ادعمنا بالإعجاب

العناصر الأخلاقية في أشعار أشهر شعراء العصر العباسي

محمد علي نيلامبرا

أستاذ مشارك بكلية مدينة العلوم العربية، بوليكل

يعتبر العصر العباسي من أثمن عصور الأدب الإسلامي، إلا أن المؤرخين والنقاد تكلموا كثيرا ما عن المساوئ الأخلاقية فيه دون أن يوفوا أدباء هذا العصر حقهم، ودون أن يلتفتوا إلى القيم المنتشرة في الشعر والنثر. فقالوا إن معظم الأدباء كانوا ماجنين ومتهاترين، ولكن إذا دققنا النظر لوجدنا أن الأدباء بغض النظر عن بعضهم بذلوا قصارى جهدهم لنشر القيم.

أبو الطيب المتنبي

أبو الطيب المتنبي 303 هـ 354 - هـ 915 م 965 - م هو أحمد بن الحسين بن الحسن 6 نسب بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي الكوفي المولد إلى قبيلة كندة نتيجة لولادته بحي تلك القبيلة في الكوفة لانتمائه لهم. عاش أفضل ايام حياته واكثرها عطاء في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب وكان من أعظم شعراء العرب، وأكثرهم تمكناً من اللغة العربية وأعلمهم بقواعدها ومفرداتها، وله مكانة سامية لم تتح مثلها لغيره من شعراء العربية. فيوصف بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، وظل شعره إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء. وهو شاعر حكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي . وتدور معظم قصائده حول مدح الملوك، ويقولون عنه بانه شاعر اناني ويظهر ذلك في اشعاره، ولقد قال الشعر صبياً، فنظم أول اشعاره وعمره ۹۹ سنوات، وأشتهر بحدة الذكاء واجتهاده وظهرت موهبته الشعرية مبكراً .

صورة خيالية لأبي الطيب المتنبي

أنه ترك تراثاً عظيماً من الشعر القوي الواضح، يضم ٣٢٦ قصيدة، تمثل عنواناً لسيرة حياته، صور فيها الحياة في القرن الرابع الهجري أوضح تصوير،ويستدل منها كيف جرت الحكمة على لسانه، لاسيما في قصائده الأخيرة التي بدأ فيها وكأنه يودعه الدنيا عندما قال: أبلى الهوى بدني.

الشَهامة

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

يهون علينا أن تصاب جسومنا
وتسلم أعراض لنا وعقول

فإن قليل الحب بالعقل صالح
وأن كثير الحب بالجهل فاسد
وحب الجاهلين على الوسام

العزة

فاطلب العز ولو كان في لظى
ودع الذل ولو كان في جنات الخلود

حسن الظن

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم

العفو

لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد

القناعة

إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم

الحلم والعلم

دعاني إليك العلم والحلم والحجى
وهذا الكلام النظم والناثل النثر

الصبر

وإني رأيت الضُرَّ أحسنَ منظراً
وأهونَ مِنْ مَرْأى صَغيرٍ بهِ كِبْرُ

أبو فراس الحمداني

هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني، يرجع أصله إلى قبيلة تغلب، ولد عام ۳۲۰ هـ، قتل أبوه وهو في الثالثة من عمره، وبهذا تربّى أبو فراس على يد أمه وبرعايه ابن عمه سيف الدولة الحمداني، الذي حالما أصبح حاكماً لحلب، اصطحبه معه ليحترف الأدب والفروسية والعلم. 
أبو فراس الحمداني ،صورة خيالية

اشتهر مجلس سيف الدولة بالعلماء والشعراء، أمثال المتنبي، والفارابي، وغيرهم، إلا أنه قرّب ابن عمه منه ، واصطحابه في غزواته، واستخلفه في أعماله المهمة، وانتهى الأمر أن قلّده إمارة منبج. عاش أبو فراس مرارة الأسر والغربة في القسطنطينية بعد ان غدر به أفراداً من حاشيته وأخذوه أسيراً، على أن يبادل الملك الروماني أبا فراس بابن أخته الذي كان أسيراً لدى سيف الدولة الحمداني. تأخر سيف الدولة في افتداء أبي فراس، فوصلت غربته في السجن ما يقارب السنوات السبع، وعليه، نراه يُخلّد مشاعره وحزنه في شعره، الذي عُرف باسم الروميّات، إذ يُفرغ فيها آلامه وحسرته على طول سجنه، متسلحاً بالصبر والجلد، إلى أن تمّ فداءه. توفي أبو فراس الحمداني عام ٣٥٧هـ عن عمر يناهز السابعة والثلاثين، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً في الديوان

الصبر

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما لهوى نهي عليك ولا أمر

بلى ، أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر

إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعا من خلائقه الكبر

تكاد تضيء النار بين جوانحي
إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

معللي بالوصل والموت دونه
إذا بت ظمآنا فلا نزل القطر

(قصيدة "أراك عصيّ الدمع")

أبنيتي لا تحزني كل الأنام إلى ذهاب

أبنيتي صبراً جميلاً للجليل من المصاب

نوحي عليّ بحسرةٍ من خلف ستركِ والحجاب

قولي إذا ناديتني وعييتُ عن ردّ الجواب

الموت

فإن عشت فالإنسان لا بد ميتا
وان طالت الأيام وانفسح العمر

ولا خير في دفع الردى بمذلة
كما ردّها يوما بسوته عمرو

(قصيدة "أراك عصيّ الدمع")

أبو نواس

أبو نواس أو الحسن بن هانئ الحكمي الدمشقي شاعر عربي من أشهر شعراء عصر الدولة العباسية ويكنى بأبي علي وأبي نؤاس والنؤاسي. وعرف أبو نواس بشاعر الخمر. ولكنه تاب عما كان فيه وأتجه إلى الزهد وقد أنشد عدد من الأشعار التي تدل على ذلك، انتقلت أسرة الشاعر إلى البصرة، والطفل أبو نواس في الثانية من عمره، وقيل في السادسة، وما لبث أن مات أبوه، فأسلمته أمه إلى الكتاب، ثم إلى عطار يعمل عنده أجيراً، يبري عيدان الطيب.
أبو نواس صورة خيالية

توفي والده فانتقلت به أمه من أهواز إلى البصرة في العراق، وهو في السادسة من عمره، وعندما أيفع وجهته إلى العمل في حانوت عطار وحين آلت الخلافة إلى بني العباس، انتقل من البصرة إلى الكوفة، ولم تذكر لنا كتب التاريخ سبب ذلك، غير أنه التقى والبة بن الحباب الأسدي الكوفي أحد الشعراء اللامعين في ميدان الخلاعة والتهتك، فعني به والبة أي عناية، إذ عمل على تأديبه وتخريجه. وصحب جماعةً من الشعراء الماجنين كمطيع بن إياس وحماد عجرد ثم انتقل إلى بادية بني أسد فأقام فيهم سنةً كاملةً أخذاً اللغة من منابعها الأصيلة. ثم عاد إلى البصرة وتلقى العلم على يد علمائها أدباً وشعراً.

العفو

يارب إن عظمت ذنوبي كثره
فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن
فيمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك رب كما أمرت تضرعا
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم

التوبة

تأمل في نبات الأرض والنظر
إلى آثاره ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات
بأحداق هي الذهب السبيك

على كثب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك

إلهي لا تعذبني فإني
مقر بالذي قد كان مني

يظن الناس بي خيرا وإني
لشر الناس إن لم تعف عني

العفة والوفاء

وذي حاجة قلنا لا تبح بها
فليس إلها ما حييت سبيل

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه
وأنت لأخرى صاحب وخليل

التقرب إلى الله

الورد في وجنتيه
والسحر في مقلتيه

وإن عصاني لساني
فالقلب طوع يديه

ياظالما لست أدري
أدعو له أم عليه

أنا إلى الله مما
دفعت منه إليه

شاعرية أبي تمام

أبو تمام 231 - 188 هـ 845-788 / م هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أحد أمراء البيان، ولد بمدينة جاسم من قرى حوران بسورية ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.
صورة خيالية لأبي تمام
كان أسمر، طويلاً، فصيحاً ، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع. وفي أخبار أبي تمام للصولي» : أنه كان أجش الصوت يصطحب راوية له حسن الصوت فينشد شعره بين يدي الخلفاء والأمراء. في شعره قوة وجزالة، واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني.

الحلم

من لي بإنسان إذا أغضبته
وجهلت كان الحلم رد جوابِه

وإذا صبوت إلى المدام شربت
من أخلاقه وسكرت من آدابِه

وتراه يصغى للحديث بطرفِه
وبقلبه ولعله أدرى به

الشجاعة

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ

وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا
وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ

الخاتمة

إن استقراء شعر الشعراء المجان في العصر العباسي, كفيل بأن يقرر أن مجونهم لم يكن ساذجاً ولا بسيطاً، ولم يكن صادرا عن عاطفة إنسانية بريئة، بل كان صادراً عن عقيدة استمدت أفكارها من وحي العقائد الغالية الهدامة أمثال المانوية والمزدكية والزندقة والشعوبية التي أباحت المحرمات واتخذت من اللهو والمجون والعبث والإباحية وشرب الخمرة طريقاً لإشاعة الفساد واضعاف سلطان الدين في النفوس، وبالتالي النيل من العروبة والإسلام ولا أدل على ما قدمنا القول فيه من ظهور الغزل بالغلمان لأول مرة في تاريخ الشعر العربي، ولا شك أنه كان أثراً من آثار تلك العقائد المجوسية المنحرفة كالمانوية التي نشأت في بلاد فارس وتسربت منها إلى البلدان المجاورة، وهم يروون أن المانوي كان يصطحب معه غلاماً يستخدمه في شؤونه ٢ وكذلك حذت حذو المانوية كثير من الفرق الغالية التي أباحت المحرمات ودعت إلى نشر الفساد. يقول الدكتور بديع شريف :

" إن انتشار المانوية التي نشأت في بلاد فارس كان سبباً من أسباب شيوع كثير من الانحرافات ومنها الغزل بالغلمان " والحقيقة التي لا تقبل الشك أن الأقوام من غير العرب الذين اختلطوا بالعرب في العصر العباسي والذين ظلوا متأثرين بعقائد المجوس وأفكارهم، هم الذين يقفون وراء تلك الموجة العارمة من الفساد وشيوع الخلاعة والإباحية التي شهدها العصر العباسي، سواء بتأثير عقائدهم الهدامة، أو أفكارهم وعاداتهم السيئة. ومما يعزز هذا أن أغلب الشعراء المجان في العصر العباسي كانوا من أصل غير عربي، وأن كثيراً منهم كانوا يدينون بتلك العقائد الغالية ولا شك أن هنالك بواعث أخرى كان لها الأثر الفاعل في مجون الشعر والشعراء في العصر العباسي, ولعل من أهمها : الباعث الحضاري والباعث السياسي والباعث الاجتماعي والباعث الفكري والعقائدي.

المصادر والمراجع

۱- محمد بن يحي الصولي، أبوبكر ، ود. خليل عساكير ، أخبار أبي التمام، ٢- الدينوري، أبو حنيفة ، الأخبار الطوال، دار إحياء الكتب العربية ، الجلبي، .ط-١، ١٩٦٠م - الجبوروي، عبد الله ، أشعار أبي الشيص الخزاعي، وزارة التربية العراقية، النجف بغداد، ١٩٦٧م. ٤- الأصفهاني، أبو الفرج، الأغاني، طبعة دار الكتب المصرية ، لبنان، ه- عباس عبد الحليم كتاب أبي نواس، دار المعارف.

مواضيع ذات صلة
الأدب العربي العالمي, دراسات أدبية,

إرسال تعليق

0 تعليقات