ادعمنا بالإعجاب

روحُ الجمهورية الهندية: التعدديّة والفيدراليّة

 تحتفل الهند اليوم بذكرى يوم الجمهورية السابع والسبعين، بوصفها دولةً حرّة، ديمقراطية، علمانية، لها دستورها الخاص. لقد صار الاستعمار السياسي مجرد ذكرى، وعلى مدى أكثر من ثلاثة أرباع قرن دأبنا على اختيار ممثلينا وحكّامنا عبر الانتخابات. انتقلنا من اقتصاد العبودية إلى اقتصاد يُعدّ من الأسرع نموًّا في العالم. ومع كل هذه المنجزات، ما تزال المسافة بعيدة عن بلوغ المثال الذي تصوّرته الجمهورية الديمقراطية كما رسمه الدستور؛ بل إننا، في جوانب كثيرة، نتراجع عمّا أُقِرّ من مبادئ أساسية عند اعتماد الدستور عام 1950.

كانت الهند يومًا ما تُدهش العالم بإجراء أكبر انتخابات حرّة ونزيهة بكفاءة عالية، أمّا اليوم فقد باتت محلّ سخرية في ظل لجنة انتخابات يُعيّنها الحكم. وإذا كان العمل السياسي قد كان في السابق خدمةً عامة، فقد تحوّل اليوم إلى سباق على السلطة لخدمة مصالح ضيّقة. إن ما يميّز الحكم الشعبي عن الاستبداد هو مناقشة القضايا التي تمسّ حياة الناس بعمق داخل المجالس المنتخبة، واتخاذ القرارات بما يخدم الصالح العام. غير أنّ البرلمانات والمجالس التشريعية اليوم نادرًا ما تشهد نقاشًا جادًّا أو تشريعًا مدروسًا.

صورة رمزية للدستور الهندي والبرلمان وخريطة الهند المتصدعة تعبّر عن التهديدات التي تواجه الديمقراطية والفيدرالية والتعددية
الجمهورية الهندية عند مفترق طرق، حيث تصطدم القيم الدستورية والديمقراطية والفيدرالية بواقع سياسي واجتماعي مضطرب.

فالبرلمان، الذي تُقدَّر كلفة الدقيقة الواحدة من انعقاده بمئتين وخمسين ألف روبية، يُمرِّر مشروعات قوانين مصيرية دون نقاش كافٍ، ويهدر ساعات طويلة في قضايا دعائية. وفي وقت تتفاقم فيه البطالة، وتلوّث الهواء في دلهي، وأزمات المزارعين، والتوغّلات الصينية، خُصِّصت مؤخرًا عشر ساعات من عمل البرلمان لمناقشة «فاندي ماترم»، وكأن تلك القضايا المصيرية لا شأن لها. إن الجمهورية تولد حين يبدأ المواطنون بتقرير من يحكمهم، لكن بعد مرور ثلاثة أرباع قرن، بات الحكّام هم من يقرّرون مصير المواطنين.

وفي المجال الاقتصادي، تسحب البلاد إلى الوراء هوّةُ اللامساواة وسوء الإدارة؛ إذ تتركّز قوّة الاقتصاد في أيدي قِلّة من أصحاب المليارات، فيما تعيش الغالبية العظمى في فقرٍ مدقع، بلا عمل، ولا تعليم كافٍ، ولا غذاءٍ مناسب. إن جوهر الدستور والجمهورية الهندية هو الحقوق والحريات المدنية، لكننا نشهد اليوم تقييدًا للحريات من حرية العقيدة إلى حرية الغذاء. وممّا يرمز إلى هذا التدهور أن يصدر مسؤول إداري في إحدى مقاطعات أوديشا أمرًا، بمناسبة يوم الجمهورية، يحظر بيع «اللحوم، والدواجن، والأسماك، والبيض، وسائر الأطعمة غير النباتية» في ذلك اليوم. إن قدرة المسؤولين على انتهاك مبادئ الدستور والجمهورية بهذا الوضوح، وتقييد الحريات الأساسية للمواطنين، إنما تعكس مدى ترسّخ عقلية معادية للشعب.

وليست الديمقراطية والدستور والاقتصاد والحريات وحدها في خطر، بل كذلك الفيدرالية والعلمانية والتعدديّة، وهي من مفاخر الجمهورية الهندية. فقد كانت عروض يوم الجمهورية في دلهي من قبل احتفاءً بالفيدرالية والتنوّع الثقافي، أمّا اليوم فتتقلّص مساحة الولايات وثقافاتها، ويتعاظم تدخل الحكومة الاتحادية. إن الانزلاق نحو شعار «دولة واحدة، لغة واحدة، ثقافة واحدة» يعني نهاية الجمهورية. كما تمارس الحكومة الاتحادية سيطرة غير مشروعة على الموارد المالية للولايات، ويُطرَح منطق «المحرّك المزدوج» القائل بأن التنمية لا تتحقق إلا إذا حكم الحزب الاتحادي الولاية أيضًا، وهو طرح ينطوي على إنكار كامل لمفهوم الجمهورية الفيدرالية.

ويضاف إلى ذلك الضغط المناهض للفيدرالية الذي يمارسه الحكّام (الولاة) بوصفهم وكلاء للحكومة الاتحادية على الحكومات المنتخبة في الولايات؛ من التدخّل حتى في خطابات السياسات، ومخالفة الأعراف والقوانين، والانسحاب المتعمّد من الجلسات، وتعطيل البتّ في القوانين التي يقرّها ممثلو الشعب، في ممارسات تُقوِّض جوهر الجمهورية. والمفارقة أن يتصدّر هؤلاء احتفالات يوم الجمهورية فيما ينتهكون مبادئها. فالدستور ليس مجرد ورق؛ بل يجب أن يتجلّى حيًّا في الجمهورية. وحين تنتصر القيم والمبادئ على السلطة، آنذاك فقط تكون الجمهورية جديرة بالاحتفال.

مواضيع ذات صلة
الأخبار,

إرسال تعليق

0 تعليقات