أحدث المشاركات

الأحد، 18 ديسمبر 2016

يوسف السباعي: أديب مصري يستحق التقدير

محمد رياض. ك

إن الأدب المصري شهد نهضة ذهبية في عقود القرن العشرين، حيث بلغت فيها الآثار الأدبية ذروتها في الكمية والنوعية. وفي تلك الأيام بدأ يبرز عدد كبير من نجوم الأدب، وهذه النهضة خلّفت  تأثيرها على الشعر والنثر على السواء. ونافلة القول، أن من أسباب هذه اليقظة الأدبية ازدهار فن النقد من خلال كتابات النقاد الكبار. ومن المشهورين من الأدباء المصريين في هذا العهد من الزمان، عميد الأدب العربي طه حسين والناقد الكبير عباس محمود العقاد وأمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم ورائد المسرحية العربية توفيق الحكيم والحائز الوحيد على جائزة نوبل في الأدب من العرب نجيب محفوظ. ولكن الطبقة التي يمثلها الأدباء المذكورون أعلاه لا تكتمل أبدا بوحدتهم بل هي سلسلة طويلة تتكون من حلقات متعددة ومتلوّنة مثل شخصيات أدبية كبيرة أمثال يوسف إدريس وأحمد أمين وأنيس منصور ويوسف السباعي وغيرهم كثير. كلهم روّجوا الأدب المصري العربي بأعمالهم القيمة وزوّدوه بثقافتهم الواسعة. والمهم ألا يدفعنا الاهتمام ببعضهم إلى الإعراض عن بعضهم الآخر، لأن جميعهم قدّموا مساهمات بارزة في تشغيل هذا العالم الأدبي وهي تستحق حقا تقديرا مرضيا يشجع الدراسات عن هؤلاء الكبار من الأدباء. أما قلة تناولهم في الدراسات والبحوث فليست لقلة دورهم في النهضة الأدبية بل هي لأسباب مفاجئة تعرضوا لها في حين من الأحيان. ونتناول في هذه الدراسة حلقة مهمة من السلسلة المذكورة آنفا – هي الأديب المصري الكبير يوسف السباعي. وقد بلورت شخصيته في عالم الأدب العربي بآثاره المتنوّعة فقد لامس قلمه الفني أنواع الأدب المختلفة مثل القصة والرواية والمسرحية والمقالة. فالفقرات التالية محاولة بسيطة لتقديم هذا الأديب العملاق ببساطة وإيجاز.
يوسف السباعي كاتب غزير الإنتاج
ولد الأديب المصري يوسف محمد محمد عبد الوهاب السباعي، الذي تتراوح فترة نتاجه الفني المهم بين أربعينات وسبعينات من القرن العشرين، بحارة الروم بحي الدرب الأحمر بالقاهرة في 10 يونيو 1917 ونشأ في الطبقة المتوسطة، وكان أبوه الأديب محمد السباعي أحد رواد النهضة الحديثة في مصر. وهذه الخلفية العلمية الأدبية أثرت في شخصيته بحيث ظهرت موهبته الأدبية في مرحلة مبكرة من حياته[1] وتخرج من الكلية الحربية في عام 1937 ضابطا في الجيش المصري ثم أصبح مدرسا لمادة التاريخ العسكري في الكلية الحربية عام 1942، وبعد ذلك بدأ يتولى مناصب عالية متعددة مثل منصب سكرتير عام المحكمة العليا للفنون والسكرتير العام لمؤتمر 1959 الوحدة الآفروأسيوية، وفي عام 1966 عين عضوا متفرغا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدرجة وزير، وقد ترأس إدارة دار الهلال، ومن أهم المناصب التي
تولاها في نهاية حياته وزارة الإعلام في الفترة من 18 أغسطس 1975 إلى 27 أكتوبر 1975، وحصل خلال هذه المدة على جوائز وأوسمة مختلفة مثل جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1973. أما هذه الحياة اللامعة فهي بلغت نهايتها في قبرص حيث إغتاله فيها رجلان فلسطينيان حين كان يحضر مؤتمرا آسيويا أفريقيا في 18 فبراير 1978 لتأييده مبادرة أنور السادات في عقد السلام مع إسرائيل.
وعالم إنتاجه الفني يتمتع باثنين وعشرين مجموعة قصصية، وست عشرة رواية، وأربع مسرحيات، وثماني مجموعات من المقالات في النقد والاجتماع، وكتاب في أدب الرحلة بالإضافة إلى ما كتبه في الصحف والمجلات من المقالات. ومن هذه الخزانة لهذا الأديب الاجتماعي نتذكر في هذه السطور المحدودة رواياته "نائب عزرائيل" و"أرض النفاق" و"إني راحلة" و"السقامات" و مجموعاته القصصية "يا أمة ضحكت" و"بين أبو الريش وجنينة ناميش" و"الشيخ زعرب وآخرون".
المباحث في أعمال يوسف السباعي
إن أعمال يوسف السباعي الأدبية تحمل في طياتها النقد السياسي والاجتماعي أساسيا. وقد بدأت كتاباته الأدبية بالقصة القصيرة وتعد "فوق الأعداء" أوّل قصة قصيرة منشورة له وقد تم نشرها وهو لم يتجاوز السادس عشر من عمره. وقد وظّف الكاتب مختلف الوسائل لتناول القضايا الاجتماعية والسياسية ونقد ما يوجد فيها من المثالب مثلما استخدم قالب الفانتازيا في بعض رواياته المهمة. ويصارح به الناقد المصري يوسف الشاروني قائلا "وواضح أن يوسف السباعي استخدم قالب الفانتازيا كوسيلة للنقد السياسي والاجتماعي على المستوين المحلي والعالمي"[2] فرواية "لست وحدك" تتضمن نقد المذاهب السياسية التي تتحكم على حضارتنا المعاصرة من ناحية، وتقدم مدينة فاضلة. ومن القضايا التي تتناول هذه الرواية سياسة الساسة الذين يتربّعون على قمة العالم ويشعلون نيران الحروب ويغضون أبصارهم عما تعاني البشرية من نتائجها البشعة. ويراقب الكاتب نشأة فئة خاصة في المجتمع هي تحقّق تقدّما عاليا في مستواها الاجتماعي عبر إحدى طريقي الدعارة والرشوة. وتُستخدَم هاتان الطريقان لاستغلال الطبقات الشعبية والسفلى على واسع النطاق.  وهذه الملاحظة من أهمّ الرسائل التي تقدّمها رواية "نحن لا نزرع الشوك" حيث تصبح تلك الرسالة مكتملة في صعود إحدى شخصياتها سيدة جابر وهبوطها فعندما عرضت دلال على سيدة أن تعمل بغيا في بيتها الذي تديره أجابتها: سأفكر يا خالة دلال. وجاء رد دلال سريعا حاسما: تفكرين في ماذا؟ ليس أمامك سوى الشغل أو التسول .. أو الموت جوعا[3]ولا يخفى علينا من خلال مطالعة هذه الرواية، أنه ليس من اللازم أن تنجح المحاولات للتمرّد والثورة على التقاليد والعادات المتأصلة في المجتمع كما يلاحظه يوسف الشاروني في تعليقاته على جهود سيدة جابر "لقد حاولت سيدة جابر أن تتمرد على تكوينها الطبقي وظروفها الاجتماعية، لكن القدر كان أقوى من محاولاتها فانتهت من حيث بدأت"[4]
ويبدو الكاتب شجاعا في نقده اللاذع على السلطة الذكورية السائدة في المجتمع ويمثل بعض التعابير في رواية "نحن لا نزرع الشوك" نموذجا لهذا النوع من النقد الاجتماعي " هذا القانون الذي يلزمها بذلك قانون أحمق مستبد يحرم الإنسان من أبسط مظاهر الحرية .. حرية الشركة في الحياة. هذا قانون الرجل يا سيدة .. وهو واضعه وهو المستفيد به"[5]، "تذهبين إلى بيت زوجك بالبوليس يا سيدة؟ وفي زمن تدرس في المدارس حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. هذا مجتمع عجيب يا سيدة"[6] ونرى النقد الاجتماعي يبلغ القمة في رواية "نائب عزرائيل" حيث يقول الرواي فيها "أصبحت أشبه بالحانوتي الذي تضحكه الجنازات"[7] والراوي نفسه في هذه الرواية مات في حادث ترام، وقد وجد أن عودته للحياة ستضايق أهله لأنهم قبضوا مبلغ التأمين على حياته، كما ينتظرون الحصول على عشرة آلاف جنيه من القضية التي رفعوها على شركة الترام  تعويضا لهم عن شخصه العزيز.
ومن أهمّ القضايا في روايات يوسف السباعي قضية النفاق التي ترى قبضتها في كل مجال من مجالات الحياة. فالنفاق موجود حتى في مراكز الخدمات ومناطقها. يقول يوسف الشاروني"وفي رواية (أرض النفاق) يتضح أن مشاعر الحزن – حتى بالنسبة لأقرب الأقربين للمتوفين – قد تكون مجرد نفاق. والحقيقة أنه بالنسبة لهم أراح واستراح."[8] ونشعر عندما نقرأ كلمات عايده بطل رواية "إني راحلة" بأننا نستمع إلى خطبة نقدية لاذعة ضد عالم النفاق الذي يشهده الإنسان يوميا "عالم النفاق والمنافقين، كلكم تتمنون أن أذكر ما حدث، ولو كتبته لأقبلتم على قراءته بلهفة الجائع المحروم، فإذا ما انتهيتم منه هززتم الرؤوس أسفا، وقلبتم الشفاه احتقارا واشمئزازا، وقلتم:هذه إباحية ... هذا كلام لا يكتب." وتضيف "كلكم منافقون وأشدكم نفاقا أكثركم تظاهرا بالحرص على الفضيلة، وتمسكا بالأخلاق والتقاليد. أجل التقاليد الزائفة التافهة" حتى تصرخ أخيرا "إلى الجحيم ... أنتم، وعقودكم، وتقاليدكم"[9]
وألفاظ أحمد الغاضبة حول استعمار الإنجليز تحمل في طياتها كراهية يوسف السباعي لاستعمار الإنجليز وخيانتهم "ولكننا بدأنا في الجيش عهدا جديدا، كان الإنجليز يسيطرون عليه ويتولون قيادته ليضغطوه ويطبقوا عليه حتى يظل منكمشا . . "[10] ويعلن الكاتب حبه البشري بصراحة على لسان أحمد"أنا لا أتعصب للضباط، ولكن تلك هي طبيعتي .. أحب البشر جميعا . . ولكني أحب المصريين – مهما كانوا – أكثر من جميع البشر ... . . .  تلك هي شيمتي: أحب أمتي وجيشي وسلاحي"[11] وحبه للغته العربية وأهلها وثقافتها واضح في افتخار عايده حيث رأت فيمن اجتمعوا مصريين يتكلمون العربية "ووجدت من بينهم من يؤمن بمصر .. ويحب مصر .. وجدت منهم من يتكلم العربية "كأحد أبنائها" !!"[12]
معمار يوسف السباعي الأدبي
وبمجرد النظر إلى أعمال هذا الأديب الرفيع، نصل إلى بعض الأراء المهمة حول معماره الناضج. وتدلّ تعدد أعماله القيمة وتنوع قوالبها السنية على امتيازه في عالم أدباء العرب. ولغته جميلة بسيطة وخيالية في مواقف الخيال ومكثفة بالأفكار السليمة ومضمنة بالمعاني الجلية. وجذبت هذه الميزة المعمارية القراء إلى قراءة آثاره الأدبية بما فيها روايات وقصص ومسرحيات ومقالات وقد عبر الناقد غالي شكري عن هذه الحقيقة في مقدّمة كتابه الفن والفكر في أدب يوسف السباعي حيث يقول لغة يوسف السباعي "فهي لغة شابة، تهمس ولا تصرخ، تأسر ولا تأخذ بالخناق، فتخلق احساسا مغريا بأنك قارئ ممتاز بالتهامك الصفحات – الألف أحيانا – في نفس واحد، أي في ليلة أو ليلتين لأنها تستجيب لمقتضيات العصر وتنفذ إلى أعماق الجيل الذي تعبر عنه"[13]
ويثني الشاعر العراقي عباس خضر على أسلوب يوسف السباعي عاطر الثناء حيث يرى " أن أسلوب يوسف السباعي انطلاق على السجية، وانه عندما ينطلق في الكتابة فكأنه يحدث صديقا لا كلفة بينك وبينه، فهو يتحرر من القيود التي يتقيد بها كثير من الكتاب .. وهو بذلك ينطلق متدفقا في أسلوبه ولغته كما يتدفق في صوره وخواطره وأفكاره .. "[14] وقد وظف السباعي الأسلوب الفكاهي في بعض أعماله المهمة مثل رواية "نائب عزرائيل" وتتميز روايتاه "السقامات" و"نحن لا نزرع الشوك" بمعماره الروائي المحكم وهذه الصفة تلمح بصورة أبرز مما هي في رواياتها الأخرى بحيث يكون تماسك البناء الروائي فيهما يكاد يكون هندسيا.
ولا ننسى في هذا الصدد تعليق الدكتور محمد مندور خلال كلامه عن الرواية "السقامات" أن يوسف السباعي أديب من أدباء الحياة بل من أدباء السوق التي تعج بالحياة والأحياء وتزدحم بالأشخاص والمهن. ولا نجد نقصا ولا عيبا فيما ناداه الروائي نجيب محفوظ من "جبرتي العصر" حيث تضمنت أعمالها الأدبية أحداث الثورة منذ اندلاعها حتى بشائر النصر في حرب أكتوبر. وقد انتهى المسرحي المصري توفيق الحكيم إلى نتيجة أن أسلوب السباعي سهل عذب باسم ساخر. ويعلن الكاتب غالي شكري في تقديم الكتاب "الفكر والفن في أدب يوسف السباعي"[15] أن أدب يوسف السباعي في مجمله ظاهرة اجتماعية فمن هنا تنبع الأهمية القصوى في إصدار هذه النماذج بين دفتي كتاب حول أدب يوسف السباعي. وخلاصة الكلام أن هذا الأديب من كبار الأدباء المصريين الذين يستحقون تقديرا بعد تقديرات ودراسة بعد دراسات.
المصادر والمراجع:
     1.      يوسف السباعي، إني راحلة، مكتبة مصر، العجالة، 1987
     2.      يوسف السباعي، نائب عزرائيل، مكتبة مصر، العجالة
     3.      يوسف السباعي، السقامات، مكتبة مصر، العجالة
     4.      يوسف السباعي، نحن لا نزرع الشوك، مكتبة مصر، العجالة
     5.      يوسف السباعي، لست وحدك، مكتبة مصر، العجالة
      6.      د. عبد العزيز شرف، الرؤية الإبداعية في أدب يوسف السباعي، دار الهلال، 1977
      7.      علاء الدين وحيد، عالم يوسف السباعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979
     8.      غالي شكري، الفكر والفن في أدب يوسف السباعي، دار الفكر، بيروت، 1972
9.      تراجم أعضاء اتحاد الكتاب العرب في سورية والوطن العربي، اتحاد الكتاب العرب، 2000
10.  محمد المصطفى، أحمد رجب، يوسف السباعي.. رحلة إبداع بدأت من شبرا وانتهت في قبرص، المصري اليوم، ص14، 07/03/2008 (today.almasryalyoum.com)
11.  التجمع القومي الديموقراطي الموحد – إقليم وادي النيل (www.unitedna.net)




   [1]علاء الدين وحيد، عالم يوسف السباعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979 ص10
   [2] يوسف الشاروني، الروائيون الثلاثة، ص 114
  [3]يوسف السباعي، نحن لا نزرع الشوك، ص 716
    [4]يوسف الشاروني، الروائيون الثلاثة، ص 131
     [5]يوسف السباعي، نحن لا نزرع الشوك، ص 813
     [6]يوسف السباعي، نحن لا نزرع الشوك، ص 829
    [7]يوسف السباعي،نائب عزرائيل ص 96
    [8]يوسف الشاروني، الروائيون الثلاثة، ص 138
   [9]يوسف السباعي، إني راحلة، ص 279
[10] المصدر السابق، ص 68
[11] المصدر السابق، ص 68
[12] المصدر السابق، ص 227
    [13]غالي شكري، الفكر والفن في أدب يوسف السباعي، ص 11
  [14]غالي شكري، الفكر والفن في أدب يوسف السباعي، ص 115
  [15]غالي شكري، الفكر والفن في أدب يوسف السباعي، دار الفكر، بيروت، 1972  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة