ادعمنا بالإعجاب

مساهمات علماء الهند في علمي المنطق والكلام

بقلم:

١. عبد الحكيم (باحث الدكتوراه، قسم اللغة العربية، كلية الفاروق، كيرلا الهند)

٢. د/ عبد الجليل يم (الأستاذ المساعد، ومشرف البحث، كلية الفاروق، كيرلا الهند)


المصدر: مجلة "الصباح للبحوث" المجلد: 6, يناير ٢٠٢١م، مجلة بحثية محكمة سنوية

تصدر من: كلية فاروق (حكم ذاتي) قسم الماجستير والبحوث في اللغة العربية وآدابها

المقدمة

الهند دولة عريقة قديمة ولها حضارة متميزة تتحدى جميع حضارات العالم، وهي وإن كان فيها جميع الأديان كالهندوسية والبوذية والجينية إلا أن الإسلام قد ترك بصماته الواضحة وعلاماته المتميزة فبنى المسلمين في الهند تراثا عظيما خالدا به تباهى الهند أمام دول العالم.

وبسبب أن المسلمين حكموا الهند أكثر من خمسة قرون انتشرت الثقافة الإسلامية في مناطق كثيرة مما أدى إلى مشاركة الهنود المسلمين في العلوم الإسلامية برمتها، فدرسوا جميع العلوم من النحو والصرف والبلاغة والأدب إلا أن العلوم العقلية من المنطق والكلام والفلسفة كان لهما القسمة الضيزى والنصيب الأوفى في اهتمام الهنود، فألف الهنود في هذه العلوم أبرز الكتب كـسلم العلوم ومسلم الثبوت والمرقاة والتصريح ولكن أكثر هذه الكتب نسج عليها العنكبوت وباض وفرّخ فيه الإهمال مع أن العرب في شوق ولهفة إلى معرفة المزيد من التراث الهندي العقلي مما يجعل الباحث الهندي يهتم بهذه الناحية، ففي هذه المقالة القصيرة إضاءة بسيطة إلى مساهمة الهنود في العلوم العقلية.

تقدم الهنود في العلوم الإسلامية

لقد أنجبت أرض الهند علماء كثيرة وفضلاء غفيرة ازدانت بهم الحضارة الإسلامية وتباهى بهم المكتبة العربية، وكانت لهم مؤلفات عظيمة ومصنّفات ضخمة في الفنون الشرعية على تفنن شعبها، وفي العلوم اللغوية على اختلاف فروعها، وربما لم تتحقق هذه النهضة العلمية العربية في أي دولة عجمية؛ إذ لمست الهند العناية الإلهية منذ فجر الدعوة المحمدية، ولم تزل الهند منذ ذلك الوقت بقعة مركزية تهتم بالشريعة الإسلامية واللغة العربية، حتى في تلك الفترة التي حاول فيها التتار إخماد نار العلم كان سوق العلم في الهند رائجا، وراية الإسلام فيها كانت خفاقة، وكان من آثار هذه النهضة المباركة أن تركت في ربوعها المؤلفات الراقية كـالفوز الكبير في أصول التفسير وكنز العمال في الحديث ومسلم الثبوت في علم الأصول وحجة الله البالغة في مقاصد الشريعة والقاموس المحيط في اللغة وسلم العلوم في المنطق وكتابي فتح المعين والفتاوى الهندية في الفقه والهدية السعيدي في الفلسفة، وكان تأليف هذه الكتب متوزعا في عصور مختلفة، بعضها في العصر المغولي وبعضها فترة الاستعمار وبعضها بعد الاستقلال ومهما كان كل هذه المؤلفات الضخمة تدل على أن خلية الإسلام كانت وما زالت تعسل في شبه القارة الهندية في قرون متتالية، وفي أزمنة متعاقبة.

تقدم الهنود في العلوم العقلية

الهنود وإن كانوا نابغين في كل العلوم ومتدخلين في جميع الفنون ومتقنين لجميع المعارف الإنسانية إلا أن لهم مزايا خاصة وسمات بارزة ومشاركات متميزة في بعض العلوم كالحديث ومقاصد الشريعة والعلوم العقلية ولقد اعترف الإمام المحدّث الكبير محمد زاهد الكوثري بجهود الهنود إذ قال في أحد كتابه ما معناه: أن الهنود حملوا راية علم الحديث في عصر لم يقم فيه أحد حتى العرب، وقال رشيد رضا في مقدّمة مقالاته مفتاح كنوز السنة:
«لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة»

وهكذا الشأن في العلوم العقلية إذ أثبتوا وجودا متميزا فيها وجعلت مؤلفاتهم ضمن المناهج الدراسية في شتى الجامعات العربية والإسلامية، وما زالت العرب ولا يزالون يدرسون الكتب الهنديّة بعناية واهتمام، ومن يفهم الكتب الهندية له مكانة خاصة عندهم، يقول العلامة المعقولي الكبير حسن العطار¹ وألف بعض علماء الهند كتابا في هذا العلم (أصول الفقه، وسمّاه مسلم الثبوت، وتاريخ تأليف هذا الكتاب هو اسمه، وهو ألف ومائة وتسع (۱۱۰۹ هـ)، فهذ زمان متأخر عن المصنف، (تاج الدين السبكي ومسلم الثبوت هذا قد اعتنى به كثير من علماء الهند وما وراء النهر، ووضعوا عليه شروحا وحواشي، واشتغلوا به كاشتغال أهل ديارنا بهذا الكتاب (يقصد جمع الجوامع) إلى الآن، كما أخبر ني بذلك بعض من لقيته من علماء الهند وعلماء ما وراء النهر.

ولصاحب مسلم الثبوت كتاب جليل في المنطق سماه سلم العلوم، وشرحه جماعة من علماء الهند، واعتنت به فضلاء تلك الديار، كاعتنائهم بـ(مسلم الثبوت)، وقد اطلعت له على شرحين، ونقلت عنهما في حاشيتي على الخبيصي، وما زال الزمان يأتي بالنوادر، هذا العلامة عبد الحكيم والعلامة مير زاهد، كلاهما ممن أدرك القرن الحادي عشر، ولهما من التأليف ما خضعت لها رقاب الفضلاء، وتفاخرت بإدراك دقائقها أذهان النبلاء، ولا يعجبني قول أهل ديارنا ليس في الدنيا أعلم من علماء مصر؛ فإن هذا الحكم يتوقف على استقراء تام، ولا يتأتى لهم ذلك، ولا غيرهم، وغاية ما يصل إليه علمنا أفراد من الأقطار القريبة منا، لا جميع الأفراد، فهذا قول ينادي برعونة قائله»

وعدد أعيان الهند في العلوم العقلية - الكلام والأصول والمنطق والفلسفة، وكذلك التصوف - لا يدخل تحت الحصر والإحصاء، وقد يكون الإعراض عنهم هو الأنسب في مثل هذه المقالة القصيرة، وهل هناك أحد لا يعرف أبا الريحان البيروني، والعلامة الإمام الشيخ صفي الدين الهندي، والمحقق الكبير عبد الحكيم السيالكوتي، والشيخ عبد الرشيد الجونفوري، صاحب الرشيدة في آداب البحث والمناظرة، والعلامة المحقق مير محمد زاهد الهروي، وأبو الحسنات عبد الحي اللكنوي، والشيخ فضل إمام الخيرابادي، وابنه فضل حق الخيرآبادي، والعلامة الإمام المجدد أحمد رضا خان البريلوي، وغيرهم إلا أنه ليس من السهل الوصول إلى ما كانت عليه الحالة العلمية في أوائل ظهور الإسلام في الهند، ومن خلال المعلومات المتناثرة هنا وهناك يمكننا القول بأن المنهج الدراسية في الهند كان مبنيا على المزج بين العلوم النقلية - كالفقه والحديث والعلوم العقلية - كالمنطق والكلام والفلسفة على درجات متفاوتة حسب اختلاف العصور والأمكنة، فاشتهرت القرون الأولى بالتمسك بالفقه المذهبي أكثر، بينما ساد سوق الحديث في الزمن المتأخر، كما أن ((لكهنو)) عرفت بتواجد أهل الفنون العقلية والنقلية على حد سواء، بينما الديار المليبارية لم تكن متعمقة في كثير من العلوم العقلية إلا أنها بدأت تهتم بها في القرن الماضي، واستطاع أهل مليبار اللحاق بإخوانهم من أهل الشمال بجهود مضنية في هذا المجال، حيث صدر منهم كذلك مؤلفات ضخمة تشهد بعلو كعبهم في المعقول.

والخلاصة أن لأهل مليبار اليد الطولى والسابقة الأولى في العلوم العقلية برمتها ولكن الكثير من تلك الجهود مازال خافيا على الكثيرين من العرب والهنود أنفسهم، فهي بحاجة إلى الضوء والنور ونفض الغبار.

الخاتمة

لقد تلخص مما سبق أن الهنود لهم الجهود الكبيرة في علمي المنطق والكلام، وأن جهودهم لا تقل جهودهم عن جهود العرب، وأن بعض الكتب الهندية كـسلم العلوم ومسلم الثبوت أشاد به المحققون العرب ولكن أكثر الهنود لا يعرفون هذه الجهود لأنها لم تُدرس دراسة مستفيضة واسعة عميقة مما يُحتم على الباحث الاهتمام بالتراث الهندي العقلي.

الحواشي

١. حاشية العطار على شرح المحلّي على جمع الجوامع: ٥٣١١٢ ، ٥٣٢

المصادر والمراجع

١. د/ عبد النصير أحمد المليباري تحقيق شرح بحر العلوم على سلم العلوم، الناشر: دار الضياء للنشر والتوزيع

٢. الشيخ حسن بن محمد بن محمود العطار: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع، الناشر: دار الكتب العلمية

٣. الشيخ محب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي: سلم العلوم في علم المنطق، الناشر: دار الضياء للنشر والتوزيع

٤. محمد علي خان البخاري: تصريح المنطق، الناشر: دار الرواق الأزهري للنشر والتوزيع، مصر، ۲۰۱۹ م.

٥. الشيخ عبد الحي الحسني: الثقافة الإسلامية في الهند، الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ٢٠١٢ م.


مواضيع ذات صلة
إسهام علماء الهندية, دراسات إسلامية,

إرسال تعليق

0 تعليقات