د/ شنل
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية م. أس. م.، كايمكولم، كيرالا، الهند
مجلة العاصمة : المجلد الرابع عشر ۲۰۲۲
مقدمة
بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في سنة ۱۹۷۱م، اهتمت الدولة بمظاهر الرقي العلمي والأدبي والازدهار الاجتماعي، مع اختلاط الحضارات الأجنبية الحديثة، وفي جانب آخر قد تقدم هذا البلد باكتشاف النفط في جميع المجالات الثقافية والحضارية، حيث توافدت العمالة بالكثرة على دولة الإمارات من جنسيات عربية وأجنبية، خاصة بعد خروجها من الهيمنة الاستعمارية البريطانية، بحيث صارت الإمارة بحرا زاخرا من الثقافات والحضارات، واستفاد الكتاب والأدباء والمبدعون الإماراتيون من هذه التقدمات فغاصوا في بحارها ناهلين من مجوهراتها المكنونة على إبداعاتهم (١)
الرواية الإماراتية
وفي مجال الرواية، قد ظهرت التقدمات الزاهرة واستفاد الروائيون الإماراتيون من تواصلهم مع عالم الحضارة الحديثة فجاءت تجربة الكتابة الروائية في دول الخليج كلها بعد النصف الثاني من القرن العشرين. إن الرواية دخلت بسرعة ووجدت المكان الكبير بين الفنون الأدبية من الساحة الثقافية الإماراتية وفيها برز الكثير من الروائيين الإماراتيين الذين قدموا العشرات من الروايات بمختلف أشكالها حتى صارت هي أصلح الأجناس الأدبية لمعالجة الظواهر الاجتماعية، وتعد الرواية في دولة الإمارات كأحدث فنون للكتابة الأدبية. وعلى الرغم من ذلك، إن الرواية الإماراتية ما زالت غير معروفة خارج الإمارات على مر السنين(٢)
يوافق النقاد على أن رواية "شاهندة" لراشد عبدالله النعيمي التي صدرت في عام ١٩٧١ هي أول رواية في الإمارات، وهي التي تعد نقطة التحول في تطور فن الرواية يناقش فيها عن حياة فتاة اسمها شاهندة التي عاشت الظلم في صغرها، وعندما تكبرت استغلت جمالها للانتقام من الرجال، وفي عام ١٩٧٤، كتب محمد غباش (٣) روايته الأولى ولكنه لم ينشرها. وتعتبر كالتسلسل الثاني على صعيد الرواية في الإمارات مع "دائما يحدث في الليل" و"مزون". بعد ذلك، قد صدرت رواية "عنق يبحث عن عقد" لعبد الله الناوري في عام ۱۹۷۸ التي تعتبر أول رواية بوليسية في الإمارات (٤).
وفي بدايات الثمانينيات، شهدت محاولات جديدة في مجال الرواية في الإمارات وامتدت هذه التجربة الروائية والحركة الأدبية حتى يومنا هذا، والأهم منها محاولات علي أبو الريش (٥) ، حيث أصدر روايته الأولى "الاعتراف"(٦) في سنة ۱۹۸۲ ، ثم الرواية "السيف والزهرة" في سنة ١٩٨٤. أما في منتصف الثمانينيات، فطرأت التغيرات والتحولات على المنطقة وصارت سببا لصدور عدة روايات في دائرة الأدب الإماراتي مثل جروح على جدار الزمن"، و"عندما تستيقظ الأشجان"، "ساحل الأبطال" لعلي محمد راشد، و"أحداث مدينة على الشاطئ" لمحمد حسن الحربي، وابن مولاي "السلطان" و"الرجل الذي اشترى اسمه" لمنصور عبد الرحمن وغيرها كثير.
فالأغرب منها، إن الرواية الإماراتية لم تزدهر خارج آفاق الإمارات في السنين الطويلة حتى التسعينيات من القرن العشرين. أما أغلب الروايات التي صدرت في هذه الفترة فاتجهت إلى معالجة القضايا مثل الفوارق الاجتماعية والخلافات العائلية والثقافية والمشكلات الإنسانية العادية بالنسبة إلى ذلك، تحدثت الروايات عن قضايا تتعلق بتغير المجتمع بعد ظهور عائدات الثروة النفطية(٧). فأصدر الشيخ سلطان بن محمد القاسمي (٨) بالروايات المهمة، مثل "الشيخ الأبيض" (١٩٩٦)، و"الأمير الثائر " (۱۹۹۸)، و"الحقد الدفين" (٢٠٠٤). ولعله هو أول من كتب نصا مسرحيا مثل على الخشبة بعنوان "نهاية صهيون" عام ١٩٥٨ ، في تاريخ المسرح في دولة الإمارات.
وبعد التسعينيات من القرن الماضي، قد انتشرت محاولات الكتابة الإبداعية كما بدأت إصدارات المؤلفات خاصة بعد دخول المرأة الإماراتية عالم الكتابة الأدبية (٩)، أثناء ذلك، قد دخلت الروايات الإماراتية في المجالات الجديدة مثل الرواية التاريخية والرواية العاطفية والرواية البوليسية وغيرها في بداية القرن الحادي والعشرين.
الرواية النسائية الإماراتية
بعد الثورة التعليمية في الإمارات، تطورت الحياة الاجتماعية وصارت قضية المرأة موضوعا فكريا في ظل هذه المحاولات، ظهرت إسهامات المرأة الإماراتية في هذا الميدان في جانب آخر، كانت هذه هي بداية الرواية النسوية فيها، فمعظم الروايات التي جاءت في هذه المرحلة أقرب للحكاية، ولغة السرد فيها مباشرة(١٠)، مثل رواية "ملائكة وشياطين (۱۹۹۰) لباسمة يونس (١١) ، ورواية شجن بنت القدر الحزين" (۱۹۹۲) لسارة الجروان (١٢) وغيرهما. وبعد ذلك جاء سيل الروايات النسائية التي بها تبوأت الروائية الإماراتية مكانة متقدمة تجاوزت من الناحية الكمية مكانة الرجل مثل رائحة الزنجبيل" (۲۰۰۸) لصالحة غابش(١٣)، و"حلم كزرقة البحر"(١٤) لأمنيات سالم و"لعله أنت" (۲۰۱۰) لباسمة يونس، وشارع المحاكم" لأسماء الزرعوني و"عذراء وولي وساحر لسارة الجروان و"ريحانة" (۲۰۰۳) لميسون صقر (١٥)، و"تشاؤب الأنامل" (٢٠٠٤) لرحاب الكيلاني (١٦). وكذلك ظهرت روايات عديدة تتحدث عن فكرة حرية المرأة وتلامس البنية التحتية لواقع الخليج وغيرها من الفكرة الاجتماعية الإماراتية.
بعض الروايات الإماراتية المهمة
رواية "شاهندة" (۱۹۷۱): هي أول رواية ظهرت في الإمارات صاحبها راشد عبد الله. تتحدث الرواية عن الفتاة شاهندة الجميلة التي يتمناها الجميع، لأنها قادمة من أرض غريبة، إنها ابنة الضباب، والموجة الغامضة والسرية. لم يقدم الروائي نظرة أحادية للإنسان، بل سعى إلى تكامل النظرة إليها في تلك الفترة التاريخية، فقد جعل الجوع يدفع الشخصيات إلى سلوك غير إنساني، ويحولهم من الحرية إلى العبودية تقف "شاهندة" كتجربة عالية في المشهد الأدبي المحلي.
"بين طرقات باريس" (۲۰۰۸): أول رواية لفاطمة الحمادي، هي رواية اجتماعية تدور أحداثها ما بين الشرق العربي في بيئة رأس الخيمة في الإمارات والغرب الأوروبي في باريس عاصمة فرنسا، وتتناول حكاية الإنسان في بناية باريسية قديمة، وتصور فيها العلاقات اليومية والاجتماعية الحميمة التي تشوبها بعض النزعات والأنانيات.
"حارس الشمس" (۲۰۰۹) رواية ألفها إيمان اليوسف (١٧)، تدور أحداث الرواية في الموصل بالعراق قبل العام ٢٠١٤ م، حول أشكال المعاناة العراقية تتحدث هذه الرواية عن حسين منصور حارس جامع النبي يونس، الذي يحلم بقطعة أرض يزرع فيها أزهار ونبات عبّاد الشمس، ويجمعه هذا البحث عن الأرض والزوجة مع مليكة، تلك العروسة الجزائرية القادمة من فرنسا مع زوجها وأم جواد الأرملة التي قدمت من البصرة وتتشابك تفاصيل الرواية لتطرح سلسلة من الأسئلة عن الوطن والأرض، والتمسك بالذات والأحلام. نالت هذه الرواية الجائزة الأولى لمسابقة الإمارات للرواية عام ۲۰۱٦ م وتم إنجازها بإشراف برنامج دبي الدولي للكتابة التابعة لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.
"لعله أنت" رواية صنفتها باسمة يونس (١٨) بأسلوب بالغ الشفافية يجمع بين قوة البساطة وقوة اللغة الشعرية، وهي رواية تحكي عن حبيبين ارتبطا بعلاقة روحانية. تتناول الرواية، بأسلوب متدفق، علاقة الحب بين مريم وهلال الشخصيتين المركزيتين في الرواية، وتبين الكاتبة فيها كيف أن أعراف الكبت الاجتماعية التي تُفرض على البنت تصبح عقدة مستحكمة تمنعها من الاعتراف لنفسها بحبها، ويولّد ذلك الكبت الخوف الدائم. ويجدر بالذكر أن الكاتبة استفادت كثيرا من تقنية الرسائل لتحريك أحداث روايتها.
"سيح المهب" (۲۰۰۷) رواية لناصر جبران (١٩) ، تدور في بنية مكانية ضيقة هي المقهى الأقرب إلى المسرحية التي شكلت الذاكرة الماضي، يبين فيها أحوال مجموعة متنوعة من البشر في مجتمع خليجي وفي رصد التحولات لهذا المجتمع بشكل دقيق، كما أطل بشكل خاص على عالم العمالة الأجنبية وتأثيرها في النسيج الاجتماعي. وتشكلت الرواية إلى جانب تجارب روائية ناضجة لعدد من الكتاب الإماراتيين مشهدا جديدا أضاف كثيرا للمشهد السردي الإماراتي حيث يرتفع فيها صوت الكاتب على شكل خطاب مباشر في كثير من الأحيان.
" طروس إلى مولاي "السلطان" (۲۰۰۸) رواية ألفتها الكاتبة سارة الجروان (٢٠)، تشكّل حلقة من حلقات الإبداع النسوي في منطقة الخليج العربي، وتحكي فيها حياة عائلة تنحدر من إحدى القبائل الخليجية العريقة، يهاجر ربها إبان الانتداب البريطاني إلى سلطنة عمان ثم يعود ليستقرّ بها. ويصور فيها الأحوال في دولة الإمارات العربية المتحدة على خلفية ازدهار التجارة وظهور النفط وفقا لهذا، يتناول السرد تفاصيل الأجيال المتعاقبة، والمرض والفقر، وتعدّد الزوجات وقمعهنّ، وشغف التعليم وغيرها.
الخاتمة
إن نشأة الرواية العربية الإماراتية وتطورها قد ارتبطت بالأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية خاصة بعد اكتشاف النفط، ثم نمت الكتابة الروائية في الإمارات سريعا على سوقها وتطور نتاجها بعد المرحلة الجنينية حيث عالجت مواضيع وثيقة الصلة بالواقع الاجتماعي المحلي وغيرها. في الخلاصة يمكن القول إن العالم الروائي الإماراتي المعاصر متنوع ومتوسع، كما يتسم المشهد بتعدد الأصوات والاتجاهات في الكتابة السردية.
الحواشي
١. Western Asia a political History,Dr.T Jamal Muhammed ,P.308
٢. فراس أحمد شواخ البناء الفني في الرواية الإماراتية، بحث لنيل درجة الماجستير)، جمهورية السودان، جامعة النيلين، ۲۰۱۸م، ص - ۲۲
٣.محمد غباش (و. ١٩٥٢) له عدة مؤلفات في مجالي الأدب والفكر السياسي: من لا يعرف شيئا فليكتب سلطة أكبر من مطلقة.. مجتمع أقل من عاجز، قراءة في المشهد السياسي الخليجي وغيرها من البحوث والدراسات.
٤.أحداث الرواية تدور حول عقد الذهب الذي هو بمثابة حلم قديم لسلوى "بطلة الرواية
٥.روائي وشاعر وإعلامي إماراتي كبير، و ١٩٥٦٠م، عمل في عالم الصحافة، وأخذ يترقى في المناصب حتى وصل في ۲۰۰۷ إلى منصب مدير التحرير.
٦. فراس أحمد شواخ البناء الفني في الرواية الإماراتية جمهورية السودان جامعة النيلين، ٢٠١٨م، ص - ١٦
٧. https://www.albayan.ae/paths/art/2012-09-23-1.1732199
٨.سلطان بن محمد القاسمي (و ۱۹۳۹۰) هو حاكم إمارة الشارقة وعضو المجلس الأعلى للإمارات العربية المتحدة. تولى الحكم منذ عام ١٩٧٢. ويعتبر أيضا مؤرخا شهيرا ونشر العديد من الأعمال المسرحية والأدبية.
٩. فراس أحمد شواخ البناء الفني في الرواية الإماراتية جمهورية السودان، جامعة النيلين، ٢٠١٨م ص - ٢١
١٠. رسول محمد رسول صورة المرأة في الرواية الإماراتية، وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، ٢٠١٦م. ص - ٩
١١. باسمة هي أول امرأة تشارك بكتابة عمل مسرحي في مهرجان أيام الشارقة المسرحي منذ بداية دوراته لها العديد من الأعمال الروائية والمسرحية
١٢. و ١٩٦٩٠، وتعتبر ثاني امرأة إماراتية تنشر رواية ( شجن بنت القدر الحزين) ومنذ ذلك الحين ، كتبت ثلاث روايات أخرى ومجموعة قصص قصيرة وكتاب حكايات شعبية إماراتية.
١٣. نالت غابش على جائزة المرأة العربية المتمزة في الأدب من الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي عام ٢٠٠٨
١٤. تقدم رواية أمنيات سالم حلم كزرقة البحر صورة حزينة أليمة لفتاة دون العشرين من عمرها، تحمل أحلاماً شفافة جميلة لكنها تنهار جميعاً بسبب تصدعات الواقع وانهياراته وتحولاته المادية والروحانية والفكرية والاجتماعية،
١٥. صدرت أولا طبعة دار الهلال بالقاهرة
١٦. كاتبة وأكاديمية إماراتية. حاصلة على شهادة الدكتوراه والماجستير في اللغة العربية. وهي عضو اتحاد كتاب الإمارات، ولها نشاط فاعل في كتابة الدراما،
١٧. إيمان اليوسف كاتبة إماراتية (۱۹۸۷). صدر لها روايتين ثلاث مجموعات قصصية قصيرة. تعتبره كأول كاتبة إماراتية تكتب فيلم إماراتي قصير نسائي تم عرضه في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام ٢٠١٧
١٨. باسمة يونس ، هي أديبة إماراتية. لها العديد من الأعمال القصصية والمسرحية والروائية ، حصلت على ١٢ جائزة محلية وعربية،
١٩. رسول محمد رسول، صورة المرأة في الرواية الإماراتية، وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، ٢٠١٦.
٢٠. فراس أحمد شواخ البناء الفني في الرواية الإماراتية، بحث لنيل درجة الماجستير، جامعة النيلين، جمهورية السودان، ۲۰۱۸.
٢١. حمدي السكوت، قاموس الأدب العربي الحديث، دار الشروق، القاهرة ، ۲۰۰۹
0 تعليقات
أكتُبْ تعليقا