أحدث المشاركات

الثلاثاء، 31 يناير 2017

أدب الرحلة والإثنوغرافيا


عبد المالك بن عبد الصمد .أم
الباحث في قسم اللغات العربية والفارسية والأردوية
جامعة مدراس
تشنائي، ولاية تاميل نادو، الهند


إن الرحلة قديمة ومتصلة بتاريخ الإنسان وثابتة في طبيعة البشر، خلق الله الإنسان محبا للحركة والتنقل، وأكرمه بالعقل الذي يرشده لذلك، لم يتوقف الإنسان في مكان واحد حتى الآن مع أن له في هذه الأيام جميع التسهيلات في مقره، وذلك لأنه مشتاق أن يعرف ما حوله من الأشياء المتنوعة والأمكنة المخلتفة. ودوّن أدب الرحلة باهتمام كثير من طبقات مثقفي العالم قديما وحديثا وعني به أعلام بارزون عبر مراحل التاريخ، وما زالت الرحلات إلى يومنا هذا مصدرا للتعرف على أحوال الأمم وثقافات الشعوب.
أما أدب الرحلة فهو خطاب الرحالة عن كل ما يصادفه أثناء القيام برحلاته من معالم تاريخية وثقافات متميزة، وتقاليد الشعوب، ووصف الطبيعة وغيرها من اكتشافات البلدان، "ونجد اهتمام العرب بوصف البلاد التي دخلت مع فتوحهم في حوزتهم، فتحدثوا عنها في كتاباتهم التاريخية الأولى. ودعاهم ما في القرآن الكريم من إشارات إلى الأمم السابقة أن يطلعوا على ما عند أهل الكتب السماوية قبلهم من أخبارهم."[1]، وجاء تعريف أدب الرحلة في معجم المصطلحات الأدبية "إن أدب الرحلة هو مجموعة الآثار الأدبية التي تناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة، وقد يتعرض فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوك وأخلاق ولتسجيل دقيق للمناظر الطبيعية التي يشاهدها، أو يسرد مراحل رحلته مرحلة مرحلة، أو يجمع بين كل هذا في آن واحد."[2]
وأما مصطلح الأثنوغرافيا فهو من المصطلحات المعربة التي ظهرت مع ثورة الدراسات الحديثة  حيث يعتقد دياس(Dias) أن " مصطلح الأثنوغرافيا قد ظهر عام 1807م على يد كامبل(Campl)" [3]، غير أنه لم يشع ويلق رواجا إلا عام 1824 على يد العالم الفيزيائي أمبير () في كتابه ـ مقال حول فلسفة العلوم ـ الذي جعله فرعا من فروع الأنثروبولوجيا(Anthropology). ثم اعتمدت التسمية كذلك عند الفولكلوريين في دراساتهم للتقاليد الشعبية [4]. فلفظة Ethnography   كلمة إنجليزية "مشتقة من المقطعين اليونانيين أثنوس Ethnos)) يعني سلالة أو ناس أو شعب، وجرافين Graphein)) بمعنى يكتب. وعلى هذا يكون المعنى الحرفي لكلمة "أثنوغرافيا" هو الكتابة عن الشعوب" [5] . أما في الاصطلاح فهو "وصف الشعوب وعلم الإنسان الوصفي، ودراسة المظاهر المادية والثقافية للجماعة في مختلف الأمكنة والأزمنة، والتي تبرز نتاج جهد الإنسان للسيطرة على بيئته الطبيعية".[6] فهي إذن تهتم بالدراسة الوصفية الدقيقة لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد والعادات والقيم، والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة.
وأما الثقافة فهي عنصر من عناصر الدراسات الاثنوغرافية. وقد جمع الباحثون أكثر من مائة تعريف للثقافة من علوم الأنثربولوجيا. فمفهوم الثقافة عند كوبر وكلاكهون (Clyde kluckhon)" هو جميع مخططات الحياة التي تكونت على مدى التاريخ، بما في ذلك المخططات الضمنية والصريحة، والعقلية واللاعقلية وغير العقلية. وهي موجودة في أي وقت كموجودات لسلوك الناس عند الحاجة"[7]، فهي عنده كل سلوك يقوم به الإنسان، وإن التنوع بين المجتمعات هو تنوع في الأساليب. وعلى هذا التعريف نجد "أن الثقافة هي مجموعة الأفكار، والقيم، والمعتقدات، والتقاليد، والعادات، والأخلاق، والنظم، والمهارات، وطرق التفكير وأسلوب الحياة، والعرف، والفن، والنحت والتصوير، والرقص الشعبي، والأدب، والرواية، والأساطير، ووسائل الاتصال والانتقال التي يتلقاها أو يتوارثها الفرد من مجتمعه، وكذا ما يحقق من إبداعات مختلفة نتيجة عيشه في مجتمع معين".[8]
يعبر الأديب الرحالة الاثنوغرافي بأسلوب يرتكز الفنية متكأ في نقل المحسوس والموجود، ووصف العادات والتقاليد والأخلاق للمناطق التي رحل إليها. فنجد في نصوص أدب الرحلة إشارات لكثير من الجوانب والعناصر الحضارية والمادية والمعنوية، التي يهتم الأثنوغرافيون بجمعها ووصفها. ومن الرحالة من اهتم بوصف الأقاليم وطبائع سكانها، ومنهم من أفرد وصف العادات والتقاليد لأفراد الجماعات الدينية والأثنية، ومنهم من جمع بينهما. فنقدم هنا بعض النصوص للإيضاح عن تنوع مادة أدب الرحلة من ناحية الموضوع والزمان والمكان، وما اشتمل عليه من مضمون الاثنوغرافي.
نماذج اثنوغرافيا في أدب الرحلة :
نجد اثنوغرافيا الهندية في كتاب أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني " تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، وكان هدفه من وراء تأليف هذا الكتاب، وصف الحضارة الهندية وأسسها العقائدية والعلمية زمعالمها الجغرافية ومبادئها الفلسفية التي بنيت عليها، وقد تكلم البيروني عن ما يحيط بالحياة الهندية في جوانبها المختلفة. يقول البيروني عن تعامل الهنود مع المرأة الأرملة " إذا مات زوجها فليس لها أن تتزوج، وهي بين أحد أمرين ـ إما ان تبقى ارملة طول حياتها وإما ان تحرق نفسها وهو أفضل حاليها لانها تبقى في عذا مدة عمرها، ومن رسمهم في نساء ملوكهم الإحراق شئن أو أبين احتراسا عن زلة تندر منهن، ولا يتركون منهن الا العاجائز او ذوات الأولاد اذا تكفل الابن بصيانة الأم وحفظها."[9] وأما حرق الأراملة بعد وفات زوجها يسمى ستي ()، وهذه العادة يجرم قانون الهندي منذ عام 1829م .
وبوصف مبالغة يصور ابن بطوطة في مذكراته عن النساء الجزر المالديف " إن النساء في هذه الجزيرة لا يتحجبن مطلقا كما هي عليه الحال في سائر الجزر، الا أن نساء العاصمة أكثر طراوة ونعومة في المنظر من نساء أهل هذه الجزيرة بحكم كون هؤلاء النسوة من الأرياف."[10]، ويزيد القول عن النساء " ولقد أدهشني منظر النساء وأنا أنظر إليهن فيما أنظر إليه من أشياء في هذه الجزيرة. فقد كنت أعتقد قبل أن أصل أليها من سيلان أنهن سيكون مستوى الجمال فيهن مثل مستوى الجمال في نساء سيلان، ذلك بأن الموقع الجغرافي لا يكاد يختلف عما هو عليه في سيلان بالنسبة إلى القرب من خط الاستواء."[11]
وقد قدم الرحالة الصحفي أنيس محمد منصور عن ملابس أهل كيرلا في كتابه " 200 يوم حلو العالم "ـ  هو أول كتاب يفوز بجائزة الدولة  في أدب الرحلة ـ  عن أهل كيرلا وملابسهم " أهالى ” كيرالا ” يرتدون الـ ” الدوتى ” و هو قطعة من القماش ملفوفة حول الجسم و ملفوفة من الخلف، و يمشون حفاة، و بعضهم يرتدى جاكتة بجيوبها أقلام باركر أو شيفرز و هى أقلام ماركة غالية الثمن ."[12]،ويقارن أنيس منصور عن ابتسامة الشعب الهند مع غير الشعب في القارة الآسيوية  "الشعب الهندي هو الشعب الوحيد في كل القارة الآسويوية الذي لا يضحك، أومن النادر أن تجد على وجه أي إنسان أي بارقة ابتسامة. على عكس كل القارة الآسيوية التي يضحك شعوبها بلا مناسبة." 
وفي منحى آخر ينسج دكتورة نوال السعداوي في كتابها " رحلاتي في العالم" مشاهدتها الطبيعية في جنوب الهند، وتصور عن مزارع الشاي بقولها " عرفت أن شجرة الشاي شجرة غريبة جدا، ولها مزاج خاص، ولها شروكها الخاصة لتنمو وتزدهر . إنها تحتاج إلى أرض معينة وارتفاع معين فوق سطح البحر لا يقل عن أربعة آلاف قدم ودرجة حرارة معينة، ودرجة رطوبة معينة، وقدر من الشمس معين، وقدر من المطر معين، وقدر من الظل معين."[13]، وفي اتجاه آخر تقارب بين الهند والمصر" في الهند لم أشعر أنني غريبة في بلد غريب. أمشي في الشوارع وأنظر إلى الوجوه والسماء والأرض والآثار فأنسى أنني في الهند وأظن أنني في مصر. بل أنني رأيت مصر في الهند أكثر مما كنت أراها وأنا في مصر." [14]
أما عن عادات أكل أهل الهند يتحدث محمد بن ناصر العبودي في كتابه " نظرات في شمال الهند"، ويمدح الهنود لغير فساد الطعام،يقول: " فلإخواننا في الهند طريقة حميدة في الأكل هي أن يأخذ كل واحد بصحن له منفرد شيئا قليلا من الطعام حتى إذا أتى عليه أخذ غيره، وإذا فرغ نظف صحنه بأصابعه حتى يبدو كأنه لم يستعمل، وذلك لئلا يفسد على من قد يكونون بحاجة الى الأكل من الطعام بعده شيئا من الطعام الذي لم يأكله."[15]، ويصور العبودي في كتابه " راجستان بلاد الملوك" عن ملابس أهل راجستان " وأهم ما يميز لباس راجستان عمامة خاصة تشبه على البعد عمائم السيخ غير أنها تكون لها ذؤابة تكون واقفة في بعض الأحيان، وعلى الصدر قميص تحته فوطة يختلف لبسهم لها فمنها ما فوطة مسترخية معتادة تشبه الفوط التي يلبسها الأندونيسيون، الا انها أقصر منها، ومنها الفوط المشددة القصيرة التي يبين منها أعلى الفخذ، وهي اللباس التقليدي للمتمسكين المتشددين من الهنادكة في أكثر بلاد الهند، وأما النساء فإن لباس التقليدي المشهور في الهند الذي يتألف من الساري الطويل العريض تكون له ذؤابة كبيرة مسترخية تنسفها المرأة على كتفها. "[16]
خاتمة : 
بعد المضي في هذه الرحلة مع اثنوغرافيا في أدب الرحلة،لا بد من وقفة نوجز فيها أهم ما توصل اليه المفهوم، فتعد أدب الرحلة والتي في جوهرها حركة وانتقال من الفنون العالمية الموغلة في القدم، تصور وصف البيئة بمختلف أشكالها السياسية والثقافية والأدبية والعلمية، بل وحتى الجغرافية من جبال، ومناخ، و أنهار .. وغيرها، لهذا فهي تنفتح على منافذ متعددة الأشكال السردية كتاريخ والسيرة والجغرافيا والسجلات الاجتماعية، وغيرها من وصف الحياة بأشكالها المتختلفة.
واما الاثنوغرافيا بقواعدها وأسسها علم حديث، يعرف بأنه الدراسة الوصفية الدقيقة والموضوعية للظواهر الثقافية، وهي مرحلة ضرورية وأولية لعلم الأنثربولوجيا الذي يهدف الى استنباط القواعد والقوانين والأنساق العامة للجماعات الإنسانية، بعد تحليلها ومقارنتها وتصنيفها تحت ما يطلق عليه بعلم الأثنولوجيا، وجميعها تدرس الثقافة، وهي مجموعة الأفكار التي يتلقاها أو يتوارثها الفرد من مجتمعه، وما يحققه من إبداعات مختلفة نتيجة عيشه في مجتمع معين .فنجد في أدب الرحلة مادة اثنوغرافيا التي تكون متعمدة أو عفوية .
والرحالة العرب قد وصفوا الثقافة المغايرة في كتبهم، وتظهر الملاحضات الاثنوغرافيا مما جاد به أبو الريحان البيروني، وابن بطوطة، وأنيس محمد منصور، ودكتورة نوال السعداوي، والشيخ محمد بن ناصر العبودي .حتى وصلوا الى تحقيق الموضوعية بحفظ الصداقة في نقل الأخبار، وبإهتمام تعلم الجماعة المدروسة . فلأدب الرحلة علاقات بمختلف أشكال التعبير اللغوي حيث استقطبت كثيرا من أنواع الخطاب المكتوب والشفوي، فيمكن دراسته من جوانب مختلفة، وما دراستنا له الا جانبا من جوانبه المتعددة .

المصادر والمراجع :
1) الرحلات، شوقي ضيف، دار المعارف القاهرة، بدون تاريخ النشر.
2) الرحلة في الأدب العربي (حتى نهاية القرن الرابع الهجري )، ناصر عبد الرزاق موافي، دار النشر للجامعات، مصر، ط1، 1995م.
3) قاموس مصطلحات الأثنوغرافيا والفوكلور، إيكه هولتكرانس، تر:محد الجوهري وحسن الشامي، الهيئة العامة للقصور الثقافية، ط2، بدون تاريخ النشر . 
4) مدخل الى الأثنولوجيا، جاك لومبار، تر:حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1997م .
5) معجم المصطلحات العلوم الاجتماعية، أحمد زكي بدر، ساحة رياضي الصلح، بيروت، 1987م.
6) مقدمة في دراسة الأنثروبولوجيا، محمد الجوهري، وعلياء شكري، دار الدولية للاستثمارات الثقافية، القاهرة، ط1، 2008م .
7) الاثنوغرافيا في أدب الرحلات، اعداد:صفاء دركي،جامعة الوادي، الجزائر، 2015م .
8) في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1403هـ .
9) رحلة الى جزر مالديف إحدى عجائب الدنيا ، محمد بن ناصر العبودي، الرياض،دار العلوم، 1981م.
10)               200 يوم حول العالم، أنيس منصور، دار الشروق .
11)               رحلاتي في العالم، دكتورة نوال سعداوي .
12)               نظرات في شمال الهند (جزئين )، الشيخ محمد بن ناصر العبودي، ط1، 2003 م .
13)               راجستان بلاد الملوك، الشيخ محمد بن ناصر العبودي، بدون الناشر، ط1، 1997م .





[1] )انظر: الرحلات للدكتور شوقي ضيف، ص 11
[2] ) الرحلة في الأدب العربي (حتى نهاية القرن الرابع الهجري )، ناصر عبد الرزاق موافي، دار النشر للجامعات، مصر، ط1، 1995م، ص 38
[3] ) قاموس مصطلحات الأثنوغرافيا والفوكلور، إيكه هولتكرانس، ص 15 .
[4] ) ينظر: مدخل إلى الأثنولوجيا، جاك لومبار، ص 12
[5] ) أثنوغرافيا المجتمعات الإفريقية، أحمد زيد وأخرون، ص 9.
[6] ) ينظر: معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، أحمد زكي بدر، ص 140 .
[7] ) مقدمة في دراسة الأنثروبولوجيا، محمد الجوهري، وعلياء شكري، ص 111.
[8] ) الاثنوغرافيا في أدب الرحلات، اعداد:صفاء دركي،، ص 20 .
[9] ) في تحقيق ما للهند، البيروني، ص 470 .
[10] )رحلة الى جزر مالديف، محمد بن ناصر العبودي، ص 12.
[11] ) المرجع السابق، ص 55.
[12] ) 200 يوم حول العالم، أنيس منصور، ص 104.
[13] )رحلاتي في العالم، دكتورة نوال سعداوي، ص 209.
[14] ) رحلاتي في العالم، دكتورة نوال سعداوي، ص 217.
[15] ) نظرات في شمال الهند، محمد بن ناصر العبودي، ص 70.
[16] ) راجستان بلاد الملوك، محمد بن ناصر العبودي، ص 60. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة