أحدث المشاركات

الثلاثاء، 3 مايو 2016

الهند: عملاق الحاضر وغول المستقبل!

بنهاية الحرب الباردة مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي، ظهرت على ساحة التوازنات الدولية قوى جلبت اهتمام المتابعين باعتبار أنها ستشكل لا محالة، أقطاب الوجه المتوقع لعالم المستقبل على الأمد المنظور، خصوصاً مع تأكد عدم تمكن عالم القطب الواحد الذي شكلته الولايات المتحدة من أن يعمر طويلاً مهيمناً على العلاقات الدولية ، على الرغم من تكفل جهات كثيرة بنفي ذلك ، إلاّ أن ما يقع حالياً في العراق في رأي خبراء الإستراتيجيا هو أكبر دليل على أن أمريكا لا يمكنها أن تستمر في قيادة العالم ، بدليل أنها تعلن صراحة حاجتها إلى المساعدة لأجل الخروج من ورطتها العسكرية التي وضعت كل ثقلها السياسي و الاقتصادي على المحك.

و بما أن العالم متجه بالتالي إلى إعادة توزّع جديد للقوى، فإن من بين أهم النقاط المرشحة لتشكيل أقطاب الغد، تقف شبه القارة الهندية ذات الموارد البشرية، الاقتصادية، العسكرية و من ثمة السياسية الهائلة، في المقدمة.
في هذا الإطار، خصصت فصلية (واشنطن كوارترلي) التي يصدرها مركز الدراسات الإستراتيجية و الدولية بالعاصمة الأمريكية (CSIS) و هو واحد من أبرز مراكز البحث و الفكر في السنوات الأخيرة، خصصت عددها لفصل الصيف الجاري لدراسة الحالة الهندية حيث كتب في هذا الإطار باحثون مرموقون و متخصصون في الموضوع من جوانبه السياسية و الاقتصادية و الاستشرافية أيضاً.
قبل الخوض في استعراض البحوث التي أوردتها الفصلية، سيكون من المفيد بداية أن نعرف بأن الهند التي تحتل في الوضع الاقتصادي الحالي المرتبة الثانية عشرة عالمياً إلاّ أنها وفقاً للدراسات المتخصصة، سوف تقفز بحلول العام 2050، إلى المرتبة الثالثة وراء كل من الصين و الولايات المتحدة الأمريكية بناتج وطني خام يضاهي رقم الثلاثين تريليون دولار (التريليون يساوي ألف مليار) ثم إنها و علاوة على ذلك، ستكون في وضع أريح؛ لأنه إذا كان كل عشر عمال صينيين وقتذاك ملزمين بتأمين حاجيات (5.2) أشخاص مسنين (أكثر من 65 سنة) فإن نفس عدد العمال الهنود لن يكونوا مطالبين إلاّ بتسديد تقاعد (2.7) مسن هندي، بمعنى أن الأمة الهندية بحلول العام 2050 سوف تكون أكثر فتوة من الصين بنحو 50% .

ميزان المصالح و القيم!
الدراسة الأولى في هذا الملف الخاص و التي جاءت تحت هذا العنوان، كتبها البروفيسور راجا موهان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سنغافورة، تحدث فيها عن أهمية الهند بصفتها أكبر ديموقراطية في العالم ، فهي تنظم أكبر انتخابات نيابية منذ عقود طويلة إلاّ أنها مع ذلك، برأي هذا الباحث، لم تستغل ذلك في نشر الديموقراطية عبر العالم، بمعنى أنها لم تجعل هذه الميزة محور تحرك توليه سياستها الخارجية اهتماماً خاصاً على عكس ما تزعمه الولايات المتحدة مثلاً ، على الرغم من أن هذه الأخيرة و تحت وقع إخفاقاتها المتوالية في السنوات الأخيرة، بدأت التخلي عن هذا الشعار الذي تدثرت به منذ أيام الحرب الباردة.

و لأجل تسويغ عدم حرص الحكومات الهندية المتعاقبة طيلة العقود الأخيرة على نشر الديموقراطية فإن البروفيسور موهان يعتقد أن السبب في ذلك مرده إلى الموقع الحرج الذي تحتله الهند؛ فهي من ناحية الغرب تقف مباشرة في مواجهة جمهورية باكستان التي يقول إنها: "ظلت تتمتع بالدعم الأمريكي ضد السوفييت"، و أما من الشرق، فالهند تطل على العملاق الشرقي، جمهورية الصين الشعبية التي يُحكِم الحزب الشيوعي فيها سيطرته على كل صغيرة و كبيرة هناك منذ انتصار ثورة ماو تسي تونغ في أكتوبر 1949.
و بعد فترة وصفتها الدراسة بالمترددة إبان عهدتي الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، كان الرئيس الحالي بوش أكثر استعداداً و اهتماماً بالهند. يقول الباحث إن أحد مستشاري جورج ووكر بوش أخبره أنه حينما سأل هذا الأخير في العام 1999، عن سر اهتمامه و ولعه بالهند، أجابه بوش بالقول: "ألا تجد أن ملياراً من البشر الذين يحيون تحت ظل نظام ديموقراطي فعّال، هو أمر مثير للاهتمام"؟ و طبيعي هنا أنه و منذ 11/ 9 / 2001 أصبحت الهند جزءاً مهماً من الواقع العالمي الجديد بفعل "الحرب على الإرهاب" بدليل أن بوش نفسه عبر خلال زيارته إلى نيودلهي عن دعمه المطلق لأن تحوز الهند السلاح النووي لأنها: "دولة ديموقراطية".

هل ستتمكن الهند من تبوّأ المكانة اللائقة بها؟
الإجابة عن هذا التساؤل هي فحوى الدراسة الثانية من هذا الملف الخاص، للدكتورة كسينيا دورماندي، مديرة مركز (بلفر) للعلوم و الشؤون الدولية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة و التي كانت قد شغلت سابقاً منصب نائب رئيس قسم شؤون جنوب آسيا لدى مجلس الأمن القومي الأمريكي .

تقول الدكتورة دورماندي: "لقد بات من الواضح حالياً أن أمريكا لم تعد قادرة على تولي الإشراف على كل القضايا الدولية من الأمن إلى محاربة الإرهاب، مروراً بشؤون الطاقة و التنمية الاقتصادية و حظر انتشار الأسلحة النووية. في مقابل ذلك فإن ما تلا هجمات 11 سبتمبر أظهر أن كلاً من اليابان و الاتحاد الأوروبي ليسا قادرين على لعب أدوار مهمة بالنظر إلى انشغال كل منهما بالشؤون الداخلية لديه" ثم تواصل، أن الهند ظلت تعتبر الولايات المتحدة سابقاً بمثابة حليف طبيعي لباكستان على الرغم من انقلاب الموازين بانتهاء الحرب الباردة، واستشهدت في ذلك بأن الهند رفضت قبول المساعدات الدولية خلال كارثة تسونامي المحيط الهندي أواخر العام 2004 بل و حتى أثناء الزلزال الذي ضرب باكستان في خريف العام الموالي و الذي أحدث أضراراً طالت مناطق شاسعة من الهند أيضاً بالنظر إلى شدة تلك الهزة.

وتصل الباحثة إلى نتيجة ملخصها أن الهند باعتبارها: "أمة قريبة من الولايات المتحدة و قيمها الديموقراطية" فهي بالتالي: "... مؤهلة إلى أن تكون حليفاً بالغ الأهمية في هذا الجزء من العالم ، بل و عبر الكوكب برمته ، بالعودة إلى ثقلها البشري و الاقتصادي و من ثمة، السياسي و العسكري" و هذا معناه أن الولايات المتحدة في نظر هذه الدراسة، ملزمة بالاقتراب أكثر من الهند حتى تشكل هذه الأخيرة ما يمكننا وصفه "خط المواجهة الأول" في مقابل الصين العصية عن الترويض و التي تسجل وحدها معدلات نمو أذهلت كل خبراء الاقتصاد و التنمية في العالم .
بين التنين و الفيل: العلاقات الهندية الصينية خلال القرن الحادي و العشرين
و كما هو ملاحظ، يخلص الملف بعد هذا إلى دراسة و استشراف واقع و مستقبل العلاقة بين العملاقين الآسيويين، وقد تكفل بهذا الشق من الموضوع البروفيسور جينغ دونغ يوان، المتخصص في دراسات برنامج حظر الانتشار النووي ، و أستاذ السياسة في قسم الدراسات الدولية بجامعة مونتيري بالولايات المتحدة.

ينطلق هذا الباحث من تلك الزيارة التي قادت الرئيس الصيني 'هو جينتاو' إلى نيودلهي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، و هي الزيارة التي اعتبرها الباحث فاصلاً وضع حداً لأزيد من عشر سنوات من الجفاء و رتابة العلاقة بين هذه العاصمة و بكين؛ إذ إنها شهدت التوقيع على أكثر من عشر اتفاقات مهمة تراوحت بين التنمية و الاستثمار، وصولاً إلى التعاون الثقافي و التربوي و تبادل الخبرات، مما قد يسمح برفع سقف التعامل بين الدولتين إلى حدود الأربعين مليار دولار بحلول العام 2010 ، على الرغم من أن هذه الزيارة على رأي الباحث أيضاً، فضلت عدم الخوض في المسائل الخلافية ، بحيث إنها لم تتمكن من إيجاد حل دائم لبعض المشكلات الحدودية بين الدولتين بشكل 
ما زال يسمم العلاقة بينهما.

و من ناحية أخرى أيضاً، يضيف الباحث يوان، فإن الصين حالياً هي بصدد دفع فاتورة حرص الولايات المتحدة على جعل الهند "ثقلاً موازناً" فالأزمة بين الدولتين شهدت أسوأ فتراتها خلال عقد التسعينيات ، خصوصاً أثناء قيام طائرات حلف شمال الأطلسي بقصف مقر السفارة الصينية في بلغراد أثناء حرب البلقان ، بموازاة أزمة التجارب النووية التي ابتدأتها نيودلهي في العام 1998 و هي التجارب التي اعتبرتها بكين تهديداً مباشراً لها ، وصولاً إلى ذلك "الاتفاق النووي" الذي أبرمته الهند مع الولايات المتحدة خلال زيارة الرئيس بوش إلى نيودلهي في آذار/مارس 2006.

العلاقات الهندية الإيرانية: جوهر المسألة!!

أما في الشطر الأخير من الملف، فلقد جرى طرح الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للأمريكيين و هو ذلك المتعلق بالعلاقات بين نيودلهي الحليفة لواشنطن، و طهران التي لما تزل ركناً ركيناً من محور الشر في التصنيف الأميركي منذ ذلك الخطاب الشهير عن حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس بوش أوائل العام 2002.

في هذا الصدد، كتبت كريستين فير الباحثة المشاركة في مركز التحليل و الوقاية من الأزمات في معهد الولايات المتحدة لبحوث السلام بالعاصمة واشنطن، تقول: "منذ نهاية الحرب الباردة، أظهرت نيودلهي أنها تطور علاقة بطيئة و لكنها جدية مع طهران مبنية على الطاقة، التعاون التجاري، البنية التحتية ، وصولاً إلى التعاون في المعطيات الاستخباراتية بالنظر إلى الموقع الذي تحتله إيران باعتبارها طريقاً نحو وسط آسيا ، التي هي منطقة ترغب الهند في تطوير العلاقة معها".
من هنا، تفسر الباحثة فير الأمر على اعتبار أن الأمريكيين يرون في ذلك حاجة هندية ملحة إلى الطاقة التي يضمنها النفط الإيراني الوفير، مما حدا بالولايات المتحدة إلى توقيع الاتفاق النووي مع نيودلهي لأجل خفض هذه الحاجة و تعويض النقص ، و بالتالي، الاعتماد الهندي على الإيرانيين، و ذلك محاولة من واشنطن أن تحتوي الوضع خصوصاً منذ أعلن وزير خارجية الهند 'ناتوار سينغ' في العام 2005، رفض بلاده أن يتم نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن ، و هو الموقف الذي سرعان ما انهار عندما صوتت نيودلهي ضد إيران و لمرتين متواليتين في مبنى وكالة الطاقة الذرية بالعاصمة النمساوية فيينا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة