أحدث المشاركات

السبت، 9 أبريل 2016

التمزق والاختلاف في الأمة الإسلامية: دراسة تحليلية عطـــاء الـرحمن الندوي

 

التمزق والاختلاف في الأمة الإسلامية: دراسة تحليلية



عطـــاء الـرحمن الندوي  :الأستاذ المشارك باللغة العربية  الجامعة الإسلامية العالمية شيتاغونغ، بنغلاديش
خىلاصة البحث:
  إذا أمعنا النظر في اختلاف الأمة الإسلامية وتشتيت وحدتها ونتائج المأسات وتفتيش حلها وتوطيد العلاقات بينها وبين فرقها وأحزابها يجب علينا أن نلفت الأنظار إلى الأهمية التي اهتم بها الإسلام بشأن وحدة الأمة، فقد جاء الإسلام برسالة الوحدة إلى العالم حيث كانت الشعوب والأمم غارقة في النزاعات والخلافات وفي الفوضى والاضطرابات الطائفية والاشتبكات القبلية،

وكانت في الحياة الجاهلية خنادق كبيرة وعميقة، وما كانت فيها ثلمة واحدة بل كانت ثلم كثيرة وخنادق واسعة وفجوات عديدة وخلجان هائلة بين شعب وشعب، وبين قوم وقوم وبين قبيلة وقبيلة وبين عشيرة وعشيرة، دون الفجوات التي كانت حائلة بين الإيمان والكفر، وبين العقائد والعبادات، وبين الصدق والكذب، وبين الأمانة والخيانة، وبين إيفاء المكيال ونقص الميزان، وبين حلف بالزور وغصب حقوق الآخرين وبين أكل أموال اليتامى ورفض حقوق الأرامل، وصور التاريخ ذلك المنظر الذي كان عاما في المجتمع البشري قبل الإسلام فيقول شاعر عربي عن الحياة الجاهلية في البيت التالي الذي يكفي لإدراك الحياة البشرية والبيئة الاجتماعية الإنسانية آنذاك:                                    
        وأحـيانا عـلى بكر أخينا * إذا لم نجـــد إلا أخــانــا (1)

وما أصدق هذا الشعر الجاهلي حين يصف حال الحياة الجاهلية في الغزو والحرب، والكر والفر، وعشقها للقتال بين الناس، ولو كانت الغزوة ضد الأخ الشقيق، ومن الأسف الشديد إن هذه الصورة العدوانية ظهرت بأبشع صورة في ديار المسلمين اليوم، فتقسمت فيها الأمة الإسلامية وتفسخت إلى شيع وأحزاب وفيئات متناحرة حتى أصبح الأخ الشقيق أشد على أخيه من العدو، منذ أن اجتمع تحت ظل راية الديموقراطي باسم الحرية والاستقلال، ولما نشأت الأحزاب السياسية بدأت الحرب بين أبناء الجلدة الواحدة في العصر الحاضر على الصعيد الدولي، مع أن الله تبارك وتعالى أخرج الناس من تلك الحروب المدمرة إلى سعادة الحياة، فضرب الله سبحانه وتعالى لنا الأمثال بالأمم من قبل الإسلام، وبين هلاكهم بسبب اختلافهم وتفرقهم، وحذرنا من الوقوع في شبكة التمزق والتفرق، فقيول:{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} (سورة آل عمران، الآية: 103)
فكيف أصبح حبيب الأمس عدو اليوم ؟ لا بد للأسرار أن تنكشف يوما ما، مع أننا نرى أن العدو أحيانا يجلس ويتفرج على الحرب التي تجري بين دولة ودولة وهو في أمان ومطمئن، لأن الحرب ثارت الآن بين أبناء البلد الواحد والأمة الواحدة بكل قوة، وإن التاريخ القديم وصفحاته مليئة وزاخرة بمثل هذه الأمثلة القبيحة، منها ثارت الحرب في الشام بين المناذرة الذين كانوا يتبعون الإمراطورية الرومانية والغساسنة يتبعون الفرس، واستمر الحرب بينهم سنوات طويلة وكانت الروم والفرس في راحة واطمئنان. وفي هذا الصدد إننا وجدنا في هذا البحث العلمي النقط التالية:
·       إن الإسلام يؤكد الأمة الإسلامية على الوحدة ويحذرها من التفرق والتمزق كما قال سبحانه وتعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}
·       ونهي الإسلام  عن الخلافات والنزاعات لأنها لا تزيد إلا فشلا.
·       أهمية الوحدة أكثر وأعمق لدي الإسلام من الأديان الأخرى والحضارات الغربية والثقافات القومية.
·       إن التفرق ضياع وفشل كما أشار القرآن {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}
المدخل إلى الموضوع:
الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، والصَّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين، وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى تابعيهم بإحسانٍ ومَن سار على نهجِهم واقْتفَى آثارَهم  إلى يومِ الدِّين. وبعد ! اجتماع كلمة الأمة الإسلامية ووحدتها من التمزق والتفرق والخلاف والعداوة أمر حتمي، كما حثها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وقد عُني القرآن به، وهو نهج رباني دعاها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إلى السير عليه وأمرها بالتمسك به في أحاديثه النبوية الشريفة، ولأجل ذلك لما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج حين يُعرف في وجهه الغضب، فقال: (إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب) (2) حيث كانت الأمة مضرب المثل في الاجتماع والاتفاق، والمودة والرحمة، والمحبة والرأفة، واللطف والعطف، والرفق والشفق، وسجل لنا التاريخ صورتها النقية والصفية، والواضحة واللائحة عن المؤاخاة والعلاقات، والمساواة والمواساة التي يراها العالم بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج وغيرهم من القبائل، وفي هذه الظروف جاء الإسلام وأمر الناس بالاعتصام بحبل الله المتين حيث قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} (سورة آل عمران، الآية: 103) "وإذا كانت سنة الخالق سبحانه وتعالى في الأمم من قبلنا أنهم لما تخلوا عن حبل الله المتين وخالفوا أمره شتت شملهم وضرب قلوب بعضهم ببعض وأذاق بعضهم بأس بعض؛ فسنته تعالى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كسنـته في غيرها من الأمم، لا فرق بينها وبين تلك الأمم؛ فإن اعتصمت بحبله والتزمت نهجه جمع شتاتها، ووقاها الفرقة والعداوة والاختلاف، وإن زاغت عن منهجه إلى مناهج أخرى شتت الله شملها وألقى بينها العداوة والبغضاء حتى تعود إلى منهج الله تعالى" (3) ومما لا شك فيه أن هذه الآية تدل على أن الله أمر المسلمين بالوحدة في جميع الأوقات والأحيان من المناسبات الأسرية والاجتماعية كلها في العسر واليسر وفي الشدة والرخاء، وهناك سبب هام لهذا الأمر الإلهي وهو لا تتحقق أهداف الإسلام والشريعة بأداء العبادات الشخصية في البرامج اليومية دون الوحدة فقط، بل الإسلام يريد أن يخرج العالم من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، وينقذه من الوقوع في شبكة الشياطين المنتشرة من المشارق إلى المغارب ويذهب به إلى رحاب الله الذي لا يخلو من الأمن والسلام والراحة والطمأنينة، وينفذ الشريعة الربانية محل القوانين الوضعية باستئصال جذور الأفكار الهدامة كلها ويذهب بالناس إلى طاعة الله، ولتحقيق هذه الأهداف القيمة يجب على المسلمين قاطبة أن يستظلوا تحت ظل الإسلام، حتى تنطبق عليهم هذه الآية القرآنية بكامل معانيها{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(البقرة، الآية: 208) ثم يخوضون في الثورة النارية ضد المؤامرات الشيطانية بالجياشة الإيمانية، وبدون السعي الكامل في ضوء رسالة الإسلام الخالدة لا تكون الأمة واحدة ولا تستطيع أن تخرج الأمة من شبكة الشياطين ومن مؤامرة أعداء الإسلام قط، وهذا السعي أمر لازم وحتمي لكل مسلم في عصر العولمة، فليس لأحد أن يتخلف منه مهما تكون الظروف والأوضاع وأينما يكون، وما هذا إلا جهاد ضد الطاغوت، ويجدر بالذكر أن الأمة الإسلامية عاهدت الله من أول يومها أنها تبذل قصارى جهودها لإعلاء كلمة الله في الأرض كائنا ما كان، وعيش الحياة تحت راية الوحدة بحمل رسالة القرآن التي ما حملتها السماوات والأرض بل حملها الإنسان على كاهله، فيقول القرآن:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (سورة الأحزاب، الأية:72)
طريق الوحدة مفروش بالأشواق ومملوء بالصعوبات:
وقد صور الأستاذ الغامدي حيلة الشيطان بأروع عبارة فقال:"وإذا كان هذا الأمر مما يرضي المؤمنين ويفرح المتقين؛ فقد أغاظ أعداء الله وأولياء الشيطان وعلى رأسهم زعيمهم وقائدهم إبليس لذا فقد جد إبليس لعنه الله في إحداث الفرقة والاختلاف بين المسلمين، وظفر في ذلك بما لم يظفر به في غيره، ودخل عليهم من كل باب، وأغراهم بكل سبل الإغراء، فإن رأى أن باب الدنيا أيسر له في التفريق بين قوم منهم دخل من باب الدنيا بالمال، والجاه، والمنصب، والقبيلة والعشيرة والأرض.. والنساء، وإن رأى أن باب التدين والعبادة والعلم أيسر له في التفريق بين آخرين، دخل عليهم من هذا الباب، فأغرى بعضهم في الاجتهاد، وأغرى الآخرين بالتقليد، وأغرى هؤلاء بالتشديد، وأغرى غيرهم بالتيسير.. وأغرى قوماً بالقياس وحثهم على المبالغة فيه، كما أغرى آخرين بالابتعاد عنه وذمه وعدم الاعتبار به؛ لأنه من أهم أسباب معصية إبليس وخروجه عن طاعة الله، وأغرى قوماً بالمبالغة بالتكفير، فكل من ارتكب كبيرة يجب أن يحكم عليه بالكفر، ولو أتى بما أتى من أحكام الإسلام الأخرى. كما أغرى آخرين بالبعد عن تكفير الناس ما داموا على معرفة بالله تعالى ولو لم يستجيبوا لأي أمر من أوامره، أو لم ينتهوا عن أي شيء نهاهم الله عنه" (4)
ومن هنا فإن الأمة تعرف حق المعرقة بأن طريق الوحدة مفروش بالأشواك ومملوء بالصعوبات والشدائد ومحيطة بشبكة المؤامرات، ولذلك يجب عليها أن تواجه هذه المعوقات بوجه طلق لأجل الإسلام، ولا تخاف في الله لومة لائم، وحينئذ تتحد صفوفها في جميع الأمور الفردية والجماعية وفي كل أمر من الأمور وفي كل مجال من مجالات الحياة، وإن الوحدة سيف لا تساويه سيوف أخرى، وأسلحة لا تساويها أسلحة مهما كانت متينة وقوية، وإن التاريخ يشهد لنا بأن المسلمين لعبوا دورا بارزا بحمل رسالة الوحدة وفتحوا بابا جديدا في الحياة البشرية، وهزموا القوى الخطيرة، وخرجوا إلى حيز الظهور كالأبطال والبواسل في العالم، وهذا ما حدث إلا بسبب وحدة الأمة، حتى دخلت أهمية رسالتها إلى أعماق غير المسلمين، فبدأت ترفرف راية الإسلام العظيم في آفاق العالم الغربي كذلك، إقرؤوا معي أيها القرآء هذا الاقتباس التالي ثم تدركون الحقيقة، يقول الأستاذ أنور الجندي" لم يتوقف الإسلام من الانتشار منذ بزوع فجره، وبلغ عدد الذين اعنتقوه اليوم ألف مليون على أقل التقديرات، منها 900 مليون مسلم دخلوه بالاقتناع والإيمان وبقوة الإسلام الذاتية وبفضل مبادئه التي تحمل التوحيد والحرية والكرامة، وقد وجد الإسلام من الملونين والمستعبدين قبولا وحررهم من كل عوامل الظلم والعبودية، وما زال الإسلام يقتحم آفاق العالم ويصل إلى كل ركن، وفي مؤتمر لندن (مايو 1976) أعلن أن عدد المسلمين في أوربا يبلغ حاليا 25 مليونا و307 ألف نسمة تقريبا، وأن عدد المسلمين بالدول الأوربية غير الشيوعية يبلغ نحو ثلاثة ملايين و930 ألف نسمة أي بنسبة 1،75 في المائة من عدد السكان، أما عدد المسلمين بالدول الأوربية الشيوعية فيقدر بنحو 19 مليونا و277 ألف نسمة أي بنسبة 18% من مجموع السكان، ولا يدخل في هذا العدد مسلمو الجمهوريات الآسيوية التابعة للاتحاد السوفيتي. وهكذا نجد أن الإسلام الذي لفظته أوربا من الأندلس ومن البلقان يعود سلما ويصل إلى كل مكان، ليس في أوربا وحدها ولكن في الغرب كله، وفي أمريكا لا يطلع الصبح يوما إلا على مسلم جديد، وقد سقطت تلك القاعدة البالية التي كانت تقول في الغرب: إن على المسلمين أن ينتهوا من أوربا بالهجرة أو بالتنصير من ناحية الأندلس أو ناحية البلقان" (5) وهذا التوجيه كان قبل 30 عاما، فنستطيع أن نقدر تغيير المجتمع الأوربي ودخول الناس في الإسلام على الصعيد الدولي في ضوء التقديرات المذكورة، ومع هذه الآمال والرجاء غيرت حياتنا الفردية والاجتماعية، وبدأنا نعيش تاركين رسالة الوحدة كأنما خلقنا لغيرها، وقد صور العلامة أبو الحسن على الحسني الندوي صورة صادقة لحياة الأمة الراهنة فقال: "ضاعت رسالة الأنبياء، والأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية في العالم المتمدن المعمور بين غني مطغ وفقر منس، وأصبح الغني في شغل عن الدين والاهتمام بالآخرة والتفكير في الموت وما بعده ونعيمه وترفه، وأصبح الفلاح أو العامل في شغل عن الدين كذلك لهمومه وأحزانه وتكاليف حياته، وأصبحت الحياة ومطالبها هم الغني والفقير وشغلهما الشاغل، وكانت رحى الحياة تدور حول الناس في قوة لا يرفعون فيها إلى الدين والآخرة رأسا، ولا يتفرغون لما يتصل بالروح والمعاني السامية ساعة" (6)
نتائج خلافات الأمة ونزاعاتها:
ومن الأسف الشديد لما خاض المسلمون في الخلافات والنزاعات وتركوا رسالة القرآن وراء ظهورهم وساروا إلى شيع وأحزاب حينا وتفرقوا إلى شعوب وأمم أخرى حينا آخر، وأثاروا الفرق الشعبية واللسانية، كما ثارت فيهم النزاعات الفقهية والمذاهبية، واختاروا سبلا متعددة وطرقا مختلفة لنيل النجاح والفلاح حسب زعمهم، ويقولون بلسان حالهم إننا اخترنا طريقا صحيحا كما وصفهم القرآن{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(سورة الروم، الآية: 32) فضلوا وأضلوا وتاهوا في الغواية والمتاهة فضلا عن محجة الصواب وجادته، ففقدوا جميع مآثرهم الافتخارية والاعتزازية، وأصبحوا أمة خاملة لا قيمة لها ولا أثر بين الشعوب والأمم، بل تشكو الأمة التي أخرجت للناس من أنواع المهانة والحقارة، والاستكانة والنذالة التي جعلها ضعيفة في قوتها وضئيلة في وحدتها ومتناقضة في آراءها ومختلفة في تفكيرها، وتخلفت من الثقافة والحضارة، وفقدت قوتها في السياسة والقيادة في شؤون داخل بلاد المسلمين فضلا عن الشؤون العالمية في عصر يقال إنه عصر التقدم والازدهار، فخضعت أمام أعداء الإسلام مضطرة حينا ومتشوقة إلى نظامهم الجديد باسم (New world Order ) وأفكارهم حينا آخر، مع أن أبنائها أكثر من 170 مليون نسمة في العالم الراهن، وتخلفوا في جميع المجالات بالنسبة إلى الأمم الأخرى فضلا عن لعب دور فعال في المجالات التي كانت لهم أبهة وعظمة في العالم المعاصر وتتعلق بالدول الإسلامية والعربية من الاقتصادية والحضارية، وما تواجه الأمة وتذوق من الظروف القاسية صنوفا من العذاب وأنواعا من البلاد إلا بسبب نزاعاتها وخلافاتها، فلا تذكرها كأمة لها دور في تنمية العالم وازدهاره في العصور المنصرمة كما لها قدم في العالم الحاضر، ولا تنظر إليها بنظرة الغبطة والحسد. حتى نتج ما نتج كما قال الشيخ الدوسري: "التفرق والافتراق الذي صدع بنيان الأمة وزعزع كيانها، حتى صارت مطموعاً بها لزوال وحدتها وذهاب سـمتها الربانية حتى ذاقوا أصناف الذلة والعذاب" (7)
أهمية وحدة الأمة الإسلامية في القرآن:
إن الله تبارك وتعالى أكد مرات عديدة على توطيد العلاقة تحت راية الوحدة والأخوة في الأيات الكثيرة في القرآن، وبين عاقبة التشتيت والتشرذم بكل صراحة ووضوح، لأن التشتت والتشرذم ميزة المشركين وخصائص الأيام الجاهلية، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة بلسانه البليغ فقال:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}(سورة الأنبياء، الآية: 92- 93) ويقول في موضع آخر عن أهمية الوحدة:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(سورة المؤمنون، الآية: 52-53) وفي الحقيقة بدأت مسيرة وحدة الأمة من عهد أبينا آدم عليه السلام حتى وصلت إلى آخر الأنبياء نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بتأييد الله جل وعلا بواسطة الأنبياء والرسل بناء على التوحيد الخالص والدين الإلهي، ولذلك يقول الله:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}(سورة آل عمران، الأية:19) وفي الحقيقة أن الإسلام يطلب من رجاله أن يكونوا متحدين في رصيف واحد في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان مهما كانت الظروف والأوضاع، كما كتب الدكتور عثمان علي حسين عن غاية الإسلام " الأصل في الإسلام وأهله الاجتماع لا الافتراق، والتعاون لا التصارع، والتآخي لا التعادي، والاتحاد والترابط لا التشتت والتباعد، هذا ما أمر به الإسلام أهله المنتسبين إليه، المتمسكين به.. فلا يوجد دين ولا مذهب دعا إلى هذه الأمور وعُني بها وحرص عليها كما هو الحال عليه في الإسلام" (8)
ولأجل ذلك أمِرَ المسلمون في القرآن أن يجتمعوا في رصيف واحد تحت راية دين الله الحنيف، حتى قال:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}(سورة آل عمران، الآية:85) وكما قال القرآن في موضع آخر:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}(سورة الأنعام:159) قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: "{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة،(شيعاً) فرقاً وأحزابا، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض؛ فهم شيع، (لست منهم في شيء) فأوجب براءته منهم". (9) وأشار القرآن إلى هذا التأكيد على وحدة الأمة فقال:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(سورة آل عمران، الأية: 103) وفي هذه المناسبة ذكر الله تبارك وتعالى للمسلمين المؤمنين أحوالهم المنصرمة، وأثار الشرك في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى اندلعت نار العداوة بينهم، ولكن الله ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وقد ذكر القرآن هذه الواقعة بلسانه الخالد في الأية التي ذكرناها في بداية البحث.
وهنا نستطيع أن نقول دون جمجمة ولا لعثمة: إن الخلافات والنزاعات وإثارة التمزق والتفرق والتناقض وتباين الآراء وتصارعها تذهب بأصحابها إلى شفا حفرة من النار والهلاك، وأخيرا يكون البعض عدوا لأخيه الشقيق، ولا يستطيع أحد أن ينقذ نفسه من مغبة الهلاك في العداوة إلا أنه يبذل جهده لغرس المحبة والألفة في قلوب الآخرين، وأن يغرس المحبة والأخوة في المجتمع تاركا جميع تباين الآراء وتصارعها، ونتيجة لهذه الجهود المباركة يكون الجميع إخوانا، وهذه صورة الأخوة الأصيلة التي يتطلب منا الإسلام، وإن الله ذكر نتائج الخلافات رادعا للمسلمين عن تمزيق وحدة الأمة، وكان التفرق والتمزق في الأمم الماضية، وهو صفة بارزة في اليهود والنصارى، ولأجل ذلك حُذر المسلمون أن يكونوا مثلهم، وأشار القرآن إلى نتائج التفرق فقال:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} (سورة الأنفال، الأية: 46) ومن المعلوم أن وحدة أتباع الدين الإسلامي من فطرة الإنسان ومن مواهب الله ونعمه العظيمة التي أنعم الله بها على المسلمين، ولأجل ذلك لا يتصور في المجتمع الإسلامي نشب الخلافات وتمزيق الوحدة، وعلى الرغم من ذلك كله إذا نشبت الخلافات والنزاعات بين المؤمنين فإنها تمزق وحدتهم تميزقا عنيفا، وتجعلهم بين شيع وأحزاب حتى انقسم الدين الإلهي إلى أقسام شتى بين أتباعه وحملة لوائه، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على أن أصحابه يسلكون طريقا صحيحا والآخرون يتيهون في الظلمات والضلال بعيدين عن الصواب والصراط المستقيم، وأصبحوا خارجين من دائرة الإسلام بأمور تافهة عند نظرة الآخرين، فلا تكون مأساة أخرى في حياة الأمة مثل هذه المأساة التي تواجهها بسبب نزاعات أصحابها على الصعيد الدولي، فلا يستطيع هؤلاء الرجال والزعماء الذين يثيرون الخلافات ويمزقون الوحدة بإثارة النزاعات وتباين الآراء في كل شيء أن يتهربوا عن هذه المسؤولية أمام ربهم، ويتقاعسوا عنها يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإن الله لا يتولى هذه المسؤولية كما لا يتحملها رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم مع أنهم يزعمون أنهم يختلفون للدين ولله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أعلن القرآن عن براءة هذه المسؤولية بكل صراحة حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (سورة الأنعام، الأية: 159)
وإن الخلافات بين المسلمين وتفريق دين الله الحنيف وتمزيق وحدة الأمة ميزة من ميزات المشركين كما ذكرنا، والمؤمنون بعيدون كل البعد عن خصائص أعداء الله ورسوله والعادات الجاهلية، لأن الألهة الموضوعة تدعو أصحابها إلى أحزاب وشيع، ونحت الأصنام والألهة بالأحجار والتراب وعبادتها والخضوع أمامها تدل على عبادة غير الله، ومن هنا تثور ثورة ضد الله في المجتمع، وهذه الثورة كلها تحرض أصحابها على نحت الأصنام والتماثيل للعبادة وهذا شرك عظيم، وإن المسلم يجتنب من الشرك كل الاجتناب، لأن الله تبارك وتعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}(سورة النساء، الآية:48)
ولذلك فإن الذي أعد نفسه لعبادة الله وحده ويخضع لأوامره في كل أمر من الأمور فهو لا يخطط خطوة المشركين، ولا يثير الخلافات ضد وحدة الأمة، ويجتنب كل الاجتناب عن تطبيق هذه الآية على عمله وفكره {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(سورة آل عمران، الأية: 105) ولذلك إذا اجتمع رجال من المؤمنين لآداء رسالة الدين وتبليغها إلى عامة الناس وخاصتهم وحينئذ يكون هذا الاجتماع مفيدا ومثمرا للدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ويكون المجتمع مجتمعا مثاليا و أروعا حيا، فلا تثور الخلافات ضد وحدة الأمة بسبب هذا الاجتماع، ولا يكون الآخرون مضللين وخارجين من دائرة الإسلام ودخلوا في الكفر، فلا تكون هذه الفرق والأحزاب باطلة في ضوء القرآن والسنة، ومن الأسف الشديد فإننا نرى أحزاب المسلمين كلها ورجال الحركات الإسلامية وزعماءها كلهم يحتسبون الآخرين أعداء لهم ويعتبرونهم أصحاب الفرق الباطلة إلا من رحم ربه، وهكذا أنهم يلحقون بالدين خسارة جسيمة، ويزعمون أنهم يخدمون الإسلام والشريعة فقط، ويشكلون للإسلام كسبا كبيرا لا يساويه أي ربح من الأرباح الدنيوية والأخروية، وهذه الأفكار موجودة لدى كل أحد من حملة هذه الفرق والأحزاب في الأقطار الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها. وأشار القرآن إلى هؤلاء الرجال بلسانه الخالد فقال: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (سورة الكهف، الآية:104 )
نظرة خاطفة على التحديات التي تواجهها الأمة وتثير الخلافات والنزاعات:
من له إلمام في التحديات المعاصرة التي تواجهها الأمة في العالم الراهن فإنه يعرف حق المعرفة أن هذه التحديات كلها من نتائج خلافات علماء الإسلام ونزاعات أحزاب الأمة باسم تحقيق مصالحها، وإن المراقب على أحوال الأمة يحدد جوانب عديدة لمقاومة هذه التحديات منها كما يلي:
أولا: إن الأمة الإسلامية تواجه خلافات متعددة ونزاعات مختلفة في هذا العصر الراهن على صعيد العالم الإسلامي والعالم العربي وفي المناطق المعمورة بالمسلين في الدول غير الإسلامية، وعلى رأس قائمتها النزاعات السياسية التي تواجهها الأمة الإسلامية، وظهرت هذه النزاعات بصورة القضية الدولية حينا والقضية القبلية حينا آخر، ثم ثارت النزاعات بين الرؤساء والزعماء بسبب تباين الآراء في الأمور الداخلية والخارجية وبانفجار الصراعات بعدم الائتمان والأمانة التي حملت على كواهلها، وباهتزاز الثقة بهم، وبإثارة الصراعات لتحقيق الأغراض الذاتية والقبلية كذلك، ومع هذه بدأ الصراع بين الزعماء والأمراء وبين حملة لواء البلاد ولواء رسالة الإسلام في دولة واحدة للسيطرة على الآخرين، وهكذا مزق التضامن الإسلامي بأيدي زعماء الإسلام في دولهم، بل إذا قلنا بأيدي رجال الإسلام وزعماء الحركات الإسلامية ما كنا مبالغين فيه.
ثانيا: تشكيل الصفوف والأحزاب بناء على المذاهب الفقهية والتقليدية والعقائدية بأمور تافهة، وتكوين الجماعات والشيع بناء على مذاهب الشيوخ والمرشدين وأداء تعاليمهم بتغميض العيون عن الأوامر الشرعية التي توزع المسلمين إلى فرق مذاهبية وعقائدية، وهذه الفرق لا تكون منحصرة بين الشيعة والسنة، بل توجد فرق كثيرة في مذاهب الشيعة فلا تعد ولا تحصى على أنملة، وكذلك قد انقسم أهل السنة والجماعة إلى فرق مذاهبية وعقائدية، ولكل فرق ومذاهب فروع أخرى، ولكل فروع مرشدون وشيوخ وزعماء وهم يقودون هذه الفرق والمذاهب، ومع ذلك لا تكون هذه الأحزاب خطيرة، ومن الممكن أن تختلف آراء الناس في تفسير رسالة الإسلام وطريق تبليغ دعوته، وهذه الحقيقة لا يقبل علماء الإسلام خاصة ورجاله عامة، وهذه حقيقة لا تنكر، عندما يهتم العلماء بالفروع أكثر من الأصول ويبذلون الجهود كلها لحل الفروع دون الأصول، ويأخذون القشور دون اللباب، فيكون الآخرون خارجين عن الإسلام والمبطلين في نظرتهم، فتكون هذه الفكرة خطيرة للإسلام والمسلمين، فلا يقف الأمر إلى هذا الحد بل ربما يكون الأخرون مستحقين القتل عند الأولين، وهم يحملون هذه النظرية الخطيرة عن الآخرين إلا من أعطى الله قلبا سليما وفكرا صحيحا وفمها دقيقا، مع أن الله تبارك وتعالى يرى تطبيق هذه الآية في مجتمع المسلمين{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (سورة الحجرات، الآية: 29) ومن الأسف الشديد فإننا نرى عكسها بين الأمة وهناك تجري الهواء بما لا تشتهي السفن، وعلى النقيض من رسالة هذه الأمة.
كما كتب الأستاذ رشيد رضا المصري"وصار بعض المسلمين إذا وجد في بلد يتعصب أهله لمذهب غير مذهبه كالبعير الأجرب بينهم، وقد وقع من الفتن بين المختلفين ما سود صحف التاريخ، ولا نزال نسمع بمنكرات قبيحة في بعض البلدان، فمن ذلك أن بعض الحنفية سمع رجلا يقرأ الفاتحة وهو بجانبه في الصف فضربه بمجموع يده على صدره ضربة وقع بها على ظهره فكاد يموت، وبعضهم كسر سبابة مصل لرفعه إياها في التشهد، وقد بلغ إيذاء بعض المتعصبين لبعض في طرابلس الشام في آخر القرن الثالث عشر الهجري أن ذهب بعض الشيوخ الشافعية إلى المفتي وهو رئيس العلماء وقال له: اقسم بيننا وبين الحنفية المساجد فإن فلانا من فقهائهم يعدنا كأهل الذمة بما أذاع في هذه الأيام من خلافهم في تزويج الرجل الحنفي بالمرأة الشافعية، وقال بعضهم لا يصح لأنها تشك في إيمانها، يعني أن الشافعية وغيرهم من الأشعرية يجوزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، وقول آخرين بل يصح نكاحها قياسا على الذمية" (10)
ثالثا: إننا نرى كثيرا من المسلمين وأصحاب الحركات الإسلامية فإنهم يريدون أن يقوموا بإقامة الحكومة الإسلامية وبتنفيذ الشريعة في مجتمع المسلمين، فهم أيضا يعيشون غارقين في الخلافات والنزاعات وهذا أمر مدهش ومخزي، ويندى له جبين الأمة، وإثارة النزاعات بين هؤلاء الرجال الذين يبذلون كل ما في سعتهم لإقامة الحكومة الربانية في الأرض ولإعلاء كلمة الله فيها وهذه مأساة إسلامية لا تساويها مأساة أخرى في تاريخ الإسلام والمسلمين، لأنها توهن الكيان الإسلامي أمام شعور أبنائه ويقظتهم، لأنهم مملوء بالآمال عن إقامة الحكومة الإسلامية يبعث بهم الآمال والرجاء في المستقبل حيث يلمع في عيونهم بريق الأمل، ولكن إثارة الفتن والنزاعات كلها تحطم جميع الآمال والأحلام في لحظة. وهناك ينبعث سؤال فلماذا تواجه الأمة هذه التحديات الخطيرة مع أن كتاب الله موجود لديها ؟ وآخر نبي أرسله الله إليها لإخراج البشرية من ظلمات الكفر إلى نور الهداية، ويقول الأستاذ المودودي عن هذا السبب "هذه هي عواقب الغفلة عن الآيات الإلهية والإعراض عن التدبر والتفقه فيها، فالذين يتلون الكتاب ولكن لا يفهمون آياته ولا تحفزهم نفوسهم على أن يجيلوا النظر في تعالميه ولا يبذلون جهدا في معرفة أحكامه، كما يؤمنون بالرسول ولكن لا بصر لهم في هدايته، ويعتقدون حقانية الإسلام ولكن يجهلون مبادئه وروحه، فهؤلاء جميعا لا يأمنون عند أي خطوة من خطواتهم أن يبتلوا بإحدى هاتين الصورتين من الضلال" (11)
ولأجل ذلك وردت الآيات الكثيرة عن التفقه في الدين، يقول الله تعالى:{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(سورة التوبة، الآية: 122) وقال في موضع آخر:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (سورة ص، الآية:29) وقال أيضا:{قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}(سورة الأنعام، الآية: 98) وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ }(سورة آل عمران، الآية: 164) وقال:{مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} (سورة البقرة، الآية:269) وكذلك وردت الأحاديث الكثيرة في كتب الحديث عن التفقه في الدين، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر " (12) وقال: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" (13) وقال: أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا دينهم " (14)
منابع الخلافة ومصدر النزاعات التاريخية:
إذا ألقينا النظر في التاريخ الإسلامي فإننا نرى أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في أمور مختلفة وفي أمور تافهة بعد ما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار رحمة ربه، وعلى الرغم من ذلك كله فإننا لا نجد أحدا منهم يسعى لتمزيق وحدة الأمة بناء على تباين الآراء في أمور الشريعة، بل إننا نرى الخلافاء الراشدين يتشاورون فيما بينهم في أمور الخلافة بدون تذبذب وبدون تردد، مع أنهم يظهرون آراءهم المختلفة في أمور الدولة، فيخالف فيها بعضهم بعضا، وإن التاريخ يشهد لنا لما ثارت نار الحقد والكراهية ضد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأراد الناس شرا له بالغارات العدوانية على بيته، فأمر علي ابن أبي طالب ابنيه بالحفاظ على بيت أمير المؤمنين عثمان، ولكن عثمان منعهما عن المقاتلة ضد الطغاة والمرتدين، ولذلك فإنهما ما قاتلا ضد الأشرار، ولما تولى على ابن أبي طالب رضي الله عنه منصب الخلافة بعد قتله ثارت نار الغضب بين الناس من جديد، وطالبوا الانتقام لقتل عثمان، وثارت الثورة ضد الخلافة الراشدة، ومن هنا بدأ نشوب النزاعات ضد وحدة الأمة وخرجت النزاعات إلى حيز الظهور من وراء الحجاب، فمزقت الوحدة شر ممزق، وإن الصحابة الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشقوا عصا الطاعة فإنهم ما كانوا شاغرين من الإخلاص والنية، ولكنهم أخطأوا خطأ فاحشا دون قصد في إدراك الظروف أنذاك حول مسألة قتل عثمان، فإننا نستطيع أن نعبر هذا خطأ الاجتهاد في تاريخ الإسلام.
وهكذا بدأ الصراع بين الحق والباطل في صفوف الأمة الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها، وبدأ باب أسود بذكر صراع الوحدة الإسلامية في التاريخ الإسلامي، وهذا الصراع قد سبب مأساة كربلا التاريخية كما يعلم الجميع، وبدأ الصراع بين المسلمين لنيل زمام السلطة والسيطرة على البلاد، وأخيرا انقسم العالم الإسلامي إلى دول صغيرة متعددة، وانتهز العلمانيون هذه الفرصة حيث إنهم كانوا بالمرصاد وتحين الفرصة وراء الستار، فاستغلوا هذه الفرصة السانحة، وخلقوا زعماء كثيرين من المسلمين باسم الزعماء الإسلاميين وقادة المؤمنين وعلماء السوء لتحقيق أغراضهم الفاسدة وأهدافهم السياسية الماكرة لغش العالم الإسلامي وأبنائه، حيث كان هؤلاء الزعماء الإسلاميون المزعومون بعيدين عن تعاليم الإسلام السمحة وعن الشريعة الإسلامية، وعلى الرغم من ذلك كله أنهم يظهرون أنفسهم كالمسلمين المتدينين والماهرين في علوم الشريعة في تحقيق الأمور الذاتية والاجتماعية وفي حل القضايا الإسلامية، ومع ذلك ما نجح الزعماء العلمانيون في بداية هذا المكر والخداعة، لأن الناس يؤمنون كامل الإيمان بزعمائهم الإسلاميين الحقيقيين والعلماء الربانيين، وكذلك كانت توجد بينهم المساواة والمؤاساة والاحترام والإكرام في كل أمر من الأمور الدينية والدنيوية، لأنهم كانوا يشعرون ضرورة الوحدة الإسلامية لترسيخ جذور الدين الإسلامي الحنيف في أعماق قلوب أبنائه في المجتمع البشري ولإعلاء كلمة الله في الأرض.
الوحدة والأئمة الأربعة:
ويعلم الجميع عن العلاقة الوطيدة التي كانت بين الأئمة الأربعة فإنهم يحترمون الآخرين مع الاختلافات الفقهية فيما بينهم، وربما نجد البعض في واد والآخر في واد آخر، ويكون البعد بعدا شاسعا بين الوادئين مع عقيدة واحدة، فما كان هناك أي ثلمة تدخل بها الخرافات والأباطيل عن الشريعة، وهنا نذكر شيئا من أقوال الأئمة الأربعة عن مسألة فقط للقرآء حتى يدركوا حقيقة الخلافة بينهم ويوازنوا الاختلافات التي وزعت الأمة إلى فرق وشيع وأحزاب، يقول الإمام أبو حنيفة رحم الله عن الله "ما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس هي له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، وغضبه ورضاه صفتان من صفات الله تعالى بلا كيف" (15)
ويقول الإمام مالك رحمه الله عن هذه المسألة: "الإستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة" (16)
والإمام الشافعي يقول: آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت في الخوض عنه كل الإمساك" (17)
والإمام أحمد يقول:" استواء كما أخبر لا كما يخطر للبشر" (18) و
كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: " لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي" (19)
ومما يجدر بالذكر أن الاختلاف وتباين الآراء في أمر من الأمور من طبيعة الإنسان مهما كانت الأمور تتعلق بالحيات أو بالممات، لأنهم ليسوا على قلب رجل واحد في قوة الادراك والاستنباط والفهم والاستخراج، ولذلك نجد الاختلاف لدى المتكلمين والمفكرين والمفسرين والمحدثين والفقهاء والأئمة الأربعة في فهمهم واستنباطهم، ويظهرون آرائهم المختلفة في تفسير آية أوتشريح حديث، وفي تحليل قضية أو تقديم توحيهات حتى ظهرت تباين الآراء في مسألة فقهية واحدة، ومع ذلك كله أنهم أدركوا كل الادراك بأنهم أمروا بالرجوع إلى الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك أنهم أخذوا هذه الآية القرآنية{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(سورة النساء، الآية:59) أصولا، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع التي ألقاها على عرفات سمعها الآلاف من الصحابة "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه" (20) دستورا في مسيرة حياتهم. فكانا لديهم الفيصل في مسائل الخلاف وفي مسيرة الحياة، فمن رجع إليهما فقد استجاب لنداء الله تعالى كما هو في كتابه، ومن أصر على رأيه فقد اتخذ إلهه هواه وأعرض عن حكم الله وحكم رسوله، وهذا مناف للتوحيد الذي يدين به. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو يتكلم عن التفرق والاختلاف: "وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص الدين كله لله" (21)
 هكذا نجد الأئمة الأربعة على منوال واحد في العقيدة والوحدة، ومن سوء حظ المنتسبين إلى المذاهب الأربعة فإنهم قد انحرفوا عن روح عقيدة الأئمة الأربعة، واتبعوا طرقا متعددة، وأوقعوا عامة الناس في معركة الخلافات بدلا من الإنقاذ منها، وزاغوا بهم عن الطريق المستقيم وقسموا الناس إلى شيع وأحزاب، وهذه العقيدة والعلاقة الوطيدة التاريخية أفضل مثال وأروع نماذج لوحد الأمة في تاريخ الإسلام، وقد سجل التاريخ بمداد من النور وبأحرف من الذهب هذه الوحدة الإسلامية للأجيال المسلمة القادمة، ولأجل ذلك إنهم أصبحوا معالم التاريخ الإسلامي، فلا مجال للخلافات بين الأمة باسم الحنفية والشافعية أو المالكية والحنبلية، بل يجب على الناس إذا لم يكن عارفا أن يقلد أحدا من هؤلاء الأعلام للفقه الإسلامي نظرا إلى هذه الآية القرآنية {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(سورة النحل، الآية: 43) وبعد ذلك جاء زعماء إسلاميون آخرون، واختاروا طرق الصلح في كثير من الأمور الشرعية والصراعات التي كانت تحتدم بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر، وهناك لحقت خساة فادحة بالتراث الإسلامي في التاريخ، وفقدت روح الوحدة والأخوة، وزال الاحترام والإكرام من قلوب عامة الناس وخاصتهم، بل ثارت فيهم العداوة والشحناء للآخرين، ومن هنا بدأ التكفير بين المسلمين في تاريخ الإسلام، ثم يكفر بعضهم بعضا ويندم جبين المسلمين لهذه الحوادث المؤلمة، ومما لا شك فيه أن هذه الحوادث أصبحت وصمة عار على جبينهم، وينتهز أعداء الإسلام هذه الفرص لتحقيق مصالحهم السياسية الخبيثة.
وفي هذا الصدد فإننا نقول لكم لا يوجد أي مجال لعامة الناس أن يختار طرقا وضعية دون الطريق الذي سلك الأئمة الأربعة الأعلام، فضلا عن تشتيت وحدة الأمة، وقد شرح الإمام ابن تيمية اختلاف العلماء تشريحا دقيقا فقال:"فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وكل أمة قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأئمة قبولا عاما يعتمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه" (22)
وحدة الأمة يتطلبها العصر الراهن:
وإن العصر الذي نعيشه اليوم أنه يتطلب من الأمة الإسلامية المخلصة وحدتها لشريعتها الخالدة ودينها السماوي والحريصة على نشر رسالة الإسلام من مشارق الأرض ومغاربها وعلى هداية الناس كآفة، ثم القيام بهم تحت راية الإسلام العظيم، وعلى توحيد صفوف الأمة من شيع دينية وأحزاب سياسية وفرق لسانية وطائفة قبلية، بل تقوم في صف واحد دون أي تمييز بين الأغنياء والفقرآء وبين الساكنين في المباني الشامخة واللاجئين إلى الأكواخ الحقيرة تحقيقا لقول رسولهم الأكرم صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عنكم عصبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" (23) ولأجل ذلك فإننا نرى كم من مشهور في الأرض مجهول في السماء، وكم من مجهول في الأرض معروف في السماء، المعيار التقوى ليس الأقوى، قال الله جل شأنه بلسانه الخالد:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (سورة الحجرات الآية: 13) فهل وجدتم هناك أيها المعارضون أي فرق بين الرجل والمرأة، وبين الأسود والأبيض، وبين العرب والعجم، وبين المسلم وغيره، وبين اليهود والهنود وبين البوذية والنصارى في الإسلام؟ فكانت دعوة الرسول ودعوة القرآن ثروة مشتركة لجميع الأمم والشعوب، والعناصر والأجناس، والأسر والبيوتات، والبلاد والأوطان، فلا يتميز فيها شعب عن شعب، وقوم عن قوم، وقبيلة عن قبيلة، ونسل عن نسل، لأن الاعتماد في دعوة الإسلام لا يكون على العرق والدم ولا على الدولة واللغة، بل الاعتماد فيها على الحرص لنيل مرضاة الله والشوق إلى الجنة. كما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام التشريق فقال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (24)
فلذلك لا يضيق ذرعا بعدم الموافقة في المسألة الفقهية أم الناطقة باللغة الأجنبية، ولا يعتبر أخاها الذي يتبع مذهبا حنفيا أو شافعيا، مالكيا أو حنبليا يخالف مذهبه في بعض الأمور خصما له، إن كان رأيه أقوى وأشهر دليلا وينسجم انسجاما تاما مع العقيدة والإيمان، ومع ذلك ما خرج أحد من الجماعة ومن الوحدة الإسلامية وما أصبح متعصبا لمذهبه ولفكرته، بل يصلي بعضهم خلف بعض مع اختلافهم في الآراء الفقهية فضلا عن بناء مسجد جديد لأتباعه، وتأسيس جماعة إسلامية، ولأجل ذلك إذا دار النقاش العلمي بين العلماء والفقهاء وبين الزعماء الإسلاميين عن المسائل الفقهية والسياسية والتحديات العصرية التي تواجهها الأمة على الصعيد الدولي، يجب عليهم أن يجتنبوا من جميع المعاملة التي تجرح القلوب، بل يكون الحوار في جلسات هادئة بعيدة عن التشنج والتهجم والجدل والعنيف تحقيقا هذه الآية: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة العنكبوت، الآية:46) وقال في موضع آخر: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(سورة النحل، الآية:125) إن الله أمرنا بالمعاملة الحسنة مع أهل الكتاب فيها، فما بالكم من إخوانكم المسلمين؟ فليس لهم ذنب إلا أنهم يتبعون المذاهب، ويسلكون ذلك الطريق الذي سلك به الأئمة الأربعة، أ ليسوا أحق من أهل الكتاب بالحسنى ومجادلتهم بالتي هي أحسن؟ ولذلك يجب على الدعاة خاصة وعلى الزعماء عامة أن يعرفوا طبيعة الناس والمجتمع، وأن لا يتركوا أي فرصة للشياطين للعب دوره الخبيث وأن يذهبوا بالناس إلى شفا الهلاك، حتى لا يتزحزح أبناء الأمة عما ألفوه ووجدوه من آباءهم وأسلافهم، ويقول القرآن عن المشركين:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (سورة البقرة، الآية:170) وقال في موضع آخر:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}(سورة المائدة، الآية:104) وبعد ذلك إقرؤوا معي هذه الآية ثم فكروا عن أسلوب دعوة الرسول {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} (سورة الزخرف، الآية:24) مع أنه لا هداية لآبائهم وليس فيما عليه من الشرك أي هداية، وإنه اختار طريق التلطف في الدعوة لاستماع حجته فقط، كما أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الالتزام بالرفق واللين مع أنه صلى الله عليه وسلم معصوم فقال:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (سورة آل عمران الآية: 159) وهذا الأسلوب يعلمنا الأدب في الحوار للوحدة ولمقاومة التحديات التي تحول بين المسلمين كالجبال الراسيات إذا اخترنا هذا الأسلوب فيذوب جميع التحديات كما يذوب الثلج في الشمس يوما ما، إن شاء الله.
المؤامرة الصهيونية لتفكيك وحدة الأمة الإسلامية:
لما بدأت أوربا الفقيرة والمتخلفة تدخل في العالم الإسلامي لغرض التجارة والصناعة وجلس الأوربيون باسم التجارة مع أمراء المسلمين وأثريائهم، وأكلوا في مائدتهم المليئة بالأطعمة اللذيذة الشهية، وشربوا من مشربهم مدة طويلة حتى أدركوا ضعفهم وتضاءلهم والوضع الاقتصادي المنهار حق الإدراك، وعرفوا حق المعرفة عن رؤساء الدول الإسلامية وانحطاطهم الخلقي، ووجدوا الأمراض الخلقية التي تسربت في لحومهم ودمائهم حتى في عروقهم، وبدؤوا يستخدمون الأدباء والكتاب الإسلاميين لنشر الفكرة الأوربية في المجتمع الإسلامي، وكان على رأس قائمتهم الدكتور طه حسين، وكان داعيا لنشر الفكرة الغربية بين المثقفين الإسلاميين كما هو كتب في كتابه "حياتنا المادية أوربية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الأخرى تختلف قربا وبعدا من الحياة الأوربية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات وحظوتهم من الثروة وسعة ذات اليد، ومعنى أن هذا المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية" (25)
وقد تعجب العلامة أبو الحسن على الحسني الندوي-رحمه الله- بهذه الفكرة، وبمؤامرة الصهيونيين ووصولها إلى الكتاب الإسلاميين والمثقفين بكل سهولة، ثم كتب أسفا على تغيير الأدباء الإسلاميين في كتابه القيم" لقد كان من المتوقع، ومن المعقول جدا، أن مثل الدكتور طه حسين صاحب الشخصية القوية في الأدب والعلم، الذي حفظ القرآن في الصغر، ودرسه في الكبر، وتعلم في الأزهر، ونظر في العلوم والآداب نظرة حرة واسعة، ورأى شقاء أوربا بحضارتها المادية وفلسفتها الإلحادية، وحكومتها القومية، وتذمر مفكريها والعلماء الأحرار فيها، ودرس تاريخ العرب والسيرة المحمدية دراسة تذوق وإتقان، أن يدعو مصر إلى الاستقلال الفكري والحضاري، وتربية شخصيتها الإسلامية العربية، والنهوض برسالتها العظيمة التي تستطيع أن تحدث إنقلابا في الأوضاع العالمية، وتمنح مصر مركز الزعامة والقيادة والتوجيه حتى ولو كانت مصر جزءا من العالم الغربي وقطعة من أوروبا، فالرسالات السماوية الإنسانية أسمى وأوسع وأبقى من الحضارات، وهي غنية عن الحدود الجغرافية والأدوار التاريخية، وإذا فعل ذلك، أم بهذه الدعوة كان رائد النهضة الفكرية الحقيقية، والثورة المصرية المباركة، واتفق ذلك مع مواهبه العظيمة كل الاتفاق" (26)
كذلك أنهم أدركوا أن الأمراء حريصون لزمام البلاد وسلطتها، وأثاروا فيهم العداوة والبغضاء ضد الآخرين، أصبحوا مجردين من الأخوة الإسلامية والمساواة البشرية والمؤاساة الإنسانية، فصاروا كعامة الناس ويفكرون عن الحرب المدمرة ويؤامرون مؤامرة شنيعة للسيطرة على الحكومة بمساعدة الأجانب والغرباء. وهكذا خاض أمراء المسلمين في المعركة المدمرة والحرب الشنيعة ضد الآخرين غامضين العيون عن فظائع المعركة وأهوالها، وثارت فيهم العداوة والحقد لإخوانهم المسلمين حينا ولإخوانهم الأشقاء حينا آخر، وأخيرا وقع ما وقع قد سيطر الأوربيون على المسلمين ودولهم وراء النزاعات والسياسية وبمؤامرة خبيثة ودسائس خطيرة حتى أسسوا دولة صهيونية مستقلة في قلب دول المسملين وتفسحوا مكانا لتأسيس حكومتهم الصهيونية واليهودية الخالصة في فلسطين، ولكنهم واجهوا صعوبات شديدة من قبل الزعماء الغيورين بإيمانهم آنذاك، وحينئذ أدرك الصهيونيون واليهود حقيقة الوحدة الإسلامية والأخوة الإيمانية على الصعيد الدولي، وفهموا أن الوحدة إذا كانت موجودة بين المسلمين وشعورها في دول المسلمين فلا يستطيع الصهيونيون أن يسلبوا أموال الدول الإسلامية والعربية إلى مدة طويلة بالكيد والمكر، والدسائس والمؤامرات، فلأجل ذلك أنهم بدؤوا المؤامرات ضد شعور الوحدة ولاستئصال جذزر العقيدة من أعماق قلوب أبناء الإسلام.
ولتحقيق هذه الأغراض الفاسدة فإنهم أخذوا البرامج والمشاريع لتدمير الوحدة، وبدؤوا يخططون الخطوات الخبيثة للقضاء على الشريعة أولا ثم تشتيت صفوف الأمة ثانيا، ومن هنا قاموا بإنجاز برامجهم الهدامة في المجتمع الإسلامي الذي سيطر عليه الاستعماريون من قبل، وأبرزوا مشروعاتهم المتعددة إلى حيز الظهور باسم بناء الأمة الإسلامية ولنيل مكان مرموق لهم في مجال التقدم والتطور والتنمية والازدهار والحضارة والثقافة على الصعيد الدولي، وكما قاموا بإجراء نظامهم التعليمي الغربي مجرد من القيم الإنسانية والخلقية في المجتمع الإٍسلامي وأجروا ثقافتهم الحيوانية باسم الثقافة الجديدة وثقافة العولمة محل الثقافة الإسلامية والحضارة العربية، وببناء سيرة المثقفين الجدد من المسلمين الذين تلمذوا على أيديهم تحت نظامهم التعليمي في المعاهد التعليمية العلمانية في بلادهم، ورفعوا أمامهم حضارتهم الاستعمارية والمادية وثقافتهم العريانية كوسيلة النجاح والفلاح في عصر العولمة، وخلقوا علماء وزعماء إسلاميين مزعومين من المسلمين لتأييد هذه البرامج الهدامة، وجعلوا بين المسلمين فرقا وعُصبا باستخدام هؤلاء العلماء الخائنين والزعماء المزعومين، وعلى رأس قائمة هذه الفرق الفرقة البهائية والقاديانية باسم دين جديد. ومما يجدر بالذكر أن هناك يوجد بعد شاسع بين الإسلام وشريعته وبين الفرق البهائية في ضوء توجيهات الإسلام الصحيحة ونظام دين الله الحنيف، فليس من الممكن أن يكون هذا المذهب مقبولا في المجتمع الإسلامي باسم الإسلام، فلا يستطيع البهائيون أن يضللوا المسلمين بتبليغ الرسالة البهائية الموضوعية بين المسلمين، ولكن القاديانيين أضلوا كثيرا من أبناء الإسلام من مشارق الأرض ومغاربها باستخدام الاصطلاحات الإسلامية ويعرفون أنفسهم بالمسلمين، ويعيشون مع المسلمين في مجتمعهم، واتخذوا هذه الحيل لتبليغ رسالتهم القاديانية المضللة في المجتمع الإسلامي. وكذلك فإن الاستعماريين والصهيونيين أخذوا قرارا لتمزيق وحدة الأمة باسم اللغة والوطن حينا وباسم القومية والجنسية حينا آخر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن العصبية باسم الجنس أو النوع أو الوطن أو القبيلة أو اللون، وجعل ذلك من شأن الجاهلية الأولى التي جاء الإسلام لإلغائها، وإلغاء مقاييسها في التفاضل والتنافس، فأعلن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بلسانه البليغ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِىٌّ وَفَاجِرٌ شَقِىٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِى تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ " (27)
وإن التاريخ الجديد والقديم يشهد لنا بأن الحروب المدمرة التي ثارت بين الأمة الإسلامية التي انقسمت دول المسلمين إلى دول متعددة وإلى مناطق شتى وهذه كلها بسبب السلطة وإظهار القوة والقدرة على الآخرين، وما كان المسلمون المتدينون وعامة الناس من الأمة مع هذه الحروب المدمرة قط، لأن شعور الوحدة الإسلامية كان باقيا لديهم مع وجود تباين الآراء في أمور دينية، ولكن سرعان ما انكسر هذا الشعور بتدخل فيهم الفكرة القومية والجنسية الوطنية واللسانية الجاهلية تمزقت وحدة الأمة تمزيقا فادحا. وهكذا فإن الاستعماريين البريطانيين غرسوا الفكرة الجنسية والقومية لتدمير الخلافة العثمانية قبل كل شيء في نفوس الجنود الأتراك وفي أعماق قلوب الشباب الأتراك، ونتيجة سرعان ما شعر الزعماء الأتراك وضباطهم أفضليتهم على الجنود والموظفين الآخرين، وبعد ذلك بدأ الصهيونيون تبليغ الرسالة القومية العربية والجنسية والحقد ضد الأتراك برعاية البريطانيين ولا يخفى دورهم على ذور البصر والبصيرة. وبعد ذلك فإن العرب والأتراك خاضوا في الحرب العالمية باسم القومية العربية والتركية، وخاض العرب في المعركة ضد الخلافة التركية أثناء الحرب العالمية وانتقض العرب على الخلافة التركية، إنهم جعلوا اليهود والنصارى أولياء رافضين رسالة القرآن، مع أن القرآن منعهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فيقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ}(سورة المائدة، الآية:51) وبعد ذلك هزموا الأتراك هزما عنيفا، وطردوا من أرض العرب، وإن الاستعماريين تعهدوا العرب المسلمين قبل الحرب بتأسيس دولة عربية مستقلة بعد خروجهم من الحرب ناجحين وفائزين، ولكنهم أنكروا عليهم ما وعدوهم ونكثوا العهد نكثا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، بل جاءوا باليهود من الخارج إلى أرض فلسطين، ومهدوا طريق تأسيس دولة صهيونية فيها، وساعدوهم مساعدة كاملة في تأسيس دولة الصهيونيين المستقلة في فلسطين، وداسوا بأقدامهم الخبيثة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تبذل كل ما في سعتها لتحرير فلسطين من سيطرة اليهود من جديد، وما تركوا أي فرصة للمسلمين لإعداد القوة لمقاومة البريطانيين، مع أنهم قطعوا العهد على أنفسهم.
وهكذا انفصلت أراضي العرب الواسعة إلى دول صغيرة متعددة مرهونة بهم، وجلس على مناصب الحكومة في هذه الدول المرهونة هؤلاء الزعماء الذين يعاندون الإسلام ويخدمون الاستعماريين دائما، وما استطاع العرب أن يؤسسوا دولة مستقلة بخريطة واحدة في أرضهم بسبب نيران الحرص لنيل السلطة بين الناس وشعور النهضة القومية بين العرب، مع أنهم وجدوا الحرية والاستقلال الكامل، وقد ذهب شعور إقامة حكومة إسلامية خالصة إلى القعر وفكرة اجتماع الأمة تحت راية دولة اسلامية بسبب مؤامرة كمال أتاتورك العلماني الذي كان وكيلا للصهيونيين والعلمانيين، فإنه أعلن إلغاء الخلافة العثمانية التركية، وما وقفت هذه المعاملة السيئة إلى هذا الحد بل حلت الأفكار الغربية والنظام الغربي محل العبادة في عهد أتاتورك، فلأجل ذلك إذا أراد أحد أن يضم دول المسلمين إلى دولة مستقلة بمحو الحدود والثغور فإنه يكون باغيا للبلاد عند القوانين والدستور، وهكذا انتقلت دولة المسلمين إلى دول متعددة، والمسلمون إلى أقوام متفرقة فثارت فيهم العداوة والمخاصمة، وأصبح حلم المسلمين أن يجتمعوا تحت راية واحدة بعيدا عن الحقيقة. ومن مؤامرة المستعمرين الأخيرة وهي غرس بذر الأفكار الديموقراطية ونظام السياسة الديموقراطية في العالم الإسلامي والعالم العربي، وقد ثبت هذا النظام خطيرا للدول الإسلامية ووحدة الأمة المحمدية لأنها توزع الأحزاب السياسية إلى شيع عدوانية في داخل صفوفهم، وكان كثير من هذه الأحزاب عامة والأحزاب الرئيسية خاصة منضبطة بالقوة الاستعمارية، وبعد ذلك وضع أمريكا أيديها السواء التي تكون دائما بالمرصاد لتحين الفرصة في كل عصر ومصر وفي زمان ومكان، وأخيرا بدأت تنفس الدول الإسلامية تحت سيطرتها الاستعمارية، وهكذا تحكم أمريكا المسلمين غير مباشر كما لا يخفى على أحد من المسلمين وغيرهم.
نظرة خاطفة على أحوال الأمة الإسلامية الراهنة:
إن التاريخ يشهد لنا بأن كثيرا من دول المسلمين نالت الحرية والاستقلال بداية القرن المنصرم ونهايته، ولكن هذه الدول ما نالت حظا وافرا في تنمية البلاد وازدهارها فضلا عن لعب دور بارز في التقدم والتطور للعالم المعاصر، وقد ساد التفكك والتشتت فيها، وسيطرت عليها صراعات الحكومات واشتباكات الشعوب والأمم، كما كانت في أول يومها بل ربما تشتد هذه الصراعات، حيث وصلت السلطة إلى أيدي هؤلاء الرجال المطيعين والمؤمنين بالسياسة العلمانية والأفكار الغربية الخبيثة دون السؤال عنها، مع أن الاستعماريين أصبحوا مضطرين إلى مغادرة دول المسلمين عاجزين عن الحكومة فيها، ولكن هؤلاء الرجال العلمانيين يحكمون دول المسلمين عصرا بعد عصر بكثير من التغيير والتبديل والتحويل والتطوير، وكذلك حدثت التغيرات والتقلبات في نظم حكومية مختلفة بسبب الأحوال والظروف، وإن الديموقراطية والاشتراكية والعلمانية والشيوعية وغيرها من الأفكار المزعومة الهدامة الواردة من الدول الغربية تدير المفاتيح وراء هذه التغيرات الحكومية والتقلبات السياسية في الدول الإسلامية، وبناء على هذه الأفكار الغربية تروجت الديموقراطية في كثير من الدول الإسلامية ضد السيادة الإلهية، ووزعت الأمة الإسلامية إلى القومية والحرص للسيطرة على الدولة، وهذه كلها تمهد السبيل لقمع جذور الحركات الإسلامية التي تبذل قصارى جهودها لإقامة الحكومة الإسلامية وتوحيد صفوف الأمة وتنفيذ الشريعة الربانية في الأرض، حيث أنها أعطت المسلمين المتدينين تجربة جديدة في سبيل الجهاد وإعلاء كلمة الله في الأرض، ولكن هذه المؤامرات كلها تضمحل أمام ثورة الوحدة الإسلامية إذا اشتدت حرارتها كما يذوب الثلج أمام الشمس مهما تسبها القوى العالمية بالأصوليين والإرهابيين والمتطرفين والمتشددين والمسلحين فحينئذ تتحير العقول البشرية، ولكن من يؤدي هذه المسؤولية ؟.
وإن القوى العالمية أثارت الخلافات بين الأمة وشقت وحدة الأمة، حتى شبت نار الحروب المدمرة ضد المسلمين المتدينين على الصعيد الدولي منذ بداية القرن المنصرم باسم قمع الإرهاب والعملية الإرهابية المزعومة، وما ثارت هذه الحروب إلا للسيطرة على الدول الإسلامية والقبض على أموالها الكامنة تحت الأرض، وإن التاريخ يشهد لنا أن الحرب التي ثارت بين العراق وإيران واستمرت إلى ثماني سنوات ثم سيطرة الرئيس صدام حسنين على الكويت ومن ثم خوض المملكة العربية السعودية ومصر والشام وتركيا ودول مسلمة أخرى في تلك الحرب الخليجية باسم تحرير الكويت من غاشمة صدام كلها من مؤامرة أمريكا، وفي بداية هذا القرن نشوب المعركة المدمرة في أفغانستان ثم العراق التي تستمر الآن أيضا بكل قوة والمعركة الأهلية التي تستمر في أفغانستان والصومان والسودان والجزائر وقتل ألوف من المسلمين بأيدي الحكومات المسلمات المتحركة بضغط المفاتيح التي تضغطها أمريكا وحليفها، وكذلك رسخت أقدام الصهيونيين الخبيثة في أرض فلسطين المسلمة، وقبضوا البيت المقدس–قبلة المسلمين الأولى-بكل سهولة بسبب عدم الاتحاد الإسلامي العالمي وإغماض عيون رؤساء المسلمين عن قضايا الأمة العالمية ولجوء حركة تحرير فلسطين ورئيسها السابق– السيد ياسر عرفات- إلى مهد الزعماء العلمانيين والاستعماريين والاستسلام أمام الصهيونيين، وانتهازا هذه الفرص السانحة من قبل زعماء الإسلام، فإن أعداء الإسلام قتلوا ألوفا من المسلمين في البوسنة والهرسك حينا وفي كوسوفا حينا آخر، واحتلوا كثيرا من أراضي المسلمين كما قبضوا 20% أرضا من أرض آزربيجان ونغانو كراباخ، وتنفست أنفاس الأمة المسلمة الشيشانية تحت ضغط الأعداء. وكذلك حركة تحرير كشمير فقدت وزنها في ميزان حملة لواء حقوق الإنسان المزعومين، مع أن المسلمين يُقتلون فيها بأيدي القوة الهندية البربرية كالبقرة والنعجة في الغابة، ويطلق الرصاص على المسلمين الأبرار كما يطلق على الطيور على غصون الأشجار، ولا تتحقق آمال المسلمين الذين يعيشون في الفلبين الجنوبية وأنهم يسعون سعيا لتحقيق آمالهم منذ زمان، ولكننا نرى تحقيق تفريق منطقة تيمور الغربية من دولة أندونيسيا بسبب مؤامرة الاستعماريين وضغط الصليبيين وهذا الاستقلال فتح باب انفصال المنطقة الجبلية بشيتاغونغ من دولة بنغلاديش المسلمة مع أنهم لا يلتفتون إلى صرخات الأطفال ونياحة النساء على انتهاك حرماتها في سنكيا وأركان وفي تائيلند الجنوبية، فأين حملة لواء حقوق الإنسان؟ ولا تنتهي كوارث الأمة ونكباتها في المناطق المذكورة فقط بل في العالم كله بسبب تفرق الرجال الذين يكبون على خدمة الإسلام متشتتين في شيع وأحزاب ويعيشون في العالم المجهول في ذلك الحين الذي وصل الأعداء إلى قمة التنمية والازدهار في مجال الإعلام والعلوم والتحقيق والصناعة والحرفة، ولكنهم غارقون في الفتاوى ضد إخوانهم المسلمين باسم الإسلام عدوا وظلما وحقدا وحسدا، كأنهم يعيشون في عالم آخر فلا علاقة لهم بالتقدم والتطور فضلا عن الخوض في البحر والنزول فوق السماء.
طريق الإتحاد الكامل وتوطيد العلاقة بين الأمة:
لقد بلغ عدد المسلمين إلى170 ألف مليون نسمة في العالم الراهن حسب الإحصائيات الحقيقية، يعني عددهم في العالم 28% بالنسبة إلى الأمم والشعوب الأخرى، وإن الدول الإسلامية تملك أموالا هائلة تحت التربة، منها البترول والنفط والغاز والأموال المعدنية من الذهب والفضة والحديد والغابات الكثيفة والحيوان المألوفة والأسماك المجهولة والأراضي الزراعية وسواحل الأنهار الممتدة وشواطئ الأبحار الواسعة كذلك، وإنها تستطيع أن تخرج إلى حيز الظهور كقوة اقتصادية وحربية هائلة في المستقبل اعتمادا على هذه الأموال الهائلة، ومن الأسف الشديد مع هذه الفرص السانحة فإن الدول الإسلامية لا تستطيع أن تلعب دورا فعالا ودورا بارزا في حل قضايا الأمة في العالم الراهن، ولا تستطيع أن تلعب دورا في الرحاب السياسي العالمي فضلا عن مقاومة المؤامرات الشنيعة التي تحاك ضدها على الصعيد الدولي، ولا ترد الدعايات الكاذبة ردا قاطعا بسبب النزاعات، وإذا زالت الخلافات وقامت المحبة والأخوة ووحدت صفوف الأمة فإنها تستطيع أن تقود السياسة العالمية، وإذا رأينا حلم الإسلام وقرن الإسلام دون العمل والسعي والجهود المتواصلة والخطط اللازمة فلا تكون سُمعة الشريعة الربانية ذائعة بل تجد الشريعة صورة ناطقة في المجتمع فقط، بل يجب على الأمة أن تقوم بخارطة الطريق لتحقيق الوحدة في ضوء الأحوال الراهنة في عصر العولمة، وبدون هذه الخطط فلا يكون القرن الراهن أم القرن القادم قرن الإسلام مهما نحلم أحلاما جميلة ونرفع هتافات الإسلام، وفي هذا الصدد نحن نرى أن تكون خارطة الطريق حول النقط التالية:
الأول: يجب على جميع الحركات الإسلامية العالمية والأحزاب السياسية الإسلامية الداخلية والخارجية أن تجتمع في رصيف واحد تاركة جميع الخلافات والنزاعات، وإن العالم الإسلامي والعالم العربي يديران الشؤون الإسلامية العالمية في طريق واحد، وإن الجمعيات العربية العالمية مع مؤتمر العالم الإسلامي تخطط خطة واحدة لتحقيق مصالح الأمة، ولا يكون التمييز بين العرب والعجم وبين الأبيض والأسود وبين الفقير والغني وبين الطبقة الكادحة والطبقة المترفة في ضوء حديث الرسول المشهور كما ذُكر في هذا البحث، والمسلمون لا يعرفون أنفسهم إلا كأمة إسلامية واحدة دون التمييز بين اللغة والعلاقة، وبين الثقافة والحضارة، بل يقولون بأعلى صوتهم بكل اعتزاز وافتخار "نحن مسلمون" إذا كانت هناك أي مشكلة أو صعبة في تحقيق هذه الخطط فحينئذ ترتب الجمعيات الإسلامية والهيئات العالمية العربية من جديد التي تزعم أنها تقوم بمصالح الأمة في العالم، وهكذا يكون السعي الكامل لإنقاذ الأمة المضطهدة بأيدي القوى العالمية، ولتعيين القيادة الإسلامية الصالحة في تلك الدول الإسلامية التي تواجه مشاكل كبيرة لعدم القيادة الصالحة حيث لا يوجد فيها قاعد إسلامي وزعيم ذو مؤهل ولائق، هذه القرارات كلها لا تكون مكتوبة في الأوراق ومقيدة بين الدفاتر دون التطبيق، بل يكون إبرازها إلى حيز الوجود بصفة عاجلة.
الثاني: تأخذ الدول الإسلامية والعربية هذه الأية{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(الحشر، الآية:9) دستورا لحل المشاكل والقضايا.
الثالث: أن يقوم بتأسيس "هيئة الأمم المتحدة المسلمة" وتكون الهيئات الإسلامية كلها تحت هذه المؤسسة محل الأمم المتحدة الغربية التي تؤامر مؤامرة شنيعة للقضاء على الإسلام والمسلمين من أول يومها.
الرابع: أن يكون جيش إسلامي عالمي للحفاط على الحدود الجغرافية ولمقاومة جميع التحديات والهجمات العدوانية على الدول الإسلامية والعربية.
الخامس: أن تكون وكالات الأنباء الإسلامية العالمية وشبكتها منتشرة في العالم كله وتنشر الأنباء بكل حرية، لأن العصر الراهن عصر الإعلام، وإذا كانت الأمة متخلفة في هذا المجال فتكون فاشلة في جميع مجلات الحياة.
السادس: أن تكون هيئة اقتصادية إسلامية تبذل جهودها المتواصلة لوضع الأغلال التي كانت على أعناق الأمة بسبب الديون الغربية، وبدون مثل هذه الهيئة فإن الأمة لا تستطيع أن تنال المكان المرموق بين الشعوب الراقية والأمم المتقدمة.
السابع: أن تكون جمعية إسلامية للتجارة مثل جمعية أوربية، وهذه الجمعية تفتح الأسواق العالمية للتجارة الحرة لدول المسلمين، ويجري جميع الأمور التجارية الإسلامية تحت هذه الجمعية.
الثامن: أن يكون النظامي الاقتصادي الإسلامي الذي يساعد المجتمع الإسلامي بعيدا عن معاملة الربا، لأن الربا حرام في الشريعة، وهذا النظام يجل محل الاستراتيجية المالية الربوية التي ترأسها القوى العالمية.
التاسع: أن تكون هيئة خاصة لرؤساء الدول الإسلامية والعربية، وهي تجتمع لحل جميع القضايا الإسلامية بدون أي شرط.
العاشر: يكون الاتفاق بين الرؤساء المسلمين على دعم المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض .
وفي الأخير لا نقول لكم أيها القرآء: إن هذه التوجيهات والنقط المذكورة طريق واحد وعلاج صحيح لإنقاذ الأمة من الخلافات والنزاعات ولتوحيد صفوف الأمة فقط، بل هذه فكرة من الأفكار التي تفيد الأمة على الصعيد الدولي، وهناك مجال واسع لاتخاذ قرارات أخرى حسب الظروف والأوضاع والزمان والمكان باتفاق زعماء الأمة، ولكن إذا رأينا حلم القرن الإسلامي فنقول: إن هذا القرن الراهن لا يكون قرن الإسلام دون توحيد صفوف الأمة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ولذلك نقول لكم بكل صراحة: إن الأوضاع الراهنة تتطلب قليلا من الاهتزاز والإقدامات الانتفاضية والانطلاقة من رؤساء الدول العربية خاصة ومن الدول الإسلامية عامة، وليس هناك أي شيء باق للوقوع في حياة الأمة من التعذيب والعقوبة ومن الإدانة والجزاء الذي واجهته الأمة على الصعيد الدولي في هذه الأعوام الأخيرة، فلماذا تخافون ؟ أي شيء تواجهون إذا قمتم لمقاومة هذه التحديات؟ لعلكم نسيتم أو تناسيتم أن الإسلام حرض الأمة على الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، وما حرض أي دين من الأديان أتباعه على التضحية في سبيله، ولذلك يجب عليكم أيها الرؤساء أن تخططوا خططا رئيسية لتوحيد صفوف الأمة قبل فوات الأوان.
المراجع والمصادر
1-  منسوب إلى عمرو بن كلثوم، الشاعر الجاهلي، المعلقات السبع، المكتبة الإمدادية، داكا
2-  صحيح مسلم، ج/ 4/2053، حديث رقم: 2666.تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
3-  القادري ، د/ عبد الله بن أحمد، الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته،ج/ 2، دار الـمنارة بـجدة، ط 1، 1405 ه، ص/289.
4-  الغامدي، د. عبد الله ، الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته،ج/ 1، دار القلم، بيروت، ص/ 417 ــ 418.
5-  الجندي، أنور، الإسلام والغرب، منشورات المكتبة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1982 م– 1402 هـ ص/ 9
6-  الندوي، أبو الحسن على الحسني، ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين، المركز العالمي للكتاب الإسلامي، الكويت. ص/ 76 
7-  الدوسري، عبد الرحمن: صفوة الآثار والمفاهيم، ج/ 4، بتصرف، شركة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض، ط 1، 1405 هـ.ص/ 278
8-  حسين، د. عثمان علي، الافتراق وآثاره على الأمة، مجلة الشريعة ....، جامعة أم القرى، السعودية، العدد:18، عام:2011، ص/250
9-    القرطبي، الإمام أبو عبد الله،  الجامع لأحكام القرآن:ج/ 7، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1965م ص/150
10-      رضا، السيد محمد رشيد، الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية، المكتب الإسلامي، بيروت، ص/ 177
11-    المودودي، أبو الأعلى، الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، دار القلم، الكويت، ط : 1980 ص/ 16
12-   البخاري، أبو عبد الله محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ.
13-     المصدر الساتبق
14-   المصدر السابق
15-        الإمام أبو حنيفة، الفقه الأكبر، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ص/ 273
16- الإمام الشاطبي، الاعتصام ، دار الشروق، بيروت، ص/ 321
17- المصدر السابيق
18- المصدر السابق
19- الدهلوي، شاه ولي الله، عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، مكتبة الحراء، بدهلي الجديدة، الهند . ص/ 37
20- الإمام مالك، الموطأ، رقم الحديث 1395، دار الشروق، بيروت،
21- الإمام، ابن تيمية، جامع الرسائل لابن تيمية، المجموعة الثانية، تحقيق محمد رشاد سالم، ط دار المدني للنشر، ط 1، 1405 هـ. ص/ 229 ــ
22- الإمام، ابن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، دار الشروق، بيروت، ص/ 5
23- الإمام الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
24-        الإمام، أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد 38/ 474 حديث رقم: 23489. مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1420هـ/ 1990م.
25- طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، دار القلم ، بيروت، ط: 1938م ص/31
26- الندوي، أبو الحسن على الحسني، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، دار الأنصار، مصر، ط : 1980 ص/ 114-115
27- السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، ج/ 4، حديث رقم: 5118، دار الكتاب العربي، بيروت. ص/492

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة