أحدث المشاركات

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

الثقافة والهوية في "موسم الهجرة إلى الشمال"



Dr. Haseena. P
Post Doctoral Fellow
Department of Arabic
                        University of Calicut

الهوية الوطنية والمواجهة بين الثقافات وتأثيرها اللاحق على الهوية الأصلية هي من المواضيع المتكررة في الأدب ما بعد الاستعمار. وهذا الأدب يتناول بالاتصال الحضاري والجنسي بين المواطنين والمستعمرين وتأثير هذا التثاقف أو التمازج الثقافي على الهوية الوطنية. ومن خلال هذا الاتصال الثقافي، غالبا ما تصبح الهوية الأصلية عرضة للضياع والتفكك.
هذا الاتصال الحضاري بين المستعمر الأوروبي والمستعمر يتجلى في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح من ناحية الجنس بين الأعراق الذي يأخذ شكل الانتقام من قبل المستعمر على المستعمر والرواية تعدّ نقدا لاذعا للتنافر الثقافي بين الشرق والغرب، وبين السود والبيض على وجه الخصوص.
 تتكون الرواية من قصة مصطفى سعيد التي يرويها الراوي ضمن قصته. يعود الراوي الرجل السوداني إلى بلده السودان بعد فترة الاستعمار البريطاني. كان عودته من بريطانيا بعد سبع سنوات التي حصل فيها درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي. يلتقي الراوي في قريته رجلا سودانيا غريبا له  - مصطفى سعيد  - الذي واجه الثقافة الاستعمارية حينما كان طالبا في علم الاقتصاد في جامعة أكسفورد. يطارد الراوي هذا الرجل حتى يسمع منه قصة حياته الغريبة قبلما يختفي الرجل من القرية بعد إحدى فيضانات النيل. وبعد سماع القصة أصبح مصطفى سعيد شبحا يلازم الراوي دائما لوجود بعض التشابهات بين حياتيهما. يريد الراوي أن ينهي هذه الملاقاة بينه وبين هذا الرجل نازلا إلى النيل ويسبح في النهر حتى يصل إلى منتصف النهر عالقا بلا حركة إلى الأمام أوالوراء كأنه كان بين الحياة والموت. ولكنه في الأخير يختار الحياة بين شعبه بعد تطهير هواجس نفسه وقلقها التي دخلت إليها من حياة مصطفى سعيد.
الهوية الأصلية بين الخسارة والاستعادة
تتناول الرواية موسم الهجرة إلى الشمال بتأثيرات متنوعة من الاستعمار الأوروبي على الأراضي المحلية في المستعمرات. وهي أيضا تبين عن امتصاص هوية المستعمر الثقافية إلى داخل المركز الاستعماري. بطل الرواية مصطفى سعيد يمتص الثقافة البيضاء وأيديولوجياتها في أوروبا ويصبح مفترسا جنسيا وتتشابك هويته الأصلية بالاتصال مع السلطة الاستعمارية. أما بالنسبة إلى الراوي تبين الرواية عن خلق الهوية الأصلية واستعادتها مع رفض نظام المستعمر.
تعالج الرواية بالآثار العنصرية الداخلية والاستعمار على المجتمع الأصلي التقليدي في قرية سودانية صغيرة تقع على  منعطف نهر النيل. وهي أيضا تقدّم صورة التوتر بين الثقافة الأوروبية الغربية والثقافة الأفرو-عربية الشرقية. وفي هذا الحال من التوتر يتحدى الاتصال الثقافي بالنقاء العرقي والثقافي ويضع الهوية الأم في خطر. وفي الواقع مصطفى سعيد منتج التعليم الإمبراطوري يخضع لتجارب مؤلمة في أزمة الهوية في الثقافة الأجنبية ويصبح هجينا ثقافيا. ولذلك قال واحد من معاصريه في المدرسة أن مصطفى سعيد كان "طفلا مدلّلا للإنكليز" وكان يلقب ب"الإنكليزي الأسود" في كلية غوردون في السودان. وأيضا زعم واحد من المحاضرين السودانيين في جامعة الخرطوم أن مصطفى سعيد هو أول رجل سوداني تزوج إمرأة إنجليزية وأوروبية على الإطلاق. عندما أتم مصطفى سعيد دراسته الوسطى في السودان فأرسل إلى القاهرة لدراسته الثانوية تحت منحة دراسية من الحكومة الإنجليزية وهناك  تعرّف مصطفى بالثقافة الغربية وأدبها في شكل كبيرحيث أنه تعرّف لموسيقى باخ [1] وشعر جون كيتس وقصص مارك توين. أمّا حياته في لندن أصبحت منغرقة في الثقافة الغربية، وقيل أنه كان يتصل مع "الحانات في تشيلسي، ونوادي هامبستيد، وجمعيات بلومزبري". ولكن مصطفى سعيد الهجين كان أقل سعيدا في حياته لسبب اختلاطه بالشرق والغرب.
وقد أهدى مصطفى سعيد سيرته الشخصية التي لم يكملها إلى أولئك "الذين يرون بعين واحدة ويتكلّمون بلسان واحد ويرون الأشياء إمّا سوداء أو بيضاء إمّا شرقيّة أو غربيّة" [2]. فإذن كان مصطفى سعيد يقرّر بأن الذي يرى الأشياء إمّا سوداء أو بيضاء هو ليس بهجين مثله. لم يتمكّن مصطفى سعيد أن يكمل سيرته الشخصية هذه لكونه هجينا من الثقافتين ولم يتمكّن أن يرى الأشياء ويكتب عنها لأنّه كان يتكلّم بلسانين و يرى الأشياء سوداءا وبيضاءا في نفس الوقت. وهكذا، فإن مصطفى سعيد كان يقوم على هامش الخط الفاصل بين الثقافتين في الخطاب الاستعماري وكان يعاني من وجوده الهامشي كرجل خارج نظرا لثقافته المختلطة وفقد هويته الأصلية بعد اقتلاعها وخلعها حينما كان ينغمس في الثقافة البيضاء.
وفي لندن فقد مصطفى سعيد كماليته النفسية بسبب تعرّضه لحالة بين الاغتراب وعدم وجود مكان لائق له في الثقافتين؛ في ثقافته الأصلية وفي الثقافة الداخلة إليه. وهكذا خسر له هويته وينتهي به الأمر أن يكون مجرما قاتلا. ولا عجب أن يفترض هويات مزيفة وأسماء متعددة في علاقاته مع النساء الأوروبيات؛ كان حسن ورتشارد وتشارلس وأمين ومصطفى كأنه كان يصيب من حالة الفصام أو شكيتزوفيرنيا[3]  من ذاته أو شخصيته الحقيقية. وقد قال للراوي عن جلوسه في وقت محاكمته في محكمة أولد بيلي في لندن "جلست أسابيع أستمع إلى المحامين يتحدّثون عنّي، كأنّهم يتحدّثون عن شخص لا يهمّني أمره" وكان المدّعي العمومي كان يسائله مثلما يصارع "جثّة". وكان الرجل يقوم هامدا مثل كومة رماد وأجاب إجاباته كلّها في عبارات صغيرة "بإلّا ولا أدري". كان قيام مصطفى سعيد في المحكمة مثل شخص لا يهمّه أمره وحاله مثل الجثّة بإجابة الأسئلة بنعم ولا أدري كلّها يشير إلى خيب آماله في أفعاله في لندن حتى أصبح عقله - الذي كان يقطع الأمور ببرودة - جامدا وباردا لا ينفعل في أيّ حركات. وهذه الحالة من الجمود وغير الحيوية تنبيه عن عملية الاستعمار في نفي شخصيّة المستعمر وخفضها أمام شخصيّة المستعمر. حتى قال مصطفى سعيد للراوي كيف وقف وصرخ في المحاكمة "هذا مصطفى سعيد لا وجود له. إنّه وهم، أكذوبة. وإنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة"[4]  لأنه أصبح غير قادر لتعبير ذاته وشخصيته وبقي هناك كأنه "هامدا مثل كومة رماد" أو جثة بلا حركة و عدّ مصطفى سعيد - نتاج ثقافتين – نفسه وهما أو أكذوبة.
 ولذلك سعى مصطفى سعيد إلى حصول كماليته النفسية ونحى نحو اعترافه الذاتي. حاول للتأكيد على ذاتيته إبعادا نفسه عن تجاربه السابقة في أوربا. عاد من رحلته في الغرب إلى السودان بحثا عن هويته الأصلية واشترى بيتا في قرية صغيرة في منعطف نهر النيل وتزوج بنتا قروية وأصبح أبا لابنين يقضي حياته منشغلا في أعمال مزرعه. وهكذا حاول أوّلا لتأسيس الشعور بالانتماء إلى وطنه وأناسه.
ولكن في الداخل كان دائما في القلق عن حياته الكاذبة في هذه القرية النقية إذ أنه كان يعيش هناك بنائا على أساس أكاذب عن حياته الماضية. وكان لا يزال مشتبكا بعدوى الثقافة الأوروبية، ولذلك أقام في بيته غرفة سرية لا يدخل إليها إلّا غيره. وكانت هذه الغرفة عالما مصغّرا لعالم الغرب حيث أقام هناك مصطفى سعيد كلّ ذكرياته ولوازمه في الغرب. فكان يعيش في عالمين مختلفين تحت سقف بيت واحد وحاول لسد الفجوة بين هذا العالمين. ولكنه لم يتمكن لهذا العمل حيث أنه كان واعيا تماما عن المأساة التي أوقع العالم الغربي على حياة العالم الشرقي. وهذا النوع من العيش قاده إلى وعي تطهير نفسه عن أكذوبة حياته ومات غرقا في نهر النيل في إحدى فيضاناته. عرض الروائي قصة مصطفى سعيد المأساوية لإخبار فشل محاولات سد الفجوة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.
أكذوبة الاستعمار
يظهر الطيب صالح في هذه الرواية عن الكذب والخداع الكامن في الأيديولوجيات الاستعمارية بينما يأكد على أثر الاستعمار المدمّر على المستعمر.  وهو يصرّح واضحا أن "المهمة الحضارية" للاستعمار البريطاني في السودان تحوّلت إلى أن تكون كذبا لاستغلال الأراضي الأصلية وأناسها. أثناء محاكمة مصطفى سعيد في لندن قال له بروفسور ماكسوول فستر كين أحد أساتذته في جامعة أكسفورد "أنت يا مستر مصطفى سعيد خير مثال على أنّ مهمّتنا الحضاريّة في إفريقيا عديمة الجدوى، فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تنفيقك كأنّك تخرج من الغابة لأوّل مرة" . [5]
هذه الثقافة الاستعمارية الكاذبة أنتجت في مصطفى سعيد شخصية كاذبة وواجه مصطفى سعيد الأكاذيب الاستعمارية بتوظيف الأكاذيب من نفسه في سبيل إغواء النساء الإنكليزيات. وكان بيته في لندن وكرا للأكاذيب الفادحة "تعبق في الغرفة رائحة الصندل المحروق والند، وفي الحمام عطور شرقية نفّاذة، وعقاقير كيماوية، ودهون ومساحيق، وحبوب" [6]. ألقى محاضرة حول الشاعر العربي الكلاسيكي أبو نواس وبالغ مبالغة في الوصوف عن هذا الشاعر "قرأت لهم من شعر أبي نواس في الخمر بطريقة خطابيّة مضحكة، زاعما لهم أن تلك هي الطريقة التي كان الشعر العربي يلقي بها في العصر العباسي. وقلت في المحاضرة أنّ أبا نواس كان متصوّفا، وأنه جعل من الخمر رمزا حمله جميع أشواقه الروحية، وإنّ توقه إلى الخمر في شعره كان في الواقع توقا إلى الفناء في ذات الله... كلام ملفّق لا أساس له من الصحة، لكنّني كنت ملهما في تلك الليلة، أحس بالأكاذيب تتدفق على لساني كأنّها معان سامية. وكنت أحس بالنشوة تسري منّي إلى الجمهور، فأمضي في الكذب. وبعد المحاضرة إلتفّوا حولي. موظّفون عملوا في الشرق، ونساء طاعنات في السنّ مات أزواجهنّ في مصر والعراق والسودان، ورجال حاربوا مع كتشنر[7]  واللنبي[8] ، ومستشرقون، وموظّفون في الوزارة الخارجيّة" . ويستخدم مصطفى سعيد بالأكاذيب والصور النمطية المألوفة الرومانسية حول الشرق لإغواء إيزابيلا سيمور، سيدة إنجليزية "رويت لها حكايات ملفقة عن صحارى ذهبية الرمال، وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها. قلت لها أنّ شوارع عاصمة بلادي تعجّ بالأفيال والأسود، وتزحف عليها التماسيح عند القيلولة. وكانت تستمع إليّ بين مصدقة ومكذبة. تضحك وتغمض عينيها، وتحمر وجنتاها. وأحيانا تصغي إليّ في صمت، وفي عينيها عطف مسيحي. وجائت لحظة أحسست فيها أنّني انقلبت في نظرها مخلوقا بدائيّا عاريا، يمسك بيده رمحا، وبالأخرى نشابا، يصيد الفيلة والأسود في الأدغال[9]
هنا يعرض الطيب صالح تلك القوالب أو الصور النمطية الكاذبة في مفهوم الأوروبيين عن المواطنين في الشرق كأنهم متوحشون بدائيون. وكذالك أظهر الروائي الأوهام والأكاذيب التي تسود في إعتبار مفهوم المستعمر عن المستعمر الأوروبي. عندما يعود الراوي إلى بلده السودان يسأله أهل قريته أسئلة عديدة عن أوربا وهذه الأسئلة تظهر الصور النمطية عن الغرب في فهم الشرق "سألوني عن أوربا. هل الناس مثلنا أم يختلفون عنا؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة؟ ماذا يفعل الناس في الشتاء؟ يقولون إن النساء سافرات يرقصن علانية مع الرجال. وسألني ود الريس "هل صحيح أنهم لا يتزوجون ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام؟"[10] . ولكن الروائي يفصح بأنها من الأوهام والتعميمات الخاطئة عن الأوروبيين ويقول على لسان الراوي "أنّ الأوروبيين إذا استثنينا فوارق ضئيلة مثلنا تماما، يتزوّجون ويربّون أولادهم حسب التقاليد والأصول، ولهم أخلاق حسنة، وهم عموما قوم طيّبون... نعم بينهم مزارعون وبينهم كلّ شيئ. منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلّم، مثلنا تماما. يولدون ويموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحملون أحلاما بعضها يصدق وبعضها يخيب. يخافون من المجهول، وينشدون الحبّ ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد. فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون، بعضهم أعطتهم الحياة أكثر ممّا يستحقّ، وبعضهم حرّمته الحياة. لكنّ الفروق تضيق وأغلب الضعفاء لم يعودو ضعفاء" [11].
وفي غالب الأحيان يمثل مصطفى سعيد عن التواصل الثقافي بين المستعمر والمستعمر تواصلا غير صحيا. وهو يقدم هذا الاتصال الثقافي بين المواطنين والسلطة الاستعمارية تلوثا يهدد كلا الطرفين أو مرضا أو سما قاتلا. وبالنسبة له كان فتحه الجنسي على النساء الأوروبيات أفعالا مردودة من ناحيته إلى القوة الاستعمارية التي لوثت تاريخ الشعوب المستعمرة. يقول "العدوى أصابتهنّ منذ ألف عام، لكنّني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل" ويصف غرفته النومية في لندن مليئة من جراثيم أمراض الفتاك "دخلت غرفة نومي بتولا بكرا وخرجت منها تحمل جرثوم المرض في دمها" [12]. وعلاوة على ذلك يتخيل مصطفى سعيد قائلا للقضاة الإنجليزين في المحكمة أن آثار استعمارهم الضارة تحوّلت سما حقن إلى المستعمرات "نعم يا سادتي، أنني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ" [13].
وقد كان الراوي أيضا تأثّر تأثّرا مماثلا بإتصاله الثقافي بين إنجلترا والسودان، ولكنه لا يعترف بهذا الواقع في بادئ الأمر. يعترف هذا الواقع بعد اكتشافه على حياة مصطفى سعيد فيدرك جيدا بطبيعة التواصل الثقافي والتلوث بين السودان وسلطتها الاستعمارية السابقة. عندما عاد الراوي من أوربا إلى بلده بعد سنوات فيفرح في وجوده بين شعبه وحياته المألوفة في قريته. فهو يستمع إلى وشوشة الريح وهديل القمري. وهو يتطلع إلى النخيل في فناء داره ويحدّد علاقته مع جذوره الضاربة في الأرض. "أنظر إلى جذعها القويّ المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجريد الأخضرالمنهدل فوق هامتها، فأحسّ بالطمأنينة. أحسّ أنني لست ريشة في مهبّ الريح، ولكنّني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور له هدف" [14]. يستعيد في بلده هوية مستقرة ثابتة ويعيش منسجما مع قريته ومناظرها الطبيعية.
ولكن عندما عرف الراوي عن خطر الاتصال الثقافي الاستعماري وتلوّث الاستعمار الغربي في شخصية المستعمر من قصة حياة مصطفى سعيد فيخاف أن يكون أكذوبة في حياته في وطنه. ولذلك إنه يحاول أن يطمأن نفسه بأن هويته لا تزال سليمة ويأكد لطمأنينته أنه كان دائما يحلم ويتصور عن قريته الصغيرة في بلده عندما كان يعيش في الغرب. وفي بعض الحين كان يخال ويخاف عن حدوث بعض الأمور في حياته مثلما حدث لمصطفى سعيد "هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد؟ قال إنّه اكذوبة؟ فهل أنا أيضا أكذوبة.؟ إنّني من هنا. أليست هذه حقيقة كافية؟ لقد عشت معهم (الأوروبيين) على السطح، لا أحبّهم ولا أكرههم. كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة، أراها بعين خيالي أينما إلتفتت، أحيانا في أشهر الصيف في لندن إثر هطلة مطر كنت أشمّ رائحتها. في لحظات خاطفة قبيل مغيب الشمس كنت أراها. في أخريّات الليل كانت الأصوات الأجنبية تصل إلى أذني كأنها أصوات أهلي هنا. أنا لا بدّ من هذه الطيور التي لا تعيش إلّا في بقعة واحدة من العالم. الوجوه هناك، كنت أتخيّلها قمحيّة أو سوداء فتبدو وجوها لقوم أعرفهم. هناك مثل هنا ليس أحسن ولا أسوء. ولكنّني من هنا، كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا، نبتت في دارنا ولم تنبت في دار غيرها[15] . وهكذا يرفض إرتباطه المباشر العميق مع الأوروبيين ويرى مصطفى سعيد رجلا مسموما من الاتصال الاستعماري. ويزيل هذا السم عن طريق إشعال النار في غرفة مصطفى سعيد السرية وغرقه في مياه النيل. وهذا الغرق في مياه النيل هو عمل رمزي لتطهير هويته من السم الاستعماري وتجديدها. وهكذا تتأثر هوية المواطن مباشرة على طريق الإنفصال من عدوى الاستعمار أو بالعودة المكلفة إلى الأرض الأصلية والأعراف المحلية.
عندما أزال مصطفى سعيد السم الاستعماري من نفسه غارقا أن يموت في نهر النيل فسعى الراوي لتطهير نفسه في نفس الطريق. فهو ينزل النيل عاريا بعد ترك شبح مصطفى سعيد الذي يطارده في غرفته السرية. ثم يسبح الراوي إلى الشاطئ الشمالي حتى يصل "في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب"، وفي حالة بين الحياة والموت رأى أسرابا من القطى متجهة شمالا. وهذا القيام "بين الشمال والجنوب والحياة والموت أو بين الشتاء والصيف أو بين الرحلة والهجرة" تشير إلى وجود الراوي على الخط الحدودي بين استيعاب الإيجابات وترك السلبيات من كلتي الثقافة الغربية والثقافة الشرقية التقليدية ويقرّر أن يعيش مع شعبه بدلا من الإستسلام لتيارات النيل. "إنني أقرّر الآن أنني أختار الحياة. سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقي معهم أطول وقت ممكن ولأن عليّ واجبات يجب أن أؤدّيها لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى"[16]
فإذن عندما أثرت الثقافة الأوروبية تأثيرا شديدا على تحطيم مصطفى سعيد فيكاد الراوي أن يخلص من نفوذها المدمر. عندما أصبح الراوي مستنفدا من السباحة والتناضل ضد قوات النيل، فيختار الحياة على الموت ويقرر أن يعيش بين شعبه بدلا من أن يقدّم للمرض الثقافي الذي دمر مصطفى سعيد في أوروبا.
يعالج الطيب صالح مشكلة الهوية متشابكة مع إعدادات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية حيث يسعى الشخوص المخلوعون في الرواية للإندماج إلى ثقافات وطنهم لأنهم تجرّبوا العقم والمرض في الثقافة البيضاء، فعادوا إلى وطنهم لإستعادة صحتهم وخصوبتهم. مصطفى سعيد الذي غرق في النيل يخضع لنوع مختلف من التطهير. هو يعود إلى وطنه لاعتراف قصة حياته في أوروبا إلى الراوي الذي بدوره يروي قصة مصطفى وسيلة لتفاهم أثر هذه القصة المدمّر عليه.
وهنا تبدي الرواية عن استحالة الحفاظ على عالم خال من النفوذ الاستعماري، وهي تقدم بصيصا من الأمل على الخط الحدودي بين استيعاب الثقافة في الغرب والثقافة في الشرق. وهذا الفضاء الأوسط من اللقاءات الثقافية يساعد في توسط الاستعمار بدلا من الردود العنيفة السلبية عليه.
المصادر والمراجع
1)    الأعمال الكاملة - الطيب صالح، دار العودة، 2004، بيروت.
2)    إستراتيجية الاستعمار والتحرير، د. جمال حمدان، دار الشروق، 1983، بيروت.
3)    الاستشراق المفاهيم الغربيّة للشرق، إدوارد سعيد، ترجمة - د.محمد عناني، دار بنجوين العالميّة، 1995
4)    الاستعمار - أحقاد وأطماع، محمد الغزالي، نهضة مصر، 2005، القاهرة.
5)    الرواية والتحليل النصي، حسن المودن، الدار العربيّة للعلوم، 2009، بيروت.
6)    الطيب صالح - دراسات نقديّة، الدكتور حسن أبشر الطيب، رياض الريس للكتب والنشر، 2001، بيروت.
7)    الطيب صالح عبقريّ الرواية العربيّة، أحمد سعيد محمدية، جلال العشري، رجاء     النقاش، سيد فرغلي، عبد الجلاب، عثمان حسن أحمد، د.علي الراعي، هدى الحسني، دار العودة، 1984، بيروت.
8)    العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، أنور الجندي، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع، 1983، لبنان.
9)    Ami Elad Bouskila, Voices of exiles – A study of Al – Tayyib Salih and his works, Oxford University press, 2007, New York.
10)                       Wail Hassan, Tayeb Salih - Ideology and the craft of fiction, Syracuse University press, 2003, New York.
           






[1]        يوهان   سباستيان باخ ( (Johanna Sebastian Bach هو مؤلف موسيقي ألماني ولد في 1658 ورحل في 1750 م وهو يعتبر أحد أكبر عباقرة الموسيقى الكلاسيكية في التاريخ الغربي.
[2] موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة الطيب صالح، ص - 151
[3]   الفُصام أو السكيتسوفرينيا Schizophrenia) ) هو اضطراب نفسي يتسم بسلوك إجتماعي غير طبيعي والفشل في تميز الواقع. تشمل الأعراض الشائعة الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى إنخفاض المشاركة الإجتماعية والتعبير العاطفي وإنعدام الإرادة.
[4]  موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة، الطيب صالح، ص – 102-103
[5]       نفس المصدر ، ص – 40 -41
 [6]  هوراشيو هربرت كتشنر أو اللورد كتشنر  (1850-1916) كان مشيرا والقائد الأعلى للجيش البريطاني ورجل دولة. بدأ كضابط بسلاح المهندسين الملكي ثم عين حاكما على المستعمرات البريطانية بمنطقة البحر الأحمر في عام 1886 م ومن ثم أصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة بالجيش المصري في عام1892 م. قاد كتشنر حملة الغزو الثنائي (البريطاني – المصري) على السودان عام 1898م والتي تصدت لها قوات المهدية في معركة كرري الشهيرة والتي أسفرت عن نهاية الدولة المهدية.
[7] إدموند هنري هاينمان ألنبي  Edmund Henry Hynman Allenby (1861-1936) هو ضابط وإداري بريطاني، اشتهر بدوره في الحرب العالمية الأولى حيث قاد قوة التجريدة المصرية في الاستيلاء على فلسطين وسوريا في عامي 1917-1918.
     [8] موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة، الطيب صالح، ص -
 [9]  نفس المصدر ، ص - 47-48
 [10]  نفس المصدر، ص - 13
[11]  موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة الطيب صالح، ص - 13
[12]نفس المصدر ، ص - 44
 [13] نفس المصدر، ص - 104
    [14]    موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة الطيب صالح
[15]  نفس المصدر، ص - 59
[16]   موسم الهجرة إلى الشمال، الأعمال الكاملة، الطيب صالح، ص- 176-177

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة