أحدث المشاركات

الثلاثاء، 3 مايو 2016

وهل إلى مرد من

ساجد بن أبي بكر  في.في. كودلور
’’الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها‘‘.
هذه الكلمات الفصيحة ألقاها سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه أمام رستم ملك فارس يوم القادسية, وهي عنوان الداعي في سبيل الله, وقوت المستعدين لدعوة الخلق إلى النور الساطع بعد أن كانوا في ظلام مستمر, كيف ظهرت معالم الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وقد بدأ غريبا؟ ألم تكن العرب قبل الإسلام منعزلة عن العالم؟ قد فصلتها عن العالم البحار من ثلاث جوانب, وصحراء من جانب, ولم تكن للقوتين العالميتين يومئذ- فارس والروم- رغبة فيها لقلة خيراتها ومواردها, ولا خوف عنها لفقرها وضعف رجالها, استعرض- أيها القراء- لديكم بعض الآراء التي أبداها رجال ذلك العصر عن العرب وثقافتهم ونظم حياتهم، وقد أورد ابن كثير الدمشقي في كتابه" البداية والنهاية" ما قاله يزدجرد لرسل المسلمين.
تكلم يزدجرد فقال: ’’إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم, قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم, لا تغزوكم- فارس- ولا تطعمون أن تقوموا لهم, فإن كان عددكم كثير فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم‘‘ فأجابه مغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال:’’أيها الملك, إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما, فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا, وأما جوعنا فلم يشبه الجوع, كنا نأكل الخنافس والجعلان, والعقارب والحيات, ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم, ديننا أن يقتل بعضنا بعضا وأن يبغي بعضنا بعضا, وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه, وكانت حالنا قبل اليوم ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا .............( البداية والنهاية ج8 ص41-42)
ولكن كيف تحولت هذه الأحوال؟  وكيف خرجت هذه العصابة من صحراءهم وظلمات بعضها فوق بعض؟ كيف صاروا ملوك الأرض وسلاطينها؟ وبأي سلاح مزقوا جموع كسرى وقيصر شر ممزق؟ وفتحوا كنوزهم وأقسموا أموالهم وتراث آبائهم، ومزقوا رداء فخرهم وعظمتهم فلم يرقع أبدا, وكسروا شوكتهم فلم ترجع إليهم بعد، وأهلكوا كسرى ولا كسرى بعده, ومزقوا قيصر ولا قيصر بعده حتى وصلوا إلى عتبة باب فرنسا في غزو بويتلرز(poiters) ولم يمض قرن واحد بعد وفاة سيدهم صلى الله عليه وسلم ، "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها"-(أعراف :137)
وقد أدهشت هذه الفتوحات العديمة المثيل جميع المؤرخين المنصفين, ولنعرض لدي القارئ قول المؤلف الشيوعي ام ان روي (m.n. roy).’’إن الإنسان ليدهش إذا تأمل السرعة الغربية التي تغلب بها طوائف صغيرة من الرجالين الذين خرجوا من صحراء العرب مشتعلين بحماسة دينية على أقوى دولتين في الزمن القديم, لم يمض 50 سنة على بعثة محمد ÷ حتى غرز أتباعه علم الفتح على حدود الهند في جانب وعلى ساحل البحر الأطلانطقي (atlantic coast) في جانب آخر.(historical role of islam.p 4,5)
ويا أمتنا الراقدة, ويا شبان القوم الناعسين، أما علينا أن نعتبر من أبطال أسلافنا, وشجاع آباءنا، ما أشد حماسة سَعْدٍ وحزبه حينما عبروا دجلة لما حالت في سبيلهم دون المدائن, استعانوا بالله وتوكلوا عليه، ’’ومن يتوكل على الله فهو حسبه‘‘، ’’وعلى الله  فليتوكل المؤمنون‘‘.
وقد نزل طارق بن زياد بالأندلس, والبحر وراءه والعدو أمامه, عجبا لصلابة إيمانه حينما يأمر بإحراق السفن التي يرجع بها إلى وطنه.
واتخذ عقة بن نافع بلادا للإسلام في أفريقية، واختار ’’قيروان‘‘ التي كانت مرصدا للسباع والحيات وغير ذلك، فنادى هذه الحيوانات الخطرة فقال: ’’أيها الحيات والسباع, إنا أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم, ارحلوا عنا فإنا نازلون, ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه‘‘, فنظر الناس ذلك اليوم إلى الدواب تحمل أولادها وتنقل، فرآه قبيل كثير من البربر(barbarians) فأسلموا (الكامل لإبن الأثير3\334 )
ساس محمد بن قاسم جيشا إلى الهند  وهو ابن سبع عشرة  سنة. فخاضت له البقعة الواسعة الجوانب من السند إلى مُلتان.
ولم تكن فتوحات المسلمين منحصرة في الفتوحات الأرضية فقط, وقد فتحوا في الماضي جميع الكنوز العلمية والثقافية, تعلموا صناعات الزجاجة من الفنيزيين (fenesians) وغزل الألبسة من أهل مصر, وصناعة الحرير من أهل فارس, والقطن من أهل سرية.
ومن الجدير بالذكر خبر الجامعة النظامية التي أسسها نظام الملك سنة 1065م, وقد جمع برنامج هذه الجامعة بين الموضوعات الدينية النافعة والمادية الجيدة مثل القرآن والحديث والفقه( لا سيما الفقه الشافعي) واللغات والتاريخ والمدنية والأفلاك والحساب والكيمياء والعلوم والشعر والهندسة, وبعد ذلك سرعان ما أسست معاهد عديدة في بغداد على نظام الجامعة النظامية مثل الجامعة المنتصرية وغيرها, والجامعات الأوربية الحاضرة قد تقلدت برنامج النظامية في تشكيل قوانينها التعليمية, وبالخلاصة نرى العالم الإسلامي في القرنين العاشر والواحد عشر قد نالت من الدرجة العلمية ما أعجزت غيرها من المدنيات.
ولكن بالأسف, قد كنا اليوم سائرين السير الطبعي، لا يهمنا إلا الدنيا الدنيئة, ونسينا الآخرة الخالدة، قد شغلتنا الزراعة والتجارة والصناعة عن لب حياتنا.
فعلينا ـ ورثة الأنبياءـ أن نقوم بمسؤولية الدعوة ونشر الملة البيضاء، لأن حياة الأمة بالرسالة والدعوة، لأن الأمة التي لا تحمل رسالة ولا تستصحب دعوة حياتها مصطنعة بعيدة عن القيم الإنسانية، وإنها كورقة انفصلت من شجرتها فلا يمكن أن تحيى أبدا.
نحن أمة الحاضر وأمة المستقبل، لأننا أصحاب الرسالة الأبدية التي قضى الله خلودها وظهورها، "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
وبم تخلفنا عن الأمم المعاصرة في العلوم والعدة الحربية؟ ألم تكن المسابقة بيننا وبينهم كمسابقة الأرنب والسلحفاة؟ وليس السبب لهذا التخلف إلا أن أعرضنا عن الدعوة والرسالة التي تقهر المادة وتسخر الأسباب، وتستنـزل النصر وتأتي بخوارق ومعجزات...
وللدعوة عناصر شتى، وأهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالإعراض عنها لعن بنو إسرائيل ’’كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون‘‘ وإن لم ندفع إخواننا عن منكر أرادو فعله هلكنا جميعا، ’’واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة‘‘، وقد مثل الرسول ÷ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم تؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا.
وإن قوما لا يأمرون بمعروف يفعلونه ولا ينهون عن منكر فعلوه ليوشكن الله أن يبعث عليهم عقابا منه، ثم يدعونه فلا يستجاب لهم، فإن الأمة الحاضرة قد نزلت بها الدهر وتسلطت عليها الحكومات المجرمة، قد كنا – اليوم فريسة للغرب، ولا عزة ولا شرف نفضل به عليها، أين غاب عنا الفضل؟ وكيف عدنا غرباء؟ "وقد بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ"
وليست هذه الخسة والذلة إلا حصائد أيدينا, لا ينصرن الله قوما لا ينصرون دينه, ولا يهرول إلى عباده إن لم يأتوه ماشين فعلينا أن ننصر الله,  إن تنصروا  الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
والعنصر الثاني لنشر الإسلام دعوة الكفار إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة, وليست السيوف والرماح آلتنا للدعوة، وإنها تستعمل لقهر الجبابرة وتوسيع الدولة, ولا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.
وإن القرآن الكريم أحد أسلحتنا في الدعوة, وهو الذي جعل عمر بن الخطاب فاروقا وبه اعتنق يوسف الإسلام الدين الحق وهو السبب الواحد في إسلام مريم جميلة التي ولدت في أسرة يهودية, وبالجملة تعلّم العالم الثقافة والمدنية من هذا الكتاب المنـزل علىسيدنا سيد المرسلين ÷، فعلينا- خاصة معشر العلماء- أن نحمل لواء الإسلام مشارق الأرض ومغاربها،  ولا نجاة لنا من هذه الهوة الواقعة إلا بأن نحمل رسالة ربنا، والله ولي التوفيق وبه تتم الخيرات والنعم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة