أحدث المشاركات

الثلاثاء، 31 مايو 2016

مكانة الهند الثقافية عند الأقوام المختلفة في العصور الماضية


الدكتور محمد أنيس الفاروقي

لا مراء في أن الهند كانت أحد مراكز الحضارة الإنسانية في القديم وحظيت بمكانة مرموقة في العالم بكونها غنية بالثقافة و زاخرة بالعلوم والمعارف المختلفة ومقنطرة بالأموال ومتوفرة بالأسباب والبضائع التجارية العالية الجودة ومزودة بالوسائل الطبعية كالأنهار الجارية والشلالات المتفجرة العذبة والينابيع المتدفقة من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها التي أغدقها الله على أراضيها الخصبة وبما أن الهنود كانوا أمة عريقة ومتقدمة في العلوم والمعارف المختلفة والفنون المتنوعة فكانت لهم مدنيات عتيقة ونيرة وحضارات قديمة ومشرقة فجذبت هذه كلها اهتمام الأقوام المختلفة بما فيها اليونانيون والفرس والعرب إليها ولفتت انتباههم للأغراض المختلفة سواء أكانت للتجارة أو الحصول على العلوم والمعارف المختلفة والاستفادة منها أو نشرالأفكارالدينية أوالمغامرة بالطبعية وكان اليونانيون والفرس والعرب من الأمم التي أقامت علاقات ثقافية وتجارية مع الهنود في سحيق الزمان بصفة مباشرة أوغير مباشرة فعلى سبيل المثال كانت العلاقات التجارية بين الهنود والعرب موجودة منذ قديم الزمان وترجع جذورها وأصولها إلى نحو ثلاثة آلاف قرون قبل الميلاد و من الممكن أن نقول إن  الوشائج التاريخية تشيرإلى أن العلاقات الثقافية جاءت إلى حيز الوجود منذ عصر بدأت فيه العلاقات التجارية لأن العلاقات التجارية بين الشعبين لم تكن مجرد نقل للسلع والبضائع بل حصل معها تبادل الأفكار والمعتقدات فهذا التبادل في الأفكار والتقارب في العقائد والتشابه في أمورالعبادة والسلوك أدى دورا مهما في توطيد العلاقات الثقافية وتمتينها على مدى العصور وهكذا تعززت العلاقات وتوثقت الروابط بين الشعوب المختلفة والهنود بمضي الوقت وتركت الثقافة الهندية انطباعات راسخة على ثقافات الأمم المختلفة بما فيها اليونانيون والفرس والعرب فنجد في المصادر التاريخية أن ثقافة الهند كانت تحظى بشعبية كبيرة بينهم وكانوا يأتون إليها للحصول على العلوم والمعارف والاستفادة منها فكتبوا عن مكانة الهند الثقافية عندهم فندرس كلها في ضوء المصادرالعربية ونلقي ضوء على مجد الهند الثقافي وعزها الحضاري في العصور الماضية.

وما من شك في أن الهنود أمة عريقة و متقدمة منذ زمن قديم فكانت لهم مدنيات عريقة ونيرة وحضارات قديمة ومشرقة ،فدونوا العلوم والفنون المختلفة في اللغة السنسكريتية كما ينورنا الجاحظ في رسالته " فخر السودان على البيضان" أن الهند اشتهرت بالحساب و علم النجوم وأسرار الطب ... و الصناعات الكثيرة العجيبة(1)."  و أيد ذلك الكاتب العربي الشهير القاضي ابن صاعد الأندلسي ( ٤٦٢ ه) في كتابه الشهير" طبقات الأم م" ووضع الهند و الهنود على رأس قائمة الأمم الراقية والشعوب المتطورة التي عنيت بالعلوم والفنون واستخراجها(2).  ولا أنسى أن أذكر أن ابن العبريكتب في تاريخه " تاريخ مختصر الدول" نقلا عن المعنيين بأخبار الأمم والباحثين عن سير الأجيال أن الهنود كانوا من الطبقات التي عنيت بالعلوم كالكلدانيين و الفرس وأضاف إليه بأن الله فضل الهنود على كثير من السمر والبيض لأنهم كانوا معدن الحكمة و منبع العدل(3).  ولا يفوتني أن أشير إلى أن الهنود نظموا الملاحم وسجلوا الأخبار و قرضوا الشعر منذ قديم الزمان لأنهم كانوا ميالين أكثر إلى الشعرمن النثر و لكن لم يحصل ولا طرأ كلها في عشية و ضحاها بل تولدت ونشأت هذه العلوم والآداب والتواريخ الخاصة بهم مع توالي القرون كما يدل على ذلك تاريخ الهنود العلمي فاستفادت الأمم القديمة من هذه العلوم الهندية و استعانت بها في تطويرعلومهم المختلفة فعلى سبيل المثال استفاد منهم اليونانيون والفرس والعرب في عصور متأخرة في مجال الطب و النجوم و العلوم الأخرى وتأثروا بأفكارهم في المجالات المختلفة والميادين المتنوعة خاصة في الطب كما كتب المؤرخ والأديب جرجي زيدان قائلا : " حتى إنه كثيرا ما كان ملوك الفرس يستعينون بأطباء الهنود كما فعل "أنوشروان" في مارستان "جنديسابور" و كما وقع للخلفاء العباسيين ف ي أوائل نهضتهم ، فإنهم يستقدمون الأطباء من الهند و يستشيرونهم في أمراضهم و قد اشتهر منهم عدة أطباء ومنهم كنكة (Kanak) وصنجهل (Sanghal)  وشناق (Chanakya)  و غيرهم و كانت لهم معرفة حسنة بالنجوم و مواقعها  وأبراجها و لها أسماء خاصة بلسانهم(4)". ولابد أن أشير إلى أن شاناق المعروف ب "كودليا" في الهند وفي الغرب بإسم "ميكافيلي الهند"- بسبب إسهاماته الكبيرة لا تنسى ولا يستهان بها- كان من أبناء الهند البارزين وفطاحلها الشهيرين قل ما يجود به الزمان الذي عاش بين ٣٥٠-٢٨٥ ق م  وكان أستاذا في جامعة تكشيلا- الكائنة الآن في باكستان- ومؤلفا قديرا ورائدا عظيما في العلوم المختلفة كالسياسة والاقتصاد والطب وغيرها فنجد ذكر مؤلفاته في المصادرالعربية القديمة ك"كتاب الفهرست" لابن النديم وكتاب "سراج الملوك" للطرطوشي وغيرها وكان من مؤلفاته الشهيرة بين الأقوام المختلفة كتاب "أرتهشاسترا" الذي كان متداولا في الهنود حتى القرن الثاني عشر الميلادي فهذا الكتاب يعالج المواضيع المختلفة كأحكام السلطة ومبادئها السياسية وأصولها الاقتصادية والاستراتجية العسكرية ويحمل في طيه دروسا حكمية لمن أراد أن يجول ويخوض في ذلك المجال ولعل ذلك  اقتبس وشنو شارما(Vishnu Sharma) مؤلف "بنج تانترا"- الذي كان أساسا لترجمة كتاب "كليلة ودمنة" من السنسكريتية إلى البهلوية أي الفارسية القديمة حسب معظم المؤرخين- في كتابه
منه عبارات بين حين وآخر ومن جانب آخر أشار الباحثون إلى أن الأطباء الهنود كانوا موجودين في أيام الإسكندر و استفاد اليونانيون منهم واعترف المعلم الأول "أرسط و" وأقر بفضلهم في الطب (5) و قديما قالوا : " إن الكتب الموجودة في المكتبات العربية عن الرياضيات و الفلك هي ليست إلا صورا عربية للكتب الرياضية التي تمت ترجمتها من اللغة السنسكريتية و الهندية إلى العربية من كتاب هندي معروف ب " سدهانت " تم نقله إلى العربية على يد إبراهيم الفزاري حوالي عام ٧٧٠ م إبان العصر العباسي." (6)
و لما انبثق نورالإسلام من الجزيرة العربية كانت الهند تعتبر أحد المراكز العلمية الأربعة ذات شهرة واسعة في العالم فكان الناس يراجعون أحدا من هذه المراكز العلمية الأربعة – وهي الإسكندرية واليونان ومدرسة جنديسابور و الهند- ليرووا عطشهم العلمي و يشبعوا نهمهم العقلي و يسدوا جوعهم الفكري.
يبدو من التاريخ أن الحضارة الهندية كانت متطورة و راقية ومرتبطة بالحضارات العالمية الموجودة في ذلك الوقت وعلاقاتها الثقافية كانت قائمة مع المراكز العلمية الكبرى و تأثيراتها الثقافية كانت تبلغ هذه المراكز و هذا لايمكن إلا أن يتحقق بينهما تبادل العلوم و تناقل الأفكار والفنون من خلا ل العلاقات الثقافية بين الهند والمراكز العلميةالأخرى فيظهر من الروايات التاريخية أن مكتبة الإسكندرية - التي كانت تعتبر و تعد إحدى المراكز العلمية القديمة في العالم- لما أنشئت بعث ملكها وفدا إلى الهند و البلدان الأخرى ليأتي بالكتب الهندية لإثراء المكتبة و إغنائها و قد أشارإليها ابن النديم صاحب "كتاب الفهرست" قائلا : "حكى إسحاق بن الراهب في تاريخه أن بطلوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك ، فحص عن كتب العلم و ولى أمرها رجلا يعرف بزميرة فجمع من ذلك على ما حكى أربعة و خمسين ألف كتاب و مائة وعشرين كتابا و قال أيها الملك ، قد بقى في الدنيا شيء كثير في السند و الهند و فارس و جرجان و الأرمان و بابل والموصل وعند الروم"(7).  و أضاف إليها القفطي قائلا بأن الملك لما سمع عن هذه الثروة العلمية الهامة المتبقية في تلك البلدان فرح كثيرا وأمر ذلك الرجل بأن يستمر حملته العلمية لإحضار الكتب من البلدان المختلفة بما فيها الهند كما تنم ألفاظ الملك عن هذا: " دم على التحصيل فلم يزل على ذلك إلى أن مات الملك." (8) وعلى هذا النحو تشهد الرواية أيضا التي نقلها ابن العبري في تاريخه بأن الملك بطلوماوس فيلادلفوس لما أفضى إليه الحكم حبب إليه العلم والعلماء فسمع " أن في السند والهند وفارس و بابل ... فنونا من الحكمة غير التي عند اليونان فتقدم إلى وزيره بالاجتهاد في جمع كتب هذه الأمم و تحصيلها و المبالغة في أثمانها و ترغيب التجار في جلبها ففعل ذلك" (9) فكانت هذه النشاطات العلمية لجلب الكتب وحشدها مستمرة بعد وفاة الملك إلى أن فتح المسلمون الإسكندرية في أيام عمر رضى الله عنه. (10)
و أما علاقة الهند الثقافية باليونان فبدأت هذه الروابط و الصلات من غزو الإسكندر على الهند. و لما أغار الإسكندر على الهند لتوسيع ملكه إلى أقصى الهند وأوائل حدود الصين ونجح فيها (11) كانت الثقافة الهندية راقية ومتطورة ولذلك عندما رأى الإسكندر "بيت الذهب" التي كانت تقع في مدينة "الملتان" و تعد مركزاهاما لعبادة الهنود ، تحير فيها وعبرعواطفه عن هذا البيت في كلمات حسنة في الرسالة التي كتبها إلى معلمه أرسطو. (12)
ومن الحقيقة أن صيت الهند الثقافي كان واحدا من البواعث والحوافز التي أثارالإسكندرعلى أن يغزو الهند و ذلك من الممكن لأنه كان مغرما بالفلسفة ومولعا بالعلوم والفنون ولذا لما وصل الإسكندر إلى الهند أشاد الحكماء الهنود بنشاطاته العلمية و تعظيمه أهل الرأي والعقل و تبجيلهم و التمسوا منه أن يرسل إليهم حكيما للمناقشة و المناظرة العلمية فأرسل إليهم حكيما و حصلت المناظرة و المناقشة العلمية بينه م كما أشار إليها الشهرستاني قائلا : " مناظرتهم مذكورة في كتب "أرسطوطاليس". (13) و كذلك يبدو من النصوص العربية أن الأطباء الهنود تواجدوا في اليونان وأحرزوا  شهرة عظيمة و كسبوا صيتا واسعا في أيام الإسكندر حتى أشار بعض الباحثين إلى أن الفلسفي اليوناني المعروف ب " المعلم الأو ل" أرسطو اعترف بفضل الهنود و خدماتهم في الطب كما جاء في كتاب "المدخل إلى تاريخ الحضارة العربية و الإسلامية" : " و قد أشار بعض الباحثين إلى أن الأطباء الهنود كان لهم شهرة عظيمة في أيام الإسكندر، و إن أرسطو نفسه مدين لهم في علم الطب." (14)
ولما رجع الإسكندر إلى بلده بعد مهمته في الهند كتب إليه ملك هندي اسمه "كند" رسالة و التمس منه فيها أن يبعث جماعة من الحكماء اليونانيين والروميين إلى الهند فقبل الإسكندر طلب الملك الهندي و بعث جماعة من الحكماء اليونانيين والروميين إلى الهند لمعرفة صدق كل ما كتب الملك الهندي فيها و لما وفدت هذه الجماعة من الحكماء و حضرت في بلاط الملك الهندي تلقاهم بأحسن لقاء و أنزلهم أحسن منزل و أكرمهم أحسن إكرام فحصلت بينهم مناظرات و مناقشات علمية كما أشار إليها المسعودي في الكلمات التالية :" فلما أخذت الحكماء مراتبها ، و استقرت بها مجالسها ، أقبل عليهم مباحثا لهم في أصول الفلسفة والكلام وما فوقها من الإلاهيات ، و على شماله جماعة من حكمائه و فلاسفته ، فطال الخطب في المبدأ الأول و تشاح القوم و نظروا في موضوعات العلماء و ترتيبات الحكماء على غير مراء و تناهى بهم الكلام إلى غاية كان إليها ص دورهم من العلويات(المعلومات)." (15)
و يبدو من بعض الروايات أن الحكماء الهنود كانوا موجودين في اليونان وكانوا محتلين ومتمتعين بمناصب مرموقة عند الإسكندر فلما توفي الإسكندر في اليونان عبروا عن تعازيهم فيه كما كتب المؤرخ الشهير المسعودي بهذا الصدد : " فلما مات الإسكندر طافت به الحكماء ممن كان معه من اليونانيين والفرس والهند وغيرهم من علماء الأمم وكان يجمعهم و يستريح إلى كلامهم و لا يصدر الأمور إلا عن رأيهم." (16) ومن الممكن أن هؤلاء الحكماء الهنود ذهبوا مع الإسكندر إلى اليونان عند عودته من الهند إلى بلده العزيز فعلاقة الحكماء الهنود بالإسكندر لعبت دورا هاما في تعزيز العلاقات الثقافية وتمتينها وترسيخها بين الهنود و اليونانيين في عصور متأخرة.
أما العلاقة الثقافية بين الهند وإيران فهي تتواجد منذ زمن قديم و تفيدنا الروايات التاريخية بأن الفرس كانوا يزورون الهند أيضا للاست فادة العلمية وأخذ الكتب الهندية ونيلها في العلوم المختلفة كما يتضح من الرواية التي ذكرها ابن النديم في كتابه " الفهرست " قائلا : " تبقت أشياء (من الثروة العلمية) بناحية الهند ، و الصين ، كان ملوك فارس نسختها على عهد نبيهم زرداشت و جاماسب العالم و أحرزتها هناك لما كان نبيهم زرداشت و جاماسب حذراهم من فعلة الإسكندر و غلبته على بلادهم و إهلاكه ما قدر عليه من كتبهم وعلمهم و تحويله إياه عنهم إلى بلاده فدرس عند ذلك العلم بالعراق و تمزق واختلفت العلماء و قلت ، و صار الناس أصحاب عصبية و فرقة و لكل طائفة منهم ملك .... إلى أن ملك أردشير بن بابك من نسل ساسان فألف مختلفهم و جمع متفرقهم وقهر عدوهم واستولى على بلادهم و اجتمع له أمرهم وأذهب عصبيتهم واستقام له ملكهم فبعث إلى بلاد الهند و الصين في الكتب التي كانت قبلهم ، و إلى الروم و نسخ ما كان سقط إليهم و تتبع بقايا يسيرة بالعراق فجمع منها ما كان متفرقا و ألف منها ما كان متباينا و فعل ذلك من بعده ابنه سابور حتى نسخت تلك الكتب كلها بالفارسية" و بعد ذلك كتب ابن النديم أن قيدروس اليوناني وبطليموس الإسكندراني و فرماسب الهندي " شرحوها و علموها الناس على مثل ما كانوا أخذوا من جميع الكتب التي كان أصلها من بابل ... و عمل بها من بعدهما كسرى أنوشروان لنيته كانت في العلم ومحبته." (17) و يبدو من بعض الروايات التاريخية أن كسرى اعترف بفضل الهنود وأسبقيتهم في الحكمة والطب و الحساب وغيرها من المجالات و من المناسب هنا أن نذكر الحديث الذي جرى بين نعمان وكسرى وكان وفود الروم و الهند والصين موجودين في ذلك المكان فذكر كل ممثل من الوفود ملوكه وشعبه و أبرز خصائصهم وسماتهم و وصف بلادهم و أوضح محاسنها فلما جاء دورنعمان افتخر بالعرب واعتز بهم وفضلهم على جميع الأمم وآثرهم على الآخرين حتى لم يستثن فارس وغيرها فقال كسرى في الرد عليه – أخذته عزة الملك- " يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم فوجدت الروم لها حظ في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها و كثرة مدائنها و وثيق بنيانها.... و رأيت الهند نحو من ذلك في حكمتها و طبها مع كثرة أنهار بلادها و ثمارها و عجيب صناعاتها و طيب أشجارها و دقيق حسابها وكثرة عددها." (18)
و يتجلى  من  الاقتباس المذكورأن العلوم الهندية كانت معروفة و مشهورة لدى الفرس و أنهم استفادوا من الثروة العلمية الهندية خاصة في المجال الطبي فكتب جرجي زيدان أيضا مشيرا إلى هذه الحقيقة كما يلي :
" حتى أنه كثيرا ما كان ملوك الفرس يستعينون بأطباء الهند". (19)
   و أما مدرسة جنديسابور حيث كانت تدرس الثقافة الهندية مع الثقافات الأخرى فأنشأها شاه بور الأول ( ٢٤١-٢٧١ بمدينة جنديسابور و ذاع    صيتها و طبقت سمعتها في الآفاق كمركز علمي و أصبحت منبعا للثقافة اليونانية فيما بعد و أعاد كسرى أنوشروان إعمارها و بناءها في عهده و قام بتأسيس مدرسة الطب التي كسبت شهرة في العالم و كانت تدرس فيها العلوم اليونانية و ظلت المدرسة قائمة حتى العصر العباسي و قد فتحها المسلمون فيما فتحوا من بلاد الفرس. (20) و في زمنه أيضا أتى الطبيب الفارسي المحنك "برزويه" إلى الهند وكان معه جماعة من الحكماء اليونانيين للحصول على الخزائن العلمية الهندية فتفيدنا كتب التاريخ بالصراحة بأن "بروزويه" رجع إلى إيران بعد تطوافه و تجواله الهند وهو يحمل كتابا هنديا شهيرا بإسم"كليلة و دمنة"، و بعد هذه الزيارة الهندية يظهر من الت اريخ أن العلاقات والروابط توسعت و تعززت بين البلدين و بدأ أطباء الهند يتجهون إلى مدرسة جنديسابور فتأثر اليونانيون بالطب الهندي و أفكار الأطباء الهنود بصفة كبيرة و لذلك يمكن لنا القول إن الأطباء الهنود كانوا موجودين في مدرسة جنديسابور في عدد ملحوظ وكان الطب الهندي يدرس فيها عند فجر الإسلام و انبثاقه في الجزيرة العربية (21) فكتب القفطي بهذا الصدد : " جماعة يفضلون علاجهم وطريقتهم على اليونانيين و الهندلأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم فرتبوا لهم دساتير و قوانين و كتبا جمعوا فيها كل حسنة ". (22) و كذلك كتب الكاتب المصري الشهير أحمد أمين يلقي الضوء على علاقات مدرسة جنديسابور الثقافية الوطيدة بالهند : " و قد كانت تدرس في مدرسة جنديسابور الثقافة الهندية بجانب الثقافة اليونانية و كان يشترك بعض الهنود في الدرس باللغة الفهلوية." (23)
يتبين من الاقتباسات المذكورة أعلاها أن الحضارة الهندية كانت مرتبطة بالحضارات العالمية القديمة و وصلت تأثيراتها الثقافية إلى المراكز العلمية الكبرى عند نبوغ الإسلام وظهوره في الجزيرة العربية وكانت الثقافة الهندية تحمل أهمية قصوى لدى أمم مختلفة فاستفاد اليونانيون والإيرانيون وغيرهما من الأمم من الكتب الهندية في العلوم المختلفة واستعانوا بها في تطوير علومهم المختلفة سواء أكان في مجال الطب أو النجوم أو الفلسفة حتى استقلت تلك العلوم بإسمهم و عندما تمكن العرب من أن يستفيدوا من تلك العلوم الإيرانية واليونانية عرفوا أنها علوم تمتلكهاهذه الأمم و لو أن الحقيقة كانت بالعكس. (24)
و لا شك في أن العلاقات بين الهند والعرب وجدت منذ نحو ألفي عام قبل الميلاد ولكن هذه العلاقات كانت محدودة ومقتصرة على العلاقات التجارية بين الشعبين في العهد الجاهلي إلى حد كبير و لذلك نرى أن عددا كبيرا من الكلمات الهندية الأصل تسللت و تسربت إلى اللغة العربية بسبب هذه العلاقات التجارية في ذلك العهد ولكن العرب لم يدفعوا اهتمامهم إلى الاستفادة من العلوم الهندية و لم يحاولوا أن يحولوا هذه العلاقات إلى علاقات علمية و قد يكون السبب في ذلك الجهل والأمية التي كانت شائعة و سائدة في المجتمع العربي خاصة في الأقطار البدوية و لم تكن الحالة الثقافية جيدة بينهم مثلا قبيلة قريش التي كانت تعتبر بين القبائل أكثر تمدنا وتحضرا وتثقفا ، لا يوجد فيها أكثر من سبعة عشر شخصا يعرفون الكتابة. (25)
 ففي هذه الأوضاع الحالكة الظلام من ناحية الثقافة ظهر الإسلام و بزغ نوره في الجزيرة العربية كشعاع من نور الأمل ودعا المسلمون العرب إلى حياض العلم و حثهم على تحصيله وتعميمه أيا كان مصدره تحت شعار" الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها" وخذ ما صفا ودع ما كدر" فمع انتشار الإسلام في البلدان المجاورة للجزيرة العربية احتك المسلمون العرب بالأمم الأخرى ذات المدنيات العتيقة والنيرة والحضارات القديمة والمشرقة بشكل مباشر بمن فيهم الهنود و اطلعواعلى ما عندهم من علوم وثقافات جديدة لم تكن عندهم فدفعوا اهتمامهم إلى هذا الجانب و صرفوا عنايتهم إلى أن يحسنوا الاستفادة منها و رغبوا في أن يوسعوا آفاقهم العلمية ويشحذوا مداركهم الفكرية بهذه العلوم والثقافات فهذه الرغبة لتوسيع آفاقهم العلمية وتصقيل مداركهم الفكرية لعبت دورا بارزا في إذكاء الجذوة و إشعالها لنقل العلوم و في إيقاظ عقولهم و استنهاض هممهم و قلب نظام تفكيرهم وإعدادهم لقبول اللقاح الجديد والتماس كتبهم من الأمم المتمدنة والشعوب المتحضرة في الميادين المتنوعة و المجالات المختلفة فلذا نرى ما كاد ينقضي عهد الفتوحات الإسلامية الأولى حتى قام العرب المسلمون يتلقفون من تراث الحضارات من يونانية وفارسية وهندية وأخذوا يستمرءون ويستوعبون من علوم وفنون وآداب بنهم وشوق. و مع كل هذا ، اشتغال العرب بالتجارة مع الهند عن طريق البحر وكثرة أسفارهم إلى بلاد السند والهند ومخالطتهم بالهنود ساعد العرب وضافرهم أن يتعرفوا على العلوم الهندية إما مباشرة أو بواسطة الترجمة فبدأ نقل العلوم الهندية إلى العربية في عهد المنصور في العصر العباسي و استمر في العهود القادمة فهذه العلوم المنقولة إلى العربية أدت دورا هاما و تركت آثارا بالغة و بصمات راسخة في أذهان العرب فاستعانوا بها في تطوير علومهم المختلفة وتثقيف عقولهم وشحذ أذهانهم و تنمية مداركهم الفكرية في المجال العلمي حتى يتمكنوا بها من أن يبلغوا شأوا بعيدا في تلك العلوم فأضافوا إليها إضافات هامة وابتكروا فيها ابتكارا عظيما حتى استقلت تلك العلوم في العصورالمتأخرة وعرفت علوما ابتدعها العرب وقد اعترف الكتاب العرب بهذه الحقيقة و أوضحوا دورهم عن المحافظة على العلوم الهندية و صونها من الإبادة والخمود والنفاد و أبانوا مساهماتهم في تطوير العلوم الهندية و رقيها و ترويجها كما جاء في كتاب " المدخل إلى تاريخ الحضارة العربية و الإسلامية " : " وهكذا قام العرب بالاستفادة من الحضارات المختلفة و منها الحضارة الهندية التي ترجموا عنها علوما مختلفة فأنقذوها من التلف والضياع و نقوها من الشوائب و أصلحوا فاسدها و لم يقتصر دورهم على الترجمة و الاستفادة فقط بل رقوا تلك العلوم التي اقتبسوها و طوروها وأوجدوا طرقا جديدة لقهم الطبيعة والعلم و الإنسان فأسدوا بذلك خدمة جليلة للعقل البشري و التراث العلمي و الحضارة الإنسانية الدائبة في تقدمها(26)." 
فقصارى القول نقل المسلمون والعرب في العصر العباسي معظم ما كان شائعا و فاشيا من العلوم كالطب والفلك و النجوم والرياضيات والأدبيات وغيرها من اللغة الهندية إلى العربية فأخذوا عن الهنود أحسن ما لديهم من علوم و آداب و في الوقت نفسه ، نقلوا من اليونانية والفارسية والسريانية أيضا ولم يتركوا لسانا من ألسنة الأمم المتمدنة إذ ذاك إلا نقلوا منها شيئا و في هذا الصدد كان شعارهم " الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها التقطها" وهكذا حافظوا على علوم الهنود واليونايين و الف رس وغيرهم من الأمم و أبلغوها إلى المجد والكمال بجهودهم المضنية المستمرة و محاولاتهم المتفانية المتوالية. وهذه العلوم الهندية المنقولة إلى العربية تركت آثارا بالغة على أذهان العرب وأفكارهم و لعبت دورا هاما في تطويرعلومهم المختلفة.
و في الختام اقتباس اليونانيين والفرس والعرب من العلوم والمعارف الهندية المختلفة ونقلها إلى لغتهم في زمنهم إن دل على شيئ فإنما يدل على أن الثقافية الهندية كانت راقية ومتطورة ومرتبطة بالثقافات العالمية الأخرى ولعبت دورا مهما في ترقية تلك الثقافات وتطويرها من ناحية أو ناحية أخرى كما تدل العلاقات الثقافية للهند منهم فلا يستطيع أحد أن ينكر هذا الفضل الذي أحرزته الثقافة الهندية في العصور الماضية.__

المراجع والمصادر

________________________________________________________________
1 - مجموعة رسائل : الرسالة الرابعة : فخر السودان على البيضان للجاحظ ، (الطبعة الأولى ، سنة ١٣٢٤ ه) ،
ص ٧٣
2- -طبقات الأمم للقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي ، تحقيق : الأب لويس شيخو اليسوعي ،
(سنة ١٩١٢ م) ، ص 11
3- تاريخ مختصر الدول ، لابن العبري ، (سنة الطبع غيرمذكورة) ، ص ٣
4- تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ، و راجعه و علق عليه الدكتور حسين مؤنس ، (سنة ١٩٦٩ م) ، ج ٣ ص ١٥١-.١٥٢
5- المدخل إلى تاريخ الحضارة العربية والإسلامية ألفه الدكتور شحادة الناطور ، و الدكتور أحمد عودات ، والدكتور جميل بيضون، ، (الطبعة الأولى ، سنة ١٩٨٩ م) ، ص 84
6- ثقافة الهند، الصادرة من دلهي الجديدة ،المجلد 59 ، العدد ،1-2 (سنة 2008م) ص 304-305
7- كتاب الفهرست لابن النديم ، (سنة الطبع غيرمذكورة) ، ص ٢٤١
8- إخبار العلماء لأخبار الحكماء لجمال الدين القفطي ، (سنة ١٣٢٦ ه) ، ص ٢٣٣
9-تاريخ مختصر الدول لابن العبري ،(سنة الطبع غيرمذكورة) ، ص ٤١-٤٢
10-إخبار العلماء لأخبار الحكماء لجمال الدين القفطي ، (سنة ١٣٢٦ ه) ، ص ٢٣٣
11-تاريخ مختصر الدول لابن العبري ، (سنة الطبع غيرمذكورة) ، ص 40
12- التنبيه و الإشراف لأبي الحسن علي بن الحسين المعروف ب"المسعودي"، (سنة ١٨٩٣ م) ، ص ٢٠١
13- الملل و النحل لعبد الكريم الشهرستاني ، تخريج : محمد بن فتح الله بدران (الطبعة الثانية ،سنة ١٣٦٧ ه) ، ج
٢ ، ص ٢٧٢
14-المدخل إلى تاريخ الحضارة العربية والإسلامية ألفه الدكتور شحادة الناطور ، و الدكتور أحمد عودات ، والدكتور جميل بيضون، (الطبعة الأولى ، سنة ١٩٨٩ م) ، ص ٨٤
15- مروج الذهب و معادن الجوهر لأبي الحسن علي بن الحسين المعروف ب"المسعودي"، ا(لطبعة الخامسة ، سنة ٣٢٦ - ١٩٨٣ م) ، ج ١ ، ص٣٢٦
16-نفس المصدر و نفس المجلد ا ، ص  ٣٢
17- كتاب الفهرست لابن النديم ، (سنة الطبع غيرمذكورة) ، ص ٢٤٠-٢٤١
18 تاريخ دول العرب والإسلام لمحمد طلعت حرب ، (سنة الطبع غيرمذكورة) ، ج ١ ، ص ١٠٠- ١٠١
19- تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ، و راجعه و علق عليه الدكتور حسين مؤنس ، (سنة ١٩٦٩ م) ، ج ٣
١٥٢ - ، ص ١٥٢
20-  ضحى الإسلام لأحمد أمين ، (الطبعة السابعة ، سنة ١٩٣٥ م) ، ج ١ ، ص ٢٥٥
21- تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ، و راجعه و علق عليه الدكتور حسين مؤنس ، (سنة ١٩٦٩ م) ، ج ٣ ، ص ١٥٢
22- أخبار العلماء بأخيار الحكماء لجمال الدين القفطي ، (سنة ١٣٢٦ ه) ، ص ٩٣
23- ضحى الإسلام لأحمد أمين ، (الطبعة السابعة ، سنة ١٩٣٥ م) ، ج ١، ص ٢٥٦
24- عربي علوم كى هندي مصادر لسيد محمود حسن قيصر أمروهوي ، (سنة ١٩٩٩ م) ، ص ٢٠
25- فجر الإسلام لأحمد أمين ، (الطبعة العاشرة ، سنة ١٩٦٩ م) ، ص ١٤٠-١٤١
26- المدخل إلى تاريخ الحضارة العربية والإسلامية ألفه الدكتور شحادة الناطور ، و الدكتور أحمد عودات ، والدكتور جميل بيضون ، (الطبعة الأولى ، سنة ١٩٨٩ م) ص85

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة