بقلم: عارف أحمد الحجاوي
ولد أحمد بن الحسين الجعفي الكِنْدِي الكوفي، المكنى بأبي الطيب، والملقب بالمتنبي، في عام 303 هـ . وقتل في 28 رمضان عام 354 هـ ولد في محلة كندة بالكوفة، ودخل الكتاب فتفتح ذهنه على المعارف صغيراً، وقال الشعر صغيراً. وخرج مع والده إلى الصحراء مرتين لاحقين بالبدو الذين أغاروا على الكوفة: مرة والصبي في التاسعة من عمره، ومرة وهو في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. وذهب المتنبي وهو في نحو السادسة عشرة إلى بغداد مرة أو أكثر، ولعله التقى ببعض علمائها. ومدح في العراق وهجا، وقال شعراً أثبته لنا في ديوانه ربما من باب الاعتزاز بهذا الشعر الباكر. ثم رحل إلى شمال الشام وهو في الثامنة عشرة، ومر بمنبج. ثم ساح في الصحراء مع البدو، منخرطاً في نشاطات قد يكون من بينها قطع الطريق، ولكن من بينها ممارسة التطرف الفكري مع شبان ورجال سمعوا أطرافاً من الأفكار الدينية غير المألوفة في المدن الكبرى.
وظفر به وبجماعة من صحبه أمير حمص لؤلؤ، الذي كان يتبع الإخشيد صاحب مصر. وحبسه لؤلؤ نحو سنتين.
خرج من الحبس وقد عرف وجوب التحلي بالحذر. وراح يمدح الأثرياء والقواد في منبج وأنطاكية واللاذقية وطبريا وطرابلس وطرسوس وجرش ودمشق والرملة. مدح منهم 32 رجلاً. مدح عرباً تنوخيين وطائيين في شمال بلاد الشام، ثم صحب بدر بن عمار قائد الجند في طبرية زمناً وعانى من دسائس حاشيته، وعانوا هم من قلقه وعُجبه. فانصرف إلى = شمال بلاد الشام من جديد مادحاً القادة والكتاب والقضاة.
في عام 336 اتصل المتنبي بأبي العشائر والي أنطاكية التابع لابن عمه سيف الدولة أمير الحمدانيين في حلب. ومدح المتنبي أبا العشائر. ثم انصرف إلى الرملة بفلسطين، ثم عاد في السنة التالية 337 إلى أنطاكية فقدمه أبو العشائر إلى سيف الدولة الذي حل بأنطاكية سنتئذ.
مع سيف الدولة انقطع المتنبي إلى سيف الدولة نحو تسع سنوات، قال فيها قريباً من سبعين قصيدة وقطعة. وقد أكرمه سيف الدولة وأقطعه قرية اسمها سبعين وجاء اسم القرية مع السبعين قصيدة في سطر واحد بمحض الصدفة، ولا أحس في نفسي نشاطاً لكي أفصل بينهما ، وأعطاه الأمير مالاً كثيراً وفضله على كل الشعراء، وكانوا في بلاط سيف الدولة كثراً. وحسده الشعراء والعلماء، وملوا من قلقه ومن اعتداده بنفسه، ومل سيف الدولة أيضاً، فكان بين الفينة والفينة يسمح لهم بالتطاول على المتنبي، فيتوتر شاعرنا ويشكو ويتألم، ويقول شعراً في ذلك كله. وكان المتنبي شجاعاً، وقد وكل به سيف الدولة من علمه ركوب الخيل واستخدام السلاح كأحسن ما كان يكون ذلك زمانئذ. وصحب المتنبي أميره في حملاته على الروم وعلى الأعراب. وكان المتنبي يحترم سيف الدولة لكرمه وشجاعته وحلمه، ولثقافته، وكان يحب فيه أيضاً تذوقه لشعره.
كان سيف الدولة يحكم شمال سوريا، بينما يحكم أخوه شمال العراق، وكان بينهما صلة ود في الغالب، وكانا يتبعان الخليفة العباسي في بغداد، ويحكمان باسمه مع استقلال ذاتي كانت كبير جداً. والدولة الحمدانية الغربية في ظل سيف الدولة – وهي التي تعنينا هنا دولة حدودية تنفق قسطاً كبيراً من مالها في مناوشة الروم البيزنطيين شمالاً، ولا تدخر جهداً في حماية المدن والقرى من غارات البدو. ولعل مصدر الدخل الرئيسي للجيش والبلاط كان الإتاوات الكبيرة التي يفرضها سيف الدولة بوساطة ولاته على القرى والمدن المزدهرة في منطقة خصبة تمتد من حمص إلى حلب ومن شاطئ المتوسط إلى الجزيرة الفراتية.
عاش المتنبي في كنف سيف الدولة راضياً بالحرب والضرب سعيداً بهذا القلق الخارجي الذي يخفف من قلق داخلي كانت تعج به نفسه. كان الخطر أفيون روحه، وكان لعبته.
لقد رأى المتنبي في صباه وشبابه كيف تقوم الدول على أكتاف رجال عاديين مثله: رأى مؤنس الخادم يتولى الأمر في بغداد، ويتسمى بأمير الأمراء (وكان المتنبي في الرابعة عشرة)، وفي السنة نفسها رأى بني حمدان يؤسسون دولتهم في الموصل بشمال العراق. وعندما بلغ المتنبي السابعة عشرة سمع بتولي محمد بن طغج مصر وتأسيسه دولة فيها منفصلة إلى حد كبير عن دار الخلافة. وفي السنة نفسها (320هـ .) رأى دولة البويهيين تنشأ في فارس ثم تمتد إلى العراق، وتتحكم في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بعد سنوات قلائل. ورأى ابن العميد الأديب الكاتب يتولى الوزارة في ناحية بفارس للبويهيين ) وكان ابن العميد آنذاك في الثامنة والعشرين من العمر بينما المتنبي في الخامسة والعشرين). وعندما بلغ المتنبي الثلاثين، وكان يمدح الكبراء في سوريا وفلسطين، رأى سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء الحمداني يستولي على حلب.
كان عصراً أسرع فيه التفكك إلى جسم الدولة العباسية. ليس أنها لم تشهد من قبل استقلال بعض الأمراء في المناطق البعيدة عن بغداد، ولكن الاستقلال الآن كان أكبر، وازدحمت الحركات الانفصالية الناجحة في فترة تشكل وعي أبي الطيب المتنبي. فكان طبيعياً أن يتجه طموحه إلى أن يكون أميراً أو وزيراً أو والياً.
قرأت في بعض كتب الإدارة أن شهوة التحكم في الناس، والتصرف بأرزاقهم وعزلهم وترقيتهم، شرط مهم للمدير الناجح.
ولا أكاد أشك في أن المتنبي امتلك نصيبه ونصيب عشرة آخرين من هذه الشهوة. وقد شهد أمثلة حية، في سنوات تكوينه على نشوء الإمارات. لكنه لم يمتلك من الشروط الأخرى، للمدير الناجح أو للأمير الناجح، إلا القليل. فهو يقول إنه فاتك شديد البطش، وهذا سبب يدعونا لتكذيبه، فالفاتك البطاش لا يقول عن نفسه ذلك؛ وهو يقول إنه حليم وحكيم، فأما الحلم فلا نظن صاحبنا ذاقه أو أذاقه أحداً، وأما الحكمة فكانت تتدفق من فمه مع الشكوى كأثر جانبي أو لعله كان يدرك الدرس بعد أن يخفق في مسعى من مساعيه. والحكيم من يتعلم من أخطاء غيره، لا الذي يتوجع من سقطاته. كانت له فلسفة في الحياة والموت معجونة عجنا بالتذمر، وهذا - أيضاً - شئ غير الحكمة. فإذا قرنت إلى كل تلك النواقص والعاهات في شخصيته ذكاءً حاداً، وعلماً غزيراً وفصاحة نادرة المثال، ونفساً قلقة خِلْقةً، فالنتيجة شاعر عظيم.
كنا نقول إن المتنبي حارب الروم والأعراب مع سيف الدولة. وعمل في الوقت نفسه وزيراً للإعلام عنده كان كوزراء الإعلام في الدولة المتخلفة في زمننا الحاضر. يمجد زعيمه، ويصفه بكل ما يمكن وما لا يمكن أن يكون في البشر من محاسن، ويبالغ ما شاء له. ويبرر هزائمه، ويرافقه في جولاته، ويحضر مجلسه. وكان سيف الدولة يعرف أثر ذلك في تكبير صورته، وتعظيم أفعاله في عيون منافسيه وأعدائه وحلفائه. كان المتنبي موظف علاقات عامة ممتازاً. وكانت شهرته قد توطدت، فلم يعد ينافسه أي شاعر في المشرق ولا في المغرب. كان يوجه وخزاته إلى بغداد وأمير أمرائها البويهي معز الدولة وخليفتها المطيع الله ولمعز الدولة بن بويه أيضاً - ويذكر البغداديين الرافلين في حياتهم الهانئة بأن هناك قوماً في الثغور يصدون الروم، وأنه لولا سيف الدولة لربط الروم خيلهم بنخيل العراق وسدرمصر.
عاش المتنبي حياة حافلة في بلاط سيف الدولة، لكنها لم تكن هادئة ولا هانئة. فهو لا يحتمل حياة الاستقرار. ولولا ما كان يناله من سيف الدولة من مال جزيل، وما كان أبو الطيب يكنه لأميره من حب واحترام لما دامت إقامته في حلب التسع سنوات.
عند كافور: تفاقم شعور الحصار داخل نفس المتنبي، فرحل عن حلب دون استئذان.
تسلل إلى ضيعته سبعين، ومنها انحدر جنوباً فوجد نفسه في دمشق التي تقع تحت حكم الدولة الإخشيدية بمصر. ثم انحدر جنوباً فوجد نفسه في الرملة بفلسطين وهي أيضاً تحت حكم المصريين، فمدح واليها ابن طغج، وفيها تلقى دعوة للالتحاق بعاصمة الأخاشدة الفسطاط، وهي القاهرة القديمة، فوصلها عام 346 هـ وكان الحاكم في مصر كافوراً. وهو نوبي تدرج من العبودية إلى السلطة بعد موت الإخشيد عن ولدين صغيرين. كان كافور حكيماً رزيناً عاقلاً حليماً تقياً، أكسبته سنوات العبودية معرفة بالبشر وصلابة، وكان داهية. وقد أدرك قيمة المتنبي. وأراد أن يكسبه، وأن يسلب منافسه سيف الدولة هذا الصوت الرنان المؤثر. =
بدأ المتنبي فوراً يطالب كافوراً بمنحه ولاية يديرها. وتحير الرجل في هذا الشاعر الأحمق الذي يريد الولاية مثلما يريد الصبي لعبة. ولعله وعده "خيراً"، دون تحديد طبيعة هذا الخير. أغدق عليه مالاً، ورفع عنه الحجاب، وحاول استرضاءه. ولكن المتنبي جاء كافوراً وفي نفسه اشمئزاز. لم يطق رؤية عبد سابق، أسود اللون يحكم بلاداً واسعة، فمدحه مدحاً فاتراً، وتأفف كثيراً وشكا الزمان شكوى مرة. وبعد سنتين مل انتظار كافور فاستأذنه في أن يمدح وزيره فاتكاً، الذي كان اختلف مع كافور فاعتصم بإقطاعيته الفيوم. فأذن له كافور فمدح فاتكاً. ولكن فاتكاً مات بعد أقل من سنتين. وبعد موته بشهرين دبر المتنبي أن يرحل عن مصر هارباً. فقد عرف أن كافوراً لن يأذن له بالرحيل، خاصة بعد أن جهر بتذمره من كافور، وبعد أن شاع أنه هجاه.
بعد أربع سنين ونصف مكثها في مصر رحل المتنبي، تاركاً فيها شعراً في هجاء كافور عند أصدقاء له كي يذيعوه بعد فراره. وكان المتنبي صنع شيئاً مشابهاً في طرابلس قبل سنين كثيرة. وفي الحالتين نجا من عواقب هجائه. وإن لثالث الحالين شأناً آخر، وسيأتيك خبره.
سار المتنبي سيراً حثيثاً قاطعاً سيناء. ثم قطع بادية الشام، متجنباً مدن فلسطين ودمشق التي كان يحكمها ولاة كافور. وبعد ثلاثة أشهر وصل إلى الكوفة مسقط رأسه. كان قد حمل معه من مصر كل ثروته، وكانت طائلة، رغم شكواه من أن كافوراً كان يأكل زاده بدل أن يطعمه. أراد أن يستقر في الكوفة التي غاب عنها ثلاثين سنة. وهو الآن رجل في الثامنة والأربعين وله شهرة عريضة وعنده مال وفير.
تسلى المتنبي في الكوفة بهجاء كافور، وهجا ضبة بن يزيد بقصيدة لاذعة بعد أن تعرض له ولأصحابه في طريق وشتمهم. ومدح القائد دلير بن لشكروز الذي جاء على رأس جيش إلى الكوفة لصد غارة شنها البدو.
وزار أبو الطيب في هذه السنوات الثلاث التي قضاها في مسقط رأسه الكوفة، زار بغداد وأقام بها بضعة أشهر. لم يمدح الخليفة العباسي لأنه لم يعد أحد يمدح الخليفة. ولم يمدحأمير الأمراء البويهي معز الدولة لأنه فيما يظهر لم يكن يكترث للشعر. على أن شاعرنا لم يمدح أيضاً وزير المعز محمداً المهلبي. وتلك مسألة أخرى، فالمهلبي رجل أديب شاعر. تجاهله المتنبي، فحنق الوزير وأغرى من في حاشيته من الأدباء بنقد المتنبي والغض من شعره. وغمز شعراء بغداد عليه فشتموه، فلم يعبأ بهم. والتقى في بغداد بعشاق شعره الذين قرأوا عليه ديوانه وحققوه. وكان ممن قرأه عليه ابن جني اللغوي المعروف.
وأرسل المتنبي إلى سيف الدولة بضع قصائد مدح، وقصيدة في رثاء أخته الكبرى. وأرسل إليه سيف الدولة الهدايا الثمينة، ووجه إليه دعوة مكتوبة بخطه للعودة إلى حلب. ولكن المتنبي تردد، ثم أثر عدم الذهاب متعللاً بأن الحاسدين ما زالوا يترصدونه. ولكن المتنبي ما كان ليعود إلى حلب، فهو كان تركها مللاً وقلقاً. كان الحاسدون الذريعة لا السبب وراء تركه حلب.
وفي سنة 354 غادر المتنبي الكوفة وانطلق إلى الأهواز فأَرَّجان داخل بلاد فارس. وفي أرجان أقام شهرين عند أبي الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة البويهي. ومدحه بثلاث قصائد. وأراد القفول إلى الكوفة، ولكن أمير شيراز عضد الدولة البويهي، ابن عم معز الدولة أمير الأمراء في بغداد، استدعاه. وشيراز تبعد عن أرجان نحو ربع المسافة التي قطعها المتنبي من الكوفة إلى أرجان. فليذهب كي يمدح الأمير عضد الدولة.
أقام المتنبي في بلاط عضد الدولة ثلاثة أشهر قال فيها ست قصائد وقطعة وأرجوزة طريفة سجل لنا فيها خروجه ضمن حاشية عضد الدولة في رحلة صيد بمنطقة دشت الأرزن على بعد كيلومترات إلى الشمال الغربي من شيراز؛ كانت له المشاركة المتوقعة في حياة البلاط. ونال من عضد الدولة مالاً كثيراً. وفي شيراز قريء عليه ديوانه. وفي شعبان من سنة 354 استأذن عضد الدولة بالمغادرة على أمل عودة سريعة، ورحل.
وفي العراق، غير بعيد عن بغداد، خرج عليه فاتك الأسدي في جماعة من البدو، فقتله وقتل ابنه وغلمانه وسلب ماله.
وأوثق ما لدينا بشأن مقتله رساله كتبها أبو نصر محمد الجبلي. وهذا رجل من معارف المتنبي في مدينة واسط. نزل به المتنبي في الطريق فحذره أبو نصر من أن فاتكاً الأسدي، خال ضبة الذي كان المتنبي هجاه هجاء مقذعاً، يترصده. ونصحه أبو نصر باصطحاب حرس. ولكن المتنبي أبى مستهيناً الخطر. =
0 تعليقات
أكتُبْ تعليقا