أحدث المشاركات

السبت، 9 أبريل 2016

الإمام الشافعي شاعر القيم الإنسانية والروحية عبد السلام .كى[1]


الإمام الشافعي شاعر القيم الإنسانية والروحية

عبد السلام .كى[1]
الشعر موهبة أولا، واكتساب ثانيا ، فإذا اجتمعا في إنسان كان منهما الشاعر المجيد ، فإذا انفرد الموهبة كانت الشاعرية هزيلة ضعيفة، وإذا أهملت ضمرت ثم نضبت ، وإذا انفرد الاكتساب كان العلم ولم يكن الشعر ، وإن وجد الشعر فهو إلى النظم أقرب منه إلى مفهوم الشعر .

ولا نشك أن الإمام الشافعي رحمه الله التقت فيه الموهبة والاكتساب ، فهو – لو شاء – لساق المجلين من عراء عصره ، وقلت : لو شاء لأنه لم يشأ ، فقد صرف مواهبه وعقله وقلبه إلى السنة والفقه والاجتهاد، ومع ذلك فقد ترك شعرا جيدا ارتفع عن شعر الفقهاء ،
وأن الإمام الشافعي رحمه الله أحد شعراء القيم الإنسانية والروحية الرفيعة في القرن الثاني الهجري (القرن التاسع الميلادي) هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي. أحد أئمة الفقه الإسلامي والأصول والحديث، وهو أيضا مشهور بمكانته في علوم اللغة العربية والأدب والشعر والنقد.
وجد الأدب العربي في الإمام الشافعي شاعرا نبيلا, رسم منه خلال أشعاره  طريقة الزهد التي تتميز بالقيم الروحية العالية يدعو فيها إلى التخلق بالأخلاق الرفيعة وتثقيف الروح والتحلي بالشيم الإنسانية السامية.
ولد الإمام الشافعي في غزة سنة (150) من الهجرة النبوية .وشافع بن السائب هو الذي ينتسب إليه الشافعي ،لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسر أبوه السائب يوم بدر في جملة من أسر وفدى نفسه ثم أسلم. وبعدوفاة أبيه نقل الإمام الشافعي إلى مكة وهو ابن سنتين. وقد حفظ الشافعي القرآن في سنه السابعة وحفظ موطأ مالك في سنه العاشرة، فقد كان شديد الذكاء قوي الحفظ. ثم ذهب إلى الإمام مالك رضي الله عنه,وقد أثره ذكاؤه وعقله .ولحق بقبيلة هذيل العربية لتعلم اللغة والفصاحة. وكانت هذيل من أفصح العرب، ولقد كانت لهذه الملازمة أثر في فصاحته وبلاغته،
وكان مسافرًا يرتحل آفاق الأرض طلبا للعلم والفضيلة وقد ارتحل من مكة إلى العراق ثم إلى مصر، وظل في مصر حتى لقي ربه في (30 رجب 204 هـ )
قال الأصمعي صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس . وقال أحمد بن حنبل : كان الشافعي من أفصح الناس و ما مس أحد محبرة و لا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة . وقال أيوب بن سويد : خذوا عن الشافعي اللغة .عُرف الإمام الشافعي كإمام من أئمة الفقه الأربعة ، لكن كثيرين لا يعرفون أنه كان شاعرا مجيداً .
وقرض الإمام الشافعي أبيات عديدة وأن العلماء بعده جمعوها في دواوين عديدة ، ويتضمن هذه مجموعة قيمة من أعمال الإمام الشعرية، تم تبويبها على أساس القافية؛ يتخللها الحكم والمواعظ. نجد منه خلال هذه الأشعار دعوته إلى الفضيلة والأدب مبتعدا عن الحقد والكره والشر، نجده يعفو عمن أساء إليه، ويطرح من قلبه الحقد والضغينة فلا يجعل فيه إلا الحب الخالص لكل الناس، حتى لإعداءه الذين يضمرون له الشر ويتمنون له أسوء العواقب، إنه إنسان هذبه الإسلام فقوم أخلاقه وكبح جماح نفسه وأبعده عن كل ما يشين المسلم ويضع من قدره. لقد وضع الشافعي الله نصب عينه في كل قول وفعل، فاستطاع بذلك أن يحفظ نفسه ويعمق دينه ويكون من أهل الخير والصلاح.
ويحاول الشافعي رضي الله عنه في ديوانه تقديم النصيحة والموعظة للإنسان ،فهو في كل مناسبة يذكره بالموت والفناء والحساب والثواب والعقاب، ويدعوه إلى التقوى والعمل الصالح حتى يجنب نفسه نارا وقوده الناس والحجارة، وحتى يحقق الغاية من وجوده في هذه الحياة ،تلك الغاية المرتكزة على الإقرار بوحدانية الله والإيمان به والطاعة له ولرسوله، كذلك أشار إليه الشافعي بأسلوب واضح جلي مليء بالحكمة والرأفة والشفقة مستمدا أكثر معانيه من القرآن الكريم، هكذا أخذ بأيدي الناس إلى مافيه صلاح دينهم ودنياهم مع التركيز على قيمها الأدبية وتأثيرها في الأدب والمجتمع.
ومعظم شعره في التأمل يتسم بالتجريد و ضغط التعبير مما يجعله يشبه الأمثال السائرة والحكم التي يتداولها الناس .ومن ذلك :
            ما حك جلدك مثل ظفرك                    فتول أنت جميع أمرك
ما طار طير وارتفع                                              إلا كما طار وقع
  نعيب زماننا والعيب فينا                                   وما لزماننا عيب سوانا
        ضاقت فلما استحكمت حلقاتها             فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وقال أيضا :
 إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى      ودينك موفور وعرضك صيّن
فلا ينطق منك اللسان بسؤة                فكلك سؤات وللناس ألسن
وعيناك إن أبدت إليك معائبا               فدعها وقل ياعين للناس أعين
 وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى     ودافع ولكن بالتي هي أحسن
والشافعي رحمه الله في كل أشعاره يحاول أن يجسد تعاليم الإسلام  وقيمته الرفيعة، فنرى دعوات متكررة إلى الحق والصدق والحب والوفاء والكرم وغير ذلك من الشيم الإنسانية السامية ، كما نرى دعوة بارزة وقوية إلى الزهد في هذه الدنيا والابتعاد عن تشوفها إلى النفوس يقول الشافعي :
ومن يذق الدنيا فإني طَعمْتُها                            وسيق إلينا عَذْبُها وعذابها
فلم أرها إلا غُروراً وباطلاً                                   كما لاح في ظهر الفلاة سَرابُها
وما هي إلا جِيفةٌ مستحيلةٌ                               عليها كلابٌ هَمُّهن اجتِذابها
فإن تجتنبها كنت سِلما لأهلها                          وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفسٍ أُودعت قعر دارها                      مُغَلَّقَةَ الأبوابِ مُرخىً حجابها
ففي هذه الأبيات يرسم الشافعي لنا طريق الزهد الذى اختطفه السلف الصالح وسلكه الخلص ممن صفت نفوسهم ، وتعمق فهمهم للحيات والناس ، فهذا الإبعاد عن الدنيا ليس فيها رفضا لها ، وهروبا منها ، بل تحذير لكل من أبطرته النعمة وقادته الشهوات ، تحذير لأولئك الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم حق التمكن حتى يكون العاصم لهم ، فزادهم في كل زمان ومكان يميلون إلى الدنيا ومفاتنها في حال إقبالها ، وينساقون مع الشهوات إلى حيث الهلاك دنيا وآخرة، فتكون النعمة بذلك وبالا عليهم وشرا ما بعده شر ، فالزهد ليس قبوعا في الديار وانتظارا للموت خلاصا من الحياة، إنه أسمى من ذلك وأبعد أنه ارتقاء بالنفس إلى درجة عالية من الصفاء الروحي الذى يستشعر الإنسان في رحابه لذته ووجوده، أنه انتصار على الذات يقود إلى انتصار أخرى في كل مجالات الحياة.
ومن الأخلاق التى أعلى من شأنها إلى أبعد غاية حب السخاء فهو يتلهف على مال يجود به على المعسرين من ذوي المروءة لكيلا يتألم إذا التمسوا نواله فاعتذر لقلة ذات يده وقال:
 يا لـهف نفسي علـى مـال أفرقـه                          على المقلين من أهـل المـروات
 إن اعتذاري إلى من جاء يسألـنـي                      ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
ولقد ذاق الشافعي طعوم الحياة ، وعجم عيدانها ، وخبر ناسها ، وحرص عمره أن يلتمس بجهده صديقا يواسيه ، فأعياه ذلك حتى قال :
            صديق ليس ينفع يوم بؤس                  قريب من عدو في القياس
وما يبقى الصديق بكل عصر               ولا الإخوان إلا للتــآسي
عبرت الدهر ملتمسا بجهدي                 أخا ثـقة فألهاني التماسي
تنكرت البلاد ومن عليهــا                      كأن أناسها ليـسوا بناسي
ولقد وصف في القطعة الآتية ما يتمناه من الأصدقاء الذين عمر دهره جاهدا في البحث عنهم، ولو أنه وجدهم لقاسمهم مال الدنيا وثواب الآخرة ، إن كان مما يملكه . ذكر المزني إن الشافعي أخذ بيده فقال:
 أحب من الإخوان كل مواتي                 وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كل أمر أريده                        ويحفظني حيا وبعد مماتي
 فمن لي بهذا ليت أني أصبته                لقاسمته مالي من الحسنات
 تصفحت إخواني فكان أقلهم              على كثرة الإخوان أهل ثقاتي
ونرى الشافعي في أشعاره يرشد الناس إلى الحق والصواب ، ولا يترك مناسبة من المناسبات إلا ويذكر فيها الإنسان علّه تنفعه الذكرى ولايعدم وسيلة من الوسائل إلاّ ويقدم فيها لأخيه الإنسان صورا من الحقيقة القائمة على تعاليم الإسلام وأخلاقياته ومثله ، يقول الشافعي رحمه الله :
 لما عفوت ولم أحقد على أحد                          أرحت نفسي من هم العداوات
 إني أحيي عدوي عند رؤيتـه                               أدفع الشر عنـي بالتحيـات
وأظهر البشر للإنسان أبغـضه                            كما أن قد حشى قلبي محبات
 الناس داء ودواء الناس قربـهم                         وفي اعتزالهم قطع المـودات
            فههنا نجد الشافعي إنسانا متخلقا بأخلاق الإسلام متمسكا بدعوته إلى الفضيلة والأدب ، مبتعدا عن الحقد والكره والشر . ويعفو عمن أساء إليه ويطرح من قلبه الحقد والضغينة فلايجعل فيه إلا الحب الخالص لكل الناس، حتى لأعدائه الذين يضمرون له الشر ، ويتمنون له أسوأ العواقب، إنه إنسان هذبه الإسلام ، فقوم أخلاقه وكبح جماح نفسه، وأبعده عن كل ما يشين المسلم ويضع من قدره .



المراجع والمصادر
·      الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر: عبد الغني الدقر.  دار القلم،  دمشق.
·      ديوان الإمام الشافعي: جمعه وشرحه: نعيم زرزور.  دار الكتب العلمية،  بيروت، لبنان
·      ديوان الإمام الشافعي:محمد بن عبد الرحيم،  دار الفكر,بيروت, لبنان      
·      الجوهر النفيس في شعررالإمام محمد بن إدريس الشافعي:محمد إبراهيم السليم:       مكتبة ابن سينا ، مصر
·      العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ،القيرواني ابن رشيق،تحقيق : محمد محي الدين عبد المجيد، الطبعة الخامسة، دار الجيل، بيروت، 1981م.
·      نقد الشعر ، قدامة بن جعفر،تحقيق وتعليق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان،  التاريخ غير مذكور.





المحاضر الضيف ، قسم اللغة العربية ، جامعة كالكوت . والباحث تحت إشراف د. أن. إلياس كوتى، قسم اللغة العربية، كلية الجامعة ، جامعة كيرالا ،

هناك تعليق واحد:

  1. مؤسَّسة الدُّرر السَّنية: مؤسَّسةٌ عِلميَّة، دعويَّة، إعلاميَّة، وقفيَّة.
    لها غايةٌ عظيمة، ورؤيةٌ مستقبليَّة، ورسالةٌ واضحة، وهدفٌ محـدَّد.
    الغاية:
    الحِفاظ على السُّنة وميراث النبوَّة (بمفهومه الشامل).
    الموسوعة الحديثية

    ردحذف

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة