قصيدة (واحر قلباه) كاملة لشرح المتنبي
قال أبو الطيب المتنبي يعاتب سيف الدولة الحمداني مظهرًا قوة أدبه وعزة نفسه:[البحر: البسيط - الشرح والتحقيق الميسر للموبايل]
١-
وَا حَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
وَمَنْ بِجِسْمِي وَحَالِي عِنْدَهُ سَقَمُ
(١) الشَّبِمُ: البارد. والشَّبَم: البرد. وقد شَبِمَ الماء — بالكسر — فهو شَبِمٌ، ومطر شَبِمٌ، وغداة ذات شبم، وقيل لابنة الخس (الخس: رجل من إياد، وابنة الخس: الإيادية التي جاءت عنها الأمثال، واسمها هند، وكانت معروفة بالفصاحة): ما أطيب الأشياء؟ قالت: لحم جزور سنمة، في غداة شبمة، بشفار خذمة، في قدور هزمة؛ أرادت في غداة باردة. والشفار الخذمة: القاطعة. والقدور الهزمة: السريعة الغليان. والشَّبَم: الذي يجد البرد مع الجوع، قال حميد بن ثور:
(القطامي بضم القاف وفتحها: الصقر، مأخوذ من القطم، وهو المشتهي اللحم. والهجارس: الثعالب. وقيل: جميع ما تعسس من السباع ما دون الثعلب وفوق اليربوع.) يقول: وا حر قلبي واحتراقه حبًّا وهيامًا بمن قلبه بارد لا يحفل بي ولا يقبل عليَّ، وأنا عنده عليل الجسم لفرط ما أعاني وأقاسي فيه، سقيم الحال لفساد اعتقاده فيَّ. هذا وقوله: وا حر قلباه، أصله وا حر قلبي، فأبدل من الياء ألفًا طلبًا للخفة، والعرب تفعل ذلك في النداء، واستجلب هاء السكت وأثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف, وحرك الهاء لسكونها وسكون الألف قبلها، وللعرب في ذلك أمران: منهم من حرَّك بالضم تشبيهًا بهاء الضمير، وأنشدوا لامرئ القيس:
(قولهم: يا هناه: أي يا رجل، لا يستعمل إلا في النداء. يقول: كنا متهمين فحققت الأمر.) ومنهم من يحرك بالكسر على ما يوجد كثيرًا عند التقاء الساكنين.
٢-
مَا لِي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَرَى جَسَدِي
وَتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الأُمَمُ
(٢) براه: أنحله وأضناه. وأكتم: مبالغة من الكتمان. وتدعي: منصوب بأن مضمرة بعد الواو، وسكنه ضرورة، أو على لغة. يقول: إذا كان الناس يدعون حبه ويظهرون خلاف ما يضمرون فلمَ أخفي أنا حبه الذي برح بي وأسقمني، وأعين على نفسي بهذا الكتمان؟
٣-
إِنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ
فَلَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الْحُبِّ نَقْتَسِمُ
(٣) الغرة: الطلعة. يقول: إن كان يجمعني وغيري أن نكون محبين له؛ أي إن حصلت الشركة في حبه، فليتنا نقتسم فواضله وعطاياه بمقدار ذلك الحب حتى أكون أوفر نصيبًا من غيري؛ لأني أوفر حبًّا من غيري. وقال ابن جني: أي إن كان يجمعنا من آفاق البلاد المتباعدة حب لغرته، فليت أنا نقتسم بره كما نقتسم حبه.
٤-
قَدْ زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الْهِنْدِ مُغْمَدَةٌ
وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ دَمُ
(٤) والسيوف دم: أي مخضبة بالدم. يقول: إنه خدمه في حالي السلم والحرب.
٥-
Fَكَانَ أَحَسَنَ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ
وَكانَ أَحْسَنَ مَا فِي الأَحْسَنِ الشِّيَمُ
(٥) الشيم: جمع شيمة، وهي الخليقة والخلق. يقول: إنه كان في الحالين أحسن الخلق وكانت أخلاقه أحسن ما فيه، وإنما المرء خلقه.
٦-
فَوْتُ الْعَدُوِّ الَّذِي يَمَّمْتَهُ ظَفَرٌ
فِي طَيِّهِ أَسَفٌ فِي طَيِّهِ نَعَمُ
(٦) يممته: قصدته. والأسف: الحزن. يقول — وكان سيف الدولة اتبع بعض ملوك الروم ففاته: فوت العدو الذي قصدته ففاتك، بأن فر منك لاستحكام جزعه، ظفر حيث فر منك، فكأنك ظفرت به وإن كان في طي هذا الظفر أسف حين لم تدركه فتقتله، وفي طي ذلك الأسف نعم؛ إذ صرف الله عنك مؤنة الحرب، وحفظ جيشك مما قد يلم به من قتل وجراح.
٧-
قَدْ نَابَ عَنْكَ شَدِيدُ الْخَوْفِ وَاصْطَنَعَتْ
لَكَ الْمَهَابَةُ مَا لا تَصْنَعُ الْبُهَمُ
(٧) البهم: الأبطال الذين تناهت شجاعتهم، جمع بهمة، ويقال للجيش: بهمة، ومنه قولهم: فلان فارس بهمة وليث غابة، قال ابن جني: البهمة في الأصل مصدر وصف به ولا فعل له. وقال بعضهم: قيل للكماة: بهم لأنه لا يهتدي لقتالهم من قولهم شيء مبهم. يقول: إن خوف أعدائك منك ناب عنك في شدة تأثيره فيهم، فصنع لك ما لا تصنعه عساكرك الشجعان، يعني أن مهابتك في قلوب أعدائك أبلغ من رجالك وأبطالك الذين معك.
٨-
أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئًا لَيْسَ يَلْزَمُهَا
أَنْ لا يُوَارِيَهُمْ أَرْضٌ وَلا عَلَمُ
(٨) يواريهم: يسترهم ويكنهم. والعلم: الجبل. يقول: ألزمت نفسك شيئًا لم يكن ليلزمها؛ وذلك رغبتك في أن لا يواري أعداءك أرض تشتمل عليهم أو جبل يحول بينك وبينهم، وإباؤك إلا أن تقتلهم حتى بعد هربهم، وهذا لا يلزمك؛ لأنه يكفيك أن تكون قد هزمتهم، أو تقول: ألزمت نفسك أن تتبعهم أينما فروا وتدركهم حيثما تواروا من الأرض، وهذا أمر لا يلزمك بعد أن تكون قد هزمتهم. يريد أنه لا يرجع عنهم إلا بعد قتلهم ولا يكفيه ما يكفي غيره من الظهور عليهم.
٩-
أَكُلَّمَا رُمْتَ جَيْشًا فَانْثَنَى هَرَبًا
تَصَرَّفَتْ بِكَ فِي آثَارِهِ الْهِمَمُ؟!
(٩) رمت: طلبت. وانثنى: ارتد. وهربًا: حال. يقول: أكلما طلبت جيشًا فارتد هاربًا منك وهزمته، حفزتك همتك إلى اقتفائه واقتفاء آثاره حتى تعمل فيهم سيفك، وهذا استفهام إنكار؛ أي ليس عليك أن تفعل وحسبك انهزامهم.
١٠-
عَلَيْكَ هَزْمُهُمُ فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ
وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ عَارٌ إِذَا انْهَزَمُوا
(١٠) المعترك: ملتقى الحرب. يقول: عليك أن تهزمهم إذا التقوا معك في مجال الحرب والقتال ولا عار عليك إذا انهزموا فتحصنوا بالهرب؛ إشفاقًا منك وخوفًا من لقائك فلم تظفر بهم.
١١-
أَمَا تَرَى ظَفَرًا حُلْوًا سِوَى ظَفَرٍ
تَصَافَحَتْ فِيهِ بِيضُ الْهِنْدِ وَاللِّمَمُ
(١١) بيض الهند: السيوف. واللمم: جمع لَمّة؛ وهي الشعر إذا ألم بالمنكب. يقول: ليس يحلو لك الظفر إلا إذا ضربت رؤوسهم بالسيف وتلاقت سيوفك وشعورهم.
١٢-
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إِلا فِي مُعَامَلَتِي
فِيكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
(١٢) يقول: أنت أعدل الناس إلا إذا عاملتني فإن عدلك لا يشملني. وفيك خصامي وأنت الخصم والحكم؛ لأنك ملك لا أحاكمك إلى غيرك، وإنما أستعدي عليك حكمك والخصام وقع فيك، وإذن كيف ينتصف منك؟ قال ابن جني: هذه شكوى مفرطة؛ لأنه قال في موضع آخر: وَمَا يُوجِعُ الْحِرْمَانُ مِنْ كَفِّ حَارِمٍ ... كَمَا يُوجِعُ الْحِرْمَانُ مِنْ كَفِّ رازِقِ وإذا كان عدلًا في الناس كلهم إلا في معاملته فقد وصفه بأقبح الجور.
١٣-
أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً
أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
(١٣) قال ابن جني: سألته — أي المتنبي — عن الهاء في «أعيذها» على أي شيء تعود؟ فقال: على «النظرات». وقد أجاز مثله أبو الحسن الأخفش في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ فقال: الهاء راجعة إلى الأبصار، وغيره من النحويين يقول: إنها إضمار على شريطة التفسير، كأنه فسر الهاء بالنظرات، ونظرات — كما قال التبريزي — في موضع نصب على التمييز؛ أي من نظرات. يقول: إنك إذا نظرت إلى شيء عرفته على ما هو عليه فنظراتك صادقة تصدقك فلا تغلط فيما تراه فلا تحسب الورم شحمًا، وهذا مثل، يقول: لا تظن المتشاعر شاعرًا كما يحسب الورم سمنًا.
١٤-
وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ
إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ
(١٤) الناظر: العين. يقول: إذا لم يميز الإنسان البصير بين النور والظلمة فأي نفع له في بصره؟ يعني: يجب أن تميز بيني وبين غيري ممن لم يبلغ درجتي كما تميز بين النور والظلمة؛ لأن الفرق بيني وبين غيري ظاهر ظهور الفرق بين النور والظلمة، فلا ينبغي أن يستويا في عيني البصير.
١٥-
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي
... وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
(١٥) يقول: إن الأعمى على فساد حاسة بصره أبصر أدبي، وكذلك الأصم سمع شعري؛ يعني أن شعره سار في آفاق البلاد واشتهر حتى تحقق عند الأعمى والأصم أدبه فكأن الأعمى رآه لتحققه عنده، وكأن الأصم سمعه. وكان المعري إذا أنشد هذا البيت يقول: أنا الأعمى.
١٦-
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الْخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ
(١٦) الشواهد: سوائر الأشعار — من قولهم: شرد البعير: إذا نفر — والضمير في «شواردها»: للكلمات. قال ابن جني: يحتمل أن يراد بالكلمات: جمع كلمة التي هي اللفظة الواحدة، وهذا أشد في المبالغة، ويجوز أن يعني بالكلمات القصائد، وهم يسمون القصيدة كلمةً. وملء جفوني موضع المصدر: أي أنام نومًا ملء جفوني، ويقال: فعلت ذلك جراك ومن جرائك؛ أي من أجلك، وكذلك: من جلالك ومن إجلالك، ومن جللك، كله من أجلك. قال جميل:
[أي من أجله، وقيل من جللك: من عظمك في عيني. وقوله: رسم دار، قال ابن سيده: أراد: رُبَّ رسم دار، فأضمر «رب» وأعملها فيما بعدها مضمرة.] وأنشد الكسائي على قولهم: فعلته من جلالتك — أي من أجلك — قول كُثَيّر:
[الخرق: البعد.] ووحد الضمير في «يختصم» على لفظ الخلق، لا معناه. يقول: أنا أنام ملء جفوني عن شوارد الشعر لا أحفل بها لأني أدركها متى شئت بسهولة، أما غيري من الشعراء فإنهم يسهرون لأجلها ويتعبون ويختصمون. قال الواحدي: ومعنى الاختصام اجتذاب الشيء من النواحي والزوايا؛ مأخوذ من الخصم، وهو طرف الوعاء (جاء في اللسان: الخصم — بالضم — جانب العدل وزاويته، يقال للمتاع إذا وقع في جانب الوعاء من خرج أو جوالق أو عيبة: قد وقع في خصم الوعاء وفي زاوية الوعاء، قال: وخصومة السحابة جوانبها. قال الأخطل يصف سحابًا:
أي تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرار: الثقيل ذو الماء، وتحاملت بأعجازه دفعت أواخره خصومها؛ أي جوانبها.) يقول: إنهم يجتذبون الأشعار احتيالًا ويجتلبونها استكراهًا.
١٧-
وَجَاهِلٍ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي
حَتَّى أَتَتْهُ يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ
(١٧) مده: أمهله وطول له. وأصل الفرس: دق العنق، ومنه سمي الأسد فراسًا. يقول: رب جاهل خدعته مجاملتي، وتركه في جهله — خرقه — ضحكي منه حتى افترسته وبطشت به بعد زمان. يعني أنه يغضي عن الجاهل ويحلم إلى أن يجازيه ويعصف به.
١٨-
إِذَا نَظَرْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً
فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
(١٨) يقول: إذا كشر الأسد عن نابه فليس ذلك تبسمًا بل قصدًا للافتراس. يريد أنه وإن أبدى بشْره وتبسمه للجاهل، فليس ذلك رضًا عنه. وفي مثل هذا يقول أبو تمام: قَدْ قَلَّصَتْ شَفَتَاهُ عَنْ حَفِيظَتِهِ ... فَخِيلَ مِنْ شِدَّةِ التَّعْبِيسِ مُبْتَسِمَا
١٩-
وَمُهْجَةٍ مُهْجَتِي مِنْ هَمِّ صَاحِبِهَا
أَدْرَكْتُهَا بِجَوَادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ
(١٩) المهجة: الروح. ومهجتي: مبتدأ، ومن هم صاحبها: خبر، والجملة صفة لمهجة. والهم: ما اهتممت به. والجواد: الفرس الكريم. والحرم: ما لا يحل انتهاكه. يقول: رب مهجة همة صاحبها مهجتي — أي قتلي وإهلاكي — أدركت هذه المهجة بفرس من ركبه أمن من أن يلحق، فكأن ظهره حرم لا يدنو منه أحد.
٢٠-
رِجْلَاهُ فِي الرَّكْضِ رِجْلٌ وَالْيَدَانِ يَدٌ
وَفِعْلُهُ مَا تُرِيدُ الْكَفُّ وَالْقَدَمُ
(٢٠) يصف جواده، يقول: لحسن مشيه واستواء وقع قوائمه في الركض كأن رجليه رجل واحدة؛ لأنه يرفعهما معًا ويضعهما معًا، وكذلك يداه — ويسمى هذا الجري النقال والمناقلة — ثم قال: وفعله ما تريد الكف والقدم؛ أي أن جريه يغنيك عن تحريك اليد بالسوط والرجل بالاستحثاث. وقال ابن الإفليلي: وفعله في السرعة ما تريد القدم التي بها يستعجل وفي المؤاتاة والموافقة ما تريد الكف التي بها يستوقف.
٢١-
وَمُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ الْجَحْفَلَيْنِ بِهِ
حَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ الْمَوْتِ يَلْتَطِمُ
(٢١) المرهف: السيف الرقيق الشفرتين. والجحفل: الجيش الكثير. وروى ابن جني: بين الموجتين: أراد موجتي الجيشين؛ لأنهما يموج بعضهما في بعض. يقول: ورب سيف سرت به بين الجيشين العظيمين حتى قاتلت به والموت غالب تلتطم أمواجه وتضطرب.
٢٢-
فَالْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
(٢٢) البيداء: الفلاة. وتعرفني، يروى: تشهد لي، ويروى بدل السيف والرمح: الضرب والطعن. وروى الواحدي: والحرب والضرب. يصف نفسه بالشجاعة والفصاحة، وأن هذه الأشياء ليست تنكره لطول صحبته إياها، يقول: الليل يعرفني لكثرة سراي فيه وطول ادراعي له، والخيل تعرفني لتقدمي في فروسيتها، والبيداء تعرفني لمداومتي قطعها واستسهالي صعبها، والسيف والرمح يشهدان بحذقي في الضرب بهما، والقراطيس تشهد لإحاطتي بما فيها، والقلم عالم بإبداعي فيما أقيده. هذا، والقِرْطاس والقُرْطاس والقِرْطَس والقرْطس كله الصحيفة الثابتة التي يكتب فيها، وأنشد أبو زيد لمخش العقيلي يصف رسوم الدار وآثارها كأنها خط زبور كتب في قرطاس:
٢٣-
صَحِبْتُ فِي الْفَلَوَاتِ الْوَحْشَ مُنْفَرِدًا
حَتَّى تَعَجَّبَ مِنِّي الْقُورُ وَالأَكَمُ
(٢٣) الفلوات: القفار. والقور: جمع قارة؛ وهي الأرض ذات الحجارة السوداء، والقور أيضًا: أصاغر الجبال. وأعاظم الآكام — جمع أكمة — قال منظور بن مرثد الأسدي:
(قوله: بأعلى ذي القور؛ أي بأعلى المكان الذي بالقور. وقوله: قد درست غير رماد مكفور؛ أي درست معالم الدار إلا رمادًا مكفورًا، وهو الذي سفت عليه الريح التراب فغطاه وكفره. وقوله: مكتئب اللون: يريد أنه يضرب إلى السواد كما يكون وجه الكئيب. ومروح: أصابته الريح. وممطور: أصابه المطر. وعيناء: مبتدأ، وسرور المسرور: خبره، والجملة في موضع خفض بإضافة أزمان إليها. يقول: هل تعرف الدار في الزمان التي كانت فيه عيناء سرور من رآها وأحبها.) والقور: يروى: القوز — بفتح القاف وبالزاي — وهو الكثيب الصغير، وجمعه أقواز وقيزان. قال ذو الرمة:
(قرض المكان يقرضه قرضًا: عدل عنه وتنكبّه. ومشرف والفوارس: موضعان. يقول: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين.) ويروى: الغور؛ وهو المطمئن من الأرض. والأكم: جمع أكمة؛ الجبل الصغير. يقول: سافرت وحدي وصحبت الوحش في الفلوات منفردًا بقطعها مستأنسًا بصحبة حيوانها حتى تعجب مني نجدها وغورها لكثرة ما تلقاني وحدي.
٢٤-
يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ
وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ
(٢٤) يقول: يا من يشتد علينا فراقه بما أسلف إلينا من عوارفه، كل شيء وجدناه بعدكم فإن وجدانه عدم، يعني لا يغني غناءكم أحد ولا يخلفكم عندنا بدل.
٢٥-
مَا كَانَ أَخْلَقَنَا مِنْكُمْ بِتَكْرِمَةٍ
لَوْ أَنَّ أَمْرَكُمْ مِنْ أَمْرِنَا أَمَمُ
(٢٥) ما أخلقه بكذا وأقمنه وأجدره وأحراه وأولاه: بمعنىً. وأمم: قريب. يقول: ما كان أحرانا ببركم وتكرمتكم في الاعتقاد لنا على نحو أمرنا في الاعتقاد لكم! يعني لو تقارب ما بيننا بالحب لكرمتمونا؛ لأنا أهل للتكرمة.
٢٦-
إِنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَا قَالَ حَاسِدُنَا
فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمُ أَلَمُ
(٢٦) يقول: إن سررتم بقول حاسدنا وطعنه فينا فقد رضينا بذلك إن كان لكم به سرور، فإن جرحًا يرضيكم لا نجد له ألمًا؛ لأن كل سرورنا في سروركم ورضانا في رضاكم. قال الواحدي: هذا من قول منصور الفقيه.
٢٧-
وَبَيْنَنَا ـ لَوْ رَعَيْتُمْ ذَاكَ ـ مَعْرِفَةٌ
إِنَّ الْمَعَارِفَ فِي أَهْلِ النُّهَى ذِمَمُ
(٢٧) بيننا: خبر مقدم، ومعرفة: مبتدأ مؤخر. وقوله لو رعيتم ذاك: اعتراض. والإشارة إلى مضمون الجملة: أي لو رعيتم أن بيننا معرفة. والنهى: العقول. والذم: العهود. يقول: إن لم يجمعنا الحب فقد جمعتنا المعرفة وذوو العقول يراعون المعرفة ويقدرونها حق قدرها، والمعارف عندهم عهود وذمم لا يضيعونها.
٢٨-
كَمْ تَطْلُبُونَ لَنَا عَيْبًا فَيُعْجِزُكُمْ!
وَيَكْرَهُ اللهُ مَا تَأْتُونَ وَالْكَرَمُ
(٢٨) يقول: كم تحاولون أن تجدوا لي عيبًا تعيبوننا وتتعلقون عليه وتعتذرون به في معاملتي فيعجزكم وجوده، وهذا الذي تفعلونه يكرهه الله ويكرهه الكرم الذي يأبى عليكم إلا أن تنصفوني منكم وتكافئوني بالجميل، وهذا تعنيف لسيف الدولة على إصغائه إلى الطاعنين عليه والساعين بالوشاية.
٢٩-
مَا أَبْعَدَ الْعَيْبَ وَالنُّقْصَانَ عَنْ شَرَفِي!
أَنَا الثُّريَّا وَذَانِ الشَّيْبُ وَالْهَرَمُ
(٢٩) وذان: أي العيب والنقصان. يقول: إن بعد ما بيني وبين النقصان والعيب كبعد الثريا من الشيب والهرم، فكما لا يلحقها الشيب والهرم لا يلحقني العيب والنقصان.
٣٠-
لَيْتَ الْغَمَامَ الَّذِي عِنْدِي صَوَاعِقُهُ
يُزِيلُهُنَّ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الدِّيَمُ!
(٣٠) الغمام: السحاب. والصواعق: جمع صاعقة؛ وهي تلك النار التي تسقط أثر الرعد الشديد. والديم: جمع ديمة؛ وهي مطر يدوم في سكون، وهو معلوم أن الصواعق مهلكة، وهي التي تكره وتخشى من الغمام، والديم نافعة وهي المرجوة من الغمام، فهو يقول: ليت الممدوح الذي يشبه الغمام والذي تصيبني صواعقه — يعني أذاه وسخطه — ويصيب غيري مطره — يعني بره ورضاه — يزيل ذلك الأذى إلى من عنده ذلك البر فينتصف الفريقان. وهذا من قول أبي تمام:
(أقصر: كف، ومثله قصر. واللها: جمع لهوة، العطية. والنائل: العطاء.) ومثله قول ابن الرومي:
(الحيا: المطر. وثرى جعد، وتراب جعد: لين ندي.) وقُوله أيضًا:
وأخذه السري الرفاء فقال:
٣١-
أَرَى النَّوَى تَقْتَضِينِي كُلَّ مَرْحَلَةٍ
لَا تَسْتَقِلُّ بِهَا الْوَخَّادَةُ الرُّسُمُ
(٣١) النوى: البعد. وتقتضيني: أي تطالبني، وقد ضمنه معنى تكلفني أو تجشمني؛ ولذلك عداه إلى اثنين. والوخد والرسم: ضربان من السير. والوخادة: الإبل التي تسير سيرًا سريعًا. والرسم: جمع رسوم؛ وهي الناقة التي تؤثر في الأرض بأخفافها لسيرها الشديد. يقول: أرى البعد عنكم يكلفني أن أقطع كل مرحلة لا تقوم بقطعها الإبل السريعة الشديدة؛ لبعدها وشدة أهوالها. وعبارة العكبري: أرى النوى التي أريدها، والرحلة التي اعتقدتها، تقتضيني تجشم كل مرحلة وافية لا تستبد بها الإبل لبعد منالها، ولا تطيقها لشدة أهوالها.
٣٢-
لَئِنْ تَرَكْنَ ضَمِيرًا عَنْ مَيَامِنِنَا
لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ
(٣٢) اللام في «ليحدثن» لام جواب القسم، وترك جواب الشرط لأنهما إذا اجتمعا كان الجواب للقسم، وترك جواب الشرط، وضمير «تركن» للوخادة والرسم. وضُمَيْر: جبل عن يمين الراحل إلى مصر من الشام قريب من دمشق. يقول: لئن لحقت ركابي بمصر ليندمن سيف الدولة على فراقي، وكان كما قال.
٣٣-
إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا
أَنْ لَا تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ
(٣٣) يقول: إذا رحلت عن قوم وهم قادرون على إرضائك حتى لا تضطر إلى مفارقتهم فهم المختارون لفراقك، فكأنهم هم الراحلون عنك. وإليك عبارة سائر الشراح قال الواحدي: إذا سرت عن قوم وهم قادرون على إكراهك حتى لا تحتاج إلى مفارقتهم فهم المختارون للارتحال، يريد بهذا إقامة عذره في فراقهم؛ أي أنتم تختارون الفراق إذا ألجأتموني إليه. وقال الإمام التبريزي: إن الرجل إذا فارق أناسًا، وقد ظنوا أنه غير مفارق لهم، أسفوا له، فكأنهم هم الراحلون. وقال ابن القطاع: رحلت عن المكان: انتقلت، ورحلت غيري: نقلته وسفرته، ومعناه: إذا ترحلت عن قوم قادرين على أن لا يفارقوك، فالراحلون عنك هم، والمعنى: أنه يخاطب نفسه ويشير إلى سيف الدولة حتى لا يذمه في رحلته قائمًا في ذلك عن نفسه بحجته. وقال العكبري: أي إذا رحل الراحل عن قوم وهم قادرون على إزاحة علته بإسعاف رغبته، وأغفلوه حتى ترحل عنهم، وانقطع بالزوال منهم، فهم الذين رحلوه، وأزعجوه وأخرجوه. ثم قال: وهذا من قول الحكيم: من لم يردك لنفسه فهو النائي عنك وإن تباعدت أنت عنه. وقال ابن وكيع — كعادته: هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
(العواصف والقواء — بفتح القاف — الخالية لا أحد فيها.) وأين هذا من ذاك؟
٣٤-
شَرُّ الْبِلَادِ مَكَانٌ لَا صَدِيقَ بِهِ
وَشَرُّ مَا يَكْسِبُ الإِنْسَانُ مَا يَصِمُ
(٣٤) يصم: يعيب. يقول: شر البلاد مكان لا يوجد فيه من يستروح إليه ويؤنس بوده، وشر ما كسبه الإنسان ما عابه وأذله؛ يريد أن هبات سيف الدولة وإن كثرت — مع جلالتها وسعتها — لا تعادل تقصيره في حقه وإيثاره لحساده.
٣٥-
وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتِي قَنَصٌ
شُهْبُ الْبُزَاةِ سَوَاءٌ فِيهِ وَالرَّخَمُ
(٣٥) الشهب: جمع أشهب؛ وهو ما فيه بياض يصدعه سواد. والرخَم: جمع رخمة؛ طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع، وعبارة اللغة: الرخمة طائر أبقع على شكل النسر خلقةً، إلا أنه مبقع بسواد وبياض ويقال له الأنوق، والجمع رخم ورخم. قالوا: وهو موصوف بالغدر والموق والقذر. يقول: شر ما قنصه الصائد وظفر به قنص يشركه فيه البزاة الشهب مع رفعتها والرخم مع ضعتها ودناءتها. وهذا مثل؛ يعني شر صيد صدته ما شاركتني فيه اللئام. يريد أن سيف الدولة يجريه في رسم العطاء مجرى غيره من خساس الشعراء؛ أي إذا ساواني في أخذ عطائك من لا قدر له، فأي فضل لي عليه؟!
٣٦-
بِأَيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ
تَجُوزُ عِنْدَكَ لَا عُرْبٌ وَلَا عَجَمُ؟
(٣٦) الزعنفة: وجمعه زعانف — اللئام السقاط بين الناس، وهو مأخوذ من زعنفة الأديم — الجلد — وهو ما تساقط من زوائده، أو من زعانف السمك — وهي أجنحته — أو من زعانف القميص وهي ما تخرق من أسافله، وكل هذا يشبه به الأوباش ورذال الناس. وتجوز: من جواز الدراهم وهو رواجه، وروي: تخور: من خوار البقر، وهو تصحيف، كما قال الواحدي، وإن كان صحيحًا في المعنى. وهذا كما يروى أن رجلًا قرأ على حماد الراوية شعر عنترة: (إِذْ تَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ) فأبدل من الباء في «تستبيك» نونًا، فضحك حماد وقال: أحسنت، لا أرويه بعد اليوم إلا كما قرأت. يقول — مخاطبًا سيف الدولة: هؤلاء السقاط من الشعراء بأي لفظ يقولون الشعر وهم ليسوا عربًا؟ لأنهم ليست لهم فصاحة العرب، ولا كلامهم أعجمي يفهمه الأعجام؛ أي أنهم ليسوا شيئًا. وعبارة الواحدي: هؤلاء الخساس اللئام من الشعراء بأي لفظ يُقوِلون الشعر، وليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب؟ فليسوا شيئًا.
٣٧-
هَذَا عِتَابُكَ إِلَّا أَنَّهُ مِقَةٌ
قَدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إِلَّا أَنَّهُ كَلِمُ
(٣٧) المقة: المحبة. يقول: هذا الذي أتاك من الشعر عتاب مني إليك إلا أنه محبة وود؛ لأن العتاب يجري بين المحبين. وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ وهو در — يعني حسن نظمه ولفظه — إلا أنه كلمات. وعبارة العكبري: هذا عتابك وهو وإن أمضك وأزعجك محبة خالصة ومودة صادقة، فباطنه غير ظاهره، كما أنه قد ضمن الدر لحسنه، وإن كان كلامًا معهودًا في ظاهر لفظه.
0 تعليقات
أكتُبْ تعليقا