أحدث المشاركات

الاثنين، 15 فبراير 2016

وجوب نصب الإمام؛ إزالة أوهام وبيان حقائق


وجوب نصب الإمام؛ إزالة أوهام وبيان حقائق
د. عبد النصير أحمد المليباريأستاذ بجامعة الإمام الشافعيشيآنجور/ إندونيسيا

مسألة الإمامة والخلافة –وهي باختصارٍعبارةٌ عن نظامِ حكمٍ تكونُ الشريعةُ الإسلامية قانونَه ودستوره، هدفُه تحقيق مصالح الناس دنيًا وأخرَى- تناوَلَها علماءُ الكلام والفقه معا، وهي في كتب أئمتنا الكلامية تَحتَلُّ خُمُسَ أخماسها: الإلهيات والنبوات والسمعيات والمعاد والإمامة، كما أنها في كتبنا الفقهية مبحوثة تفصيلا في كتاب القضاء، ولعل خيرَ من أوضح النظريات السياسية الإسلامية، وقرَّرَها بأسلوب عقلي فلسفي سني أشعري هو العلامة الإمام الشيخ ابن خلدون رحمه الله، في مقدمته المشهورة. بالإضافة إلى مؤلفات خاصة أُفرِدتْ فيها، مثل «الأحكام السلطانية» للماوردي، و«الغياثي» لإمام الحرمين وغيرهما. وهي إذًا مسألة كلامية باعتبار، وفقهية باعتبار آخر. بالإضافة إلى كتابات حديثة ودراسات جديدة قام بها الباحثون الجدد في العالم الإسلامي، مثل السنهوري ومحمد صالح الريس وغيرهما، أصابوا في كل ما كتبوا أم أخطؤوا في بعضه، كما كرَّس لها عددٌ من المستشرقين جهودَهم، سواء للكشف عن جمال فلسفة الإسلام السياسية والقانونية، أم للقدح فيها ما أمكنَهم.

ولا يخفى أن الكلام في هذه المسألة له أهمية خاصة في ظروفنا الراهنة، لقد كثر الحديث عنها جدا في الأوساط العلمية، بعد قيام ثورات شعبية، وحدوث انقلابات عسكرية، واندلاع حروب أهلية في بلاد المسلمين. ففي خِضَم هذه الأحداث خرج طائفة من الناس يطالبون بإقامة الخلافة الإسلامية، كثير منهم ينتمون إلى جماعات تتبنى الفكر الوهابية إجمالا سواء في الإمانيات والإسلاميات والإحسانيات، حتى صارت مسألة الإمامة شعارا تتميز به هذه الجماعاتُ عن التيار السني الرسمي بين بسطاء الناس.
وفي المقابل خرجت أصواتٌ مخالفة لما تدْعو إليه تلك الجماعات، وهي لمن يَدَّعونَ الأشعريةَ والتصوفَ في القنوات والجرائد، بالإضافة إلى انضمام الملحدين والدهرانيين والمفكرين الأحرار إلى صف المنكرين لأهيمة الخلافة وحاجة المسلمين إليها. ففي ظل هذه الفوضى الفكرية والمنهجية بات لازما على أهل الحقِّ والعلمِ بيانُ حقهم وإظهارُ عِلمهم، ونشر معتقدهم ومنهجهم، وتلك سنة أهل السنة على تعاقب الأزمان.
لقد أخلصَ علماء أهل السنة لله ولدينه على مرِّ العصور؛ إذ بيَّنُوا ما يتعلق بهذه المسألة، ووضحوا عقيدةَ وفقهَ الإسلام فيها، ولم يبالوا بالأنظمة السياسية الفاسدة التي كانت قائمة في زمانهم بكل قوتها وشوكتها، ولم يخشوا في ذلك بطشة الظالمين من الحكام الفسدة في بلادهم آنذاك، سواء الأموية أو العباسية أو غيرهما، وخير دليل على ذلك ما نجده في كتبهم الفقهية والكلامية من بيان صريح لتفاصيل هذه المسألة، دون تحريف أو تبديل أو مجاملة مذمومة، فعلى من يدَّعِي الانتسابَ إلى طريقهم السيرُ على منهاجهم كما هو؛ حتى لا يكون من الكاذبين المحَرِّفِين للكلِمِ عن مواضعها.
والحقيقة أن هذه المسألة ليست من المسائل الدقيقة التي تخفى على صغار أهل العلم، بل هي من الوضوح والجلاء بحيث يدركها حتى الناسُ العوام من المسلمين، إلا أن التدهور والانحطاط الذي حلَّ في أبناء الأمة الآن جعَلَها من الخفيات والدقائق، وكم واجهتُ أشخاصا ينتمون إلى العلم ينكرون هذه المسألة، وكأنها عندهم مسألة خارجية وهابية إخوانية، وكل من يدعو إلى نصب الإمام إما إخواني أو مُتَأَخْوِن، ويدْعَمون أوهامَهم وجهلَهم بشبهات جِدِّ واهية، سوف آتي على بعضها وأكشفُ عوارَه لاحقا. ولم يدرِ هؤلاء المتعالمون أن كتب أهل السنة التيطَفَحَتْببيان وجوب نصب الإمام لا تحد ولا تحصى كثرةً، إلا أن انصرافَ أبناء الزمان عن درْسِ العلم الذي يعنيهم إلى الأشياء التي لا تعنيهم أوقعهم في مثل هذه المتاهات، ولم يدركوا أن هذه المسألة مسألة إجماعية بين جميع الأمة، منذ أجمعت الصحابة على ذلك، ثم لم يخالفهم فرقة من الفرق، لا المعتزلة ولا الشيعة ولا غيرهم، إلا شذوذ من الخوارج لا خلاق لهم، وهم واقعون في التناقض لا محالة، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن خلدون؛ إذ يقولون بوجوب تطبيق الشريعة بدون وجود خلافة، مع أن تطبيق أحكام الشرع غير ممكن بدون وجود سلطة شرعية تلتزم بتنفيذ الأحكام، وتلزِم الناسَ باحترامها([1]).
ثم ظهر في بلاد المسلمين أناس استعمرت اليهود والنصارى عقولَهم، واستوظفتْهم لتحقيق أغراضها الدنيئة، وفي مقدمتهم ذلك المدعو على عبد الرازق من أهل مصر، صاحبالكُتَيب السخيف: «الإسلام وأصول الحكم» الذي حثَّ به الدولَ الاستعماريةَ على مهاجمة الخلافة العثمانية العظمى، أسعفَتْه الغربُ بشبهات وأوهام، نظمها ورتبها، ثم تلقفها منه من جاء بعده ممن انخدع به من الجهال والمتعالمين. وقَيَّضَ الله رجالا لدحض تلك الخيالات والدفاعِ عن دين المسلمين، أمثالَ الشيخ محمد الخضر حسين، وشيخ الإسلام مصطفى صبري، والعلامة الفقيه الدستوري الكبير د/ عبد الرزاق أحمد السنهوري وغيرهم. ومما جاء به من الشبهات أن الإسلام دينٌ ضدَّ الدنيا، وأنه يهتم بمجرد صلة الإنسان بربه، ولا علاقة له بالمجتمع، ورَدَّدَ مقولة غربية نصرانية: «دعْ ما لِقَيْصرَ لقيصر وما لله لله»، وأن الدين مجرد طُقوس ومناسبات روحية، وأن كمال الإسلام لا يتوقف على وجود دولة، وأن النبي ﷺ لم يؤسس دولة إلا بعد سنين طويلة من بعثته، وأن الأنبياء السابقين لم يؤسسوا دولة، وغيرها من الشبهات الواهية التي يدرك صغارُ أطفالِنا بطلانها وسقوطها، وسوف نُفَنِّد بعضَها في هذا المقال بإذن الله.
وقد أدى البحثُ العلمي المستشرقين أنفسَهم إلى القول بأن الإسلام دين شامل للجانب الروحي والمادي معا، على نحو فريد متكامل، يقول المستشرق الدكتور فِتْزَجَرَالْد وتوماس آرنولد، وماكدونالد وغيرهم: ليس الإسلام دينا فحسب (A Religion)، ولكنه نظام سياسي (A Political system) أيضا، إلا أن شرمذة من الأمة جهل هذه المسألة أو تَجاهَلَها.
ولا يخفى أن حكم نصب الإمام هو الوجوب عند أهل السنة قاطبةً، وعند الشيعة كافةً، بل مسألة الإمامة أصل من أصول الإيمان عندهم؛ لأن الإمام هو السبيل لمعرفة باقي المعتقدات كما ذكروا ذلك في كتبهم، وعند المرجئة جميعا، وعند الخوارج والمعتزلة عامةً، إلا من شذ منهم– أي المعتزلة والخوارج - وهم قلة، وحتى الذين أنكروا منهم هذا الوجوبَ، وقالوا بجوازه ينبغي أن يفهم قولُهم هذا فهما صحيحا؛ لأن «الجواز» هنا كجواز الأكل والشرب وما أشبههما؛ فإنها مع كونها جائزة إلا أن هذا الجواز يؤول إلى الوجوب عرضا؛ لأداء الامتناع عنه إلى الهلاك، هذه نقطة مهمة لم يتنبه لها كثير ممن استروح من المعاصرين. وعمدة أهل السنة في ذلك هو السمعُ المتمثل في إجماع الصحابة، كما ألمحتُ إليه سابقا، وما أدراكم ما إجماع الصحابة ! ثم إجماع من بعده إلى الآن، وخلافُ من شذَّ لا يلتفت إليه أصلا؛ لأنه ناشئ بخرق الإجماعات السابقة،بينما اعتمد أهل الاعتزال على العقل، كعادتهم في كثير من الأحكام، ومعهم في ذلك الشيعة، وهو مذهب باطل لبطلان القول بعقلية الحسن والقبح، والغرضُ من هذا البيان هو أن الأمة مجمعة على وجوب نصب الإمام، وإن اختلفوا في دليل هذا الوجوب.
وهذا الإجماع يؤيده القرآن والسنة والقياس والعقل السليم، قال الإمام الماوردي في «أدب الدنيا والدين»: أما القاعدة الثانية مما تصلح بها الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة فهو سلطان قاهر، تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة؛ لأن في طبائع الناس من حب المغالبة على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه ما لا ينْكَفُّون عنه إلا لمانع قَوي ورادع مَليٍّ، وقد أفصح المتنبي بذلك؛ حيث يقول:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى      حتى يراق على جوانبه الدم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد   ذا عفة فلعلة لا يظلِمِ !
قال حجة الإسلام الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد»: إن الدنيا والأمن على النفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، وهذا تشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وأن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعمَّ السيفُ، وشمل القحط، وهلكت المواشي، وبطلت الصناعات، وكان كل من غَلَب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم، ولهذا قيل: الدين والسلطان توأمان، والدين أُسٌّ والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع.
وقال عبد الله بن المعتز:
الملك بالدين يبقى             والدين بالملك يقوى
قال الإمام نجم الدين، عمر النسفي في عقائده: والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتصلتة وقطاع الطريق، وإقامة الجُمَع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد .... ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة. وقال العلامة السعد في شرحه: فإن قيل: لم لا يجوز الاكتفاء بذي شوكة في كل ناحية، ومن أين يجب نصبُ مَن له الرئاسةُ العامة ؟ قلنا: لأنه يؤدي إلى منازعات ومخاصمات مفضية إلى اختلال أمر الدين والدنيا، كما يشاهد في زماننا هذا.
وهذه الخلافة استمرت في الأمة طوال عصور الخلفاء الراشدين الأربعة، ثم آل الأمر إلى ما آل إليه، إلا أن الخلافة لم تنقطع كليا، ولم تنقلب ملكا عضوضا بالكلية، على خلاف ما يفهمه الكثيرون مما يروى في حديث مشهور – وهو من أحاديث الآحاد – ومن هنا فقد علَّقَ السعد التفتازاني على قول النسفي في عقائده: «والخلافة ثلاثون سنة، ثم بعدها ملك وإمارة» بما نصه: «وهذا مشكل؛ لأن أهل الحل والعقد من الأمة كانوا متفقين على خلافة الخلفاء العباسيين وبعض المروانيين، كعمر بن عبد العزيز مثلا، ..... ولعل المراد الخلافة الكاملة التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المتابعة». وقد ترجم رجال التاريخ لكثير من هؤلاء الحكام على أنهم خلفاء، وكتاب الحافظ السيوطي «تاريخ الخلفاء» طائر الصيت.
قال الدكتور محمد صالح الريس في «النظريات السياسية الإسلامية» (ص/ 207): استمرت الخلافة عبر القرون في صورة أو أخرى، حقيقة أو شكلا، حتى العصر الحديث، وكانت آخر صورة لها هي الخلافة العثمانية، ومع أنها لم تنشأ في الأصل نتيجة المبايعة الحرة العامة، بل قامت على القوة والغلبة، غير مستوفية لبعض شروطها، وجرت على نظام الوراثة، إلا أنها ظلت تمثل قوةَ الإسلام ووحدة أكثرية المسلمين، ودافعت دهرا طويلا عن أوطان الإسلام، وكان المجتمع الإسلامي قد صار على استعداد لأن يعترف بالولاء لأكبر دولة إسلامية قائمة، ما دامت المبايعة العامة قد صارت غير ممكنة التحقيق، إلى أن انتهت عقب الحرب العالمية الأولى.
ثم تابع قائلا (ص/ 209): وعلى ذلك فلا شك أن الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، ومنذ انتهت الخلافة العثمانية مُقصرةٌ في أداء هذا الواجب، ومتحملة نتيجةً لذلك مسؤوليةً أمام الله، والإثم واقع على الرؤساء والعلماء وأولي الأمر والرأي فيها؛ لأن الوجوب يقع عليهم أولا، وهم المسؤولون في المرتبة الأولى عن حفظ الأمة والدين.
ففي ضوء هذه الحقائق تبين أن كل ما تفوَّهَ به منكرو الخلافةِ وإقامةِ الدولة الإسلامية هُراء في هراء.وإذا كان الإسلام لا يُعنَى بشؤون الدنيا، وإنما هي لِقَيْصَرَ نَتْرُكُها، وإنما يعنى بالعبادات فقط، كما يتوهمه البعض فلم كانت إذن هذه التشريعات التي جاءت بها للمعاملات وامتلأت بها بطون الكتب الفقهية، والقواعد التي وضعها لحفظ الأنفُسِ والأعراض والأموال، أوليس هذا كلها في الدنيا !؟ أولم يقل العلماء إن الدنيا ليست مذمومة لذاتها، بل هي وسيلة إلى الآخرة، إن استغلها استغلالا حسنا تصبح خيرا عظيما ؟ وقال الإمام الرازي في تفسير سورة الحديد: «اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب»، وبرْهَنَ على ذلك بكثير من الأدلة، وبه قال كل علماء الإسلام، فكيف نَفْصِل الدينَ عن الدنيا، ونتبنى المقولة النصرانية المشار إليها سابقا، والتي قالها النصارى الملحدون في أوربة حين وجدوا دينَهم المحرفَ لا يليق تطبيق أحكامه في الشؤون الدنيوية، بينما الإسلام صالح للتطبيق في جميع مناحي الحياة، ولا بد من التنبه لهذا الفرق العظيم، فليس في الإسلام شيء لقيصر لا يملكه الله، بل الأمر كله لله، وإنْ الحكمُ إلا لله، وهي كلمة حقٍّ، كما صرح بذلك سيدنا الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه، حين رفعها الخوارج شعارا لهم، وإن كان الذي أرادوه بها الباطلَ، وهذا لا يعنينا، ولا يجعلنا ذلك نُبطِل حقَّنا ونُحِقُّ باطلَهم، وليس ذلك سنتنا ولا سنة سلفنا، وإذا كان أمثال أبي بكر وعمر وعثمان لم يفهموا الدين فمن الذي فهمه إذن !؟
فعلى أبناء الأمة الآن السعي الحثيث لإقامة دولة الإسلام ما أمكن، ويتخذ وسائلَه وطُرقَه المؤديةَ إليه قدر الاستطاعة، من التدريس والتصنيف والتربية والوعظ والتذكير والنصيحة، وبناء المساجد والمدارس وتكثير النسل وإنتاج الأدوات اللازمة وتبليغ دعوة الإسلام بين الشعوب المختلفة وغير ذلك من الأمور التي كان سلفنا مولعين بها، ثم خَلَفَ من بعدهم خلفٌ أضاعوا هذه الأسباب، بل تخلوا عن فكرة الخلافة رأسا، وتبنوا نظرياتٍ شُيُوعِية أو لِبَرالِيَّة شاعرين أو غير شاعرين، واتهموا الداعين إلى ضرورة نصب الإمام بالإرهاب والتأخْوُن، فضاعت دولتهم وزالت شوكتهم.
ولا تُترَك الأمة الإسلاميةُ هملا، كقطيع من الغنم تَرعَى ولا راعي لها، يتكالب عليها الوحوش ويفترسها السباع، ويختل أمرها، فلا بد من تصميم العزم وشدِّ الهمم، واتخاذ كل وسيلة ممكنة، إلى أن يتهيأ الجوُّ لظهور خلافة إسلامية كاملةٍشرعيةٍ مستوفيةِ الشروط، حتى قال إمام الحرمين رحمه الله في كتابه العظيم المؤلف في هذا الباب: «غياث الأمم في التياث الظلم» (ص/ 468) ما نصه:«وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحقٌّ على قُطَّان كل بلدة، وسُكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنُّهَى، وذوي العقول والحِجا مَن يلتزمون امتثالَ إشارته وأوامرِه، وينتهون عن مناهيه ومزاجره؛ فإنهم لو لم يفعلوا ذلك تردَّدُوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات».
ومن المضحِكِالمبكي جدا أن بعض أبناء الزمان يقولون إن تنظيم الأحزاب ضروري لتبليغ الدين، وتشكيل الجمعيات الشبابية والطلابية وغيرها من الجمعيات والأحزاب واجب الوقت، والاعتراض عليها خروج على الدين نفسه، وإن كانوا مُحِقين في ذلك إلى حدٍّ، ثم يتفوهون في الوقت نفسه أن إقامة الخلافة التي هي فوق كل هذه المنظمات فوقيةً لا تُقارَن ليست واجبةً، ولا يكون الدين ناقصا في غيابها، ولم يؤسس النبي ﷺ نفسُه الدولةَ إلا بعد أكثر من عشر سنين من البعثة.
الحقيقة إن هذه الخزعبلات التي يتشدقون بها جزاء من الله لهم على إهانتهم للعلوم الشرعية واستبدالهم مكانَها ظنونًا سمَّوها علوما عصرية؛ لأن الجزاء من جنس العمل كما قيل. وإلا فكيف يتشَبَّثُ المرءُ العاقل بمثل هذه الترهات، والشارع عز وجل لم يشرع كثيرا من الأحكام المهمة مثل الصلاة والزكاة وغيرهما إلا بعد الهجرة، فهل يقول إن الدين لا يكون ناقصا في غياب الصلاة أيضا؛ لأنها فرضت بعد الهجرة فقط ولم تكن مفروضة قبلها !؟ جهلاً منه أن النبي ﷺ كان يحاول في أول بعثته في «مكة المكرمة» بناءَ أمةٍ عظيمة تتحمل فرضيةَ الصلاة، كما كان يمهِّد فيها الطريق لإقامة دولة الإسلام عند ما يتهيأ له الوضع والظرفُ. وقولهم: إن الأنبياء السابقين نشروا الدينَ ولم يؤسسوا دولةً أيضا هذيان من الهذيانات الناشئة عن الجهل بأصول الشرع الشريف، حيث لم يدروا أن شرعَ من قبلنا ليس شرعا لنا، لو فرضنا أن أحدا منهم لم يؤسسوا دولة أو ما يقوم مقام دولة. نسأل الله أن يهدي شبابنا إلى الهدى ويلمهم الرشد والصواب.





([1]) انظر مقدمة ابن خلدون: ج: 2، ص: 566.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة