهداف أخرى. ويمكن الاستشهاد بهذه الآية فقط إذا تواجد الوضع نفسه كما في زمن نزولها.
لقد أحصى كاتبو سيرة نبي الإسلام أكثر من 80 غزوة (معركة) في عهده. مما خلق انطباعًا بأن نبي الإسلام، في الـ 23 سنة من مسيرته النبوية، شنّ ما يقارب 4 معارك في السنة الواحدة. لكن لا أساس لهذا من الصحة. ففي الواقع لم يشارك نبي الإسلام في كامل حياته النبوية إلا في 3 معارك فقط. وكل الحوادث الأخرى الموصوفة كغزوات كانت في حقيقة الأمر أمثلة على تجنب الحرب وليست حالات ضلوع فيها.
ففي كتب السيرة، على سبيل المثال، تُدعى موقعة الأحزاب غزوة (معركة)، في حين أن الحقيقة هي أن قبائل عربية مسلحة بلغ تعدادها 12 ألف محارب بلغت تخوم المدينة بقصد شنِّ حرب عليها، لكن النبي وأتباعه حفروا خندقًا عميقًا فصل بينهم وبين المهاجمين، فحالوا بنجاح دون وقوع معركة. وجرى الأمر نفسه في كل الحالات الأخرى التي دُعيت غزوات. وقد حاول خصوم النبي مرارًا توريطه في حرب، لكنه في كل هذه المناسبات كان يتمكَّن من اللجوء إلى مثل هذه الاستراتيجية لتفادي الحرب، وبالتالي نزع فتيل وضع متفجِّر.
ثمة أمثلة ثلاثة فقط على دخول المسلمين حقًا ساحة المعركة – بدر ، أُحُد، وحنين. لكن الأحداث تنبئنا بأنه في كل هذه المناسبات كانت الحرب قد أصبحت حتمية، بحيث كان النبي مضطرًا إلى مجابهة العدوان دفاعًا عن النفس. وعلاوة على ذلك، دامت كل من هذه المعارك مدة نصف يوم فقط؛ تبدأ كل منها ظهرًا وتنتهي مع غروب الشمس، وبالتالي يكون من المناسب القول إن النبي قد شارك طوال حياته في الحرب بما مجموعه يوم ونصف اليوم. وهذا يعني أن النبي قد راعى مبدأ عدم اللجوء إلى العنف طوال 23 سنة من سيرته النبوية، باستثناء يوم ونصف.
ولكون المنهج الإسلامي يستند كليًا إلى مبدأ اللاعنف، فمن غير المشروع بالنسبة للمؤمنين البدء بالأعمال العدائية، ما عدا الحالات التي يصبح فيها الدفاع عن النفس لا مفر منه. ولا يجيز القرآن في أي ظرف اللجوء إلى العنف.
العصر الحديث واللاعنف
إن المشكلة الكبرى التي تواجه الإسلام اليوم هي، كما أرى، أن المسلمين قد نسوا كليًا تقريبًا السنَّة النبوية اللاعنفية. ففي الأوقات المتأخرة، عندما تحلَّلت الإمبراطوريتين العثمانية والمغولية، وتوجَّب على المؤمنين مواجهة مشاكل مثل تلك التي تُحدِق بفلسطين، وقع المسلمون في العالم أجمع فريسة رد فعل سلبي على نطاق هائل؛ لقد أخفقوا في تذكر أن سياسة الإسلام ليست العنف بل اللاعنف. ونتيجة لهذا الانحراف في الرؤية لم يحقق المسلمون طوال 100 سنة تقريبًا من الحروب الدامية أي مكسب إيجابي، فما بالك بما قد خسروه من جراء ذلك.
ووفقًا للإمام مالك، سوَّت الأجيال اللاحقة لهذه الأمة (الإسلامية) قضايا موضع نزاع بالطريقة نفسها التي عَمِلت بها الأجيال السابقة؛ أي بالطرق اللاعنفية. وعلى نحو مشابه، يجب أن يلجأ مسلمو العصر الحديث إلى الطرق اللاعنفية فقط. فلا مكاسب تحققت عن طريق العنف سابقًا، ولا مكاسب يمكن أن تتحقق عن طريق العنف اليوم.
تشابه أحوال المسلمين في الأزمنة الحديثة تلك التي سادت في زمن صلح الحديبية. واليوم مرة أخرى – وعلى نطاق واسع جدًا – يبرز تحيُّز الحميِّة الجاهلية التي كانت سائدة في بلاد العرب ما قبل الإسلام (28:48) لدى الطرف الآخر. وكان الحل في الطور الأول من الإسلام هو تجنب المسلمين بمثابرة إبراز إجحاف مُعادل، وأصبح من حقهم غوث الله في تشبثهم بكلمة التقوى، ووُهِبوا نصرًا مبينًا (48:26).
