أحدث المشاركات

الاثنين، 27 مارس 2017

حديثُ النهضةِ والإصلاح؛ بيْنَ القِراءةِ الصحيحَةِ والفَهمِ الْمَغْلُوطِ/ بقلم: د. عبد النصير أحمد الشافعي المليباري أستاذ بجامعة الإمام الشافعي شي آنجور/ إندونيسا



يَحْلو للجميع في بلدنا –وكذلك الحال في سائر بلاد المسلمين في الحقيقة - أن يتحدث عن التجديد بعد البِلاء، والإصلاح بعد الفساد، والنهضة بعد الرقاد، بل الكلُّ يَطمعُ في أن يَنسبوا تحقيقَ النهضةِ إلى أنفسهم، غير أن الدعوى لا ينبغي أن تُطابق الواقعَ في كل حال. فصار لزاما تحديدُ مفهومِ النهضةِ والإصلاحِ، مع الإشارة إلى شيء مما يتعلق بالإسلام وتاريخه في بلادنا، فبالتالي يتبين الصادقُ في هذه الدعوى مِن الكاذب.
ولا يخفى أن الإسلام دين الله وشـريعتُه، كلَّفَ اللهُ به العقلاءَ من الناس والجان، فيه رعايةٌ لمصالحهم في المعاش والمعاد، غير أن المصلحة الحقيقية المطلقة هي المصلحة الأخروية، فمن هنا كانت قاعدة تقديم مصلحة الآخرة في حالة ما إذا عارضتها مصلحة الدنيا. والدنيا في منظور الإسلام ليست إلا مطية وطريقا إلى الدار الآخرة، فقيمتها قيمة الوسيلة إلى الغاية العظمى التي هي السعادة الأخروية الأبدية، فكل مصلحة دنيوية تُحقِّق للإنسان مصلحتَه الأخروية فالله أمرنا بها، وكل ما يتوهمه الإنسانُ مصلحةً في الدنيا، ولكنه عند الخالق عز وجل ليس كذلك فقد نهانا عنه وحذَّرَنا منه (عسى أن تحبوا شيئا فهو شر لكم).
ثم إن هذا الدين وإن كان بوضع الإله بكماله، إلا أن من يمارسه هو الإنسان بنقصه وضعفه، فطبيعيٌّ أن يعتريَ هذا الدين ما يعتريه من الضعف والخفاء، ويتعرض معالمُه للاندراس، فبالتالي فهو بحاجة إلى جهود من المخلصين لإحياء معالمه وإصلاح ما فسد من أمره كلما يتعاقب الزمن. وهذا الإصلاح والتجديد ليس إلا مظهرا من مظاهر العناية الإلهية له؛ لأنه هو المتكفل بحفظه، ولم يفوض أمره إلى أحد، على خلاف غيره من الأديان المنسوخة؛ حيث أصابها تحريف وتبديل وتغيير، أما هذه الشريعة الخالدة فهي مصونة عن أن تطاولها يد العبث والتحريف؛ (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وبالنسبة لبلاد الهند ومليبار فمعروف أن الإسلام بلغها منذ العهد النبوي المبارك، وانتشـر في أرجائها، واعتنقه أهلها أفواجا، حتى قامت له دولة في ربوعها قرونا عدة، وقد تضافرت على خدمته جهود العلماء والحكام والوجهاء والتجار وغيرهم، وقد تركوا ما يدل على هذه النهضة العظيمة من الآثار والمآثر. ومظاهر هذه النهضة متعددة ومتنوعة، غير أن أهمها بناء المساجد ودور العبادة، وتشييد المدارس وحلقات العلم: العلم الشرعي، من العقيدة والفقه والتصوف وفنون اللغة العربية، وهذه هي التي تضمن للمجتمع الإسلامي بقيةَ المصالح الدنيوية والأخروية.
فكانت النهضة الحقيقية في أزهر أيام الإسلام متمثلة في إحياء الحركة العلمية الشرعية، دراسة وتدريسا وتصنيفا. ومن هنا تكاتفت على ذلك جهود أذكياء أهل العلم، ولم يلتفتوا إلى تطوير علوم الكون إلا بقدر الضرورة والحاجة الملحة، ولم يكونوا يرون أن الانشغال بعمارة الكون، والتفنن في أدوات المعيشة، والتبسط في الحياة، معرضين عن مصالح الآخرة هو التجديد والنهضة.
فكان في مقدمة هؤلاء المجددين والمصلحين في الهند الصوفية، مثل: الهجويري والجشتي والسرهندي، والفقهاء والمتكلمين، مثل: الشيخ زين الدين والشاه ولي الله والمحب البهاري والمحقق السيالكوتي والشيخ أحمد رضا خان البريلوي والشيخ رحمة الله الكيرانوي والشيخ عبد الوهاب الويلوري، والعلامة الشالياتي وشمس العلماء الشيخ محمد بن أحمد القطبي وغيرهم ممن ساروا على نهجهم. وكان الحكام عونا للعلماء في كثير من أدوار التاريخ أيضا، مثل السلطان محمود الغزنوي: فاتح الهند، والسلطان العادل أورنكزيب وملوك حيدراباد وآركات وغيرهم، رحم الله الجميع، فقد اهتدى المجتمع الإسلامي بهديهم، واسترشد برشدهم، ونال السعادة في ظل متابعتهم.
وهذا الخط والمنهج هو الذي كان سائدا في أرض «مليبار» أيضا إلى زمن طُغْيان الغزو الفكري الذي شَنَّه الإنجليزُ، ووقوعِ بعضِ النفوس المريضة فريسةً لهفواتهم وشبهاتهم، فتَوهمَ أناسٌ مغرورون أن النهضة تَعنِياختلاطَ الجنسين في الأسواق والدروس، والرقصَ والمُجونَ، ونبذ الشروح والمُتون، وخلع الحجاب والسفور، وإباحة الملاهي والخمور، وتشييد المباني والجسور، والانخلاع من الجذور. وتَشَوَّفوا إلى ظهور من يُمـاثِل المصلحَ الديني الأوربي: مارتِنْ لوثر، ولم يعلم المساكين الفرقَ بين النصرانية المحرفة والإسلام الذي لن يجد عبثُ العابثين إليه سبيلا !
فأسسوا على هذا المنوال مَعاهِدَ راقية، ومؤسساتٍ تعلميةً فخمةً، والإنجليزُ مِن وراءهم كانوا –ولازالوا - يدعمون، والصهاينة يخططون، حتى تهيأت الظروف التعليمية لتخريج أناسٍ لا يعرفون لسلف الأمة احتراما ولا توقيرا، ولا يدرون من معنى الهوية والشخصية الإسلامية نقيرا ولا قطميرا. ظنوا أن ما هم عليه من الفساد هو الإصلاح والتجديد، وأن مشايخ الإسلام ومنهجهم التقليدي سبب لتخلف المسلمين وفشلهم! وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا: نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون !

وهذه قصة ذَيلُها طويلٌ عريضٌ، لا يتسع لِبَسْطِها المَقامُ، وقد تصدى الفقيرُ لرد هذه الهفوات وتلك الشبهات في غير ما له من الأعمال، بل جل ما للفقير من الجهود –بفضل الله تعالى–منصرفة إلى إعلاء منار أهل السنة، وتسفيه أحلام الطائشين من أهل البدعة ،فقد تَوسَّع حديثي عن هؤلاء المرجفين في صفحاتٍ ناطقة بلغة الضاد تُعد بالألوف، مطبوعة منتشرة في طول الديار العربية وعرضها، مثل: «نشأة المذهب الأشعري وتطوره في الهند»، و«تراجم علماء الشافعية في الديار الهندية»، وما كتبته في مقدمات كتب عدة، مثل: «عقد الجيد» للشاه ولي الله، و«تحفة المجاهدين» للشيخ زين الدين وغير ذلك. ومن رام تحقيق معنى النهضة ومن الذي قام به في الديار الهندية والمليبارية فلْيُمعِن النظرَ في تلك المؤلفات النافعة بإذن الله، ولْيُعرِض عن كُتيبات الإصلاحيين واللامذهبيين المليئةِ بالسخف وتزوير التاريخ. فعند ذلك يعلم جليا أن هذه النهضة التي رسمها الإسلام لم ولن يتحق إلا على أيدي أهل السنة والجماعة، وما يفعله دعاة الاستنارة والإصلاح من هنا وهناك حين ينسبون فضل التجديد والإصلاح إلى أنفسهم ليس إلا فنا من فنون التسويق، وبوقا من أبواق الدعاية،لبضاعة كاسدة لا تجد رواجا بين أهل البصر والبصيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة