بقلم: د/ تاج الدين المناني، الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية بجامعة كيرالا
ملخص البحث:
يتناول هذا المقال سيرة فضيلة الشيخ ك. بي. أبوبكر حضرت المعروف بلقب "نور العلماء"، رئيس جمعية العلماء بجنوب كيرالا وأحد كبار خريجي الدفعة الأولى من الجامعة النورية العربية بفيض آباد، ليسلط الضوء على مسيرته العلمية التي امتدت لأكثر من ستة عقود ونصف في خدمة التدريس، متنقلاً بين كبرى المعاهد والمساجد مثل الجامعة المنانية الإسلامية وجامعة أنوار الإسلام بأنوار الشيري وكلية المدرسة القادرية المشهورة بـ "مجلس القادرية" بكولابادام. كما يحلل المقال منهجه التربوي الفريد الذي يجمع بين أصالة "المنهج التربوي" وبين نظريات التعليم الحديثة التي اتبعها خلال تدريسه كإتقان التعلم والتربية بالقدوة، مشيراً إلى مهارته في تبسيط العلوم عبر القصص الإسلامية والأمثال الشعبية والحكم الاجتماعية الرزينة، ويبرز المقال مكانة الشيخ كمرجع روحي وعلمي تخرج على يده آلاف الطلبة، مجسداً دور المعلم كوارث للرسالة النبوية في بناء المجتمع وتوجيهه.
الكلمات المفتاحية: جمعية العلماء بجنوب كيرالا، الجامعة المنانية الإسلامية، مجلس القادرية، الأمثال الشعبية المليبارية.
مقدمة البحث
رحم الله أمير الشعراء حين قال: قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا أعلمت أشرف أو أجل من الذي ... يبني وينشئ أنفساً وعقولا
يجب منح المعلمين التقدير والتبجيل اللائق بمكانتهم، إذ تتقاطع رسالتهم السامية مع المنهج النبوي في الإصلاح والتوجيه. ومن خلال هذا المنظور، يؤكد الشاعر أحمد شوقي على المنزلة الرفيعة للمربي، معتبراً أن الدور المحوري الذي يضطلع به المعلم في صياغة وجدان المجتمع لا يقل أهمية عن الدور الذي قام به الأنبياء تجاه أممهم، باعتبارهم المهندسين الحقيقيين للأجيال القادمة. وهذا ما يفسر استمرارية حضور المعلمين العظماء في الذاكرة الجمعية للمجتمعات، حيث تخلد مآثرهم بالثناء والتقدير عبر العصور.
لقد فقدت الساحة الإسلامية في كيرالا علماً بارزاً من أعلامها، ونموذجاً فريداً في العلم الغزير، والتواضع الجمّ، والزهد والتقوى، فضيلة الشيخ "نور العلماء" ك. بي. أبو بكر حضرت، وقد شغل فضيلته منصب رئيس جمعية العلماء بجنوب كيرالا وعميد الجامعة المنانية العربية بوركالا، ويعدّ الشيخ من أقدم وأكبر العلماء الذين نالوا لقب "الفيضي" في الدفعات الأولى من الجامعة النورية العربية، حيث أفنى أكثر من ستة عقود ونصف في محراب التدريس والتربية، وفي هذا المقال سنتحدث عن جانبين كما يلي:
أولاً: المسيرة العلمية والروحية للشيخ
مولده ونسبه:
هو الشيخ ك. بي. أبوبكر بن الحاج عبد المجيد ولد الشيخ عام 1937م في أسرة دينية عريقة بقرية "باداموغال" بإرناكولام. تلقى تعليمه الابتدائي على يد كبار العلماء الصوفيين مثل شمس العلماء إي. ك. أبو بكر مسليار ومولينا كوتومالا أبو بكر مسليار. وتميز الشيخ بتبحره في كتب التفسير والحديث النبوي الشريف والفقه والنحو العربي، وكان يجمع بين العلم والعمل، حيث كان يقضي وقته بعد التدريس في الأذكار والأوراد الروحية، محافظاً على صلات وثيقة مع كبار المشايخ والصالحين.
أساتذته الأجلاء:
وهنا سنذكر أبرز مشائخه الذين تتلمذ عليهم، فبعد دراساته الابتدائية، انضم الأستاذ إلى درس العالم الشهير كونج أحمد المسليار الكوكري، الذي كان مدرساً في مسجد فاداموكال، حيث درس هناك لمدة خمس سنوات. ثم انتقل بعد ذلك إلى مسجد فانياتيل ببرفانانغادي، ليواصل تعليمه لسنوات عدة تحت إشراف الأستاذ أبو بكر المسليار المشهور بأستاذ كوتومالا الذي أشرف على تعليمه وتربيته. وعندما التحق أستاذه بالجامعة النورية بباتيكادو التحق الشيخ ك.بي. أيضاً كطالب هناك. ومن هناك تتلمذ على شمس العلماء الأستاذ إي. كي. أبوبكر المسليار، والأستاذ تازاكود كونج علوي. وكان الشيخ الأستاذ حيدروس المسليار من أبرز زملائه منذ طفولته الذي هو من مسقط رأسه.
تلامذته:
كان الأستاذ يتمتع بتبحر واسع في المذهبين الشافعي والحنفي. ولذا كان الطلاب يقصدونه من أماكن بعيدة لطلب العلم والدراسة على يديه. لقد مثّل الشيخ صرحاً علمياً شامخاً، ومقصداً لطلبة العلم والباحثين عن المعرفة الشرعية الرصينة، حيث استطاع برؤيته الثاقبة أن يخرج جيلاً من العلماء يحملون أمانة الرسالة العلمية والدعوية، مستمسكين بهوية الإسلام وعقيدته، ومستنيرين بمنهجه الشامل.
وقد نهل من معينه ثلة من العلماء والمؤلفين الذين برزوا كنقاط التقاء حضاري بين الثقافات، فجمعوا بين الأصالة والمعاصرة في نتاجهم الفكري. ومنهم: محمد الباقوي بتامبي، الأستاذ آتنغال عبد العزيز المولوي، عبد الناصر المعدني، أ. ك. عمر المولوي، سعيد الفيضي تديكاد، ك. أج. محمد المولوي، عليار الفيضي، ناصر الدين الفيضي، شرف الدين الباقوي، زين الدين الباقوي، تاج الدين المنانى، محمد شافعي المنانى وغيرهم كثير.
علاقته مع أصحاب الجمعيات الأخرى:
كان الشيخ يحافظ على علاقات ملؤها المحبة والود والاحترام مع جميع قادة المنظمات الإسلامية، بمن فيهم رئيس جمعية العلماء (سمستا) السيد جفري متوكويا تنغال، والسيد صادق علي شهاب تنغال، وكذا كان حاله مع قادة المذاهب والجمعيات الأخرى مثل رئيس جمعية العلماء (سمستا سني) الأستاذ أبو بكر المولوي الكانتابورامي المعروف بسلطان العلماء و رئيس جمعية العلماء (سمستانا) الأستاذ نجيب المولوي.
وفاته:
انتقل فضيلة الشيخ إلى جوار ربه في الساعة الخامسة عند أذان الصبح يوم الأحد يناير 2026م (14 رجب 1447هـ) مخلفاً حزناً عميقاً في قلوب تلاميذه ومحبيه، وقد ووري جثمانه الثرى في مقبرة مسجد جامع بموتاكاو (Muttakkavu) بمحافظة كولام، حيث يزوره الكثيرون للدعاء له والترحم عليه.
ثانياً: الملامح العظيمة في حياة الشيخ
لقد كان فضيلة الشيخ " الأستاذ ك. بي. " شخصية فذة تركت بصمة لا تمحى في قلوب تلامذته ومجتمعه. لم تكن حياته مجرد مسيرة تعليمية عابرة، بل كانت مدرسة حية تجسدت فيها القيم النبوية والتربوية. ويمكننا قراءة ملامح عظمته من خلال هذه الجوانب الخمسة:
أ) عالماً ربانياً
ب) معلماً مخلصاً
ج) إدارياً ماهراً
د) حكيماً بارعاً
هـ) منظماً منضبطاً
أ) عالماً ربانياً
لم يكن علمه مجرد نصوص تحفظ، بل كان نوراً يستضاء به. فقد جمع بين سعة الاطلاع وعمق التقوى، فكان "عالماً ربانياً" يربط القلوب بخالقها قبل أن يربط العقول بالكتب. كان حضوره يبعث السكينة، وكلامه يفيض بالحكمة والإيمان. إن الاستقراء التاريخي يثبت أن وراء كل شخصية رائدة أو مصلحة مؤثراً تربوياً صاغ معالم تفكيره، مما يجعل ترك الأثر المعرفي والتربوي في الآخرين معياراً حقيقياً لقيمة الحياة الإنسانية وجدواها، وفيما يلي سنسلط الضوء على منهج الشيخ في الجانب التربوي والتعليمي.
المنهج التربوي والتعليمي:
بناءً على تجربة طلابه، يمكن تحليل منهج الشيخ من خلال نظريات التربية الحديثة كما يلي:
إتقان التعلّم (Mastery Learning): كان يحرص على أن يستوعب كل طالب أدق التفاصيل قبل الانتقال إلى الدرس التالي. كما كان يخصص وقتاً إضافياً للمراجعة والتقييم لضمان معالجة أي فجوات معرفية لدى الطلاب بشكل فوري. بالإضافة إلى ذلك، ركز على تعزيز الثقة بالنفس من خلال تشجيع الطلاب على المحاولة مراراً حتى يتمكنوا من إتقان المهارات المطلوبة.
الدعم المعرفي (Scaffolding): تميز بأسلوب فريد في تبسيط المسائل المعقدة عبر ضرب الأمثال وقص القصص، فقد كان يربط المفاهيم النظرية بالواقع العملي ليسهل على الطلاب استحضار المعلومة وفهم عمقها. كما اعتمد على التدرج في عرض المعلومات، مما ساعد في بناء قاعدة معرفية صلبة لدى المتعلمين بأسلوب شيق وجذاب.
التربية بالقدوة (Modelling): كان الشيخ نموذجاً حياً لتلاميذه في التواضع والالتزام، وهو ما يؤكد أن المعلم الحقيقي هو الذي يصيغ مستقبل الأمة بأفعاله قبل أقواله. فلم يكن يكتفي بنصح تلاميذه بالانضباط وحب المعرفة، بل كان يجسد هذه القيم في أدق تفاصيل حياته اليومية أمامهم. هذا التطبيق العملي للقيم جعل من شخصيته مرجعية أخلاقية غرست في نفوس طلابه روح المسؤولية قبل أن يتلقوها كنصوص مكتوبة.
التعليم المتمركز حول الطالب (Student-Centered Approach): كان يشجع الطلاب على الحوار والبحث، ويبدي مرونة عالية في الاستماع إلى آرائهم وتصحيح مفاهيمهم بكل صدر رحب. لم يكن يكتفي بالتلقين، بل جعل من قاعة الدرس ساحة تفاعلية تمنح الطالب الثقة في التعبير عن أفكاره دون خوف من الخطأ. كما كان يراعي الفروق الفردية بين طلابه، موظفاً ذكاء كل فرد وقدراته الخاصة للوصول إلى الفهم العميق للمادة العلمية.
ب) معلماً مخلصاً
آمن الأستاذ بأن التعليم رسالة سامية وليس مجرد وظيفة. اتسم بالإخلاص المطلق في بناء عقول طلابه، فكان يحرص على تبسيط المعارف وغرس حب القراءة والاطلاع في نفوسهم. لقد كان أباً رحيماً قبل أن يكون معلماً حازماً، يسعى دائماً لرفعة شأن من يدرسون لديه.
أثناء توليه منصب نائب رئيس جمعية علماء بجنوب كيرالا (Dakshina Kerala Jamiyyathul Ulama)، أبدى الأستاذ استعداداً تاماً للتخلي عن الترشح لرئاسة الجمعية في ثلاث أو أربع مناسبات، مفسحاً المجال لغيره من الزملاء لتولي القيادة، ولأنه كان زاهداً في السلطة ولا يلهث خلف المناصب لم يظهر أي امتعاض أو تبرم تجاه تلك الفرص، ولم يتوارى يوماً عن نشاطات المنظمة أو يقل عطاؤه فيها. لقد كان دافعه الوحيد في كل ذلك هو مصلحة المنظمة ورفعتها، مؤثراً نفع الدعوة والحركة على بريق القيادة والمناصب.
وأثناء فترة عمله مديراً في الجامعة المنانية الإسلامية، تجلت أسمى معاني التواضع لدى الأستاذ؛ حيث أبدى استعداداً تاماً للتخلي عن منصب الإدارة لغيره في ثلاث أو أربع مناسبات. وبحكم تواضعه الجمّ، وإخلاصه العميق، لم يجد في نفسه أي غضاضة أو حرج في العمل تحت إشراف من هم أصغر منه سناً أو قدراً وظيفياً. لقد كان المحرك الوحيد لكل مواقفه تلك هو مصلحة المؤسسة ورقيّها، ضارباً بذلك مثالاً نادراً في نكران الذات وتقديم نفع الجماعة على الوجاهة الشخصية.
ج) إدارياً ماهراً
تجلّى نبوغه في قدرته الفائقة على إدارة المؤسسات وتوجيه الدفة بحكمة واقتدار. كان "إدارياً ماهراً" يعرف كيف يرتب الأولويات ويتخذ القرارات الصعبة بمرونة وذكاء، مما جعل من المؤسسات التي أشرف عليها نماذج يحتذى بها في النجاح والاستقرار.
لقد تجلت البراعة الإدارية لفضيلة الشيخ بوضوح إبان فترة عمله مديراً لجامعة أنوار الإسلام بأنوارشيري؛ حيث واجهت المؤسسة حينذاك (في سنة 1998م) أزمة عصيبة وكبيرة، فآثر الأستاذ البقاء والصمود بدلاً من المغادرة والانسحاب. وبقي مرابطاً هناك حتى استطاع بفضل حنكته أن يقود المؤسسة إلى مرحلة من الاستقرار والثبات قبل أن يغادرها. وعلى الرغم مما واجهه الشيخ في تلك الفترة وما تبعها من صعوبات وتحديات مست حياته الشخصية، إلا أنه لم يلق لها بالاً، واضعاً مصلحة المؤسسة ونمائها فوق كل اعتبار شخصي، ضارباً أروع الأمثلة في التفاني والإخلاص من أجل النفع العام.
المنهج النظامي الهندي:^1
وبما أننا نتكلم عن براعته في الإدارة فسنشير هنا إلى دوره في ترسيخ منهج نظامي للمؤسسات بعيداً عن العشوائية والارتجال. هذا المنهج ثمرة المرحلة الثالثة لتجديد مناهج الدراسات الإسلامية الهندية. فبدأت بتجديد الشيخ نظام الدين السهالوي المتوفى (1161هـ) هذا المنهج يعرف بالمنهج النظامي المتبع في المعاهد الإسلامية في الهند وطبق الشيخ نظام الدين هذا المنهج الجديد في مدرسة فرنگي محل بلكهنو.^2
قال عبد الحي الحسني في كتابه "الثقافة الإسلامية في الهند": "أما خصائص ذلك النظام، فإن الشيخ نظام الدين السهالوي المذكور أودع في نظامه هذا إمعان النظر وقوة المطالعة؛ ولذلك يحصل للطلبة بعد مدارستهم لذلك قوة المطالعة ودقة النظر والاستعداد لتحصيل الكمالات العلمية وإن كانوا لا يكملون بالفعل".^3 ومن أهم التعديلات التي أجراها الشيخ نظام الدين في المنهج أنه حذف عدة كتب في موضوع التفسير والحديث وأضاف كتب العلوم الآلية وركز على الفقه وأصوله^4.
لقد كان الشيخ ك. بي. حضرت وفياً للمنهج النظامي (Nizamiyya Manhaj) الذي يجمع بين أصالة الدروس التقليدية وبين التنظيم الأكاديمي للجامعات العربية العريقة. كان يرى في هذا المنهج توازناً دقيقاً، حيث يحافظ على المتون العلمية الرصينة مع تبسيطها لتناسب العصر الحديث. وقد تجلى ذلك في إدارته للجامعة المنانية العربية، حيث خرّج أجيالاً تجمع بين التبحر في الفقه واللغة وبين الوعي بالمتغيرات المعاصرة.
د) حكيماً بارعاً
"الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها"،^5 وقد كان الأستاذ عنواناً لها. تميز بقدرته على قراءة الأمور بعمق، ومعالجة المشكلات برؤية ثاقبة وهدوء تام. كان يلجأ إليه الناس لرجاحة عقله وفصله في المعضلات بكلمات جامعة وحلول سديدة تنم عن بصيرة نافذة.
كان الأستاذ دائماً ما يذكر تلامذته ومحبيه بأن المؤمن يجب أن يكون مصدر سلام وأمان أينما حلّ، فكان يقول: "على المرء ألا يكون سبباً في أذى أي شخص في المكان الذي يتواجد فيه". وفي وصاياه للطلاب الخريجين، كان يشدد دائماً على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف وعدم التسبب في أي فرقة أو شقاق داخل المجتمع أو المنظمة. كما كان يحث العاملين في حقل الدعوة والتبليغ على استحضار سيرة نبي الله زكريا عليه السلام دائماً،^6 والتدبر في دروسها وعبرها لتكون دافعاً لهم في الصبر والإخلاص.
الحكمة في التعامل الاجتماعي:
كان الشيخ يوصي طلابه دائماً بضرورة الحفاظ على علاقات متزنة مع الفئات المؤثرة في المجتمع مثل السياسيين، ورجال الشرطة، والإعلاميين. كان يرى أن الداعية والفقيه يجب أن يتحلى بالحكمة والسياسة الشرعية لتجنب الصدامات غير الضرورية التي قد تعيق مسيرة الدعوة والتعليم. كان الأستاذ يقرأ الصُّحف كلَّ يوم ويتابع الأخبار اليوميّة بدقّة. وفي الأيام التي ترد فيها أخبار عن معاناة المسلمين في أي مكان من العالم، كان الأستاذ يبدو حزيناً جدًا.
اتسمت سيرة الشيخ – رحمه الله – بالزهد والاعراض عن مباهج الدنيا، إذ انصرف عنها انصرافا كليا لاستحضاره حقيقة فنائها، مقتفيا في ذلك أثر السلف الصالح في تزهدهم وترفعهم عن زينة الحياة الدنيا رغم تيسّر أسبابها لهم. فغدا الشيخ بذلك نموذجا يحتذى به في الورع، ومنارة يستضاء بها في الزهد والاستقامة. ويبرز الشيخ كأحد القامات الدعوية التي وهبها الله مزية الصدق والإخلاص في سائر أحوالها. إذ تغلغل حب الإسلام في وجدانه وفكره، واجتمعت في شخصه خصال التقوى والورع، مع سعة في الأفق وتواضع جم، شهد به القريب والبعيد من تلامذته ومعاصريه حيث كان له علاقة روحية ووطيدة بالأساتذة الأجلاء مثل: المرحوم فوتيا فيلا عبد الرحمن المسليار، قطبي محمد المسليار، السيد عبد الرحمن إمبيتشيكويا الأزهري، الاستاذ موسى المولوي وادوتالا، مامي كوتي حضرت، تقي الدين فريد الدين المسليار الذي أشار إليه أن يعمل في مسجد تيو لا كارا (Thevalakkara) بمقاطعة كولام كخطيب وإمام ومدرس طوال 18 سنة.
حيث تتأكد اليوم حاجة الأمة الملحة إلى أنموذج "العالم الرباني" الذي يجسد القدوة الصالحة في سمته وأخلاقه وسائر شؤونه، ذاك الذي يحمل أمانة الدين بصدق وتجرد، وتتوافق في شخصيته الأقوال مع الأفعال في تناغم يعكس إخلاصا عميقا ووضوحا تاما.
استخدام الأمثال الشعبية والفكاهة:
كان الشيخ يستخدم الأمثال الشعبية لإيصال الرسائل الأخلاقية العميقة، ومنها:
"بانديمانيان عبء في الموت والحياة" (
pandi maniyan chathalum vina): لتوضيح المواقف المعقدة التي تتطلب حكمة بالغة."خشب الغابة وفيل السيد، واسحب ما استطعت!" (
kattile thadi thevarude valiyeda vali aana): والصيغة الكاملة لهذا المثل هي: الخشب في الغابة، أما الفيل فللسيد، فاسحب كما يحلو لك، يستخدم الأستاذ ك. بي هذا المثل ليشير إلى اللامبالاة التي يظهرها الناس تجاه الأمور التي لا تخصهم ولغرس قيم الأمانة والمسؤولية الاجتماعية لدى الطلاب."ثبات كوروب" (
kuruppinte urapp): للتأكيد على أهمية الصدق والوفاء بالعهد. بهذا النموذج، كان يرسخ في نفوس طلابه أن الكلمة أمانة والموقف مبدأ، وأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في صموده على الحق مهما بلغت الضغوط. ولقد جعل من هذا "الثبات" معياراً للتفريق بين العلم النافع الذي يهذب السلوك، وبين مجرد حشو الأذهان بالمعلومات دون أثر أخلاقي ملموس.
هـ) منظماً منضبطاً
لعل أبرز ما ميز شخصيته هو الانضباط الصارم والتقدير العالي لقيمة الوقت. فقد كان مثالاً يحتذى به في الدقة والترتيب، سواء في هندامه، أو مواعيده، أو طريقة إلقائه لدروسه. هذا الانضباط هو الذي مكنه من إنجاز الكثير وترك أثر باقٍ يتوارثه الأجيال، وبالنظر إلى السمات الجوهرية التي يجب أن يتسم بها المعلم، نجد أن الشرائع الدينية والقيم الإنسانية أجمعت على محورية "الانضباط والدقة في المواعيد". لقد كان الالتزام بالوقت وإنجاز المهام في وقتها المحددة يمثل الركيزة الأساسية في حياة الرواد وقادة النهضة، وهو ما يعكس الجدية والمسؤولية في أداء الأمانة التعليمية، وفيما يلي نستعرض بعض اهتماماته بالالتزام بالوقت:
كان فضيلة الشيخ ك. ب. أبوبكر حضرت (نور الله مرقده) نموذجاً حياً للالتزام بالوقت والانضباط في كل شؤون حياته. لم يكن الوقت عنده مجرد ساعات تمر، بل كان أمانة غالية من الله تعالى يجب استغلالها فيما ينفع الدين والأمة. إن الالتزام بالوقت الذي تحلى به الشيخ ك.ب. أبوبكر حضرة لم يكن مجرد عادة، بل كان منهجاً تربوياً وأخلاقياً يعكس عمق إيمانه بمسؤوليته تجاه العلم والمجتمع. ويمكن تلخيص ملامح التزامه بالوقت في النقاط التالية:
الدقة في المواعيد: كان الشيخ رحمه الله يقدس المواعيد بشكل منقطع النظير. فإذا حدد وقتاً لدرس أو محاضرة أو اجتماع، تجده حاضراً قبل الموعد المحدد، مما كان يبعث في نفوس طلابه ومحبيه هيبة واحتراماً كبيراً للوقت.
الانضباط في التدريس: لم يتأخر الشيخ يوماً عن حصصه الدراسية، بل كان يرى أن التأخر عن الدرس هو تضييع لحق الطلاب وإخلال بأمانة العلم. وبفضل هذا الالتزام غرس في نفوس تلاميذه أهمية "الالتزام بالوقت" كجزء لا يتجزأ من شخصية طالب العلم.
ترتيب الجدول اليومي: كانت حياة الشيخ تسير وفق نظام دقيق، فوقت للعبادة، ووقت للمطالعة، ووقت للتدريس، ووقت لخدمة المجتمع. لم يكن يترك مجالاً للعشوائية أو تضييع الأوقات فيما لا يفيد.
قدوة للأجيال: لم يكن الشيخ يكتفي بنصح طلابه بالالتزام بالوقت، بل كان يطبق ذلك عملياً في أدق تفاصيل حياته، مما جعل "الالتزام بالوقت" صفة ملازمة لكل من تخرج من مدرسته العلمية.
خاتمة البحث:
إن حياة الشيخ ك. بي. أبوبكر حضرت كانت تجسيداً لرسالة الأنبياء في التعليم والتربية. ترك خلفه آلاف التلاميذ الذين يواصلون مسيرته في نشر العلم والفضيلة، وسيظل ذكره حياً في قلوب المحبين والباحثين عن الحقيقة. وفي الختام، نبتهل إلى المولى -جل وعلا- أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومرضاته، وأن يسبغ عليه شآبيب مغفرته، ويجزيه عن العلم وأهله وعن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به عباده الصالحين. كما نسأله سبحانه أن ينزل الصبر والسكينة على قلوب ذويه وطلابه ومحبيه، وأن يرفعه درجات في عليين، ويحشره في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الفردوس الأعلى من الجنة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
أحمد شوقي، قصيدة الديوان "مصر"
د. س.ك. محمد عبد الرحمن الفيضي: حلقات الدروس في مساجد كيرالا، مالابورام، 2023م
عبد الحي الحسني: الثقافة الإسلامية في الهند، المقدمة في تاريخ نظام الدرس جيلاً بعد جيل، مؤسسة هنداوي، 2017م، ص: 19
محمد واضح رشيد الندوي، حركة التعليم الإسلامي في الهند وتطور المنهج، ص - 30، المجمع الإسلامي العلمي، لكهنو، الطبعة الأولى 2006م.
الهوامش السفليّة
1.هناك منهجان نظاميان مشهوران في العالم الأول المنهج النظامي: هو منهج مشتمل على العلوم الإسلامية والمادية ابتكره العلماء للمدارس النظامية التي بناها الوزير نظام الملك (هو أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي الملقب بنظام الملك، ولد سنة [408هـ / 1018م] في نوقان إحدى قرى الراذكان التابعة لولاية طوس) في القرن الخامس الهجري. ومما يجدر بالذكر أن محاولة الأمير الفاضل نظام الملك أثرت في تنظيم المناهج في العلوم الإسلامية وآلاتها والعلوم المادية وكانت توطئة لتجديد المناهج في حلقات التدريس بالمساجد. يذكر الباحث ابتكار نظام الملك منهجاً جديداً في مدارسه في العالم الإسلامي، والثاني هو المنهج النظامي الهندي يأتي بيانه في متن المقالة.
2. د. س.ك. محمد عبد الرحمن الفيضي: حلقات الدروس في مساجد كيرالا، مالابورام، 2023م.
3. عبد الحي الحسني: الثقافة الإسلامية في الهند، المقدمة في تاريخ نظام الدرس جيلاً بعد جيل، مؤسسة هنداوي، 2017م، ص: 19.
4. محمد واضح رشيد الندوي، حركة التعليم الإسلامي في الهند وتطور المنهج، ص - ٣٠، المجمع الإسلامي العلمي، لكهنو، الطبعة الأولى ٢٠٠٦ م.
5. قول سار مسرى الحديث الشريف، ومعناه صحيح وإن وصف بضعف الإسناد.
6. وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى. وقال أيضاً: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ففر منهم بشجرة فانفلقت له فدخل فيها فالتأمت عليه، فأخذ الشيطان بهدبة ثوبه فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها. كذا في فتح الباري لابن حجر.