في زمن معاهدة سلم الحديبية، كانت قريش، التي قد ضمنت زعامة بلاد العرب، عازمة على شن الحرب، وكانت الكعبة في حوزتهم. وكانوا قد طردوا النبي وأتباعه من مدينتهم، واستولوا على بيوتهم وملكياتهم الأخرى، ولم يدَّخروا جهدًا في بثِّ الدعاية المناهضة للإسلام.
ونظرًا إلى هذا الوضع، لم يكن هناك سوى خيارين أمام المؤمنين. يتلخَّص الخيار الأول في محاولة وضع حد للاستبداد وشن حرب سافرة على الطرف الآخر في سبيل ضمان حقوقهم؛ وكانت ستؤدي عاقبة مثل هذا التحرك بالتأكيد إلى المزيد من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
أما الخيار الثاني فكان التحلِّي بالصبر بمواجهة الخسائر المباشرة، سياسيًا أم ماديًا، والاستفادة من الفرص المتاحة بالفعل مهما كانت هذه الخسائر. وقد اختار النبي وأتباعه المسار الثاني. وكانت النتيجة أنه في غضون بضعة أعوام فقط تم تغيير تاريخ بلاد العرب بأسره نحو الأفضل عبر ثورة إسلامية.
الحالة نفسها واسعة الانتشار في العصر الحالي. فعلى الرغم من أن مسلمي اليوم قد تكبدوا خسائر عظيمة، سياسيًا وماديًا، على أيدي الأمم الأخرى، مازال هناك الكثير جدًا من الفرص الكبيرة من أجل الإصلاح الذاتي ومن أجل العمل للدعوة على نطاق واسع جدًا. وإذا تمت الاستفادة من ذلك بحكمة، فبوسعنا إعادة كتابة تاريخ الإسلام في شروط رائعة.
إعلان الدين
لقد نصَّ القرآن على أن الهدف من الثورة التي أحدثها النبي وأصحابه في القرن السابع عشر هو إظهار الدين Izhar-e-deen. (Izhar تعني في اللغة العربية هيمنة / صعود. وIzhar-e-deen تدل هنا على الهيمنة الفكرية والعقائدية، وليست الهيمنة السياسية. وهذا يعني أن دين الله يفترض، من النواحي الفكرية والعقائدية، السيادة على كل العقائد والأديان الأخرى).
لم يكن إظهار الدين حدثًا عابرًا لفترة زمنية قصيرة، بل توكيد دائم للهيمنة الأبدية للإسلام. وكانت تداعياته أنه في عالم العقيدة ستحدث مثل هذه الثورة كما ستؤسس لتفوق الإسلام إلى الأبد. وكان غرضه نزع كل حُجُب الخرافة التي خيَّمت بظلالها على المحاكمة العقلية الإنسانية، والكشف عن البراهين العلمية المخبوءة في الطبيعة، بحيث يمكن تسليط الضوء على حقيقة التوحيد للإنسانية جمعاء. وكما ورد في القرآن: “يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون”. (33،32:9)
كان منح السيادة العقائدية لدين الله مسألة بالغة التعقيد، وصولاً إلى كتابة التاريخ من جديد. وبالرغم من أن حقيقة الله الحصينة كانت موجودة دومًا، إلا أنها قد أضحت مُغمَّاة بالأفكار الضالَّة والمُضلِّلة، لأن عوالم التفكير والفنون والتعليم عمومًا أصبحت مغلولة بقيود الخرافة والوثنية. وهذا ما أفضى إلى سُتُرٍ أُلقيت على الدين الحقيقي الذي كان الوسيلة المناسبة الوحيدة لحقيقة الله. وقد كانت الأنظمة الملكية التعسفية، التي سادت في جميع أنحاء العالم في ذلك الوقت، مسؤولة عن إدامة هذا الوضع، لأن أية حرية فكرية، وخصوصًا الحرية الدينية، كانت ستشكِّل تحديًا لسلطتها العليا. وفي ظلِّ مثل هذه الأنظمة، لا يمكن أن يكون هناك تنمية إلا على شاكلة هذه التنمية الاجتماعية التي تناسب الحكام الأفراد، ولا يمكن أن يكون هناك أي تطور علمي على الإطلاق.
ولذا، كان لابد لأنظمة الحكم التي تقوم على أساس الاضطهاد الديني من أن تسقط، وأن ينشأ جو مؤاتٍ لتحقيق الدعوة إلى الدين الحق. وقد تم تنفيذ هذا الفعل بنجاح باهر من قبل النبي وأصحابه، وحُشِدت كل الحجج دعمًا لدين الله الصحيح، بحيث جُرِّدت جميع الأديان الأخرى من تأثيرها السابق. وبطبيعة الحال، أدى إلغاء هذه الأنظمة القمعية وتحرير عقول الناس من الخرافة إلى حرية البحث العلمي، وهي العملية التي واصل الإسلام رعايتها على مرِّ القرون دون انقطاع، والتي بلغت أوجها في الإنجازات العلمية المنقطعة النظير في الزمن الحاضر.
وبدوره، وفَّر التقدم التكنولوجي، الذي تم بفضل هذه الثورة العلمية، وسائل أفضل من أجل نشر الإسلام، أي الاتصالات الحديثة. وبالاستفادة من وسائل الإعلام، بات بوسع المنخرطين في عمل الدعوة نشر كلمة الله على نحو أوسع وأسرع بكثير مما ذي قبل. ووفقًا لأحد الأحاديث، كان لابد من أن يأتي زمن تلج فيه كلمة الله كل البيوت في العالم (مسند أحمد). وقد كانت هذه نبوءة غير مباشرة لبلوغ عصرنا الحديث في الاتصالات.
في العصور القديمة، كانت تتم دراسة الدين باعتباره شأنًا مقدسًا ومسألة عقيدة جامدة (دوغما). ولهذا السبب لم تتمايز أكاديميًا الأديان المؤسَّسة وغير المؤسَّسة عن بعضها البعض. وفي العصور الحديثة، وبفضل تأثير الثورة العلمية، يمكن أن تتم دراسة الأديان بموضوعية وعلى نحو نقدي كأي مسألة أخرى تقع تحت التمحيص العلمي. وقد برهنت مثل هذه الدراسة النقدية، على نحو أكاديمي محض، أن هناك، تاريخيًا، دين وحيد موثوق فقط، ذلك هو الإسلام. فكل الأديان الأخرى تفتقر إلى هذه المصداقية التاريخية. فسابقًا، لم يكن أمام دعاة الإسلام سوى اللجوء إلى الحجج التقليدية دعمًا لإيمانهم، لكن أصبح من الممكن اليوم قياس الحقائق الإسلامية بأعلى معايير المعرفة الإنسانية ولتأسيس أصالتها عن طريق حجج منطقية محضة. وفي الآونة الأخيرة، أيَّدت العلوم نفسها الحقائق المقدسة للإسلام.
لكن، على الرغم من التطورات الحديثة، يُعتَبر زمننا مفعم بالمشاكل بالنسبة للإسلام. فالمسلمون، بافتقارهم إلى الفهم والوعي، ينسون أن العصر الحديث لم يكفَّ مطلقًا عن أن يكون عصر الإسلام. إنهم يخفقون في إدراك أن إمكانات الإسلام بقيت غير منقوصة، وأنه على المؤمنين تحويل هذه الإمكانات إلى واقع مباشر. لذا عليهم أن يأخذوا في الحسبان حقيقة أنه، في أعقاب الثورة العلمية والتي هي نفسها الحصيلة المباشرة للثورة الإسلامية، أصبح من الممكن البدء بحوار جاد ومثمر بين الإسلام وما عداه، وستكون نتيجة ذلك لصالح الإسلام بالضرورة. والآن، والحال على ما عليه، تصبح الحاجة في هذه اللحظة بالنسبة للمسلمين هي وضع حد من جانب واحد لكل النشاطات العنفية ضد الأمم المَدْعوَّة، بحيث يمكن السماح لعلاقة طبيعية ودِّية بالنمو بين الداعي والمدعو.
فرصة عظيمة
1)    نظرًا لعدم إمكانية تطبيق حجَّة مباشرة على معتقدات دينية تتعلق بالعالم اللامرئي، لا يمكن دعم هذه المعتقدات سوى بحجة لا مباشرة أو استدلالية. ولذا يتوصَّل المتعلِّمون من الناس إلى الاعتقاد أن الوقائع الدينية تنتمي إلى مجال العقيدة الجامدة فحسب، وأنها لم تكن حقائق أكاديمية أو علمية. لكن بعد انشطار الذرة، طرأ تغير على علم المنطق، وأصبح من المقبول أن الحجة الاستدلالية أيضًا، بطبيعتها، صحيحة وموثوق بها بقدر الحجة المباشرة. وفي وقت لاحق، أصبح من الممكن تأسيس الحقائق الدينية على مستوى أكاديمي، أي بالضبط على نفس مستوى النظريات المادية أو غير الدينية.
2)    في الأزمنة القديمة، عندما بدأ الإنسان في ملاحظة العالم، بدا له أنه توجد في الطبيعة أشياء مختلفة تمامًا عن بعضها البعض. وقد أنتجت هذه الملاحظة للمظهر العقلية الوثنية. وبدأ الناس بالتفكير بأنه على ضوء تنوع الأشياء الهائل في الوجود، فلابد لخالقها أيضًا من أن يتخذ بحكم الاضطرار أشكالاً عديدة ومختلفة. لكن الدراسة العلمية أظهرت أن هذا التنوع هو في المظهر فحسب. فعلى خلاف ذلك، كل الأشياء في الطبيعة هي تعبيرات مختلفة للقضية ذاتها. وبنفس الطريقة، أصبح يُنظَر إلى الشِرْك shirk (الوثنية) باعتباره ممارسة لا يمكن تبريرها فكريًا، في حين أحرز التوحيد دعمًا منطقيًا صلبًا.
3)    وفقًا لبيان القرآن، تكمن بيّنات الله مخفية في الأرض والسماوات. وقد أبدت دراسة العلم لكل الناس أن الكون هو مخزن هائل للحجج القدسية. “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق”. (53:41)
4)    بعد الاكتشافات العلمية الحديثة، آل الكثير من مثل هذه الأمور إلى المعرفة الإنسانية، كما جعلت من الممكن إثبات تلك الأحداث التي تعتبر ذات أهمية كبيرة بحجج جديدة. فعلى سبيل المثال، جعل عصر الكربون 14 من الممكن تحديد العمر الدقيق لمومياء رمسيس الثاني، وبالتالي توفر دليل علمي على بيان القرآن بأن جثة فرعون حفظها الله، بحيث يمكن أن تصبح “علامة لجميع الأجيال القادمة”. (92:10)
الإسلام في العصر الحاضر
السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الإسلام الذي يعلِّم اللاعنف ذي صلة بالعصر الحاضر، ويفترض موقعًا متفوقًا مرة أخرى في حالات جديدة.
الرد هو بالإيجاب الذي لا يقبل الجدل. فحقيقة أن الإسلام دين سلام تُظهر أنه دين أبدي. فلو كان دين عنف لما كان له أن يكون أبديًا. فبالنسبة للأزمنة الحديثة، نُبِذ طريق العنف كليًا من التفكير المعاصر. والآن، فقط النظام الذي يستحق التقدير والقبول هو الذي يقوم على السلام واللاعنف.
لقد نبذ التفكير الحديث الشيوعية، على سبيل المثال. وكان أحد الأسباب الرئيسية هو أنه كان لزامًا على الشيوعية أن تدوم عن طريق العنف. فمهما كانت الظروف، لا يمكن للعنف أن يكون مقبولاً للعقل الحديث. وعلى خلفية مماثلة، نُبذت النازية والفاشية أيضًا. فإذًا، يستهجن الإنسان الحديث التطرف الديني وغير الديني، لأنه يُؤدّي بالإنسان إلى العنف، شاء أم أبى.
لكن الإسلام دين الطبيعة، وقد كبح العنف باعتباره غير مقبول منذ البداية. فالإسلام داعم للسلام، وليس للعنف، من يومه الأول.
في الماضي، لعب الإسلام دورًا عظيمًا في تطوير الإنسانية، ونتيجة لذلك ولج التاريخ الإنساني عصرًا جديدًا من التقدم والتطور. وقد آن الأوان اليوم لكي يلعب الإسلام دورًا بناء عظيمًا، فيقود التاريخ الإنساني مرة أخرى إلى عصر جديد من التقدم.
ما يُدعى تقدمًا علميًا أو تكنولوجيًا هو محصلة لاكتشاف بعض من الأسرار العظيمة للطبيعة. لكن، إذا كانت الطبيعة وألغازها كائنة دومًا في عالمنا، فلماذا كان مثل هذا التأخر المديد في اكتشافها؟ لماذا لم يستطع التقدم العلمي في السنوات المائة المنصرمة أن ينجز عمل آلاف من السنين الماضية؟ السبب هو أن الاستقصاء العلمي كان حِرْمًا على رجال الدين في الأزمنة القديمة، إلى حدٍّ أضحى فيه الاضطهاد الديني عقبة ملازمة لتقدم العلم. فمنذ الأزمنة القديمة، كان الدين والعلم (المعرفة المقدسة والمعرفة البشرية) مرتبطة مع بعضها البعض. وما فعله الإسلام هو فصل الدين (الذي كان قد أصبح، جوهريًا، مجموعة من المعتقدات اللاعقلانية) عن عمليتي البحث والاستقصاء العلميين. فمثلاً، كان يتم ربط كسوف وخسوف الشمس والقمر مع القدر الإنساني، لكن نبي الإسلام أعلن أن هاتين الظاهرتين لا علاقة لهما بالبشر؛ بل هما حدثان فلكيان لا يربطهما رابط بمصير الجنس البشري (فتح الباري، 611/2).
إن حدث تلقيح النخيل مدوَّن في كتب الحديث. وقد لاحظ نبي الإسلام أنه في مثل هذه الشؤون الدنيوية، عليكم أن تعملوا تبعًا لخبرتكم، “فأنتم أدرى بهذه الأمور” (صحيح مسلم، شرح النووي، 117/15). وكان هذا يعني فك الارتباط بين الدين والعلم. وبهذه الطريقة، اكتسبت البحوث العلمية فضاءً من الحرية من أجل أداء وظيفتها. فللمرة الأولى في التاريخ الإنساني أمكن للعلم (المعرفة البشرية) من أن يتطور بحرية بدون تدخل من الدين. وبلغ التقدم ذروته تدريجيًا وصولاً إلى العصر الحديث.
لكن، يواجه إنسان اليوم مرة أخرى مشكلة أعظم؛ فعلى الرغم من التقدم الاستثنائي في مجال العلوم والتكنولوجيا، تواجه البشرية مشكلة عدم معرفة حدود الحرية.
يتوق الإنسان المعاصر إلى الحرية بوصفها الخير الأسمى، لكن حالما يبلغ هذا الهدف يكون غير قادر على تعيين حدود معقولة للحرية. ونتيجة لذلك، تنحدر الحرية غير المقيّدة إلى فوضى وخروج على القانون. وهذا هو السبب الفعلي للكثير من المشاكل التي تبرز في المجتمع الغربي في العصر الحديث. فالآن، يتطلَّب الإنسان إيديولوجيا تحدِّد حريته، وترسم فاصلاً بين الحرية المرغوبة والحرية غير المرغوبة؛ والإسلام فقط هو الذي بوسعه توفير مثل هذه الإيديولوجيا.
والآن، حان الوقت لتقديم هذه الإيديولوجيا للإنسان الذي هو على أهبة الاستعداد لقبولها.
بعد انهيار النظام الشيوعي (1991)، كان جزء كبير من العالم، وما يزال، يواجه خواء إيديولوجيًا. وهذا الخواء لا يمكن ملؤه إلا بالإسلام وحده. لقد أصبحت الدول المتطورة في العالم الحاضر قوى عظمى، اقتصادية أو عسكرية، لكن المكان شاغر من قوة عظمى إيديولوجية، وهي تعود إلى الإسلام بشكل كامن. لكن ثمة عقبة وحيدة فقط تقف حائلاً أمام تحويل إمكانية عظيمة إلى حقيقة واقعة تصبُّ في مصلحة الإسلام؛ وهي لجوء الحركات الإسلامية المتكرر إلى العنف في العصر الحديث. فمثل هذا العمل يقدِّم الإسلام أمام أنظار العالم بمظهر دين عنيف. ولهذا السبب، يشيح إنسان اليوم بوجهه عن الإسلام، فيخفق في دراسة الإسلام بموضوعية. فإذا أمكن إزالة هذا الحاجز، وحضر الإسلام مرة أخرى أمام العالم كدين غير عنفي، أو كنظام اجتماعي سلمي، عندها ستتقبَّله الإنسانية مرة أخرى، وتعترف به على أنه صوت طبيعتها الخاصة.
يحتاج الإنسان الحديث إلى دين جديد أو نظام جديد، قائم على السلام، ومتحرِّر من المعتقدات الخرافية، ويوفِّر الأجوبة على الأسئلة النفسية العميقة بخصوص وجودنا المتصدِّع. وينبغي ألا تتعارض مبادئه مع الحقائق العلمية، وأن يكون مدعومًا بتاريخ مظفَّر.
واليوم، ليس هناك من دين، سوى الإسلام، يُرسي مثل هذه المتطلَّبات الإيجابية، لأنه وحده الذي يفي بكل هذه الشروط. فعلى الصعيد الفردي، هناك اليوم الكثير من الرجال والنساء الذين، بعد دراستهم للإسلام، أقرّوا بهذه الخصائص الفريدة للإسلام؛ فقد اعترف بعضهم بها نظريًا، بينما مضى آخرون قُدمًا واعتنقوا الإسلام عمليًا.
نشاط الدعوة
يقوم النشاط الإسلامي على اللاعنف فيما يتعلق بنهجه، بينما يقوم على الدعوة فيما يتعلق بهدفه. والدعوة، في الواقع، هي مُسمَّى آخر للكفاح السلمي من أجل نشر الإسلام. وسيكون من الصائب القول أن النشاط الإسلامي هو في الواقع نشاط الدعوة.
إن مهمة الدعوة ليست بالبسيطة؛ فهي تَنْعم بمنزلة العامل الرئيسي. وإذا تم تنفيذ هذه المهمة بالتمام، ستُنجَز كل الأهداف الأخرى تلقائيًا. وفيما يلي بعض الإشارات من القرآن في هذا الصدد.
1)    من خلال الدعوة، يتلقّى المؤمنون حماية إلهية من أذى خصومهم.
2)    من خلال الدعوة، يتحوَّل حتى أكثر الأعداء قساوة إلى “وليّ حميم”. (34:41)
3)    تثبت الدعوة التفوق العقائدي للإسلام. وبلا ريب، لا شيء أعظم من تفوق العقيدة. (32:10)
4)    من خلال الدعوة، تنغرس عقلية إيجابية في ذهن الأمة. وهذا ما يُدعى في القرآن “honest counsel”. (68:7)
5)    يؤدي مهمة الدعوة كائنات بشرية، لكن الشروط المُرشِدة لها هي من عند الله. تمامًا كما يزرع الفلاح الأرض، بينما يهطل المطر من عند الله. وفي العصر الحديث، تتوافر الظروف المؤاتية للإنسان بالكامل. وواجب المؤمنين اليوم هو الإحجام عن تبديد طاقاتهم في أنشطة غير مجدية. فعليهم بذل جلَّ طاقاتهم في عمل الدعوة، وسوف تترتّب أفضل النتائج عن هذا الفعل.
6)    لقد غادر نبي الإسلام وقرابة مائتين من أصحابه مكة حين جعل الزعماء المكّيون معيشتهم لا تُطاق هناك. بل أنهم حتى قد قرروا قتل النبي. لكن الخطبة الأولى للنبي لدى وصوله المدينة لم تكن تحمل طعم المرارة، ولم تتضمن أية إشارة للانتقام من قريش أو استخدام العنف ضدهم.
لدى الوصول إلى المدينة، أُعطيت الأولوية إلى مهمة إبرام مواثيق سلام مع القبائل ضمن المدينة وما حولها (مع بني خزاعة، على سبيل المثال). ووفقًا لتلك المواثيق، لا يلجأ أي من الطرفين، المسلمون والقبائل، إلى القتال ضد بعضهم البعض. وقد انضمت معظم القبائل العربية إلى اتفاقيات الهدنة هذه. لكن قريش لم تكفّ عن العدوان، بل وقامت ببعض الغزوات العسكرية ضد المسلمين. لكن، أخيرًا ، في السنة السادسة للهجرة، نجح النبي في عقد معاهدة سلام مع قريش في موقع يُسمّى الحديبية، رغم أن قريش هي التي أملت جميع شروط هذه المعاهدة.
مسلمون مُستبعَدون
إنها حقيقة لا تقبل الجدل: لم يكن المسلمون قادرين على الالتحاق بالاتجاه العام للعصر الحديث. ففي كل الأماكن وكل الدوائر، كانوا يديرون شؤون حياتهم كما لو كانوا يحشرونها في زاوية. وهذه، بلا شك، معضلة حرجة للغاية، لأنها تحط من منزلة المسلمين إلى مواقع الدرجة الثانية في العالم أجمع.
ويعود السبب الأعظم لهذه المشكلة، من وجهة نظري، إلى الموقف العنفي للمسلمين. فمسلمو اليوم يُستثارون بسهولة، ويغدون عنيفين ضد كل ما يخالف طريقتهم في التفكير، أو حتى لا يلائم هواهم. وصحيح أنه ليس كل المسلمين يشاركون في أعمال العنف، ومع ذلك يُنظَر إلى جميع المسلمين على أنهم متورطون في هذه الأعمال العنفية. ويرجِع هذا إلى كون قسمًا من المسلمين – وهم الغالبية، في الواقع – من الذين لا يشاركون في أعمال العنف شخصيًا، لا يتبرؤون من أفراد طائفتهم الذين يمارسون العنف، ولا حتى يدينونهم. وفي مثل هذه الحالة، ووفقًا للشريعة الإسلامية ذاتها، إذا كان المسلمون المتورطون يتحمّلون المسؤولية المباشرة، فإن المسلمين غير المتورطين يتحملون المسؤولية بشكل غير مباشر.
إنهم الزعماء المسلمين، الدينيين والعلمانيين، المسؤولون فعليًا عن هذا النهج العنيف من جانب مسلمي اليوم. ففي العصر الحديث، حين يكون على المسلمين مكابدة تجربة هزيمة، يتّبع كل العلماء الدينيون والعلمانيون والمثقفون خطًا واحدًا تقريبًا؛ وهو إيقاظ روح الجهاد (بمعنى القتال) في أوساط المسلمين. ويردّد العالم الإسلامي بأكمله صدى هذه الشعارات، مثل “الجهاد طريقنا”، و”الجهاد هو الحل الوحيد لمشاكلنا”.
لقد شهد العالم بأكمله عددًا ضخمًا من التحركات الكبيرة والصغيرة في الرد العنيف على المشاكل التي واجهها المسلمون. فإذا ذهبت إلى فلسطين، سوف تسمع الشباب يغنّون أغنية لا بد أن يكونوا قد تعلموها ممن هم أكبر منهم سنًا: “الحرب، الحرب؛ الحرب هي السبيل إلى النصر”.
في العصر الحديث، النظرة العنفية لعلمائنا ومثقفينا وقادة حركاتنا هي السبب الوحيد لتفشّي العقلية العنفية السائدة في أوساط المسلمين في العالم أجمع. وكنتيجة لهذه العقلية، إذا نشر أيّ كان كتابًا ضد الإسلام، سيكون المسلمون مستعدون لقتل الكاتب. وإذا رُفعِت في موكب أية شعارات مناهضة للإسلام، فسيبدأ المسلمون في رجم الموكب بالحجارة بدلاً من دفن هذا الشر في مهده بالتزام الصمت الذي سيكون، كما دعا عمر الفاروق له، الاستراتيجية الأنجع في هذه الحالة. وإذا كان هناك أي خلاف مالي أو إقليمي مع أية دولة، فسوف يتنكَّب المسلمون السلاح ضدها على الفور، عوضًا عن اعتماد استراتيجية سلمية لحل الخلاف.
إن العقلية العنفية للمسلمين هي المسؤولة عن عزلهم عن مجاوريهم في كل مكان. فسلوكهم يبيِّن بوضوح أنهم لم يعودوا يَعزّون مثال الأخوة العالمية. ففي كل مكان، يُنظَر إليهم بمقت وفزع. وبوسع المرء حتى أن يلاحظ كتابات على الجدران تقول: “إحذروا المسلمين”، بدلاً من “إحذروا الكلاب”. وإن لم تكن هذه الكلمات منقوشة على الجدران، فمن المؤكد أنها منقوشة في قلوب وعقول الآخرين. وقد جعل هذا الانفصال من المسلمين مجموعة متخلِّفة في العصر الحديث. فحتى في البلدان المتقدمة مثل أمريكا، يبقى المسلمون متخلّفون كجالية بالمقارنة مع الجماعات المهاجرة الأخرى.
إن السبيل الوحيد للتخفيف من محنة المسلمين المأساوية هو إعادتهم إلى الإسلام اللاعنفي، عن طريق مساعدتهم على فهم أن نسختهم العنفية للإسلام ليست بالنسخة الحقيقية.
حالما يسلك المسلمون طريق الإسلام اللاعنفي، سيكون بمستطاعهم أن يصبحوا شركاء على قدم المساواة مع الجاليات الأخرى. وسيكونون قد انضموا إلى الاتجاه العام العالمي، وبالتالي القدرة على المشاركة في كل الأنشطة، وفي كل المؤسسات. وسيلقون ترحيبًا من الناس بدلاً من الخوف منهم. وسيصبحون جزءًا من الأخوة العالمية. وسيُنظَر إلى قضاياهم بعدالة. وستكون شراكتهم متساوية بالتأكيد في جميع المؤسسات التي تتراوح بين الاجتماعية والتربوية.
التفاعل السلمي سيمنح المسلمين نوعًا من التحفيز الثقافي والتنوع في الخبرات التي لابد من امتلاكها إن شاؤوا السير في طريق التقدم. كما سيسهِّل التفاعل مهمة الدعوة على نطاق واسع. وستكون النتيجة الطبيعية لهذا التفاعل الواسع بين المسلمين وغير المسلمين بدء حوار حول الإسلام في كل مكان، رسميًا كان أم غير رسمي. ففي العصر الحديث، وبسبب الموقف المتطرف والعنيف للمسلمين، انقطع الحوار الجدّي بين الإسلام وما عداه تقريبًا. والآن، عندما يجري تفاعل سلمي بين المسلمين وغير المسلمين في أجواء طبيعية، سينجم عنه حوار جدّي تلقائيًا. وبداية حوار جدّي بين الإسلام وغير الإسلام هو، بلا شك، نجاح باهر من وجهة نظر الدعوة.
يصف القرآن صلح الحديبية، في الفترة المبكرة من الإسلام، بـ”النصر المبين”. لقد كان “نصرًا مبينًا” بمعنى أنه أسّس سلامًا بين المؤمنين بالتوحيد وبين المؤمنين بالشرك، وبالتالي إمكان قيام حوار جدي بين الطرفين بخصوص المسائل الدينية.
إذا تخلّى المسلمون، في العصر الحديث، عن سبيل العنف وتبنّوا تمامًا سبيل اللاعنف، سيكون هذا بالنسبة إليهم بمثابة إحياء لسُنّة الحديبية، وبالتالي البدء في تلقّي تلك المنافع العظيمة التي كان قد كسبها الإسلام والمسلمون بعد صلح الحديبية.
السلام والعدل
تتمثّل إحدى المشاكل الكبرى بالنسبة للمسلمين في أن السلام لا يضمن لهم العدالة بالضرورة. وهذا ما سبّب في اندفاع المسلمين صوب العنف وإهمال فرص الدعوة. فالمسلمون يريدون سلامًا يجلب لهم العدالة. لكن وفقًا لقانون الطبيعة، لا يمكن أن يتحقق هذا النوع من السلام أبدًا، ولذا يجد المسلمون أنفسهم، في كافة أنحاء العالم، في حالة من الاضطراب الفيزيولوجي والذهني. وقد أصبحوا، لكونهم متأسّين، عنيفين في تفكيرهم وفي أعمالهم.
والحقيقة هي أن السلام لا يُنتج العدالة تلقائيًا. فالسلام، في واقع الأمر، يشرع الأبواب ببساطة أمام تحقيق العدالة. ففي زمن الحديبية، لم يكن نبي الإسلام قد بلغ العدالة؛ لقد أنجز سلامًا، لكن بفصله عن العدالة فحسب. ولم يعقد النبي هذا السلام من أجل انتزاع العدالة، بل للحصول على الفرص. وقد تفتّحت فرص عظيمة من أجل عمل الدعوة مع تأسيس السلام. واستغل النبي هذه الفرص إلى الحد الأقصى. ولذا، في غضون سنوات قليلة، لم يضمن النبي العدالة فحسب، بل وأشاد الإسلام على أسس متينة أكثر بكثير أيضًا.
يتوجب على مسلمي اليوم فهم سرّ الطبيعة هذا. وعندئذ فقط سيكون من الممكن بالنسبة لهم بلوغ السلام أولاً، ومن ثم هدفهم المنشود في العدالة في نهاية المطاف.
خاتمة
في تشرين الأول من العام 1997، التقيتُ برجل أوروبي في السادسة والثلاثين من عمره، اسمه ليون زيبو هايز، من مواليد مدينة كريستشيرش في نيوزيلندا. وبعد دراسته للإسلام غيّر دينه، وأصبح اسمه الإسلامي خليل الرحمن. وهو يؤدي فريضة الحج لدى مروره عبر البلدان الإسلامية برًّا.
قال، أثناء المحادثة، إن المسلمين في العصر الحديث منشغلون في حروب دامية في العديد من بقاع الأرض: حروب مع الآخرين في أماكن، وحروب فيما بينهم في أماكن أخرى. وقد أدى به هذا (كما هو حال الكثيرين) إلى الاستنتاج بأن الإسلام دين عنف. وفيما بعد، انكبّ على دراسة القرآن مُترجَمًا، وحين وصل إلى هذه الآية القرآنية: “من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل البشر جميعًا” (32:5)، قال أن مشاعره اُثيرت إلى حد لم يكن بوسعه تصديق أن هذا وارد في القرآن. وهذه الحادثة مؤشر بشكل واسع على تفكير غير المسلمين فيما يتعلق الإسلام. فلدى معاينة أعمال المسلمين، يجد الناس اليوم صعوبة في تصديق أن الإسلام دين سلام. لكن إن توقف المسلمون عن التورط في أنشطة عنفية ومنحوا الناس الفرصة لتقدير الإسلام حق قدره في شكله الأصلي، فمن المؤكد عندها أن يدرك عدد هائل من الناس، كما لم يكونوا قد أدركوا من قبل مطلقًا، أن الإسلام دين سلمي وسيهرعون إليه معتبرين أنه هو بالضبط الدين الذي كانت تهفو إليه أرواحهم على الدوام.
ترجمة: غياث جازي
*** *** ***

 مصدر المقالة مجلة  ثقافة الهند

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة