أحدث المشاركات

الجمعة، 23 ديسمبر 2016

قضية التأثير والتأثر في اتجاهي التاريخ والجدل للأدب المقارن؛ دراسة مقارنة

عبد الجليل. ت*

المدخل:
انشغل العصر الحديث للأدب والفن بمناقشات ومداخلات ومعارضات حول النوع الجديد لدراسة الأدب بغض النظر إلى قوميته ولغته، وهذا النوع الجديد يعرف بالأدب المقارن. وقد ظهر هذا الاتجاه المقارني في ظروف سياسية وثقافية متأثرة بالعولمة والانفتاحية في العالم الراهن. وقد تغيرت الأوضاع الثقافية والأدبية في عصر العولمة، فبدأت الآداب القومية واللغوية تتبادل وتتحاور مع آداب قومية أخرى. وفي ظل هذه الأوضاع أخذ الأدباء والنقاد يتناولون في دراساتهم الأدب المقارن والأدب العالمي[1] وعالمية الأدب[2].
أما الأدب المقارن، فقد ورد له عديد من التعريفات، ومن أهمها:
1.    "دراسة الأدب القومي في علاقاته التاريخية بغيره من الآداب الخارجة عن نطاق اللغة القومية التي كتب بها"[3]
2.    "العلم الذي يدرس مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، في حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر[4]
3.    الأدب المقارن وصف تحليلي، ومقارنة منهجية تفاضلية، وتفسير مركب للظاهرة اللغوية الثقافية، من خلال التاريخ والنقد والفلسفة، وذلك من أجل فهم أفضل للأدب، بوصفه وظيفة تميز العقل البشري"[5]  
4.    علم الأدب المقارن هو علم يدرس تطور الآداب القومية في إطار الأدب العالمي الذي يوحد الشرق والغرب، وهو ينطلق من وحدة السياق التاريخي لتطور آداب الشعوب، ومن حقيقة التفاعل الثقافي المستمر بين هذه الشعوب[6]
القراءة خلال سطور هذه التعريفات تُبرز وجهاتِ النظر المختلفة نحو الأدب المقارن لأصحابها، نلاحظ فيها ملامح القومية والعالمية أو القومية والإنسانية. ووفقا لهذه الوجهات والفلسفات المختلفة ظهرت في مجال الأدب المقارن نظريات واتجاهات مختلفة تمام الاختلاف في نظرتها نحو الأدب. فالأدباء المقارنون الأولون يُفَضلون الآداب القومية ويدرسون هذه الآداب بوجهة نظر تاريخي ومنظور التأثر والتأثير، ثم جاء الأدباء والنقاد الذين يتجهون إلى الأدب بوجهة عالمية إنسانية.
والمفهوم القديم والذي لا يزال سائدا في العالم العربي ينظر إلى الأدب المقارن بصفته علماً يدرس ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية. وأما المفهوم الجديد فهو يرى في الأدب المقارن نوعاً من الدراسات الأدبية والنقدية يتجاوز بحوث التأثير والتأثر دون أن ينعيها أويلغيها، ويتفاعل مع المذاهب النقدية الحديثة والمعاصرة كالنقد الجديد والنقد الجدلي ونظرية التلقي ونظرية التناصّ.
الاتجاهات المختلفة في الأدب المقارن:
قد ظهرت في مجال الأدب المقارن حتى الآن اتجاهات ومدارس ونظريات مختلفة نتيجة لتطور الدراسات النقدية في هذا المجال، واختلاف الفلسفات التي ظهرت في مجال الفن والأدب، واختلاف النظريات السياسية العالمية. ومن هذه الاتجاهات: الاتجاه التاريخي الذي يعتمد على الفلسفة الوضعية[7] والذي يتجه إلى دراسة الأدب في منظور التأثر والتأثير، والمدرسة التي يتابع أصحابها هذا الاتجاه تعرف بالمدرسة الفرنسية. والاتجاه الثاني في الأدب المقارن هو الاتجاه النقدي "النقد الجديد"[8] (New Criticism) الذي يعتمد على المبدأ الأخلاقي والثقافي[9] ويهتم بدراسة الأدب والفن من جانب جوهرهما الفني والجمالي[10]، وهذا الاتجاه يعرف بالمدرسة الأمريكية. أما الاتجاه الذي يعارض هذين الاتجاهين فهو الاتجاه الماركسي أو الجدلي[11] الذي يقوم على الفلسفة المادية الجدلية، والذي ينظر إلى الأدب في منظور عالمي، و يركز باستمرار على الجوانب الإنسانية العامة المشتركة بين الشعوب. وهذا الاتجاه يعرف بالمدرسة السلافية أو الماركسية أو الجدلية أو الديالكتيكية[12]. ومن النظريات النقدية الأدبية الحديثة التي أثرت في اتجاهات الأدب المقارن نظرية التلقي ونظرية التناص (Intertextuality)، وهذه الأخيرة حلت تدريجيا محل اتجاه التأثر والتأثير[13].
قضية التأثر والتأثير في الاتجاه التاريخي (المدرسة الفرنسية)
الاتجاه التاريخي هو أول اتجاه في مجال الأدب المقارن، وهو ذو طبيعة تاريخية في دراسة العلاقات بين آداب وأخرى. وهذا الاتجاه يتخذ دراسة التأثر والتأثير بين أدب قومي معيّن وأدب قومي آخر أو مجموعة من الآداب القومية الأخرى من أهم أغراضها. والهدف الذي يسعون إلى تحقيقه هو استقصاء ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية. وهذا الاتجاه يعرف بالمدرسة الفرنسية التقليدية، لأن هذا الاتجاه ظهر وانتشر أولا في فرنسا، ثم في الدول الأوروبية. "ويظهر أن فرنسا كانت مهيأة أكثر من غيرها لاستقبال هذا الدرس المقارن، في إطار علاقات الأسباب بالمسببات التاريخية، أي أن علاقات القوى بينها وبين باقي الآداب، لعبت دورا أساسيا في بلورة شكل مدرسي، يستلهم مقوماته داخل مفهوم التميز والأمجاد التاريخية"[14].
واتجاه هذه المدرسة يقوم أولا وأخيرا على الفلسفة الوضعية. فيرى أصحاب هذه المدرسة: "أنّ تأريخ الأدب هو - وفي جزء كبير منه - تأريخ مصادر ومواضيع ومواد أدبية تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب القومية بصورة يمكن دراستها وتتبعها بالوثائق. فالدراسة المقارنة لتلك الآداب تدلّ على وجود علاقات تأثير وتأثر بينها على أساس من السببية الصارمة. إنّ انتقال مادّة أدبية من أدب قومي إلى أدب قومي آخر ليس مسألة عشوائية، بل هو علاقة تأريخية قائمة على السببية، وهذا ما على الأدب المقارن أن يبرهن عليه بصورة لا تقبل الجدال، أي أن يبيّن مصدر التأثر وواسطته ونتائجه.[15]
إنّ الأدب المقارن الذي اتخذ دراسة التأثير والتأثر، يكتفي بتأريخ العلاقات الخارجية للأدب، ولا يتطرق إلى الجوانب والأبعاد الجمالية الذوقية: فهو لا يحللها ولا يقيّمها، وجلّ ما يفعله بشأنها هو أن يبيّن العلاقات الخارجية والوسائط والمؤثرات المرتبطة بها. أمّا الأمور الجمالية والفنية فيترك الأدب المقارن التقليدي التعامل معها للنقد الأدبي، الذي يعدّه المعنيّ الأوّل والأخير بالأبعاد الداخلية للأدب، فذلك هو مجال اختصاصه. فمنهجية الأدب المقارن منهجية تاريخية تجريبية، تتمثل في جمع الوثائق والأدلة والوسائط وكلّ ما يبرهن بصورة ملموسة ويقينية على وجود علاقات تأثير وتأثر بين أدبين قوميين أو أكثر.  
فدراسة التأثير والتأثر هي العماد الوحيد في دراسة الأدب المقارن للمدرسة الفرنسية التقليدية، وهذه الدراسة اعتمدت بصورتها الشاملة على الأدلة التاريخية لوجود العلاقات بين الأمم المختلفة جغرافيا وثقافيا وسياسيا، وعلى الأدلة الصارمة التي تقول عن ملامح وإشارات تأثر أدب قومي ما بأدب قومي آخر، أو ظواهر تأثر هذا الأدب القومي بذلك الأدب القومي الآخر. ومن المقرر أنه "قد سدت هذه الدراسة للأدب فجوة في كتاب تاريخ الأدب القومي، التي خلفها التأريخ الذي انحصر داخل الأدب القومي بدون النظر إلى الامتدادات والأبعاد الخارجية التي تتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب"[16]. فلا بد أن يجعل من الاعتبار في دراسة الأدب ما يقع ويحدث وينتج في الآداب القومية الأخرى، وأن يلاحظ مدى ما أثرت هذه الوقائع والتطورات في أدب قومي ذاتي.
"فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد برهنت على بطلان مقولة "الاكتفاء الذاتي" للآداب القومية واستقلالية تلك الآداب وتفردها. فليس هناك أدب قومي لم يتأثر بالآداب القومية الأخرى بصورة من الصور. كذلك فإن لأصالة الأدب القومي وخصوصيته وتفرده حدوداً. فقد دلّت دراسات التأثير والتأثر على أنّ هذه الأمور نسبية، وأن الآداب في حالة تفاعل وتبادل، وأخذ وعطاء، واستيراد وتصدير. وبذلك شكّلت دراسات التأثير والتأثر رداً على دعاة التعصب القومي في الأدب الذين يزعمون أن أدبهم أصيل بصورة مطلقة، وخالٍ من المؤثرات الغريبة"  
أما ما يؤخذ على هذا الاتجاه التاريخي في دراسة الأدب المقارن، أنه اعتبر دراسة التأثير والتأثر هي الكل، واتخذ المنهج التاريخي وحده، ولم يهتم بالمنهج النقدي في دراسته للأدب، واستبعد دراسة الجوانب الجمالية والذوقية للأدب. "لقد حوّل التوجّه التاريخي الوضعي عَالِمَ الأدب المقارن إلى مؤرخ بالمعنى الصارم الضيّق للكلمة، أي إلى شخص يجمع الوثائق والمصادر والمنابع والوسائط المرتبطة بالعلاقات الخارجية للآداب، ومنعه من عقد أيّ مقارنات خارج ذلك الإطار بمعزل عن علاقات التأثير والتأثر، بدعوة أنّ ليس لتلك المقارنات قيمة معرفية"[17]
وقد غض هذا الاتجاه أنظاره نحو دراسة ظواهر أدبية متشابهة في آداب قومية مختلفة متباعدة جغرافيا، ولم تقم بينها علاقات تأثير أو تأثر. إنّ تفسير ظواهر التشابه بين الآداب التي ترجع إلى علاقات التأثير أمر سهل، وذلك بمجرد إثبات الوسائط التي تمّ من خلالها ذلك التأثير. ولكن تفسير ظواهر التشابه الملاحظة بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير، أمر صعب، غفل عنه أو أغفل أصحاب هذا الاتجاه.
خدمت دراسات التأثير والتأثر نزعة التباهي والتعالي القومي والإقليمي (الأوروبي) ، ونزعة "المركزية الأوروبية (Euro-Centrism)[18]"، فاستعمال هاتين الكلمتين (التأثير والتأثر) يدل على هذه الخدمة. "إن فعل "أثّر" يعني لغة، ترك في الآخر أثراً، أي أن المؤثّر هو بالضرورة الطرف الفاعل والإيجابي. أمّا التأثر فهو التعرض للتأثير. "تأثّر به" يعني لغة "حصل منه على أثر" أو "ظهر فيه الأثر". والتأثر هو الانفعال، أي ردّة فعل على مؤثر خارجي، وهو سلوك سلبي. فالتأثير أمر إيجابي ضمناً، خلافاً للتأثر، فهو أمر سلبي، اعترف المرء بذلك أم لم يعترف.... وبذلك يتحول الطرف المؤثر إلى الأصل أو "المنبع" أو "المصدر"، وهو لذلك الطرف الأصيل، خلافاً للطرف المتأثر، فهو التابع المقلّد الذي يفتقر إلى الأصالة"[19].
"وقد تحوّلت دراسات التأثير والتأثر، على حد قول أحد منتقديها اللامعين، رينيه ويليك (Rene Wellek)  إلى عملية "مسك الدفاتر" لنشاطات الاستيراد والتصدير التي تتمّ بين الآداب القومية. وبموجب تلك "الدفاتر الثقافية" يمكن معرفة ما صدّره أدب قومي معيّن إلى آداب قومية أخرى، وما استورده منها. وبالطبع فإنّ التصدير أفضل من الاستيراد، في الثقافة أيضاً، والطرف المصدّر أو المرسل هو الأفضل والأقوى، وهو صاحب الفضل والأيادي البيضاء على الطرف المستورد المستقبل الآخذ المتأثر".[20]
قضية التأثر والتأثير في الأدب المقارن العربي
وعلى الرغم من اختفاء دراسة التأثير في شكلها التقليدي من مجال الأدب المقارن حتى في الدول الأوروبية، وظهور نظريات واتجاهات حديثة متطورة في الأدب المقارن مثل الاتجاه النقدي والجدلي والتناص، إن الدلائل تشير إلى أن العالم العربي لم يواكب تلك التطورات، بصورتها الكاملة. إن معظم دراسات في الأدب المقارن التطبيقي يندرج تحت باب دراسات التأثير والتأثر. "ولهذه الظاهرة أسباب متعددة، أولها أنّ هذا النوع من الدراسات هو الأسهل منهجياً وتطبيقياً، لا بل، إنه أوضح المناهج المقارنة وأسهلها إطلاقاً. فهو من الناحية التطبيقية عمل توثيقي بالدرجة الأولى، يتمثل في جمع المادة التاريخية التي تدلّ على وجود علاقة تأثير وتأثر بين أدب قومي ما وأدب قومي آخر أو آداب قومية أخرى. ومن جهة أخرى فإنّ دراسات التأثير يمكن أن توظّف بسهولة في النقاشات والمعارك الأدبية والنقدية الدائرة في الوطن العربي حول قضايا أدبية كقضية الأصالة والتقليد والتبعية والمثاقفة في الأدب العربي الحديث"[21].
ومن جهة ثانية، فإنّ استبدال دراسات التأثير بنوع آخر من الدراسات المقارنة، نوع يعتمد نظرياً على المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة، كنظرية الأدب الجدلية والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناص.. الخ، ليس بالأمر السهل. فهو يتطلب استيعاب تلك المناهج استيعاباً وافياً من جهة، وتطوير القدرة على استخدامها تطبيقياً في الدراسات الأدبية المقارنة من جهة أخرى[22].
وقد لمس بعض الأدباء المقارنين العرب النظريات الجديدة نظريا لا تطبيقيا. وقد استوعبوا الاتجاهات المقارنة الحديثة المنبثقة عن الفكر النقدي الحديث، فإنه ليس هناك ما يضمن أن تستخدم تلك المناهج تطبيقياً بصورة مناسبة، وألاّ يظلّ الالتزام بها نظرياً لا تطبيقياً، بدليل أنّ بعض ممثلي المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن العربي، قد نحوا في دراساتهم التطبيقية منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية التقليدية. وأفضل مثال على ذلك هو الدكتور حسام الخطيب، الذي روّج أفكار المدرسة الأمريكية في العالم العربي، ولكنه نهج نهجاً فرنسياً تقليدياً على الصعيد التطبيقي[23]
تتمحور دراسة التأثير والتأثر في الأدب المقارن في العالم العربي على محورين أساسيين،  فالمحور الأول يركز على تأثير الأدب العربي في الآداب الشرقية وتأثره بها، وفي مقدمة تلك الآداب الأدبان: الفارسي والتركي.  ومن أبرز المواضيع التي تمحورت حولها الدراسات المقارنة موضوع "ليلى والمجنون" في الأدبين العربي والفارسي. أما المحور الثاني فهو يركز على تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية والغربيّة. فعلى صعيد تأثر الآداب الأوروبية بالأدب العربي وبالثقافة  الإسلامية حظي موضوع المصادر العربية والإسلامية في "الكوميديا الإلهية" لدانتي (Dante)  باهتمام كبير من جانب المقارنين العرب، وكانت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وقصة "الإسراء والمعراج" أهمّ المصادر التي سعى المقارنون العرب لإثبات تأثر دانتي بها[24].
ولدراسة تأثير الأدب العربي على الآداب الأوروبية دوافع معرفية وعلمية، وكذا لها دوافع إيديولوجية، وتلك تتمثل في السعي لدحض فكرة التفوق الأدبي والثقافي الأوروبي. وإن هذه الدراسة ردة فعل عربية على المركزية الأوروبية وعلى مساعي الهيمنة الأوروبية الغربية، ومحاولة للمحافظة على الهوية الثقافية العربية المهددة بالتمزق نتيجة ما يمارسه الغرب من توسع وهيمنة ثقافيين[25].   
 قضية التأثير والتأثر في الاتجاه الجدلي (المدرسة السلافية)
الاتجاه الجدلي في مجال الأدب المقارن هو الاتجاه الذي استمد نظرياته وأساسياته من الفلسفة الجدلية لهيجل Hegel، وهي فلسفة تملك نظرة شمولية إلى الكون والمجتمع والثقافة والأدب. وهي ترى أن التطور التاريخي ليس عشوائياً، بل هناك قوانين وقواعد تتحكم فيه وتوجهه، وعلى رأس تلك القوانين قانون الصراع الطبقي. فالتاريخ من وجهة نظر ماركسية ليس تكراراً للماضي، بل حركة موجهة، حركة تجاوز وانتقال مما هو قائم إلى مرحلة أعلى وأرقى من مراحل التطور الناجم عن قوانين الجدل أو الديالكتيك. وتقول النظرية الماركسية بوجود علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهمّ مكوّناته[26]. وقد انتقدت الفلسفةَ الوضعيةَ ورفضتها بشدة، وعدّتها اتجاهاً فلسفياً بورجوازياً.   
والمدرسة التي تتابع الفلسفة الجدلية في دراسة المقارنة تعرف بأسماء عديدة، ومنها: المدرسة السلافية (نسبة إلى اللغات السلافونية (ٍSlovenia) والشعوب الناطقة بها في بلدان المعسكر الاشتراكي)، والمدرسة المادية الجدلية (نسبة إلى الفلسفة المادية الجدلية، الفلسفة الوحيدة المعتمدة من المؤسسة السياسية الحاكمة في تلك البلدان). وتوصف هذه المدرسة أيضا بالماركسية والاشتراكية والسوفيتية، وهذه الأوصاف كلها تدل على النظريات السياسية والاجتماعية التي يتابعها أنصار هذه المدرسة.
الاتجاه الجدلي لا يهتم بدراسة التأثير والتأثر في الأدب المقارن، بل يرى أنّ هناك قوانين تتحكم في حركة الأدب وتاريخه. فكل ما يبرز في أحد الآداب من ظواهر أدبية هامة، كالأجناس الأدبية والاتجاهات الفنية، في وقت مبكر، نتيجة لتقدّم المجتمع الذي يحتضن ذلك الأدب، يظهر حتماً في الآداب الأخرى، لا بفعل علاقات التأثير والتأثر فحسب، بل بالدرجة الأولى نتيجة لتوافر الشروط والمقدمات الاجتماعية في المجتمعات التي تحتضن تلك الآداب، وإن يكن بفارق زمني قد يطول أو يقصر [27].
لقد ركزت الماركسية باستمرار على الجوانب الإنسانية العامة المشتركة بين الشعوب، وانتقدت النزعات القومية التي تغالي في تقييم دور الخصوصية القومية، واعتبرت تلك النزعات إيديولوجيات مضلّله تخدم مصالح طبقيّة، بورجوازية أو بورجوازية صغيرة، وتثير النزعات القومية بين الشعوب، وتغطي التناقضات الحقيقية في المجتمعات، أي التناقضات الطبقية.
من أبرز ممثلي هذا الاتجاه فيكتور جير مونسكي[28]، وإن لم يظهر هذا الاتجاه في مجال الأدب المقارن إلا بعد سقوط الستالينية، وقد أجرى هذا العالم الروسي دراسات في المقارنة حول "الملاحم البطولية الشعبية" في الثلاثينيات والأربعينيات. فلم ينتهج في أبحاثه منهج دراسات التأثير والتأثر الفرنسية، بل لاحظ وجود تشابه بين ظواهر أدبية في آداب لا توجد بينها أي علاقات تأثير وتأثر نتيجة للتباعد الجغرافي والحواجز اللغوية والعزلة الثقافية. وهذه التشابهات التي أغفل عنها الاتجاه التاريخي التقليدي بحجة أنه لا يدخل في اهتمامات الأدب المقارن.
هذه التشابهات استوقفت جير مونسكي، فدرسها وحاول أن يجد تفسيرا لها. وقد فشلت دراسة التأثر والتأثير في تقديم أي جواب لهذه الظاهرة، فبحث جير مونسكي عن منهج ينتهج في دراسته عنها، فاتخذ النظرية الماركسية، التي ترى أن هناك علاقة جدلية بين الظواهر الأدبية (البنية الفوقية) وبين البنية الاقتصادية والاجتماعية (البنية التحتية) للمجتمع، أساسا لنظريته الجديدة "نظرية التشابه النمطي" أو "التيبولوجي". فوجد جير مونسكي أن المجتمعات التي بلغت بناها الاجتماعية مستويات متشابهة من التطور تتشابه أيضا في بناها الأدبية، وأما المجتمعات التي تتفاوت درجات تطورها فإن بناها الأدبية تتفاوت أيضا.  
أما دراسة التأثير والتأثر في الأدب المقارن فلم ينكر جير مونسكي دوره، بل وضعها موضعها المستحق. فحينما يعتبرها الاتجاه التاريخي المحور الكل في دراسة الأدب،  يعتبرها الاتجاه الجدلي ثانوية لا أساسية. لأن التأثير والتأثر، في رأي جير مونسكي، لا يتم إلا عندما تكون الثقافة المتأثرة بحاجة إلى المؤثرات الأجنبية، ومستعدة لتلقيها. فلو لم تكن الحاجة قائمة في الأدب المتأثر، لما أثمرت عمليات التأثير والتأثر البتة. "وقد تمكن جير مونسكي من استيعاب قضية التأثير والتأثر، ومن وضعها في إطار أكبر، هو دور المؤثرات الخارجية في تطور الأدب. فللتأثير دور في ذلك التطور، ولكنّ ذلك الدور ليس بدائياً ولا أساسياً. أما الدور الأساسي فهو للتطور الداخلي للأدب، ذلك التطور الذي يواكب تطور المجتمع. فعندما يتطور المجتمع، فإنّ تطوره يخلق الحاجة إلى تطور أدبي يواكبه، كظهور تيار أدبي، وتأخذ بذور هذا التطور بالظهور داخل الأدب. وإذا أضيفت إلى ذلك مؤثرات خارجية، فإنها تسرّع ذلك التطور، وتكون كبذرة سقطت في أرض ملائمة خصبة. أمّا إذا لم يتوافر الشرطان: الاجتماعي والأدبي اللذان يولدان الحاجة إلى المؤثرات الأدبية الخارجية، فإنّ عمليات التأثير والتأثر لا تجدي نفعاً، وتبقى ظاهرة معزولة لا جذور لها"[29].
الخاتمة:
الأدب المقارن هو النوع الجديد من دراسات الآداب والفنون خارج الحدود الجغرافية واللغوية والسياسية والثقافية. وقد انتبه إليه العلماء والنقاد والأدباء في بدايات القرن العشرين. وطبقا لتطورات الدراسات النظرية والتطبيقية في هذا المجال الجديد، ظهرت فيه نظريات واتجاهات مختلفة. فأولا اتسم هذا النوع الجديد من دراسة الأدب بالمنهج التاريخي، فاتهم بدراسة الأدب من المنظور التاريخي، ودارت هذه الدراسات في أول الأمر حول الأدب القومي، ودراسة تاريخ علاقة التأثير والتأثر لهذا الأدب القومي المعين في الآداب القومية الأخرى.
وأهم محور لدراسة الأدب المقارن في عصوره الأولى دار حول دراسة التأثير والتأثر. وكان الفرنسيون هم الذين طوروا نظريات المدرسة الأولى في الأدب المقارن. هي المدرسة الفرنسية التي استمدت من الفلسفة الوضعية، والتي اتخذت المنهج التاريخي في دراسة الأدب. وللأوروبيين دور بارز في انتشار هذه المدرسة وبقائها في قيادة الأدب المقارن أكثر من أربعين سنة. أما المدرسة الأخرى في مجال الأدب المقارن هي المدرسة السلافية التي اتخذت المنهج الجدلي في دراسة الأدب. وقد انتقدت هذه المدرسة نظرية الاتجاه التاريخي، وأعلنت أن التطورات في المجتمع تحدث إثر الصراعات الطبقية في المجتمع، وهذه التطورات هي التي تسبب التطورات في الأدب. وهنا اختلاف شاسع بين هذين الاتجاهين في موقفهما من دراسة التأثير والتأثر في الأدب المقارن. ومن أهمها:
·      أن الاتجاه التاريخي يستمد أساس نظرياتها من الفلسفة الوضعية، في حين أن الاتجاه الجدلي ينطلق من الفلسفة الماركسية الجدلية.
·      أن الاتجاه التاريخي ينتهج المنهج التاريخي في دراسة الأدب، وأما الاتجاه الجدلي فيرى أن الأدب من البنية الفوقية للمجتمع، فدراسته لا تتم إلا بدراسة تطور المجتمع  اجتماعيا واقتصاديا، الذي هو من البنية التحتية للمجتمع.
·      يتمحور الاتجاه التاريخي حول دراسة التأثير والتأثر وحدها بين الآداب القومية، حينما يلاحظ الاتجاه الجدلي أن هناك تشابهات في الظواهر الأدبية في الأمم التي لا توجد أي ملامح لعلاقات التأثير والتأثر بينها نتيجة للحواجز الجغرافية واللغوية والثقافية، فيهتم بدراسة هذه التشابهات بين آداب الأمم المتباعدة.
·      الدراسات التطبيقية في الأدب المقارن في العالم العربي تجري على المنهج التاريخي  رغم ظهور المناهج والاتجاهات النقدية الحديثة وتأثيرها في مناهج دراسات الأدب المقارن. ولكن توجد هنا مساهمات قيمة في دراسات النظريات الجديدة في الأدب المقارن في المنظور النظري لا التطبيقي.  
المصادر                                                                                           
1.     جيرمونسكي، فيكتور مكسيموفيتش، علم الأدب المقارن- شرق وغرب، ترجمة وتقديم د. غسان مرتضى، ط1، حمص، 2004م.
2.     الخطيب (1992)، حسام، آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً دمشق، دار الفكر.
3.     السيد، غسان ، الأدب العام والمقارن (1997)، اتحاد الكتب العربي
4.     عبود (1999)، عبده، الأدب المقارن: مشكلات وآفاق، دمشق، اتحاد كتاب العرب.
5.     علوش، سعيد، (1987)، مدارس الأدب المقارن: دراسة منهجية، المركز الثقافي.
6.     ندا ، الدكتور طه ، الأدب المقارن (1991)، دار النهضة العربية : بيروت
7.     هلال (1978)، محمد غنيمي، الأدب المقارن، بيروت، دار العودة، ط:13.
8.     هلال، محمد غنيمي ، دور الأدب المقارن في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر، نهضة مصر للطباعة والنشر : القاهرة

* أستاذ مساعد، قسم العربية، كلية ب. ت. م الحكومية، بيرنتلمنا، ملابرام، كيرالا.
[1] الأدب العالمي: هو اصطلاح في مجال الأدب، أتى به أولا الأديب الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang on Goethe. وهو يرى أن عصر الآداب القومية قد ولى، وأن عصر أدب جديد قد بدأ، ألا وهو عصر "الأدب العالمي". 
[2] عالمية الأدب ظاهرة أدبية أخرى، ظهرت مناقضة للأدب العالمي. يشرح محمد غنيمي هلال عالمية الأدب " هي خروج الآداب من حدودها القومية طلبا لكل ما هو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به واستجابة لضرورة التعاون الفكري".
[3] هلال (1978)، محمد غنيمي، الأدب المقارن، بيروت، دار العودة، ط:13، ص: 6
[4] نفس المرجع، ص: 14
[5] علوش (1987)، سعيد، ، مدارس الأدب المقارن: دراسة منهجية، المركز الثقافي، ص: 12
[6] جيرمونسكي، فيكتور مكسيموفيتش، علم الأدب المقارن: شرق وغرب، ص 50.‏
[7] الفلسفة الوضعية: هي فلسفة ترى أن المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى قاعدة تجريبية أو إمبيرية قابلة للمراجع بصورة عبر ذاتية. أما المعرفة التي تقوم على التخمين والحدس والتفكير والمقارنة فقط، فهي معرفة غير موثوقة ولا يعتد بها. انتقلت هذه النزعة إلى الدراسات الأدبية، ودعا أنصارها، أمثال:سانت –بف sainte – Beuve، وتن H. Tain، إلى تحويل تلك الدراسات إلى علم موضوعي يقوم على أساس تجريبي كعلوم أخرى.   
[8] النقد الجديد، نظرية جديدة في النقد الأدبي، أتى بها رينيه ويليك في محاضرة تاريخية باسم "أزمة الأدب المقارن" في عام 1958م في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن . 
[9] نفس المرجع، ص: 93
[10] عبود (1999)، عبده، الأدب المقارن: مشكلات وآفاق، دمشق، اتحاد كتاب العرب، ص: 45
[11] نفس المرجع، ص: 38.
[12] عبود (1999)، ص:38
[13] نفس المرجع، ص: 64
[14] علوش (1978)، ص: 55
[15] عبود (1999)، ص: 26
[16] نفس المرجع، ص: 27
[17] نفس المرجع، ص: 28
[18] هي نزعة متعالية توسعيّة، شكلّت مكّوناً هامّاً من مكّونات العقلية الاستعمارية الأوروبية، ومازالت إلى اليوم تخدم مساعي الهيمنة الثقافية الأوروبية.
[19] عبود (1999)، ص: 29
[20] نفس المرجع، ص: 30
[21] نفس المرجع، ص:33
[22] نفس المرجع، ص:33-34
[23] الخطيب (1992)، حسام، آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً دمشق، دار الفكر،ص33- 55
[24] عبود (1999)، ص: 35
[25] نفس المرجع، ص: 35-36
[26] نفس المرجع، ص: 38
[27] نفس المرجع، ص:39
[28] فيكتور جير مونسكي، هو أديب وناقد، ومؤرخ ولغوي روسي، ولد عام 1891 في سنت بيتيرسبرج، وتوفي فيها عام 1971، وهو الذي طوّر نظرية النمطية المشابهة في دراسة المجتمع، وطبقها في دراسة الأدب والفن للأمم المختلفة. 
[29] المرجع نفسه، ص: 44

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة