صاحب القلم: د. نزار بريك هنيدي.
ثلاث سنوات مضت على رحيل أستاذنا الكبير شوقي بغدادي،الذي شكّل ظاهرة فريدة في الساحة الثقافية السورية. وفيما يلي نص مقالتي عن (ظاهرة شوقي بغدادي):
لا تنبع أهمية شوقي بغدادي من كونه شاعراً استطاع أن يتمثّل عدداً من المدارس الشعرية ويعبّر عنها تعبيراً صافياً يختزل أهم مقوماتها ويجسّد سماتها وجمالياتها، من المدرسة الإحيائية الجديدة التي كانت سائدة في خمسينات القرن الماضي، حين بدأ شوقي بكتابة الشعر، ثم المدرسة الرومانسية التي جسّدت خيوط التنصّل الأولى من ثوب الشعر التقليدي، وصولاً إلى حركة الحداثة الشعرية وتجلياتها المتنوعة، وتوجهاتها المتعددة. بالرغم من الدور الكبير الذي لعبه شوقي بغدادي في الحركة الشعرية السورية. وبالرغم من تفرّده في قدرته على استقطاب مئات المتلقين بسحر إلقائه المعبّر والمؤثر. وبالرغم من إخلاصه لفن الشعر الذي بقى يكتبه حتى أيامه الأخيرة، مجترحاً تلك الحالة التي لا علم لي بوجود مثيل لها في الشعر العالمي كله، حين أقام حفل توقيع لديوانه الجديد وقد تجاوز التسعين من عمره.
كما لا تنبع أهميته من قصصه القصيرة، التي كان لها دور كبير في التأصيل لفن القصة القصيرة في سوريا، جنباً إلى جنب مع روّاده الأوائل وأعلامه الكبار. هذا الفن الذي بلغ مرحلته الذهبية في التاريخ الأدبي السوري خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حين كان شوقي بغدادي في أوج شبابه ونشاطه الأدبي.
وبالتأكيد، فإن أهميته لا تقتصر على مقالاته وزواياه الصحافية، التي كان يواظب على كتابتها في مراحل حياته كلها، وكان القراء يتابعونها بشغف ليطلعوا على مواقفه من مختلف الأمور اليوميّة والقضايا الحياتية التي تشغل القطاعات الواسعة من الناس، مما كان يجعل منه واحداً من أهم صناع الرأي العام في سوريا.
ذلك أن الأهمية الحقيقية لشوقي بغدادي في اعتقادي، ترجع إلى أنه شكّل ظاهرة متفردة، قلّ أن شهدت الحياة الثقافية شبيهاً لها. ولا شكّ في أن هذه الظاهرة قد استندت إلى مجموعة من الخصائص والسمات التي اتصفت بها شخصيته، وفي مقدمتها قدرته على نسج أواصر المحبة مع الآخرين، وفهمه لطبائعهم النفسية وميولهم، وتقديره الصحيح لإمكانياتهم وقدراتهم، ومهارته في اكتشاف المنحنى العام للميول الشعبية والتطلعات الاجتماعية، وبراعته في التعبير عنها وتجسيدها في سلوكه وتصرفاته ومواقفه، وفي كتاباته الإبداعية أو الصحافية، ولا شكّ في أن ذلك كله قد أضاف الكثير إلى تلك المواهب القيادية (الكاريزمية) التي جعلته قادراً على التأثير والاقناع بسهولة، كما جعلت أقرانه من الأدباء والشعراء يلتفون حوله ويعترفون له بقدرته على تمثيلهم، لذلك رأينا الأدباء الذين تنادوا إلى تأسيس رابطة الكتاب السوريين، ثم رابطة الكتاب العرب، يجمعون على توليه منصب رئاسة الرابطة، بالرغم من وجود من هو أكبر منه سناً بينهم، أو أكثر شهرة. كما رأينا كثيرين منهم، يلجؤون إليه ليكتب لهم مقدمات أعمالهم، ثقة منهم بمقدار ما يتمتع به من مصداقية وثقة بين شرائح القراء على اختلافهم وتنوعهم، مثل (حنا مينه) الذي كان حريصاً على أن يكتب شوقي بغدادي مقدمة روايته الأولى (المصابيح الزرق)، لتكون مقدمته جواز عبوره الأول إلى قلوب الناس.
وهكذا استطاع شوقي بغدادي منذ بداياته أن يكون عرّاب الحركة الأدبية الطليعيّة في سوريا، والحاضن الرئيس للتجارب الأدبية الجديدة، وهو الدور الذي سيستمر في أدائه حتى أيامه الأخيرة، إذ بقي كثيرون من الكتاب والشعراء الشباب يرسلون له نصوصهم الجديدة متطلعين إلى بيان رأيه فيها، ومعتزين بأنه قرأها وعلق عليها، وعاملين بتوجيهاته واقتراحاته. مقتفين في ذلك أثر شعراء وكتاب جيل السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، الذين كانوا لا يطمئنون لمواهبهم إلا بعد أن يجيز الأستاذ نصوصهم، مشفوعة بذائقته الفنية ونظراته النقدية وأحكامه الخبيرة في الباب الفريد الذي أسسه بعنوان (قراءة في الأدب الشاب) في ملحق الثورة الثقافي. فمن هذا الباب عبرت الغالبية العظمي من المبدعين الذين أصبحوا اليوم نجوم الحياة الثقافية السورية. وأتمنى على الجهات المعنية، ولاسيما جريدة الثورة أو وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب العرب، العمل على جمع حلقات هذا الباب الفريد، وإصدارها في كتاب خاص، ليس فقط لأنها شهادة صادقة تعكس طبيعة الإبداع السوري وحال الثقافة الوطنية في تلك المرحلة، بل لأنها تصلح أيضاً لأن تكون مدرسة حقيقية تسترشد بها الأجيال الجديدة من الكتّاب والمبدعين.
ولا يمكن لنا أن نقدّر هذه الظاهرة، التي اصطلحنا على تسميتها بظاهرة شوقي بغدادي، حقَّ قدرها، حتى نتذكر أن أي أديب أو كاتب أو مفكر أو صحافي عربي أو أجنبي، كان لابدّ له من أن يبدأ زيارته إلى دمشق، بزيارة شوقي بغدادي، الذي كان يتولى مهمة عقد اللقاءات بينهم وبين الكتاب السوريين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، دون التحيّز لتيّار أو شلّة أو مجموعة، قائلاً إن من حقهم علينا أن يطلعوا على حقيقة المشهد الثقافي السوري بكل غناه وتنوعه. كما كان يسعد كثيراً بأن يعرفهم بمعالم دمشق وأحيائها ومقاهيها وضواحيها من خلال الجولات التي يرافقهم فيها، ونرافقه نحن أيضاً، مبهورين بالعمق الذي يتحدث فيه عن تاريخ المدينة وتفاصيل حياتها وخصوصيّة حاراتها وأزقتها وأبنيتها ومساجدها ومكتباتها ومعالمها الأصيلة. وفي الحقيقة، فلا بدّ لي هنا أن أشير إلى أنني أنا أيضاً، مع كثيرين من الأصدقاء والأدباء، لم نعرف خصوصيات هذه المدينة الخالدة، إلا بالمفاتيح التي وضعها بين أيدينا شوقي بغدادي. هذا العاشق الكبير للمدينة، الذي يصحّ ما وصفه به الذين عدّوه واحداً من أبوابها أو أعمدتها أو أسمائها الحسنى، لأن الكثيرين من السوريين والعرب والأجانب، لم يروها بكامل عظمتها وجمالها وتفاصيلها، إلا بعينيه وعواطفه وكلماته ومفاتيحه.
وهذا العشق لمدينة دمشق، يفضي بنا إلى سمة أخرى من سمات ظاهرة شوقي بغدادي، تتمثل في ذلك الحب المتبادل بينه وبين الناس العاديين بمختلف مهنهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية. فقد كان يكفي أن تسير معه بعض الوقت في أحياء دمشق القديمة، لتلمس عمق العلاقة التي تربطه بأصحاب المحلات والبقاليات، ونوادل المقاهي والمطاعم، وشرطة المرور وعمال النظافة، ناهيك عن الشباب والطلاب الذين يستوقفونه ليذكروه بأنفسهم ويبدوا محبتهم واعترافهم بجميله عليهم. وهو ما كان يتكرّر في أي مدينة أو بلدة سورية يزورها، إذ كان الأهالي يتسابقون إلى استضافته في بيوتهم معبرين عن غبطتهم بلقائه، ومعتزين بتلبيته لدعوتهم. وهي الحالة التي لم أرها تتكرر بهذا الشكل مع أي أديب سوري آخر، باستثناء وليد معماري رحمه الله.
وهكذا شكّل شوقي بغدادي ظاهرة قلَّ نظيرها في الأدب السوري، مما جعل منه عنواناً لمرحلة كاملة من الحياة الثقافية السورية. ومما هو جدير بالذكر، أن وزارة الثقافة في سوريا، بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب، عقدت ندوة تكريمية كبيرة عن شوقي بغدادي، على مدى يومين، في تموز من عام٢٠٠٧. وتمت طباعة أعمال الندوة في كتاب أصدرته الوزارة. وجاء في بيانها الختامي (إن المشاركين بالندوة يتمنون على السادة المسؤولين تكريس التكريم الذي ناله عن جدارة الاديب بغدادي، في إطلاق اسمه على شارع هنا في دمشق، حيث يقيم منذ نحو سبعة عقود، أو في مدينته بانياس التي ولد فيها، وإطلاق اسمه كذلك على إحدى ثانويات دمشق، وقد عمل في التدريس أربعين عاماً قبل أن يؤول إلى التقاعد، أو تسمية منبر ثقافي في هذا المركز (الثقافي في المزة) أو أي مركز ثقافي سواه باسمه... تأَكيداً لتقدير بلده له). ولا يسعنا اليوم، وقد رحل أديبنا الكبير، إلا أن نتمنى العمل على تحقيق ما أوصى به البيان الختامي لتلك الندوة التي شارك فيها لفيف من أدباء سوريا والوطن العربي.
0 تعليقات
أكتُبْ تعليقا