أحدث المشاركات

الأحد، 18 ديسمبر 2016

الحسن بن الهيثم: حياته ومؤلفاته

 الدكتور سيد علي الفيضي

احتفل العالم بعام 2015 كالعام العالمي للضوء. وذلك بمناسبة تكميل ألف سنة بعد تأليف كتاب ‘المناظر’ (The Book of Optics) الذي هو أهم مؤلفات ابن الهيثم. وقد اشتهر ابن الهيثم في العالم بهذا الكتاب الذي يعد من خدماته الجليلة للعلم الحديث. وقد قرر المجلس العام للولايات المتحدة تعييد العام 2015 كالعام العالمي للضوء (International Year of Light). وقد مضت ألف سنة بعد تأليف كتاب المناظر. ويستهدف بهذا توعية عوام الناس عن مضامين هذا الكتاب الجليل، وتبليغ اكتشافات ابن الهيثم عن الضوء والأمور المناسبة به، وتفهيم الناس أهمية هذا الكتاب الذي هو مرشد للعلم الحديث واكتشافاته الجديدة في مجال الضوء والبصريات والفيزياء والرياضيات وعلم الطب وغيرها. ويهتم باحتفال عام الضوء العالمي أيضا المناقشة عن الخدمات العلمية لابن الهيثم الذي عاش في عصر ذهبي لتطورات العلم الإسلامي والعرب، وإظهار الحقائق التي أخفاها عالم الغرب، وهدم مواقف المستشرقين ومساعيهم القبيحة في إهمال النشأة والتطورات لفروع العلم والتقنية في عالم الشرق، ونقد أسلوب عالم الغرب في تحقير الاكتشافات العلمية والخدمات في هذا المجال لعالم الشرق.

حياته:
ولد ابن الهيثم في البصرة سنة 965م، وكان معاصرا لابن سينا. واسمه الكامل أبو العلي الحسن بن الهيثم. وعرف في عالم الغرب باسم ‘الحسن’، وفي عالم العرب باسم ‘البصري وأبو العلي’. واشتهر في علم الرياضيات والجغرافية وعلم الأفلاك والهندسة والفلسفة والمنطق وعلم الطبيعة وعلم الطب وعلم الضوء وغيرها من الفروع المختلفة للعلم. وهو مخترع علوم الضوء ويدعى باسم ‘البطليموس الثاني’ (Ptolemy the Second)، واشتغل في قصر الأمير في البصرة كمساعد في المكتب. وفهم ابن الهيثم أن هذه الوظيفة تكون عائقا لأفكاره ودراسته وبحثه، وتظاهر الجنون وترك الوظيفة ونجا إلى بغداد، وبعد الوصول إلى بغداد استخدم مركز البحث باسم ‘بيت الحكمة’ الذي أسسه الخليفة مأمون، وأنفق بعض السنوات فيه للدراسة والبحث والنقد. ثم ارتحل إلى الشام وأكرمه أمير الشام لفهمه مهارته في كل العلوم وطلب الأمير منه أن يتولى منصب الوزير ولكن رفض ابن الهيثم ذلك المنصب. وفي هذا الوقت كان في مصر القحط والجوع ومات كثير من الناس وحزن ابن الهيثم هذه الحالة السيئة ودرس خريطة نهر النيل وأعلم الأمير أنه يقتدر أن يمنع القحط ببناء السد. وفرح خليفة مصر بعلم هذا الأمر وفهم أنه يذكر في التاريخ ببناء هذا السد في النيل. ودعا الخليفة ابن الهيثم إلى مصر وأكرمه بمنح ثلاثة آلاف دينار. زار ابن الهيثم وأصدقاؤه المكان المعين لبناء السد. وللأسف أيقن ابن الهيثم أنه لا يقدر أن يبني السد في البيئة المكانية والطبيعية لهذا المكان. وأعلم الخليفة أنه لا يقدر أن يبدأ هذا المشروع. أعطى الخليفة وظيفة لابن الهيثم في قصره إكراما لمقدراته العلمية. ولكن لم يرض ابن الهيثم بهذه الوظيفة، وفهم أنه إن ترك هذا العمل يكون سببا لعداوة الخليفة وتظاهر أيضا الجنون للنجاة، ولكن الخليفة حبسه في بيت وعين له خادمان لمساعدته وعناية أموره.
بنى الخادمان ثقبا لجدار غرفة ابن الهيثم للاعتناء بأموره سرا. دخل الضوء بهذا الثقب إلى غرفته ففكر ابن الهيثم عن هذا الضوء. وهذا كان نقطة تحول لاكتشافاته وبحثه في المستقبل. وبعد وفاة الخليفة تخلص من الحبس، وبعد ذلك سكن عند الأزهر الشريف وأنفق أوقاته في العبادة والبحث والدراسة. يقول العلماء الأوروبيون إن المبدأ الأساسي الذي اتبعه لبناء كاميرا هو دراسة ابن الهيثم عن الضوء وبين هذا المبدأ في كتاب المناظر. كان ابن الهيثم ماهرا في الرياضيات. وساعدت اكتشافاته ودراساته العلمية لتطورات الهندسة. ومن خدماته الجليلة أسلوب اتحاده بين المنطق وعلم الهندسة. وأبدى ابن الهيثم نظرية كيل المسطح للكرة. واكتشف قوانين الرياضيات المختلفة المتعلقة بالأرقام. واختصر ابن الهيثم مؤلفات ‘كالن’ (Gallen) وتعلم علم الطب ولكن لم يعالج المرضى. وكتب مقالات قيمة في علم الأفلاك وبين مرور النجوم. واستنتاجاته التي قدمها في علم الأفلاك قد أثرت تأثيرا هاما في تطورات هذا الفرع من العلم. وميزته الفلسفة التي تجمع بين الأمور الدينية والمادية. ومبدأه الذي اتبعه العلم بالحق والعمل بالعدل. ويعرف ابن الهيثم ‘أبا لعلم الضوء’.
ألف ابن الهيثم نحو مائتين كتب في العلم، ولكن لا يوجد أكثرها الآن، وبعض كتبه ينسب إلى غيره من المؤلفين في عالم الغرب. وترجم بعض كتبه إلى اللغات العالمية في القرن السادس عشر والسابع عشر. وعاش بالنقود التي يحصل بنسخ الكتب المترجمة من الإغريقية إلى العربية. وتوفي ابن الهيثم في القاهرة سنة 1040م.
مؤلفاته
ومن أهم مؤلفاته ‘كتاب المناظر’. وهذا الكتاب من أجل خدماته للعلم. ونهج العلم والعلماء في العصر الحديث على منهج هذا الكتاب المبارك، حيث أجروا اكتشافات عديدة في علم البصريات على أساس هذا الكتاب العظيم. ويحتوي هذا التأليف على معلومات مهمة ضرورية لتطورات العلم في العالم، لاسيما ساهم هذا الكتاب مساهمة عظيمة في تطورات الفيزياء. وجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد ساعد لتشكيل الأفكار والآراء في علم الطب لعلاج الأمراض المتعلقة بالبصر، واكتشاف كاميرا والآلات المتعلقة بالضوء.
وقد أكمل ابن الهيثم تأليف هذا الكتاب المهم في مصر سنة 1015م. وأظهر في هذا الكتاب اكتشافات مهمة متعلقة بعلم الضوء مثل طبيعة الضوء وانتشاره بالخط المستقيم وغيرهما. وقد أزال هذا الكتاب الظنون الخاطئة المنتشرة في أوربا والجهالة الإغريقية عن علم الضوء والبصريات. وقد فتح هذا الكتاب بابا جديدا إلى العلم الحديث الذي يشتمل على التجربات والرصد، ويحتوي هذا الكتاب على أمور مهمة مثل البصر والعدسة والضوء والمرآة وبنية العين للإنسان وكسوف الشمس وخسوف القمر والظل والقزح وغيرها. وكتاب المناظر يشتمل على مجموعات من المقالات البحثية حول الموضوعات المذكورة بأعلاه. وكان هذا الكتاب أساسا للدراسات الجارية حول الضوء. وزادت شهرة هذا الكتاب باتباعه أسلوب إخضاع كل ظنون حسب التجربة المادية والدلائل الرياضية. وأظهر هذا الكتاب أولا أن الكرويات السمائية ليست مشتملة على الأشياء الصلبة، وكذلك اكتشف أن السماء ليس له كثافة كما للريح. وأعلن أن بعض الأفكار لأرسطا طاليس حول المجرة (Galaxy) ليس بصحيح. واشتهر هذا الكتاب في أوربا بترجمته إلى اللاتينية باسم ‘دِ أكشبكتبوس’ في القرن الثالث عشر. وقام بطبعه فدرب رسنر (Fedirp Risner) سنة 1572م. وأثر كتاب المناظر الدراسات والأفكار لروجر بيكن ولياناردو داونجي وجوهر كبلر وغيرهم من العلماء المعروفين في أوربا. ويقول كوبر نكس في كتابه المهم (De Revolutionibus Orbitum Celestium): إنه قد أثره المبادئ والأفكار لابن الهيثم. واستخدم العلماء الأوربيون كتاب المناظر لبحثهم.
وهذا الكتاب صحح بعض المفاهيم السائدة في ذلك الوقت اعتمادا على نظريات أرسطو وبطليموس واقليدس. وأثبت الحقيقة بأن الضوء يأتي من الأجسام إلى العين وليس العكس كما كان يعتقد في تلك الفترة. وهذا الكتاب من أنفع ما أنتج العلماء العرب في مجال الفيزياء. ورتبه بمنهج بحثي وطريقة علمية كما يشير إليه في مقدمة هذا الكتاب حيث يقول فيها: غاية تأليف هذا الكتاب تصحيح نظريات العلماء الذين سبقوه فيما يتعلق بالأبصار وحقيقتها. ونفهم من كتابه هذا إلمامه التام في مجال البصريات وعلوم الضوء.
وينقسم كتاب المناظر إلى سبعة أقسام. ويحتوي كل قسم على علوم مهمة متعلقة بالبصريات والضوء. القسم الأول من الكتاب يناقش عن كيفية الأبصار بالجملة، والثاني عن تصفيف المعاني التي يدركها البصر فيما يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكه، والثالث حول أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها، والرابع عن انعكاس الأضواء وإدراك البصريات بالانعكاس، والخامس يبين مواضع الخيالات والصور التي ترى في الأجسام الصقيلة، والسادس عن أغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها، والسابع حول إدراك البصر بالانعطاف من وراء الإحساء المشفة المخالفة الشفيف لشفيف الهواء.
وفي هذا الكتاب أيضا مناقشات علمية كثيرة فيما يتعلق بطبيعة الضوء والانعكاس والانعطاف والانكسار وتشريح العين والأخطاء والأوهام البصرية والغرفة المظلمة ذات الثقب وغيرها من الأفكار البحثية التي أدت إلى اختراعات جديدة في مجال البصريات والضوء. ولهذا الكتاب بعض الهوامش والشروح التي ألفت لشروح معانيه وإيضاح مضامنيه. ومنها ما ألف كمال الدين الفارسي باسم ‘كتاب البصائر في علم المناظر’، وقام بنشره مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بتحقيق الباحث الدكتور مصطفى الموالدي. وفي الجملة هذا الكتاب من أهم الخدمات الجليلة التي قدمها ابن الهيثم العالم العربي في مجال العلم والمرشد الكامل للعلم الحديث.
ولحسن بن الهيثم مؤلفات كثيرة منها ما كتب في سنة 1025م باسم ‘الشكوك على بطليموس’. وهذه مجموعة مقالات بحثية علمية. وفي هذا الكتاب نقد الأسلوب والآراء لبطليموس في علم الأفلاك. وقدم فيه كثيرا من البيانات، علاوة على هذا قد جاء ابن الهيثم بالتجربة في الفيزياء، وقدم الفكرة المرصد (Telescope) الحديث في علم الأفلاك. ونقض ابن الهيثم آراء بطليموس الذي قدمها على أساس العلم الخيالي بدلائله المخترعة حسب الخبرة والتجربة والرصد. وبذلك عرف ابن الهيثم باسم ‘البطليموس الثاني’.
وتأليفه الآخر ‘مقالة في ضوء القمر’، يناقش فيه عن ضوء القمر. وقد ألف هذه المقالة في بداية القرن الحادي عشر. وساعدت المقالة لارتباط المادية بالرياضيات وعلم الأفلاك. وبنى ابن الهيثم آلة جديدة لرصد القمر وصحح بعض الأوهام من أن القمر ينعكس ضوء الشمس كالمرآة. وأثبت أن الضوء ينشأ من كل الجهات في السطح الضوئي للقمر. ويقدر العلماء العصريون هذه المقالة من المساعي الأولى لتطبيق التجربة في مجال الرياضيات وعلم الأفلاك.
ولابن الهيثم كتاب آخر باسم ‘كتاب الهيئة’ الذي ألفه في البصرة. وهذا الكتاب يناقش عن الصورة المادية للعالم. وهو وثيقة أساسية في علم الأفلاك. وأنكر ابن الهيثم في هذا الكتاب دراسة علم النجوم على أساس الأسباب العلمية كما فعله سائر علماء المسلمين في علم الأفلاك. وقال إن صاحب علم النجوم يتبع الوهم والظن. ويعتمد علم الأفلاك على الاكتشافات حسب التجربة والخبرة. الكواكب السيارة قد رتبت في دائرة ثابتة، وبذلك يستحيل أن يدرك تأثراتها.
ومؤلفات ابن الهيثم كثيرة في مجال الطب والفيزياء والرياضيات، منها مقالة في التحليل والتركيب، ميزان الحكمة، التحديد الدقيق للقطب، كيفية حساب اتجاه القبلة، شرح أصول اقليدس، رسالة في الضوء وغيرها. وأجرى ابن الهيثم اكتشافات لبناء آلة التصوير ذات الثقب. وقام ابن الهيثم تجربته بتجاوز الضوء بالثقب الصغير إلى الغرفة المظلمة. وأوقد خمسة مصابيح خارج هذه الغرفة المظلمة في أحد تجرباته، وتجاوز ضوءها إلى الداخل في هذا الثقب ولاحظ انعكاس الضوء في الجدار الداخلي، وكذلك فهم إذا أخفى مصباحا في الخارج يخفى ذلك فقط في الانعكاس. واخترع بهذه التجربات أن الضوء يمر في الخط المستقيم. وأعلن ابن الهيثم أن البصر يكون بانعكاس الضوء في السطح لابمس الأشعة من العين في شيء. وبهذا الاختراع نقض ابن الهيثم المفاهيم لبطليموس وغيره عن البصر. وتجربة الغرفة المظلمة قد ساعد لتطورات آلة التصوير. وتجربات ابن الهيثم قد ساعدت تطورات التصوير الشمسي أيضا. وبالاختراعات التي بينها ابن الهيثم في كتاب المناظر يساوي هذا الكتاب لتأليف نيوطن ‘Philosophy Naturalis Princittia Mathamatica’. واخترع ابن الهيثم قانون الحركة. وبعد قرون من هذا الاختراع قدم نيوطن قانون الحركة في مجال الفيزياء.
وأجرى ابن الهيثم دراسة عميقة عن تركيب العين وأمراضها. وأثر هذه الدراسة روجر بيكن وويتلو وكبلر وغيرهم من العلماء. وبين المجالات المختلفة للبصر وكيف يتشكل البصر، وياتي سبب يكون القزح وغيرها من الأمور المتعلقة بالضوء والبصر. وبعض دراسته قد تسبب لاختراع الميكروسكوب (Microscope). وكان ابن الهيثم رياضيا وفيلسوفا مشهورا، قد ترجمت مؤلفاته إلى اللغات الأوروبية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة