أحدث المشاركات

الثلاثاء، 3 مايو 2016

معراج المصطفى صلى الله عليه وسلم: روح الحيلة

عبد الرحمان الأصلحي فوكيفرمب

"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"(سورة  إسرائيل).
  المعراج - ما نسمع هذا اللفظ إلا وفؤادنا هز من ذكرى سفر ميمون ولقاء سام بين روح البشر وخالقها، وهو مهد النشوء في قلوب الإنسان حتى تستقر في رحاب القدس وطريق السعادة برضي موليها ومعتقها، يدعو إلى معراج آخر للعبد يعرج فيه بروحه ويلاقي ربه ويستلفت أنظاره إلى عالم ثان يتم به عقله ويزدهر به ذكاؤه وهو صالح للخرق والالتيام، وهو معه مقر بضعفه وعجزه أمام قدرة مولاه ويشكو من قلة بضاعته.

المعراج سياحة تسلية
  أسرى الله نبيه الأمين ÷ في ساعة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في فلسطين ثم عرج به منه إلى ما لا يعلم به إلا الله، وكان ذلك  - على القول الراجح – في السنة الثانية عشرة من النبوة قبيل هجرته بسنة.
حينما كان يعاني من كفار قريش ما يعانيه من المضايقات والمقاطعات سلاه الله بقربه منه وأدناه حتى  صار  صاحب قوسين أو أدنى، وأتحفه بتحفة مباركة له ولأمته إلى أن يعرجوا إليه أيضا.
   يقول  أنس رضي الله عنه خادمه في حديث يطول ذكره "كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن النبي ÷ قال :فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنـزل جبريل _ - وفي رواية ومعه ميكائيل- ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم... الحديث.
 ففيه أنه رأى آدم وإدريس وعيسى  وموسى وغيرهم _ فى طريقه حتى إنتهى إلى حضرة ربه وحيدا فريدا، وسمع منه صريف الأقلام ودويها وفرض عليه وعلى أمته خمسين ثم الخمسة (البخارى- كتاب الأنبياء).
و كانت هذه الواقعة تثار فتنة وضجة في قلوب الناس حتى أنكروه وارتد من ارتد، لأنهم ما كانوا قد سمعوا بأعجب من هذه فى حياتهم حتى ألحوه بالسؤال وضيقوا عليهم.
وقد جاء في روايات: أنه صلى الله عليه وسلم  خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به صناديد قريش فتعجبوا منه وضحكوا به، وارتد ممن آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال "إن كان قال فقد صدق" فقالوا "أتصدقه على ذلك" قال "إني لأصدقه على أبعد من ذلك"- يعني الوحي- فسمي صديقا.
المعراج بالروح والجسد معا
وهذا من الاختلاف المتداول قديما وحديثا- هل المعراج بالروح فقط أم بالروح والجسد معا- نقول: كل من القائلين قد أخذوا بوجهاتهم وتمسكوا بها، وأما أهل الروح- وهو يشبه قول الفلاسفة بعدم الخرق والالتيام للعالم- أخذوا بحديث عائشة رضي الله عنها ومعاوية والحسن رضي الله عنهم فقالت عائشة رضي الله عنها "ما فقدت جسم رسول الله ÷ ، وقال معاوية والحسن رضي الله عنهما "كانت رؤيا صالحة رآها النبي  ÷".
 ولكن الجماهير من المتقين كابن عباس وأصحابه تمسكوا بالقول الثاني حيث قال تبارك وتعالى "ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى" ( النجم)، وأيضا نقول إن حديث عائشة رضي الله عنها وصاحبيها يرجح قولنا بوجود الجسد حيث قالت "ما فقدت جسمه فقط بل فقدت جسمه مع روحه" والرأي وهو الرأي بالعين الباصرة صريحا لا الرأي في المنام كما توهم بعض،
وأيضا أن الرأي في المنام ليس بمستنكر لأن الإنسان يرى في المنام ما لا يراه الآخر ولا ينكره أحد في قوله إني رأيت في المنام كذا وسرت في مكان كذا، ولا ينسبه إلى الجهل والتهور.
كيف المعراج؟
قوة البشر: إن هذه الأجسام البشرية في الدنيا تنظمها أرواحها، وكل جسم يربى فيها جسم آخر على مثاله، لو رآني أثيري أي من مادة أثيرية وهذا الجسم الأثيري البرزخي منطبق تمام الانطباق على هذا الجسم المادي، وإن الإنسان إذا جرد من هذا الجسم سواء كان التجرد بالموت أم بالرياضة أم بأعمال آخر صناعية عندهم يرى أنه في جسمه كأنه هو، وكأنه لم يكن هناك فرق بين الجسمين، ولا غرابة في إلحاق الاسراء لأحد منهما.
فأما الجسم المادي فإن حركات الأفلاك أظهرت عجبا في سرعة سيرها، والمطلع على سير الضوء يرى عجبا عجابا.
 وهكذا إذا قلنا إنهما بالجسد البرزخي الأثيري- المكتب من عالم المثال- فلا بدع في ذلك فتسير في أقل من لمح البصر كلمع البرق إلى أقصر العالم ويرجع وقد وعى ما لا يتناهي من الحوادث، وهذا قوة الإنسان فيكون ذلك من الله وهو على كل شيء قدير، ونعرض منها عما وقع لبعض أهل العصر من المزايفات الباطلة تعطل الإعجاز وتشرحه بوجه لا يليق بالحال.
 المعراج: عروج من السفلية إلى العلوية
  حسنه وجماله: نرى النبي ÷  أرسله الله لأمته فقال لهم:  أتيت بالبراق ووصفه بأنه دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، حافره عند منتهى طرفه فركبه وأتى إلى  البيت المقدس، ثم اخترق السماوات العلى ووصل إلى السدرة المنتهى فوصف أوراقها وأشجارها، وأنها غشيها من أمرالله ما غشيها وأنها تغيرت بحيث لا يستطيع أحد أن يصفها.
وهناك أوحى الله له فرض الصلاة الخمس، أن هذه القصة تدعو المسلمين أن يخترقوا عجب هذا العالم بالتعليم ويرتقوا، وليس هذه مجرد حكاية وشبه قصة، بل في بيانه روح التغير والإقتداء في علو الهمة واختراق الآفاق سياحة وعلما، فهو تعليم وتوصيف وتبيان.
  نبينا قد اخترق السماوات العلى ولاقى إلهه، وما لكم- أيها المسلمون أمة الإجابة أعرضتم عن مثل هذه المكتشفات وتركتموها وراء ظهوركم حيث اخترتم السفلية بدل العلوية ، الله أكبر أنتم أهملتم العلم وشغلتم بأعراض الدنيا وأخذتم القشور بدل الحبوب والثمور.
المعراج سياحة عقل وروح
قال تبارك وتعالى "قل سيروا في الأرض فانظروا" لأن السير بلا عقل فنظر لا يفيد مع أن سياحة الجسم مقدمة على سياحة العقل، فالنبي ÷  لم يزل في السياحة – ساح من المكة ثم عرج به إلى السماء –نظرا ولا فكرا بل تفكر واعتبر، وكلما رأى ÷ العجائب من تنوع الثواب والفهم والعذاب والنقم.
سأل عن ذلك وأنه رأى من يدخش ويصيح ويصرخ، وفهم شرالغيبة وقبحها، وتفكر فيمن يفحش ويسير بالنميمة، وهذا فؤاد السياحة  وروح الفطرة السليمة، فسياحة الإنسان لا بد ان يعتني فيها محاسنها وينفي مزالقها.
 ولو أن امرءا ساح في الأرض ورفع في السماء وساح في أقطارها بلا عقل ولا فكر لكان ذلك أشبه بأضغاث الأحلام، إذن الإسراء والمعراج قد وقعا لإيقاظ النفوس وإحياء عقولهم وخيالهم وتعقلهم وذاكرتهم لأن المقصود بالسياحات التعقل والتفهم.
الصلاة معراج المسلم وسياحة
 إلى ربه تعالى
كما فهمنا من قبل بأن الله تبارك وتعالى قد فرض عليه ÷ خمس صلوات في تلك الليلة المباركة وأتحفها تحفة مباركة مرضية يعرج بها العبد طوال حياته إلى مرضاة خالقه، فأما إذا صلوا ولم يعرجوا أي لم يدرسوا ولم يفكروا فيها يكونون محكوما عليهم بالهلاك، ذلك لأن المسلم إذا صلى ووقف عند ألفاظ الصلاة أو فهم معناها واستحضره لكنه لم يعمل بمقتضاه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الإسراء والتعقل في أثناء  الإسراء فإنه يكون مغرورا المتر بمجرد الصلاة وأقام قواه العقلية ولم يفتح بصيرته لما حوله من الحقائق الكونية والدقائق الإلهية حيث يقول جل شأنه "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يرائون ويمنعون الماعون".
 فالصلاة معراج العبد ينـزل فيها بشراشره ويرتقي إلى رحاب بارئه شيءا فشيءا وهو يعلم أنه ليس مقدوره أن يحضر أمام الله تعالى بجسمه بل يسافر إليه بعقله وروحه ولا يخاطبه خطاب القريب الداني ويقول: "إياك نعبد وإياك نستعين".
والمسلم مهما نسي هذا المعراج الروحي لا يتم عنده المعراج الحقيقي لأنهما متعلقان متشابكان بحيث لا يقبلان التجرد، ولكن من الأسف أن الأمم المتأخرة فإنها تسمع بالإسراء والمعراج كما تعرف بدنها وجسمها وعقلها، وقد صارتا متداولتين فيما بينهم فلم يبق تعجب منهما وتذكر بهما كما نسي الناس نفوسهم وعقولهم مع أنهما درسان عمليان والصلاة هي كتاب دينك الدرسين.
ولله در الإمام البوصوري رحمه الله حيث  يسير إلى هذه الحقيقة الفذة التي لم توجد لأحد غيره صلى الله عليه وسلم ولن ي  يقوله:
سريت من حرم ليلا إلى حرم     
     كما سرى البدر في دلج من  الظلم
وسرت ترقي إلى أن نلت منـزلة      
              عن قاب قوسين لم تدرك ولم تهم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة