أحدث المشاركات

الأربعاء، 2 يناير 2019

اللغة العربية ودورها في بناء الحضارات العالمية




الدكتور معراج أحمد معراج الندوي
  الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
 الجامعة العالية- كولكاتا- الهند

اللغة ظاهرة من الظواهر الاجتماعية ووسيلة من أنجح وسائل الرقى الحضاري، فهي الأداة الطية لأفراد المجتمع للإفصاح عما في أذهانهم، ففي مفرداتها سجل لأخلاق أهلها وعاداتهم ونشاطهم الأدبي والفكري. واللغة هي العامل المؤثر القوي في سلوك الإنساني والموجه الفذ للذهن والعقل والشعور. تتأثر اللغة بحضارة الأمة ونظمها وتقاليدها وعقائدها واتجاهاتها العقلية وثقافتها. فكل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير ولذلك تعد اللغة أصدق سجل لتاريخ الشعوب. واللغة العربية أصدف دليل على انتقال العرب من البداوة إلى الحضارة، ثم امتازت به مدنيتهم في عصر بني أمية إلى الأفق العالمي.
معهد الحضارة العالمية:
قد أظهر الله تعالى فضل أبينا آدم عليه السلام بالعلم وعلمه الأسماء كلها، ثم أرسل الرسل لهداية الخلق لما انحرفوا ووقعوا في الشرك، وأولهم نوح عليه السلام الذي في عهده كان الطوفان ، ثم إن السفينة استقرت على الجودي، ثم إن العرب عبدو أصنام قوم نوح نفسها، ولا يمنع أن تكون بلاد الرافدين آنذاك  تابعة لجزيزة العرب، وأن جبل الجودي في الجزية العربية، وفي جزيرة العرب بيت الله المحرم الذي هو مركز الدنيا، كما أن لها خصائص فريدة من وقوعها في الإقليم الرابع  الذي هو أفضل الأقاليم. والباحثون يقولون إن مركز العالم هو مكة المكرمة شرفها الله سبحانه وتعالى،[1] وفيها بعث أشرف رسله محمد صلى الله عليه وسلم ، منه اختار أفضل الأصحاب وبلغتها أنزل الله كتابه، فكيف لا تكون مهد الحضارة العالمية.
حافظت اللغة العربية على استقراطيتها قرونا طويلة، وأزاحت مئات اللغات واللهجات من طريقها، وتخطت اليأس والماء وببخرت فوق الحضارة، وصنعت أمجادا لا تزال شواهدها قائمة إلا إذا احتاج الشمس إلى دليل. إن بنية أي لغة من اللغات تكون ذات وثيقة بعقلية المتكلمين بها، وبنظم حضاراتهم. فاللغة أعظم الأقوى التي تجعل من الفرد كائنا اجتماعيا، وتجعل نظريته للكون مضبوطة باللغة التي يتكلمها. لأنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأحياء وعالم الأذهان.
والقرآن الكريم نزل بلهجة قريش فوحد كل العرب على هذه اللغة، ثم توغلت لغة القرآن حتى أصبحت الجزيرة العربية كلها تتكلم بهذه اللغة، فالقرآن له الفضل الكبير في توحيد اللغة العربية وانتشارها وبقائها، ثم بدأت الشعوب الأخرى تتخذ لسانا لها حيث أصبح لسانها الأدبي من أواسط آسيا حتى المحيط الأطلسي، يعبرون به عن مشاعرهم وعقولهم. كل ذلك بفضل القرآن الكريم الذي حفظ اللغة العربية من الضياع، وجعلها لغة حية خالدة منتشرة في بعض أقطار الأ رض.[2] 
نهض المسلمون العرب من جزيرة العرب وانتشروا في العالم، حمل العرب معهم الإسلام ورسالته الخالدة. وبهذه الرسالة انبثوا في العالم وحملوها إلى الملوك والسوقة والأمم. وممن المعلوم أن حياة الأمم بالرسالة والدعوة، وإن الأمة التي لا تحمل رسالة ولا تستصحب دعوة، حياتها مصطنعة غير طبيعية، وإنها كورقة انفصلت من شجرتها، فلا يمكن أن تحيأ أبدا. قد كتب الله للغة العربية الخلود والنصر لأنها تحمل دعوة ورسالة للإنسانية كلها، وهي الرسالة التي قضى الله بخلودها وظهورها. فخرج المسلمون العرب من جزيرتهم بهذه الدعوة والرسالة. ومن قبل ظهور الإسلام، إنهم كانوا يعشون حياة منعزلة عن الناس والثقافات الأخرى. بدأ العرب يتصلون مع الناس غيرهم فأثروا وتأثرا من الحضارات والثقافات.
ولم ينحصر العرب عن تأثيرات الحضارات الأخرى ، بل كانوا في احتكاك مع جيرانهم ، فأضيت إلى لغة عدنان ثروة الحضارة القحطانية ، وحضارة كثير وفارس، والحبشة عن طريق التجارة  أو طريق التنافس بين الحيرة وغسان والفرس والروم، فكانت اللغة تواصل تطورها مكلمة ما ينقص بما تأخذه من لغات تلك الحضارات الواسعة النطاق. وإبان الفتوحات الإسلامية العربية التي امتددت إلى كثير من أنحاء العالم ، خالط العرب من الشعوب وتعلموا لغتها واقتبسوا منها بعض العلوم والفنون.    
ففي بداية العصر الأموي بدأت ترجمة اللعوم والفنون إلى اللغة العربية ، وعندما ازدهرت الحركة الأدبية في العصر العباسي، ترجمت كتب الفلسفة والمنطق والطب والنجوم والرياضيات والتاريخ والكيمياء وغيرها من العلوم من اللغات اليونيانية والفارسية والسريانية والهندية إلى العربية، مما أوجد نهضة علمية وأدبية منفعة النظيرفي تاريخ اللغة العربية.ومنذ النصف الأول من القرن السابع الميلادي ، لقد مد الخلفاء العرب سلطانهم إلى مصر وسورية وفارس ، وفي القرن الثاني بسط الأمييون نفوذهم شرقا حتى الهند وغربا حتى المغرب وإسبانيا، وكذلك استقر العرب قي سيشل وبقوا فيها إلى القرن الحادي عشر. فالإسلام لم يكن القوة السياسية والعسكرية الكبرى في العصر الوسيط فحسب، وإنما كان المصدر الثقافي أيضا.
لقد أفسح العرب مجالا لتقدم العلوم والفنون ورفعوا منارة المدينة والحضارة أكثر من خمسة قرون، بينما كانت القارة الأروبا غارقة في سبات عميق، ولما آفاق الغربييون من سباتهم أخذوا يترجمون من العربية إلى اللاتينية، ولم يقتصرعلى كتابات العربية الأصلية، بل ترجموا أيضا ما نقله العرب من العلوم عن قدماء الإغريق. إن اللغة العربية قد أثرت تأثرا قويا وبعيدى المدى في اللغات الأخرى التي عاصرت نزول القرآن، ولقد حفلت الشعوب الإسلامية بحظ وافر من الألفاظ العربية، ليست لها وجود في تلك اللغات إلا بواسطة الرابطة والاحتكاك. وهكذا نجد أن الكثير من الألفاظ العربية استطاعت اللغات الأخرى.[3]
فقد نظر أبناء هذه الشعوب عقب الفتوحات الإسلامية إلى العربية نظرة إجلال وتقديس، لأنها اللغة الراقية  المقدسة التي نزل بها  القرآن الكريم ، والتي حملت القوة والبقاء والحيوية دون سائر لغات العالم، فتعلموا بها وأبدعوا بها روائعهم وفضلوها على لغاتهم المحلية. فاللغة إنما تتأثر بحضارة الأمة التي تنتمي إليها تتأثرالأمم والشعوب بتقاليدها وعقائدها وثقافتها، وكل التطور يلحق بناحية من هذه النواحي، لا بد أن تردد أصداءه في اللغة والثقافة. وكذلك تعد اللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب، وهنا يمكن لنا الوقوف على المراحل التي مرت بها اللغة العربية على امتداد تاريخها. وهذا ما يلزم أن تدخل العربية مفردات جديدة عن طريق الوضع والاشتقاق والاقتباس، وهو ما حدث بالفعل في اللغات الفارسية والتركية والأردية وما إلى ذلك.
لقد تأثر الفرس بألفاظ العرب، لحبهم للعربية، فأدخلوا تعابيرها في جسد لغتهم، لكئ تتطور وتنمو وتتساير مع الركب الحضاري وتصبح لغة عالمية، لأن اللغة العربية كانت لغة دين وأدب وفكر، ولغة ثقافة وحضارة. وهكذا دخلت الكثير من الألفاظ العربية في اللغة الفارسية. وأخذت الفارسية تصغو بصياغة خاصة، فتدل على معنى جديد ليس له من وجود في العربية، وهكذا حدث في التركية ، فقد امتزجت العربية بالتركية كما امتزجت العربية بالفارسية على أن الألفاظ العربية المتعلقة بالدين لم يتغير معناها في الفارسية والتركية والأردية عن الأصل العربي.
تأثرت اللغة الأردية بالعربية أولا ثم بالفارسية ثانيا، هي لغة بلاد الهند الإسلامية التي غزاها الفرس في القرن لرابع الهجري والتي عبرت عن حضارة الإسلام في شبه القارة الهندية. وكان من الطبيعي أن تتسرب إليها ألفاظ عربية من الفارسية، ولقد عنى الهنود المسلمون  تطورا المعنى لكلمات العربية التي دخلت لغتهم، واندمجت فيها. وقد اهتموا أولا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأردية، فكانت النقلة الكبرى في لغتهم والتي أمدتهم بزاد وفير من الألفاظ العربية.
لقد كان العرب همزة الوصل مع الشرق بوساطة فارس والروم، وكانوا نقلة علوم الملاحة والتجارة إلى الغرب، كما أن ثقافتهم الخاصة قد قدمت موضوعات جديدة ونظما جديدا في مجال الفن العسكري والعمارة والنسيج، وهذه التأثرات بارزة في اللغة العربية من ألفاظ مقترضة.[4] لقد حملت اللغة العربية رسالة اإسلام ، فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عما جاء به الإسلام من مفاهيم وأفكار ونظم وقواعد، وهكذا أصبحت اللغة العربية لغة الدين والثقافة والحضارة والحكم في آن واحد.
            لقد امتد تأثر الإسلام في عهد هارون الرشيد منذ القرن الثاني الهجري- القرن الثامن الميلادي، ليصبح مصدرا للازدهار الأدبي والعلمي والثقافي، دون أن يكون له نظير في العالم من الشرق والغرب، فمن إثر هذا الاحتكاك ، بدأت عملية الأخذ والعطاء، أما العرب فقد أخذ تراث الإغريق، وأنشأوا العرب علاقات تجارية وثقافية مع فارس والهند، ومصر في الشرق وبدأ منذ عام 772م من الميلاد يترجمون النصوص العلمية الأولى عن الهند. فلقد أصبح أعظم الأسماء في ميادين الأدب والفلسفة عربا مسلمين كابن سينا وابن رشد والخوارزمي والخيام والبتتاي والكيمياء أمثال خالد بن يزيد، جابر بن حيان  والرازي وغير الكثيرن الذي لهم اسهامات جليلة في نقل الثقافات الأمم الأخرى إلى العربية ثم قاموا بتطويرها حتى أصبحوا أئمة في مجالاتهم. وعلى هذا الأساس وضعت أوربا خطوة التطور والتقدم الحضاري. عاشت اللغة العربية عصرا كانت فيه لغة الحضارة بينما كانت اللغات الأخرى، ولا سيما الأوربية في وضع متخلف جدا. تتلقى فيها العربية ثرواتها العلمية والفكرية وبعبارة أخرى ثروتها الحضارية. فقد كانت اللغة العربية هي اللغة الحضارة الأولى في العالم.[5]
ثم امتدت هذه التراجم إلى كثير من أقطار آسيا وأوربا، استمرت أوربا سباتها في الثقافة والمدنية نحو ستة قرون، ثم احتل العرب إسبانيا سنة 711م واستمر حكمهم في نحو سبة قرون. وفي نهاية القرن الخامس عشر، كانت الكتب العربية المقررة في الجامعات العديدية في أوربا، وكانت مولفات الرازي، ابن سينا تدرس في جامعة الطب الكبرى في مونبيلية حتى القرن الثامن عشر. وقد كان للعربية تأثير كبير في حياة الغربيين حيث ظهر ذلك في كثير من اللغات الأوربية. وقد أخذ إسبانيا بواسطة اللاتينية المترجمة من العربية الاشياء الكثيرة من مقوماتها اللغوية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا حضاريا. هكذا نجد أن اللغة العربية كانت في العصور الوسطى لغة الفلسفة والمنطق والطب ومختلف العلوم والفنون، بل أكثر من ذلك. وكانت اللغة العربية لغة دولية لمصطحات التجارة والعلوم. إن اللغة العربية قامت بدورعالمي في انتقال الحضارة من المرحلة القديمة في مصر إلى المرحلة الحديثة والمعاصرة في أوربا الغربية. 
نتيجة البحث:
إن العرب حملوا الإسلام إلى العالم وحملوا معه لغة القرآن. استعربت شعوب غرب آسيا وشمال إفريقية بالإسلام ، فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن. لقد شارك الاعاجم الذي دخلو في الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين، فظهر منهم أشهر علماء النحو والصرف والبلاغة وفي العلوم الإسلامية  أمثال التفسير والحديث والفقه. وما زالت الأمة كلها عالة على مصنفاتهم وروائعهم  التي الناس وشغلت الناس. إن الكثير من الألفاظ العربية التي دخلت إلى بلاد الغرب واختلطت بلغاته، لأن المرحلة الحضارية التي تعيشها مرحلة هزيمة أمام معطيات الغرب الثقافية والصناعية. إن اللغة العربية هي اللغة العالمية في حضارات الوسطى، وكانت رافدا عظيما للانجليزية في نهضتها. إن موجات الفتح الكبرى التي أقامت الخلافة على خريطة القارات الثلاث آسيا وإفرقيا واوربا جعلت منها عنوانا بفضل حاسم في تاريخ الفكر والأدب والأعمال البشرية. هكذا نجد أن اللّغة العربية قد أدت دوراً مهماً في حياة الأُمم وتاريخها وفي بناء الحضارات العالمية.
 الهوامش:



[1]    د. سفير بن عبد الرحمن الحوالي، المسلمون والحضارة الغربية، ص82
[2]    ابن خلدون، المقدمة ، ج2، دار الاحياء لتراث العربي، بيروت، ص، 57
[3]     د. حسين مجيب المصري، أثر المعجم العربي في لغات الشعوب الإسلامية ص، 64
[4]     محمد عبد الشافي القوصي ، عبقرية اللغة العربية، منشورات المنظمة الإسلامية  للتربية والعلوم الثقافة، إيسسكو ، الرباط ، المغرب 2016م، ص 139
[5]    المصدر السابق، ص، 143





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

مختارة

Random Post

الإشتراك بالمدونة