أحدث المشاركات

الجمعة، 25 مارس 2016

ادخلوا في السلم كافة د. عبد النصير أحمد الشافعي المليباري أستاذ علم الكلام وأصول الفقه، جامعة الإمام الشافعي، شيآنجور/ إندونيسيا

ادخلوا في السلم كافة

د. عبد النصير أحمد الشافعي المليباري
أستاذ علم الكلام وأصول الفقه،
جامعة الإمام الشافعي، شيآنجور/ إندونيسيا


___________________________________________________________________
أصاب جهازَ التلفزيون عندي عطلٌ مبهم، فلم يعمل جيدا، ولما دققت النظر إليه خُيِّل إليَّ أنه لا ينقصه شيء من آلاته، وأخيرا لما جاء المهندس المتخصص وأصلحه باستبدال جزء تالف منه بجزء صالح استأنف العمل. فهذا الجهاز الحقير إذًا يتوقف عن أداء عمله إذَا اختل أمر يسير فيه، وقد تتوقف الدبابة عن السير في ميدان القتال لقطعة صغيرة تنقصها في مقدمتها أو مؤخرتها.

إن شأن الكون كلِّه كذلك، إذا اختل جزء من أجزائه اختل نظامه، وإذا غُيِّر شيء من قانونه الذي وضعه صانعه – جل وعز – توقف عن أداء عمله المطلوب منه. ولك أن تتابع كثيرا صورَ الحياة في عالم السماء والأرض والبحار، لتقِفَ على مَشاهِد كثيرة من أنظمة الحياة الحيوانية والنباتية، فلن ترى مكانا للعبث في شيء من هذه الصور والمشاهد كلها ! كل أنيط بمهمته، فهو عاكف عليها بجد، منصرف إليها بأمانة، كل قد علم صلاته وتسبيحه، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا، وهو حسير.
وحتى السباع الضارية لا تتحرك في عدوانها وافتراسها إلا ضمن نظام ومنهاج، يدرك ذلك أولو الأبصار والبصائر، ويظل الكون يستمر في عطائه وعمله إلى أن يعتدي الظالمون ويتجاوزون أمر الله، فعند ذلك يظهر الفساد في البر والبحر.
إن تعاليم الإسلام كذلك، لا تصلح الحياة وتقيم المجتمعات إلا على النحو الذي شرحنا، كعقاقير الأدوية، لا يتم الشفاء بها إلا إذا أخذناها كما جاءت، وأما إذا طرحنا عقارا وتناولنا آخر فلن يندمل لنا جرح. وما يعانيه المسلمون اليوم في حياتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية ليس إلا لأنهم يُجِدون مع بعض الإسلام ويهزلون مع بعضه الآخر، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فلا يحصدون من هذا التناقض إلا ضياع الدين كله. إن الإسلام ليس رقعة في ثوب، بل هو ثوب كامل، يرتديه الإنسان كله، بجانبيه العقدي والعملي، أو يخلعه كله بجانبيه معا.
أفيعقل فيما يقرره المنطق، أيُّ منطق، أن تكون الأكوان المحيطة بالإنسان عاكفةً على مَهام ووظائف جادة هادفة صارمة، ملتزمة بالقانون الإلهي التكويني بكلياته ثم يكون الإنسان وحده، الذي هو محور هذه المكونات، والمتميز عنها جميعا بخصائص الوعي والتمييز والإدراك والعلم، هو مظهرَ العبثِ في الوجود، ولا يُطلَب منه الالتزام التام والدخول في السلم كافة، وهل يتجه أن يقال للإنسان: كن مطمئنا، فلك أن تعيش كما شئت، أو افعلْ ما تريد واتركْ ما تريد، أيُعقل ذلك في المنطق السليم !؟ ولا أظن أن بمقدور العاقل أن يتصور ذلك.
يقول الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة/ 208]، وقيل في تفسير هذه الآية أقوال، منها: أن المراد بالمؤمنين فيها هم المنافقون الذين آمنوا بلسانهم، ولم تؤمن قلوبهم؛ حتى ينسجم مع «السلم»، أي الإسلام المذكور في الآية؛ لأن المؤمن الحقيقي لا يكون إلا مسلما، فكيف يؤمر بدخوله في الإسلام، وهذا تحصيل الحاصل، والذين فسروها هكذا يستندون إلى السياق الذي وردت فيه هذه الآية؛ حيث ذُكِر قبلها المنافقون وبعض سماتهم.
ومنهم من فسرها بأن المراد به الدخول في جميع شرائع الإسلام اعتقادا وعملا، والتمسك بشعب الإيمان كلها، من غير إخلال بشيء من أحكامه. وقيل غيرُ ذلك من التفسيرات([1]).
وبالجملة فإن الجزء الذي يتمسك الكثيرُ به من الإسلام هو كالجزء السليم من جهاز التلفزيون، الذي يتمسك به صاحبه عند ما يصاب بخلل في بعض آلِياته، فهل هذا التمسك يجدي شيئا في إعادة عمل هذا الجهاز، من غير أن يصلح الجزء الآخر الذي أصابه الخلل !
خذ مثلا حد السرقة، وقد نهى الإسلام عن السرقة، وأمر بقطع يد السارق، ولا شك أنه تشريع يشتمل على خير كثير، مع إحياء أوامر الله كلها، وإقامة شعب الإيمان الكثيرة، ومطاردة آفات البطالة والجوع والفقر. وأما مع رفع كل رقابة عن طريق الاكتساب غير المشروع عند أهل الثراء، وإهمال النظر في كسب الأغنياء الحرامِ، وإيقاع الضعاف في البؤس والضر فالأمر يحتاج إلى تبصر في التطبيق ! ولا نعني بذلك أننا نتريث في إقامة حد من حدود الله، معاذ الله، ولكنا نقول مقالةَ الحسن، وقد رأى الشرطة تقبض على لِصٍّ، فقال: أ سارق السر يُسعَى به إلى سارق العلانية !؟ وما كذلك دين الله.
وكل تعسير للحلال حتما يؤدي إلى تيسير للحرام، ففي اليوم الذي صار الزواج فيه مسألة معقدة بالنسبة إلى الرجل – وأنا أتكلم عن البلاد العربية – لِغُلُوِّ مهرِ النساء ومُطالباتهنَّ فلا يليق بواعظ أو مُذَكر في المسجد أن يُسمِع النساءَ قِصةَ تلك المرأة التي عارضت سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين قرر تخفيف المهور، ويبين لهن – وهن جاهلات عن أكثر تعاليم الإسلام – أن لا حدود للمهر في الإسلام، وقصة سيدنا عمر حدثت في مجتمع كان الرجل فيه قادرا على الزواج مثنى وثلاث ورباع، وكان الانحلال الخلقي لم يحل به بعد، وكان الحرام يقع فلتات نادرة، بينما نحن الآن نعيش في أيام نحسات، نعاني من فتيان ألفوا أن يقضوا صدر عمرهم في التسول الجنسي والانحراف الشائن، وصارت فيه الأعراف المتعلقة بالزواج لا صلة له بتقوى الله عز وجل، ولا بالاستعفاف السري والباطني، ولا الطهر النفسي والاجتماعي، بل هي أعراف تقوم في جملتها على رذائل الرياء والكبرياء، والانتفاخ والتعاظم والتكاثر.
إذا كان جهاز التفزيون لا يعمل بمجرد خلل في قطعة صغيرة واحدة فكيف إذا اختلت فيه قطعات كبيرة كثيرة ! وكيف إذا اتُّخِذ تطبيقُ شريعة الإسلام على حسب الهوى والشهوة، يأتي الإنسان بما يشتهيه، ويترك الكثير الذي خالف هواه وصادَمَ رغبتَه ! وهجر الأحكام بهذا الشكل والإقبال على البعض الآخر مخالف لمبدأ السمع والطاعة والتسليم المفروض على الإنسان المسلم؛ لأن ذلك يدل على أن ما أتى به ليس لأنه أُمِر به، فقد أمر بغيره كذلك، فلماذا أهمل إذًا، ألم يؤمر بالدخول في السلم كافةً ؟!.
وحال المسلمين اليوم مؤسفة جدا، توزعت دولهم على عشرات المجتمعات المتنافرة، هناك مجتمع لا تعترف بالحدود والقصاص، ومجتمع لا تعرف الحلال والحرام، وثالث يترك الصلاة والصيام والشعائر الظاهرة ! وأعداء الإسلام كلما يرون جزء من الأمة أصابه الشلل يسارعون بالتدخل الماكر؛ ليزيدوا الطين بلةً، أو يزيدوا المريض علةً؛ حتى يموت جسد الأمة موت الأبد.
ونحن نصرخ بأولئك المسلمين المفرطين أن يرجعوا إلى دينهم كله، لا يدعون منه شيئا، ولا يفرطون في جانب. والإسلام دستور شامل يعالج مشكلة النفس والمجتمع والدولة، ويتناول المعاش والمعاد، وإن تعاليمه تشبه شبكة الأعصاب المربوطة في الكيان الإنساني كله، لا تخلو منها جلدة بين الرأس والقدم. إن ديننا إيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإسلام وإحسان،وصلاة وصيام وحج وزكاة وصدقة، وبيع وشراء ونكاح وجهاد بالسيف والرمح والقلم واللسان، وطلب علم ونشر دعوة وأمر بمعروف وبناء مدارس ومساجد، وإخلاص وزهد وقناعة وتوكل ....
فضعف العقيدة مثلا ليس يترك أثره الرديء في صلة المسلم بربه فحسب، بل يتعدى ذلك إلى موقف الفرد من الجماعة، وموقف الدولة من العالم أجمع. وترك الصلاة ليس معصية في حق الله خاصة، بل يتضرر به إخوانه المسلمون([2])، ويكون ذريعة إلى انهيار الأخلاق وانتشار الآثام، وإهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بُرودا في عاطفة التدين فقط، ولكنه آية على موت الضمير الاجتماعي وتلاشي رسالة المرسلين، والاستهانة بالشعائر الظاهرة كذلك لها أثرها السيء في إلغاء أثر الدين الكامل في نفس الإنسان.
فمن يدعو إلى جانب واحد من جوانب هذا الدين، مهملا أو منكرا لجوانبه الأُخر فهو كمن يقدم إليك غصنا أخضر يانعا بعد أن اقتطعه من شجرته الراسخة الباسقة، هل تنتظر به إلا عاقبة الذبول والانمحاق !؟ وهي حتى لو أثمرت فأيقن المخاطَبون بمزايا التشريع الإسلامي والسياسة الإسلامية، ثم انقادوا له؛ نظرا لما فيه من هذه المزايا القانونية فإن هذا الانقياد لا يمت بحد ذاته إلى جوهر الإسلام بشيء، ولا يقربهم إلى الله شروى نقير؛ إذ هو ليس انقيادا دينيا منبعثا عن الخضوع لحكم الله وسلطانه، بل هو مجرد اختيار له من بين سائر الأنظمة الأخرى، صادرٍ عن المرجِّحات المصلحية في نطاق الأهداف الدنيوية، لا عن التبتل في محراب العبودية([3])، ولذلك كان سريع الزوال لأسباب تافهة. نعم، ولو فُرِض قيامُ نظام كهذا في العالم باسم الإسلام فلا يسعنا إلا أن نعتبره إسلاما في الظاهر، ونحن لا نحكم إلا بالظواهر.
ومن البلية الصماء التي أصيب بها المسلمون أن من يأتي منهم بعمل صالح يظنه هو الدينَ كلَّه، ويُقِيم القيامةَ على من قصَّر فيه، وهو في الوقت نفسه يكون متساهلا فيما لا يأتي به من بقية الشرائع والشعائر، ويبرر لتساهله بتبريرات، كان قد أنكرها من أخيه الآخر الذي قصر في واجب آخر، وهذه الازدواجية شنيعة لا تليق بمن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا. وفي مثله قال المتنبي:
أ غاية الدين أن تحفوا شواربَكم        يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
وهذا لا يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشترط فيه عند الفقهاء أن يكون القائم به عدلا كامل التقوى آتيا بكل الواجبات والمندوبات.والتجويز الفقهي لا يرفع الشناعة العرفية، وقد بينت ذلك في كتاب ألفته في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليرجع إليه من شاء.
والاستعمار الغربي والصهيونية العالمية يعرف هذه الحقيقة جيدا، وهو في حملته على الإسلام لا يقوم بهجوم شامل على كل شيء؛ إنه إذكى من ذلك وأدهى، بل يحاول إماتة بعض التعاليم أو سرقتها من الوعي العام، علما أن ما بقي سيتبع ما آخذ. والشيطان لا يأتي المصلي يحرضه على ترك الصلاة، وهو أعقل من أن يفعل به ذلك، بل يسول له التهاون في قضية أخرى قد يراها هذا المصلي سهلة بسيطة، ولكن الشيطان يدرك أن التهاون في الصغير سوف يؤدي إلى التهاون في الكبير، بل في الدين كله.
ولكن هناك جوانب في الإسلام يتوقف حياته عليها، وجوانب أخرى قد يعيش الإسلام بدونه عيشةً ما. مثله كمثل جسد الإنسان تماما، يعيش إذا قطعت أصابعه واندمل جرحها، أو جرحت عضو من أعضاءه الخارجية، أما إذا نزع منه القلب فإنه لن يعيش بعد ذلك لحظة. وهكذا الإسلام يعيش إذا بقي فيه الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبما علم مجيء هذا الرسول به ضرورة، وإن ارتكب بعد ذلك جريمة أو جرائم، وإن كان إتيان المعصية له تأثير سلبي جدا في شخص العاصي وكذا في المجتمع الذي يعيش فيه. أما إذا كذب بشيء مما علم مجيء رسول الله ﷺ به فإنه قد نزع منه الإيمان والإسلام، وصار مرتدا كافرا، نعوذ بالله من الخذلان.




([1]) انظر الإمام الرازي، التفسير الكبير: ج/ 5، ص/ 224، والآلوسي، تفسير روح المعاني: ج/ 2، ص/ 97.
([2]) وللإمام الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله كلام صريح فيما قلت، نقله عنه ابنه التاج في «معيد النعم» والإمام السيوطي في «الحاوي للفتاوي». انظر كتابنا: فطم المألوف والنأي عن المنذر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ص/ 154.
([3]) انظر: أ د. محمد سعيد رمضان البوطي، التعرف على الذات: ص/ 31.
________________________________________________
تم رفع هذا المقال (ليلة يوم 25 march 2016 )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة