الرحلات العربية إلى الهند عبر العصور مرآة صادقة للوصف الفني والفهم الثقافي

استكشف تأثير الرحلات العربية وتاريخها إلى الهند في تعزيز الفهم الثقافي والفني والأدبي، وكيف أسهمت في نقل المعرفة عبر العصور المختلفة دراسة شاملة.
بقلم: أ. د. سيد عليم أشرف الجائسي (رئيس قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية، حيدرآباد الهند.)
المصدر: بحوث ندوة  حول "الهند في الرحلات العربية الحديثة ١٤٤٥ هـ / ٢٠٢٤ م"
إشراف:   البروفيسور سيد عليم أشرف الجائسي  رئيس قسم اللغة العربية وآدابها
اعتنى بترتيبها وتنقيحها وتهذيبها : الدكتور محمد شاكر رضا (أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية وآدابها)
نشرها:  قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية، حيدرآباد، الهند

مدخل إلى الرحلة وأدبها

إن السمة البارزة والمتميزة للكائن البشري دون غيره من الكائنات الحية حب الاستطلاع ورغبة قوية في معرفة البلاد وما فيها من الظواهر الطبيعة والمظاهر الاجتماعية، وهذه الرغبة الفطرية هى المسئولة بالدرجة الأولى عن دفع الإنسان إلى السفر والترحال لمعرفة الأماكن والرجال. وقد حرض الإسلام أتباعه على السير في الأرض، وعده مدخلا للتأمل والاعتبار، وذريعة للمعرفة والاستزراق ووسيلة للتعقل والتدبر والتعرف على سنة الله الجارية في خلقه وعباده. وقد دعا القرآن إلى السفر والسير في مواضيع منها قوله تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"(١). وقوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم (٢).... وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ(٣) " وغيرها من الآيات الكثيرة.

علما بأن أدب الرحلة يعد من أهم الفنون الأدبية في الآداب العالمية، وهوأدب يصور فيه الرحالة ما جرى له من أمور ، وشاهده من بلاد وعباد، وما صادفه من وقائع وأحوال أثناء رحلته من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى آخر، وما عاينه خلال تنقلاته من مجتمعات بشرية، وما اطلع عليه من أنماط حياة الشعوب المختلفة، وعاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم.

الرحلة لغة فقد وردت كلمة الرحلة في المعاجم العربية بمعنى التنقل والسفر من مكان إلى مكان آخر، يقول ابن فارس: " الراء والحاء واللام، أصل واحد يدل على المضي في السفر . "(٤)

الرحلة اصطلاحا: "السفر والانتقال من مكان إلى مكان آخر لتحقيق هدف معين ماديا كان أو معنويا. "(٥)

فهذه هي الرحلة لغة واصطلاحا، وأما أدب الرحلة فيعرف بأنه عبارة عن المؤلفات، والمدونات، والمذكرات والمخطوطات والرسائل التي وصلت إلينا من أقدم العصور إلى يومنا هذا، وتشتمل على المشاهدات، والروايات والأحوال والقصص التي عاصرها الرحالون في أماكن شتى زاروها ووصلوا إليها، ويحتوي أدب الرحلة على نقل مواصفات الطبيعة الموجودة في مناطق العالم مكتشفة كانت أم غير مكتشفة، ويلقى الأضواء على الأحوال، والعادات والتقاليد السائدة عند الشعوب المرتحل إليهم، الذين استوطنوا وعاشوا في تلك المناطق، ويصور حضارتهم وثقافتهم وديانتهم وكل ناحية من نواحي حياتهم تصويرا فنيا دقيقا، ويجعل من خلاله جسرا معرفيا بين الشعبين والأمتين يفتح بابا لتجارة السلع والبضائع وتبادل العلوم والثقافة في كليهما.

إن أدب الرحلة عبارة عن كتابة يحكي فيها الرحالة وقائع رحلته و أحداثها، وما شاهده وعاينه من آثار ومعالم مازجا ذلك بانطباعاته ومشاعره الذاتية حول المرتحل إليهم، وهذا يتطلب من الرحالة أن يكون ذا مستوى ثقافي عال يؤهله أن يسرد أحداث رحلته بصورة رائعة وجذابة، وغايته كما يقول الحاتمي - " إفادة القارئ وإمتاعه "(٦)

ويعتبر أدب الرحلات من أهم أنواع الأدب الذي يتميز بروح المغامرة والاستكشاف. ولا نعرف شيئا ثابتا عن أول عمل في مجال أدب الرحلة، أما ما اطلع عليه الباحثون إلى الآن هو كتاب رحالة إغريقي هيرودوت ٤٢٥-٤٨٤ ق.م.)، الذي زار مصر وقبرص وفينيقيا وأشور( )Herodotus ( وإيران، وتوغل في الشمال إلى البوسفور، وجمع مشاهداته في هذه الرحلات في تاريخه الكبير . (٧)

تصوير تاريخي للرحلات العربية إلى الهند يُظهر التفاعل الثقافي بين الرحالة العرب وسكان الهند في الموانئ القديمة
تصويرٌ تخييلي للرحلات العربية إلى الهند عبر العصور، يعكس الوصف الفني وعمق الفهم الثقافي المتبادل.

وإن العمل الثاني المتاح في مجال أدب الرحلة هو كتاب "إنديكا"(Indica) لميجاستينس الذي كان مؤرخا ودبلوماسيًا وجغرافيا يونانيا قديمًا، اشتهر بعمله كسفير لدى بلاط شاندرا جوبتا موريا، مؤسس إمبراطورية موريا في الهند. عمل سفيرًا لسلوقس الأول نيكاتور، أحد جنرالات الإسكندر الأكبر، وحاكم الإمبراطورية السلوقية، قام بهذه الرحلة في عام ٣٣٠ ق. م. وهذا الكتاب عبارة عن سرد مفصل للهند خلال تلك الفترة. (٨)

علما بأن أدب الرحلة يمتاز بميرات كثيرة وبخصائص متعددة، هو النوع الوحيد الذي لا يقدم فيه الكاتب مجتمعه الخاص، بل المجتمع البعيد والغريب أمام العالم، ويكون غالبا في سرده لأحوال ذلك المجتمع غير محايد وغير منحاز لأن ليست له في ذلك المجتمع صلة ولا قرابة، فتكون بياناته أقرب إلى الحق والصواب، وهنا تكمن أهمية أدب الرحلة. يقول محمد أمين الشنقيطي : " إن أدب الرحلات يعتبر فنا متميزا حيث يتطلب قدرة على التعبير ودقة في التصوير، لأنه يصف المواقع والمواقف، وما يمر له مما يستحق للتسجيل بوضوح العبارة حتى يجعله كالمحسوس المدرك بالإشارة مع حسن اختيار وذوق فيما يختار، ويبرز ما شاهده من مرئيات بأدق وأصدق العبارات، وأعذب مايكون من كلمات وعبارات، مما يتطلب ذوقا حساسا ، ولا يقوي على ذلك إلا عالم أريب أو مثقف أديب، وخبير بأوضاع البلاد سياسيا واقتصاديا وجغرافيا."(٩)

تاريخ الرحلات العربية

إن تاريخ الرحلات العربية يرجع إلى عصر متوغل في القدم، ومنذ فجر التأريخ نرى السفن العربية متجها إلى الهند وجزر شرق الہند محملة بالبضائع الهندية والصينية، وكانت شهرة الهند والصين من أجل ثروتهما المعدنية والحيوانية والزراعية قد طبقت الآفاق، وبسبب هذه الثروة المتنوعة الهائلة نشأ ما يعرف بالتجارة الشرقية التي تنافس عليها المتنافسون من العرب والروم ، والفرس ، والشعوب الأوروبية ، وكانت الريادة في هذا المجال للتجار والبحارين العرب ، و نجد منذ مطلع التأريخ إن السفن العربية تنقل البضائع الهندية إلى مواني البحرين ، وحضرموت ، و عمان ، و مسقط ، و غيرها ثم تحمل تلك البضائع على ظهور الجمال إلى الحجاز ، و الشام ، و مصر و من هناك تصل إلى أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط، ونجد في التوراة هذه القوافل العربية متجهة إلى مصر عن طريق الشام ، وتشير التوراة إلى أن إحدى هذه القوافل هي التي التقطت يوسف عليه السلام من البئر وذهبت به إلى مصر (١٠)

وقد ازدهرت الرحلات العربية في بحر العرب، والمحيط الهندي والبحر الأحمر عندما قامت مملكة سبأ في جنوب الجزيرة العربية وأصبحت التجارة الشرقية - التي تنافس عليه المتنافسون - في يد العرب اليمنيين " كانوا هم العنصر الغالب فيها "(١١)

وإن الرخاء الذي كان يعم بلاد اليمن في تلك الفترة ، ويصفه لنا "هيرودتس" و "استرابون" و "ارتيميدور" و غيرهم من المؤرخين الأغارقة في بلاد اليمن السعيدة " ، يرجع إلى رحلات العرب اليمنيين التجارية . (١٢)

وقد ورد ذكر الرحلات العربية المتمثلة في الرحلات التجارية لقريش في القرآن الكريم، التي كانت تتجه في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في قوله تعالى: "لإيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ" (١٣) وكانت القريش تمثل قلادة عقد في التجارة الشرقية الممتدة بين أوروبا غربا والصين شرقا، وبأيديهم كانت تنقل بضائع الهند والصين إلى مواني الأنطاكية والإسكندرية. (١٤)

وهذا هو عرض موجز لبداية رحلات العرب برا وبحرا. وفيما يتعلق بأدب الرحلة العربية، يرى الدكتور شعيب حليفي أن أدب الرحلة بدأ باللغة العربية في القرن التاسع الميلادي. وصارت دائرة التاليف والكتابة المتصلة بالمسالك والممالك تتسع، وصار عددها تزداد يوما فيوما. وكانت الكتب والرسائل في هذا المجال مرتبطة غالبا بتخصصات الرحالين، مثل: التاريخ، والجغرافيا، والأدب، والسفارة والمجتمع البشري وغيرها . (١٥)

لقد أسهم العرب إسهاما جديرا بالذكر والثناء في نشأة أدب الرحلات و تطوره، وبهم تكامل هذا الأدب وإنهم فاقوا أقرانهم في السبق وأبدعوا في هذا الأدب وتفننوا فيه، وصوروا البلاد والعباد في أدق صورة وأصدق وضع، واخترقوا الآفاق واكتشفوا مجاهيل الأرض، وساهموا من خلال رحلاتهم في تطوير المعارف التأريخية والجغرافية والاجتماعية.

إن السمات الرئيسية لكتب الرحلات العربية هى الواقعية والصدق والحياد، وتتميز الرحلات العربية بأن أصحابها قد وازنوا بين الرغبة في رؤية بديع صنع الله في كونه وبين ما صنعته أيدي الإنسان (١٦)

أعلام الرحالين العرب

عرف العرب أدب الرحلات منذ القديم، وكانت عنايتهم بهذا الأدب عظيمة في سائر العصور. ولعل من أقدم نماذج أدب الرحلة هو رحلة سليمان التاجر السيرافي بحراً في المحيط الهندي في القرن الثالث الهجري، وكذلك رحلة سلام الترجمان إلى حصون جبال القوقاز عام ٢٢٧هـ، بتكليف من الخليفة العباسي الواثق بالله بن المعتصم المتوفى ٢٣٢هـ؛ بحثا عن سد يأجوج ومأجوج ويرى الدكتور شعيب حليفي أن أدب الرحلة بدأ في اللغة العربية في القرن التاسع الميلادي الثالث الهجري، إذ أقبل العرب على التاليف والكتابة بالمسالك والممالك، وكانت الكتب والرسائل المؤلفة في هذا المجال مرتبة بتخصصات كاتبيها مثل: التأريخ والجغرافيا والأدب والسفارة.

ونقدم فيما يأتي أسماء بعض أعلام الرحالين العرب على سبيل المثال لا الحصر.

١ - المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين المتوفى ٣٤٥هـ: هو من أقدم الرحالة الجغرافيين وكتابه " مروج الذهب ومعادن الجوهر" يعتبر من أنفس الأعمال في أدب الرحلات، ويشتمل هذا الكتاب على العلوم المتنوعة، منها التاريخ والجغرافيا والسياسة والحضارة.

٢- ابن فضلان، وكان من رحالي القرن العاشر الميلادي، وهو أول من رحل إلى بلاد الروس ووصفها وصفا دقيقا لا نظير له، ويعتبر وقائع رحلته مصدرا مهما وموثوقا به لدى الأوروبيين أنفسهم، ويعتمدون عليه في معرفة الروس أنذاك، وقد اعترف علماء الغرب بقيمة ما دونه ابن فضلان في رسالته كما اعترفوا بدقة وصفه المشاهداته، وثمنوا ملاحظاته عاليا.

٣- ابن بطوطة، وهو شمس الدين محمد بن عبد الله الطنجي المتوفى سنة ١٣٦٨ الميلادية، ويعتبر رحلته مصدرا موثوقا به، وأشهر الرحلات العربية لطول مدتها وسعة رقعتها، فقد دامت رحلته من بلد إلى بلد ومن منطقة إلى أخرى خمسا وعشرين سنة، زار فيها البلاد العربية والفارس، والهند والصين، والتركستان، وفي الهند رحب به سلطان دلهي محمد بن تغلق وأكرمه وأعطاه منصب القضاء، وسافر طول الهند وعرضها ووصفها وصفا تناول فيه الهند بنواح شتى تحدث عن الجغرافيا المجتمع الدين، الثقافة. وذكر ثروات الهند الطبيعية وأنهارها العظيمة، إلى جانب هذا ذكر الاحتفالات الدينية، والعادات المحلية والتقاليد الهندوسية والطقوس الغريبة، كما أشار إلى الأنظمة الإدارية، والهندسة المعمارية وغيرها. ويعتبر كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" الذي جمع فيه ابن بطوطة وقائع رحلته من أهم الوثائق التاريخية.

٤- ابن حوقل هو محمد بن حوقل البغدادي المتوفى عام ٣٩٧هـ، ويعد كتابه "صورة" "الأرض" على رأس قائمة كتب الرحلات، يتضمن الكتاب وصفا دقيقا وصورة صادقة لما شاهده أثناء رحلاته لجزء كبير وواسع من أرجاء الكرة الأرضية المعمورة.

٥- اليعقوبي، هو أحمد بن يعقوب قام بكثير من الرحلات التي جاب بها البلاد، وله " كتاب "البلدان من أنفس ما كتب في الموضوع.

٦- المقدسي: محمد بن أحمد المتوفى ٩٩٠م، من أشهر الرحالين في القرن الرابع الهجري، وكتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" كتاب يتضمن في طياته جميع العلوم الاجتماعية، وصف فيه المقدسي المناطق الشمالية الهندية وصفا جميلا صادقا، وتناول الحكومات العربية الإسلامية القائمة في شمال غربي الهند بالذكر والبيان، كما تناول الجاليات العربية المتواجدة آنذاك في السند والملتان وغيرهما.

٧- الإدريسي، محمد بن عبد العزيز الشريف المتوفى ١١٦٦م، يعتبر من مؤسسي علم الجغرافيا اشتهر برسم خرائط البلدان التي شاهدها، وكان عالما فلسفيا طبيبا رياضيا، وكتابه " نزهة المشتاق" أشهر من نار على علم.

٨- ابن جبير، هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، ولد في بلدة بلنسية (Valencia) المتوفى ١٢١٧م هو أحد أعظم الرحالة المسلمين في العصور الوسطى. واشتهر برحلته الشهيرة إلى المشرق، التي بدأت عام ١١٨٣م. كان هدف ابن جبير الأساسي من رحلته هو أداء فريضة الحج، لكنه استفاد من هذه الفرصة ليجوب " العديد من البلدان الإسلامية، مسجلاً انطباعاته ومشاهداته في كتابه الشهير "رحلة ابن جبير." تعد "رحلة ابن جبير" واحدة من أهم المصادر الأدبية والتاريخية للعصور الوسطى. فهي تقدم لنا صورة مفصلة عن الحياة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال القرن الثاني عشر. كما أنها تلقي الضوء على فترة كانت فيها المنطقة تعيش تفاعلاً حضارياً مكثفاً، خصوصاً في ظل الحملات الصليبية (١٧).

أنواع الرحلات

إن الرحلة تختلف أنواعها اختلاف أهدافها، وقد قسمها العلماء عدة أقسام، ومنهم الدكتور محمد الفاسي الذي قسم الرحلة إلى خمسة عشر قسما، منها: الحجازية والسياحية والرسمية والدراسية، والأثرية، والاستكشافية، والزيارية، والسياسية والعلمية، والسفارية. (١٨)

وقسم الدكتور حليفي أدب الرحلات إلى قسمين:

١- أدب الرحلة الحقيقية هو الذي يعتمد على تجارب واقعية لشخصيات حقيقية خلال رحلاتهم واستكشافاتهم. يتميز هذا النوع بالمصداقية والتوثيق التاريخي، وغالبًا ما يهدف إلى تقديم وصف دقيق للأماكن، والشعوب، والعادات والثقافات التي يتم استكشافها. عادةً ما يكون كاتب أدب الرحلة الحقيقية مسافرًا أو مستكشفًا يكتب عن تجربته بشكل مباشر.

٢- أدب الرحلة الخيالية هو نوع أدبي يستند إلى أحداث أو أماكن خيالية ولا يعكس بالضرورة تجارب حقيقية. يُستخدم هذا النوع لإيصال أفكار فلسفية، اجتماعية، أو نقدية من خلال خلق عوالم أو رحلات افتراضية. غالبًا ما يكون هذا الأدب مزيجًا من الخيال والمغامرة، وأحيانًا يتضمن عناصر من الخيال العلمي (١٩)

وقسم الآخرون أدب الرحلة وفقا لغرض الرحلة إلى أقسام عديدة، مثل: أدب الرحلة القصصي، وأدب الرحلة الجغرافي، وأدب الرحلة الثقافي، وأدب الرحلة المشاعري ، وأدب الرحلة الديني وغيرها. (٢٠)

الرحلات العربية إلى الهند

شہدت العلاقات العربية الهندية تطورا ملحوظًا عبر العصور، حيث قام العديد من الرحالة العرب بزيارات هندية لأغراض تجارية، دينية، وثقافية.

إليك أهم الرحلات العربية إلى الهند عبر العصور : الرحلات العربية إلى الهند في العصور المختلفة كانت غنية بالتجارب الثقافية والدينية والاقتصادية. هذه الرحلات لعبت دورًا مهمًا في تعزيز العلاقات بين العالمين العربي والهندي وأسهمت في نقل المعرفة والثقافة بين الحضارتين. إليك أهم الرحلات العربية إلى الهند أولا، الرحلات التي قامت في العصور الوسطى منها: رحلة المقدسي المتوفى ٩٩٠م، رحلة ابن حوقل (٩٤٧م - ٩٩٠م)، رحلة ابن بطوطة (١٣٠٤م - ١٣٦٨م)، رحلة ابن فضلان (٩٢١م)، رحلة الإدريسي (١٠٩٩م- ١١٨٠م) رحلة ابن جبير (١١٤٥م - ١٢١٧م) وغيرها من الرحلات. ولا نطيل الكلام في هذه الرحلات ومحتواها، فإن ما جاء فيها معروف ومشتهر بين أوساط العلماء والمثقفين بل يعرفها كل قاص ودان.

وإذا انتقلنا من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، لوجدنا أن الرحلات العربية في المضي قدما نحو الهند كانت باستمرار وبكثرة تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إحصاءها. ونذكر - فيما يلي - بعضًا من هذه الرحلات بشكل مختصر.

١- مارثناسيوس إغناطيوس النوري

وكان من أساقفة بغداد، زار الهند عام ١٨٩٩م لجمع التبرعات لبناء مدرسة لأطفال المسيحيين فى بغداد أولا ، ولتلبية رغبته فى التجوال والترحال ثانيا.

" لقد زار نوري أثناء رحلته مدنا هندية كثيرة، منها كراتشي، وممبائي، وبونا، وكولكاتا، وحيداباد، ودون مشاهداته في هذه المدن وانطباعاته في كتاب سماه بـ "رحلة إلي الهند وأقام نوري في مدينة حيدرآباد قرابة شهر كامل التقى فيه أسقف المدينة، والجدير بالذكر أن نوري قد ذكر - فيما ذكر من أحوال المدينة وآثارها - أن هذا أسقف يتلقى راتبا من الحكومة الأصفية قدره أربعمائة وخمسون روبية شهريا. والتقى نوري في حيدراباد النواب خورشید جاه، ورئيس الوزراء محمد فضل الدين إسكندر يار، ووزير المالية السيد علي البلكرامي وغيرهم من وجهاء الإمارة الأصفية، ووصف الأماكن الأثرية في المدينة وصفا رائعا، كما وصف الهند أرضا وشعبا . (٢١)

٢ - الأمير يوسف كمال

كان الأمير يوسف كمال من أسرة محمد على باشا والي مصر، وكان رحالة وجغرافيا مصريا مغرما بالفنون الجميلة، أسس مدرسة الفنون الجميلة سنة ١٩٠٥م، وعين رئيس الجامعة القاهرة، وله كتاب بعنوان " سياحتي في بلاد الهند الانجليزية و كشمير" جمع فيه وقائع رحلته ومشاهدات أسفاره التي بدأت من كشمير شمالا وانتهت في كيرالا جنوبا. يحتوى كتابه على وصف جميل للمدن والآثار الهندية. ومن المدن الهندية التي زارها الأمير مدينة حيدراباد أيضا، ووصفها أيما وصف، كما وصف أميرها عثمان علي بأنه مولع بالنساء وانتقده على ذلك. وطاف الأمير كمال طول الهند وعرضها وسجل مشاهداته في كتابه المذكور أعلاه في أسلوب أدبي جذاب.

٣- محمد ثابت المصرى

قام هذا الرحالة بزيارة الهند في مستهل الأربعينات من القرن المنصرم، وتجول في مدن هندية كثيرة، مثل دلهي، وممبائي، وكولكاتا، وتشانائ، وأجرا، ووصف آثارها ومعالمها التاريخية وسكانها وتقاليدهم وعاداتهم، ودون يوميات رحلته في كتاب أسماه "جولة في ربوع أسيا". (٢٢) وهذا الكتاب هو مثال رائع لمذكرات رحلة أدبية.

٤- فتح الله الأنطاكي

زار الأنطاكي الهند عام ١٩٣٢م للسياحة فيها ومعرفة أحوالها، وأقام في الهند ثمانية شهور وجمع ما شاهده في هذه المدة في كتاب " الهند كما رأيتها". إنه قدم إلى إمارة حيدراباد ووصفها بأنها أعظم الإمارات الهندية المستقلة، وأثنى على أميرها ثناء بالغا، وأشاد بتدينه وجوده وكرمه كثيرا. ومما لا غبار عليه أن محتويات رحلة فتح الله الأنطاكي تعتبر وثيقة تاريخية مهمة.(٢٣)

٥ - أمينة السعيد

كاتبة مصرية وإحدى رائدات الحركة النسائية في مصر وخارجها، زارت الهند عام ١٩٤٦م للمشاركة في إحدى الندوات الدولية حول النساء التي تم عقدها في مدينه حيدرآباد السندية، تحدثت أمينة فى كتابها "مشاهدات في الهند" (٢٤) عن رحلتها إلى الهند، وركزت على وضع المرأة الهندية تركيزا خاصا، وبينته بشيئ من التفصيل، انتقدت فيه حرمان المرأة من حقوقها على وجه العموم فى الهند، وأثارت قضية حجاب المرأة وزواجها في سن الطفولة. وترى حسب ظنها - أن أعظم عقبة أمام المرأة الهندية تمنعها من الرقي والتقدم والازدهار هي الحجاب. وتصف أمينة السعيد مدنا هندية وطقوسا هندية وناقشت الفنون الهندية وأجرت مناقشات طويلة حول هذه الفنون وأبدت آرائها فيها أيضا. ومما يلفت الانتباه إليه أنها قامت بالمقارنة بين أوضاع الشعب المصرى والهندي، واتصفت رحلتها بأسلوب أدبى رشيق مصتبغ بالصبغة القصصية.

٦- الشيخ علي الطنطاوي

قام الشيخ علي الطنطاوي بزيارة الهند مرتين، وكانت الرحلة الأولى عام ١٩٥٤م في بعثة المؤتمر الإسلامي، واستغرقت هذه الزيارة ثمانية شهور سافر فيها عددا من البلاد الشرقية، منها العراق والباكستان والهند واندونيسيا وماليزيا وغيرها، وكما ذكر خلال هذه الرحلة زار الهند أيضا، وتجول في كثير من المدن الهندية وتناول بالذكر بعض المعالم الأثرية لملوك المسلمين في العصور الغابرة، ووصفها وصف عالم أديب في كتابه " صور من الشرق"، ذكر منارة قطب وجامع قوة الإسلام بلغة متينة وأسلوب رشيق

" أحدثكم عن آثار المماليك، وقد وقفت عليها في أطراف دلهي، عن مسجد قوة الإسلام الذي عاد أطلالا ، لكنها أطلال فيها من الروعة والضخامة ما ليس للقصور العوامر ، وعن منارة قطب الدين وهي تشرف على الدنيا من علو سبعين مترا، كأنها من ضخامتها جبل، وهى جبل من الأمجاد والمكرمات (٢٥)

وزار الشيخ الهند في رحلته الثانية عام ١٩٥٧م ودون ما عاينه وما شاهده في وقائع رحلته مفصلا ومسهبا من مدن الهند الجميلة ومبانيها الفخمة، وسكانها مختلفة ألوانهم وأشكالهم وعاداتهم وأعيادهم ومتباين مأكلهم وملبسهم بأسلوب ملئ بجمال الوصف ودقة التصوير وعذوبة البيان ورشاقة الأفكار.

٧ - نقولا زيادة

نزل نقولا زيادة الهند مرتين اثنتين، الأولى عام ١٩٥٨م للمشاركة في المؤتمر العلمي الذي عقد في جامعة علي كره الإسلامية، وكان نقولا زيادة آنذاك أستاذا زائرا في جامعة هارفارد الأمريكية. وكانت الرحلة الثانية إلى الهند باعتباره أستاذا ضيفا في الجامعة ذاتها، وأثناء إقامته زار نقولا مجموعة من المدن الهندية حيث سافر إليها لإلقاء المحاضرات في جامعاتها، واستغل هذه الرحلات العلمية لزيارة كثير من الأماكن الأثرية، واحتك بالشعب الهندي واطلع على أحوالهم الدينية والاجتماعية، وذكر هذه التجارب والمشاهدات في كتابه " حول العالم ٧٦ عاما" وهو كتاب يشتمل على رحلاته التي استغرقت ست وسبعين سنة من حياته، ابتداء من رحلته الأولى مهاجرا من فلسطين في العقد الثاني من القرن العشرين ونهاية إلى آخر رحلاته في التسعينات من القرن نفسه.

ومن الرحلات العربية الأخرى التي استرعت انتباه القراء بصفة عامة والمتطلعين إلى الإندولوجيا خاصة؛ ما يلي:

حول العالم في ٢٠٠ يوم لأنيس منصور (٢٦)

رحلاتي في العالم لنوال السعداوي.(٢٧)

رؤية يمنية في أدب الرحلات لعبد الوهاب العمراني اليمني. (٢٨)

رحلات محمد ناصر العبودي ، وهى عبارة عن مجموعة من كتب تتناول رحلاته المتعددة إلى الهند.

رحلات محمد سعيد الطريحي

التصوير الفني والفهم الثقافي في الرحلات العربية إلى الهند

وكانت الرحلات العربية إلى الهند على مدار التاريخ موضوعا غنيا بالتفاعل الثقافي والفني العديد من الرحالة العرب الذين زاروا الهند قد أعجبوا بما شاهدوا من مآثر تاريخية والثقافة العتيدة فدونوا مشاهداتهم وملاحظاتهم، مما ساهم في إثراء معرفتنا بالثقافات الشرقية، وانعكس هذا كله في الأدب العربي. ولم تنقطع سلسلة الرحلات العربية حتى القرن التاسع عشر والعشرين ومن بين هؤلاء الرحالين من سبق ذكرهم ومن لم يذكروا، مثل: عبد الرحمان الكواكبي المتوفى ١٩٠٢م، وعبد الرحمان منيف، ومحمد سهيد الطريحي من مواليد ١٩٥٤م وغيرهم. وقد لعبت هذه الرحلات دورًا مهما في التعريف بالهند وتوعية العالم بالحضارة والثقافة الهندية، هنا نظرة على تأثير هذه الرحلات في التصوير الفني والتفهم الثقافي:

١. التصوير الفني:

المناظر الطبيعية والهندسة المعمارية : الرحالة العرب الذين زاروا الهند تأثروا بشكل كبير بالمناظر الطبيعية الخلابة والمعالم المعمارية المدهشة مثل تاج محل، والقلعة الحمراء، ومنارة قطب الدين،  والمعابد الهندوسية ، كهوف أجانتا أو إلورا ، والقلاع والقصور في ولاية راجستهان، ووديان كشمير المليئة بالزهور هذا التأثر انعكس في الأدب العربي عبر وصف تفصيلي لهذه المعالم الأثرية والجمال الطبيعي الخلاب .

تصويرٌ تخييلي للرحلات العربية إلى الهند عبر العصور، يعكس الوصف الفني وعمق الفهم الثقافي المتبادل.
تصوير تاريخي للرحلات العربية إلى الهند يُظهر التفاعل الثقافي بين الرحالة العرب وسكان الهند في الموانئ القديمة

الوصف الدقيق للثقافة الهندية: إن الكتاب العرب الذين كتبوا عن الهند في كتب رحلاتهم قاموا بتقديم وصف دقيق لملابس الشعب الهندي، والتقاليد والعادات اليومية. كان لهذه الأوصاف أثر كبير في إثراء الأدب العربي وإلهام الفنانين في تصوير الحياة الهندية.

التأثير المتبادل في الفنون: إن التفاعل العلمي والثقافي والتجاري بين الهند والعالم العربي أدى إلى ظهور تأثيرات هندية في الأدب العربي والفنون العربية، مثل استخدام الألوان الزاهية والتفاصيل الدقيقة التي كانت جزءًا من الفنون الزخرفية في الهند.

٢. التفهم الثقافي:

الدين والفلسفة: إن ما تضمنته هذه الرحلات يدل على الفهم الثقافي العميق للهند. و إن العديد من الرحالة العرب كانوا مهتمين بفهم التقاليد الدينية والفلسفية للهند عبر التفاعل مع علماء الهند وعامتهم، وتأثروا بالديانات الهندية مثل الهندوسية والبوذية، وسعوا إلى تقديم هذه المفاهيم إلى الجمهور العربي.

التجارة والاقتصاد التجار العرب لعبوا دورًا هاما في الربط بين الاقتصادين الهندي والعربي عبر التجارة نقلوا ليس فقط السلع مثل التوابل والمنسوجات، بل أيضًا الأفكار والتقنيات الهندية التي أثرت في العالم العربي. وانتقلت عددا لابأس به من الكلمات الهندية إلى اللغة العربية.

اللغة والأدب نتيجة للتبادل الثقافي دخلت العديد من الكلمات الهندية إلى اللغة العربية، خاصة في المجالات المتعلقة بالأطياب، مثل: الصندل، والمسك والكافور، والتوابل، مثل الفلفل، والزنجبيل والأدوية، مثل: إطريفل، والفواكه مثل النارجيل. (٢٩) ذكر السيوطي في كتابه "المتوكلي" أن ثلاث كلمات هندية وردت في القرآن الكريم، وهي: ابلعي و طوبى و سندس . (٣٠) وقال سيد مرتضى الزبيدي: إن كلمة طوبى هندية الأصل . (٣١)

الأدب العربي يحتوي على إشارات متعددة إلى الهند، سواء في قصص الرحالة أو في النصوص التي تناقش الفلسفات الهندية.

تأثير هذه الرحلات

ساعدت على بناء جسر من التفاهم المتبادل بين الحضارتين العربية والهندية. كانت الهند مصدراً للإلهام الفني والفكري، في حين أن العرب ساهموا في نقل تلك المعارف إلى بقية العالم الإسلامي.

كانت الرحلات العربية إلى الهند مفتاحا لتعزيز التواصل الثقافي وتبادل المعرفة، مما أثرى الأدب والفنون والفلسفة في كلا الثقافتين.

الرحلات التاريخية والاجتماعية والأدبية

الرحلات التاريخية والاجتماعية والأدبية لها أهمية كبيرة في إثراء المعرفة الإنسانية وتوسيع أفق الفهم الثقافي بين الشعوب والحضارات. إليك بعض النقاط التي توضح أهمية هذه الرحلات بصفة عامة:

١. توسيع المعرفة الجغرافية والتاريخية

الرحلات تساهم في توثيق الأماكن الجغرافية غير المعروفة وتقديم معلومات مفصلة حول المعالم الطبيعية المدن والمجتمعات التي قد تكون غير مألوفة من خلال كتابة الرحلات، تم توثيق ثقافات وشعوب مختلفة عبر القرون.

كما أن الرحلات التاريخية تقدم رؤى حول تطور المجتمعات الأحداث السياسية الكبرى، والتحولات الاقتصادية في مختلف الحضارات.

٢. التفاعل الثقافي والحضاري

الرحلات تساهم في التبادل الثقافي بين الحضارات، حيث ينقل الرحالة العادات والتقاليد والمعتقدات بين الشعوب. هذا التفاعل يعزز الفهم المتبادل ويقلل من سوء الفهم والصراعات القائمة على الجهل الثقافي.

من خلال التعرف على الثقافات الأخرى، يتم اكتساب أفكار جديدة يمكن أن تساهم في تطوير المجتمعات التي يعود إليها الرحالة.

٣. تعزيز الأدب والفنون

أدب الرحلات يُعتبر نوعًا أدبيًا فريدًا يثري المكتبة الأدبية. من خلاله يُقدم الرحالة رؤى فنية وأدبية حول المجتمعات الأخرى. هذه الكتابات قد تلهم الأدباء والفنانين لتقديم أعمال جديدة مستوحاة من تلك الرحلات.

الأدب المستند إلى الرحلات يتيح للقراء تجربة المغامرة والاكتشاف دون الحاجة إلى السفر الفعلي، مما يجعلها وسيلة قوية لنقل التجارب البشرية.

٤. التأثير على الفهم الاجتماعي والإنساني

الرحلات الاجتماعية تساهم في فهم القضايا الاجتماعية مثل الفقر، الطبقات الاجتماعية العدالة والتعليم عبر تجارب مباشرة عاشها الرحالة في مجتمعات مختلفة. هذه التجارب تظهر للقراء كيف تعيش المجتمعات الأخرى، وما هي تحدياتها وفرصها.

يُمكن لهذه الرحلات أن تؤدي إلى تحفيز النقاش حول القضايا الاجتماعية والإنسانية المهمة في العالم.

٥. توثيق التجارب الإنسانية

الرحلات التاريخية تُعتبر مصادر هامة لتوثيق التجارب الإنسانية عبر الزمن من خلال تجارب الرحالة يمكننا فهم التحديات والمغامرات التي واجهها الإنسان في سعيه لاكتشاف العالم. تسجل هذه الرحلات قصصًا شخصية وثقافية تساهم في الحفاظ على الذاكرة الإنسانية والهوية الثقافية للأمم.

٦. التأثير على العلوم والتكنولوجيا

بعض الرحلات ساهمت بشكل كبير في تطور العلوم والتكنولوجيا. على سبيل المثال، من خلال ملاحظات الرحالة عن النباتات والحيوانات غير المعروفة، تطورت العلوم الطبيعية. كما أن الرحلات التي وثقت طرق التجارة والتقنيات أدت إلى تقدم تكنولوجي واقتصادي.

٧. التقريب بين الشعوب وبناء جسور السلام

الرحلات تؤدي إلى تقليص الفجوة بين الشعوب المختلفة، وتعزز التفاهم المتبادل. عندما يتعرف الأفراد على ثقافات أخرى من خلال الرحالة، ينشأ لديهم احترام أكبر تجاه تلك الثقافات مما يسهم في تعزيز السلام والتعايش بين المجتمعات.

الخلاصة:

ومما لا يتطرق إليه شك أن الرحلات التاريخية والاجتماعية والأدبية تلعب دورا محوريا في تشكيل الوعي الإنساني وفهم العالم من خلال استكشاف المناطق الجغرافية والتفاعل مع الثقافات المختلفة، أسهمت في تعزيز العلوم والفنون والفهم الاجتماعي والثقافي، مما يساهم في تشكيل حضارة إنسانية أكثر شمولية وتفهما.

في القرنين التاسع عشر والعشرين، شهدت العلاقات بين العالم العربي والهند استمرارًا وتنوعًا في رحلات العرب إلى شبه القارة الهندية، مع التركيز على التبادل الثقافي التجاري والديني. هنا بعض من أبرز الرحلات العربية إلى الهند في هذين القرنين

١. رحلات التجار والحجاج

استمرت رحلات التجار العرب إلى الهند خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكانت هذه الرحلات جزءًا مهما من التواصل الاقتصادي بين المنطقتين الكثير من التجار العرب من منطقة الخليج واليمن كانوا يتجهون إلى المدن الهندية التجارية الكبرى مثل مومباي وكلكتا لمزاولة أعمالهم التجارية.

وإن ما يربط بين العرب والهند رحلة الحجاج الهنود، فقد كانت الهند محطة مهمة للحجاج المسلمين الذين كانوا يتوجهون إلى مكة والمدينة بالطريق البحري في القرن التاسع عشر وبالطريق الجوي في القرن العشرين، مما عزز التواصل الثقافي والديني بين البلدين شبه المجاورين إذ لا يفصل بينها إلا البحر.

٢. رحلات العلماء والأدباء والكتاب

خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، قام العديد من العلماء والمفكرين العرب برحلات إلى الهند لمقابلة علماء الهند المسلمين، الذين كانوا معروفين بتفوقهم في مجالات مثل الفقه والحديث والتصوف.

وكانت المدارس الإسلامية في الهند استقبلت طلابًا عربا وأسهمت في نشر العلم الشرعي في العالم العربي والشخصيات العربية البارزة التي زارت الهند قد ساهمت في توثيق العلاقات العلمية، مثل: جمال الدين الأفغاني الذي زار الهند في أواخر القرن التاسع عشر. أقام الأفغاني في الهند لعدة سنوات وشارك في الحوار الفكري مع العلماء والمفكرين الهنود، وساهم في تعزيز الحركة الإصلاحية في الفكر الإسلامي. والشيحعلي الطنطاوي الذي زار الهند في القرن العشرين ترك أثرا عميقا في علماء المسلمين، وفي نفس الوقت تأثر منهم في جوانب كثيرة. وقد وقد رسم الشيخ الطنطاوي صورا جميلة لبعض العلماء الهنود في مذكراته عن رحلاته.

ومن الأدباء الذين زاروا الهند خلال هذه الفترة محمد ثابت، وهو أديب عربي من مصر، عن رحلته إلى الهند في كتابه "رحلات في بلاد الهند". تناول في هذا الكتاب جوانب متنوعة من الحياة الهندية، بما في ذلك الثقافة، الدين، والتقاليد المحلية. هذا الكتاب يعكس اهتمام العرب في تلك الفترة بفهم التعددية الثقافية والدينية في الهند.

٣. التبادل الدبلوماسي والسياسي

خلال فترة الاستعمار البريطاني، كانت الهند جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، وهذا جعل العديد من الرحلات العربية إلى الهند تتخذ طابعا دبلوماسيًا. الدول العربية المستقلة حديثا، مثل السعودية والعراق ومصر، أرسلت مبعوثين إلى الهند لتوطيد العلاقات الدبلوماسية، خصوصًا بعد استقلال الهند في عام ١٩٤٧.

٤. الرحلات العلمية والطبية

في القرن العشرين، كانت الهند مركزا مهما للتعليم الطبي والعلمي، وقام العديد من الطلاب العرب بالسفر إلى الهند لدراسة الطب والهندسة والعلوم اله كانت تعتبر وجهة تعليمية مهمة للعديد من الطلاب العرب الذين سعوا للاستفادة من نظام التعليم المتقدم الذي أسسه البريطانيون هناك.

٥. الرحلات الأدبية والكتابات الصحفية

مع بداية القرن العشرين، شهدت الصحافة العربية اهتماما متزايدًا بالهند، وتم إرسال العديد من الصحفيين والمثقفين العرب إلى الهند لكتابة تقارير عن الوضع الاجتماعي والسياسي هناك. هذه التقارير ساهمت في تشكيل فهم العالم العربي للهند كدولة حديثة متطورة تسعى إلى التحرر من الاستعمار العديد من الأدباء والصحفيين الذين زاروا الهند كتبوا عن تأثير الثقافة الهندية في الأدب والفكر العربي، مما ساهم في تعزيز الروابط الثقافية بين المنطقتين.

وهكذا كانت الرحلات العربية إلى الهند في الماضي عامة وفي القرنين التاسع عشر والعشرين خاصة غنية ومتنوعة، وشملت جوانب التجارة، والتعليم الدين، والثقافة. وإن هذه الرحلات ساهمت مساهمة كبيرة في تعزيز العلاقات بين العالم العربي والهند، وأثرت على التطورات الفكرية والثقافية في كلا الجانبين.

الحواشي الرقمية

(١). العنكبوت: ٢٠

(٢).غافر: ٨٢

(٣). سبأ ١٨ 

(٤) مقاييس اللغة، سوريا: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٩٧م ، ٢: ٤٩٧.

(٥). عبد الحكيم الصعيدي، الرحلة في الإسلام : أنواعها وآدابها، الطبعة الأولى القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، ١٩٩٦م ، ١٥.

(٦) .محمد الحاتمي، الرحلات المغربية السوسية، الرباط : مطبعة المعارف الجديدة، ٢٠١٢م، ٢٠.

(٧). شوقي ضيف، الرحلات، الطبعة الرابعة القاهرة: دار المعارف، د. ت. ٨.

(٨). راجع للتفصيل

Ancient India, as described by Megasthenes and Arrian, J. Crindle 
.١٨٧٧ .London: Tribuner &Co وكان الأستاذ ج.ف. ميك كندال يعمل مديرا في الكلية الحكومية بباتنا، في ولاية بيهار. وكان خبيرا باللغات الكلاسيكية، ولغويا بارزا.

(٩). رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، القاهرة: دار ابن تيمية، د. ت.، ٥.

(١٠) انظر : الكتاب المقدس ، سفر التكوين ، الإصحاح ، ٣٧.

(١١) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، الطبعة السابعة ؛ القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، ١٩٥٥م ، ١٣.

(١٢) جوستاف لي بان ، حضارة العرب ، ترجمة : عادل زعيتر ، مطبعة عيسي البابي الحلبي و شركائه ، د.ت. ، ٩٤. ٢١ :١٣ سورة قريش

(١٣) سورة قريش

(١٤) جواد علي ، المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام، الطبعة الثانية؛ بغداد: جامعة بغداد، ١٩٩٣م، ٤: ٦.

(١٥) الرحلة في الأدب العربي التجنس اليات الكتابة خطاب المتخيل. ط.١. مصر الهيئة العامة لقصور الكتاب. كتابات نقدية عدد ١٢١، ٢٠٠٢م، ٥.

(١٦) الموافي ناصر عبد الرزاق الرحلة في الأدب العربي حتى القرن الرابع الهجري، الطبعة الأولى؛ مصر: دار النشر للجامعات المصرية، ١٩٩٥م، ٣١.

(١٧) مجلة أداب الكوفة، العدد : ٥١ ، ج:١ ، شعبان ١٤٤٣هـ / آذار ٢٠٢٢م

(١٨) انظر مقدمة تخقيقه لكتاب " الإكسير في فكاك الأسير" نقلا عن الرحلة في الأدب العربي، مرجع سابق  ٣٤

(١٩) الرحلة في الأدب العربي، مرجع سابق، ١٢٠.

(٢٠) (انظر: الرحلة وأدبها في اللغة العربية : دراسة تاريخية، محمد رضى القاسمي - https://darululoom
deoband.com/arabicarticles/archives/2866

(٢١) رحلة إلى الهند، دار السويدي، أبو ظبي الطبعة الأولى؛ ٢٠٠٣م.

(٢٢) الطبعة الرابعة ؛ مصر: المطبعة الرحمانيه.

(٢٣) الهند كما رأيتها ، الطبعة الأولى؛ مصر : المطبعة وديع أبو الفاضل، د.ت.

(٢٤) دار المعارف ، مصر : ١٩٤٦م.

(٢٥) صور من الشرق، الطبعة الأولى؛ جدة دار المنارة، ١٩٩٢م، ١٢.

(٢٦) الطبعة الثامنة ؛ القاهرة: دار الشروق، ٢٠١٠م.

(٢٧) الطبعة الثانية؛ القاهرة : مكتبة مدبولي، ٢٠٠٦م.

(٢٨) بيروت: مؤسسة الرسالة، ٢٠١٣م.

(٢٩) الجائسي، سيد عليم أشرف فصول في التعريف بالهند العلابية الإسلامية، الطبعة الأولى؛ دار العلوم ٩٥ ،٩٤ ،جائس، ٢٠٠٣م

(٣٠) الجائسي، سيد عليم أشرف قرآن كريم مين معرب الفاظ، الطبعة الأولى؛ دار العلوم جائس، ٢٠٠٦م

(٣١) انظر: تاج العروس منشورات دار الحياة، مصورة عن الطبعة الأولى؛ مصر : المطبعة الخيرية، ١٣٠٦هـ، ٣٠٠:٥

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا