أحدث المشاركات

الثلاثاء، 31 يناير 2017

بين أبي العلاء المعري وطه حسين.


بقلم: د. عبد الرحمن الفيضي
التمهيد
هذه المقالة محاولة متواضعة لدراسة مقارنة بين علمين من أعلام الأدب العربي، عاش أحدهما في العصر العباسي والآخر في القرن العشرين، وكان كلاهما مكفوفا تفوق على أمثاله بحدة الذكاء ونفاذ البصيرة وغزارة العلم وفصاحة اللسان، وكان بينهما تشابه عجيب في عدة أمور، وكان آخرهما معجبا بالأول أشد الإعجاب ومتأثرا به أشد التأثر، الأول هو أبو العلاء المعري المعروف بشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، والثاني هو الدكتور طه حسين الملقب بعميد الأدب العربي والذي يعرف أيضا بمعري القرن العشرين. والهدف من هذا البحث هو التعرف على أوجه التشابه في شخصية وأفكار كل من أبي العلاء المعري وطه حسين.
إن طه حسين قد استوعب شخصية المعري وبيئته وحياته وأدبه وتشاؤمه في رسالته الأكاديمية "ذكرى أبي العلاء"، وهي رسالته الأولى للدكتوراه، قدمها إلى الجامعة المصرية عام 1914، كما عرض شعر المعري في اللزوميات، وسَقْط الزند، والدرعيات وكتاباته الفكرية معتبرا إياه أحب شخصية أدبية فكرية إليه. وفي هذا يقول: ولم يذكر الفتى كم مرة قرأ شعر أبي العلاء ونثره مع صديقه ذاك. ولكنه عرف أنه قرأه مرات كثيرة، وتأثر به أعمق الأثر، وآمن به أشد الإيمان. واستيقن أن حياة أبي العلاء تلك هي الحياة التي يجب عليه أن يحياها ما استطاع إليه سبيلا".[1]
ويحكي طه حسين نفسه قصة إعجابه بالمعري وولعه بالبحث والدراسة عنه حيث يقول: ثم عرض لي أن أدرس حياة أبي العلاء، ذلك الذي أبغضته ونفرت منه، ولست أدري لم حبب إلي البحث عن هذا الرجل؟ ولم كلفت به الكلف كله؟ ومع أن كتبه قد ضاع أكثرها، فقد خيل إلي أني أستطيع أن أجد فيما بقي منها ما يشفي الغليل. وقد سمعت الناس يتحدثون عن اللزوميات فلا يتفقون فيها على رأي. وسمعتهم يصفون أبا العلاء بالإسلام مرة وبالكفر مرة. ورأيت الفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة. فترجموا لزومياته شعرا إلى الألمانية، وترجموا رسالة الغفران وغيرها من رسائله إلى الإنجليزية، وتخيروا من اللزوميات والرسائل مختارات نقلوها إلى الفرنسية. وأكثروا من القول في فلسفته ونبوغه.
ورأيت بيني وبين الرجل تشابها في هذه الآفة المحتومة. لحقت كلينا في أول صباه، فأثرت في حياته أثرا غير قليل. كل ذلك أغراني بدرس أبي العلاء. وأنا أحمد هذا الإغراء وأغتبط به. فقد انتهى بي إلى نتيجة طريفة. وما كنت أنتظر ولا كان ينتظر الناس أن يصل إليها باحث. هذه النتيجة هي فهم فلسفة أبي العلاء وردها إلى مصادرها ردا مجملا، ثم فهم الروح الأدبي لهذا الحكيم."[2] 
أوجه التشابه بين المعري وطه حسين
1) آفة فقد البصر
في السنة الرابعة من حياة أبي العلاء، رمته الأيام بأول ما خبأت له من كبار المصائب وعظام الأحداث. رمته بالجدري فمازال يضنيه ويعنيه ويلح عليه حتى ذهب بيسرى عينيه جملة، وغشى يمناهما بالبياض، ثم لم يكن إلا قليل حتى فقد ما بقي فيها من قوة الإبصار[3].
وطه حسين أيضا أصيب بالرمد في السن الرابعة من عمره مما أدى إلى فقد بصره. وكان لهذه الآفة المحتومة تأثيرها على كل من المعري وطه حسين حيث عد الأول فقد البصر واحدا من السجون الثلاثة التي كان يعد نفسه محبوسا فيها حيث قال:
أراني في الثلاثة من سجوني                      فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي             وكون النفس في الجسم الخبيث
فمجرد أن كليهما ضحية علة واجدة قد جعل الفرق بين طه حسين وكثير ممن شرحوا ودرسوا المعري كالفرق بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة[4].
2) التضلع من الثقافات والفلسفات
اندفع المعري إلى طلب المعرفة، فسافر إلى حلب وأنطاكية واللاذقية وبغداد رغم كونه منطويا، وسافر طه حسين إلى الأزهر والجامعة المصرية في القاهرة، وإلى مونبليه وباريس والبلدان العربية والأوروبية الأخرى طلبا للعلم والمعرفة.
وبذل طه حسين كل ما في وسعه من جهد لتشخيص فلسفة أبي العلاء والتعريف بها وكشف الغبار عنها. وقد كتب في كتابه "تجديد ذكرى أبي العلاء" أن ما يتصل بالدين، من شعر أبي العلاء، ليس شيئا بالقياس إلى الفلسفة العلائية، التي تناولت أطراف العلم الإنساني، وبحثت عن المظاهر العلمية للإنسان في حياته الخاصة والعامة. ولو أن فلسفة أبي العلاء عرفت للناس كما هي ودرست في مدارسهم درسا مفصلا، لكان للرجل في آرائهم حال غير هذه الحال."[5] واستطرد قائلا: لعلنا أول من استطاع أن يفصل الفلسفة العلائية تفصيلا يظهر الناس على أسرارها ودقائقها، وينزلها من عقولهم منزلة الشيئ الواضح المفهوم. لعلنا أول من ظفر بذلك، ونحن نرى هذا الظفر نجحا عظيما، وفوزا مبينا"[6]
3) تأثير المؤثرات الخارجية في تكوين الشخصية
يقول طه حسين: جعلت درس أبي العلاء درسا لعصره، واستنبطت حياته مما أحاط به من المؤثرات. ولم أعتمد على هذه المؤثرات الأجنبية وحدها. بل اتخذت شخصية أبي العلاء مصدرا من مصادر البحث، بعد أن وصلت إلى تعيينها وتحقيقها."[7] ثم يؤكد أن أبا العلاء "أنفق حياته نهب المصائب والآلام، وأن الحياة العامة في عصره كانت سيئة رديئة، من الوجهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخلقية والدينية أيضا، وأنه كان ذكيا، صادق الفطنة، قوي الحس، دقيق الملاحظة. فإذا اجتمعت تلك الأسباب كلها أنتجت من غير شك رجلا يحب أن يدرس الأشياء، ويتعرف عللها ونتائجها، ويتقي شرها ما استطاع، وهذه هي حال أبي العلاء."[8] أليست هذه هي حال طه حسين أيضا؟ أليست هذه الكلمات كأنها تشير إلى أن طه حسين يتحدث عن نفسه أيضا في ثوب المعري على نحوما كما ذكرنا آنفا.
4) التشاؤم
قد اعترف طه حسين أن أبا العلاء المعري ملأ نفسه ضيقا بالحياة وبغضا لها، وهو في هذا يشعر بتشاؤم أبي العلاء، لأن ذكرى أبي العلاء لم تفارقه في لحظة من لحظات اليقظة، إلا أن يشغل عنها بالاستماع إلى الدرس أو إلى القراءة. وباختصار كان المعري مثله الأعلى.
إن طه حسين تأثر بأبي العلاء المعري وشكه وتشاؤمه في شعره، حيث يقول عن شك أبي العلاء: كان ينكر الناس وينكر الأشياء. وكان كثيراما ينكر نفسه ويشك في وجوده".
 وكثيراً ما اعترى طه حسين شعور سلبي في مراحل حياته، كان من أسبابه الرئيسةِ دَرسُه لأبي العلاء، فهو يحدثنـا مثلاً عن عودته من فرنسا في إحدى رحلاته الدراسية إليها، بعد أن طلبت الجامعة في مصر إليه ذلك بسبب الحرب، وكيف قضى في القاهرة أياماً طوالاً ثقالاً لشعوره بالصدمة القاسية التي أسلمته إليها العودة، وبأنه - وقد تجاوز العشرين من عمره - لا يزال عيالاً على والده وأسرته الكبيرة الفقيرة، ويقول طه حسين أنه في تلك الأيام أبغضَ نفسَه، ومَلَّ حياته، وزادَهُ درسُه لأبي العلاء بُغضاً لنفسه، وتبرُّماً بحياته، وإغراقاً في التشاؤم المظلم الذي لا قرار له، ورأى نفسَه ذات يومٍ وقد انتهى به التشاؤم والضيقُ إلى حيث ندم على ما فرَّط في جنب الأزهر وشيوخه.
كان يذكر دائماً قولَ أبي العلاء في آخر كتاب من كتبه أنه رجل مستطيعٌ بغيره، وكان يرَى نفسَه مستطيعاً بغيره دائماً، ويحتمل في سبيل ذلك من غيره هذا الذي يتيح له الاستطاعةَ ألواناً من المشقة وفنوناً من الأذى بدون أن ينكر منها شيئاً.
حتى إذا ما طرَأ على قلبه الشعورُ بالحُبّ، أخفاه في أقصى أعماق ضميره، وكَرِهَ أن يتحدَّثَ به إلى نفسه، مُستَيقِناً أنه لم يُخلَق لمثل هذا الشعور، وأن مثل هذا الشعور لم يُخلَق له، وأين هو من الحب ؟ وأين الحب منه ؟ .
ورأَى أنه إنما كُتِبَ عليه أن يعيش كما عاشَ مَثَلُهُ الأَعلَى، ذلك الذي وَقَفَ حياتَهُ منذ قرونٍ طِوالٍ في دارٍ من دور المعرَّة على الدرس مُمعِناً فيه، غير مَعنِيٍّ إلا به، مُحرِّماً على نفسه ما أباحَ الله للناسِ من طيباتِ الحياة".
والظاهر أن عالَمَ أبي العلاء المعريِّ الضَّيِّقَ المحدودَ والذي قلما تجاوز منزله، قد كَرَّسَ فيه هذا الشعورَ بالسلبية والتشاؤم والتَّبَرُّم، إلا أن عالَمَ طه حسين قد اتَّسَعَ كثيراً في سفره المتكرر إلى فرنسا وزواجِهِ من الفرنسية ذاتِ الصوت العذب وإنجابه منها، وهو الأمرُ الذي لم يحظَ به أبو العلاء المعري، بل إنه اعتبر الزواجَ والإنجابَ جنايةً جناها عليه والدُهُ ولم يَجنِها هو على أحدٍ إذ لم يتزوج ولم يُنجِب كما طَلَبَ أن يُكتَبَ على شاهِدِ قبره، فكُلُّ ذلك الذي فاتَ أبا العلاء تَكَفَّلَ بِمَحْوِ هذا الشعورِ من نفس طه حسين، فإذا هو يرى الحياةَ بمنظارٍ مختلِفٍ، وإذا هو يَعتبُ على أستاذه المعري الذي صَدَّقَ وَنَمَّى فيه هذا الشعورَ المُحْبِطَ طويلاً، فيقول في لهجة عاتبة هادئة يُسَجِّلُ فيها - ربما - نهايةَ علاقته بالمعري : "يرحم اللهُ أبا العلاء .. لقد ملأ نفسَ الفتى ضِيقاً بالحياة وبُغضاً لها، وأيأسه من الخير، وألقى في روعِهِ أن الحياةَ جهد كلّها، ومشقة كلها، وعناء كلها"
وتقول زوجته سوزان في كتابها بأن طه حسين كان يعاني من نوبات كآبة، فعندما تأتي هذه النوبات ينعزل ولا يقابل أحدا، ولا يتكلم ولا يأكل، وكانت زوجته تعرف بحكم معرفتها من بلدها بأن هذا يسمى اكتئابا، لكنها خشيت من طه أن يعالج هذا الاكتئاب حتى  تجرحه، حيث كان شديد الحساسية بسبب إعاقته البصرية، فلم ترد أن تزيد الأمر عليه. كانت تقول بأن نوبات الاكتئاب أو كما كانت تسميها بأنه يسقط في بئر عميق لا يستطيع أحد الوصول إليه- إذا ينعزل العالم، ولا يعود يرغب في أي شيء مهما كان، حتى كان أبناؤه رغم حبه الجارف لهم كان يتجنبهم ويعيش عزلة تامة، منقطعا عن كل ما حوله".
على الرغم من ذلك كان تشاؤم المعري فلسفة شاملة للجياة والإنسان، ولذلك ابتعد عن الزواج ولذات الحياة ونعيمها، بينما كان تشاؤم طه حسين مؤقتا وجزئيا نجم عن ظروف العمى أو الهجوم الذي شن ضده، وفصله من وظيفته، غير أن ذلك لم يمنعه من الزواج والتمتع بالحياة.
5) العبث والسخرية
إن استياء طه حسين من الواقع، وتمرده وسخريته بعقول الناس مصدره إلى حد كبير المعري. فهذه الخصال واضحة في رسالة الغفران وثورة المعري على الواقع وحقائق الإيمان. فكل "من يدرس أدب المعري يعرف أن كتابه "رسالة الغفران" يكاد كله يكون سخرية، فهو يسخر من ابن القارح حين يرد عليه، ويسخر من الجنة والنار، ومن الذين يقفون بأبواب الجنة والنار. كما يسخر من الشعراء، معتبراً الشاعر المسلم عنده أقرب الى الجاهلية من الشاعر الجاهلي. ولهذا فالمعري وجد من السخرية وسيلة للتقرب من الآخرين....وكان المعري من وجهة نظر طه حسين ناقداً، وكان يمزج النقد بالسخرية، وأن هذه السخرية في نقده ظريف، فالسخرية والتردد محبب عند طه حسين، مثلما كان عند المعري."[9]
تسيطر روح العبث والسخرية في وصف المعري لأحوال الناس في الجنة والجحيم، والعبث أكبر مظاهر حساسية العقول. أما يقينه فكان يقينا حسيا من أجل الخلاص من ألمه. وفي كل هذا يمكن فهم العذاب الذي لقيه طه حسين حين يصف حاله في كتابه "الأيام" وكتابه "أديب" كما يصف نفسه كأحد المعذبين "المعذبون في الأرض" حين حكمت المحكمة المصرية عليه بفصله من وظيفته، وتنكّر له أصدقاؤه، فعزل نفسه عن المجتمع كالمعري. كما أن كتابه "جنة الشوك" تعبير عن السخرية والنقد والهجاء عن طريق الحوار والأسئلة والأجوبة بين الطالب وأستاذه.
 6) الشك
يكتب طه حسين عن أبي العلاء: إنما هو مضطرب في أمره أشد الاضطراب، يؤمن مرة فيرجو أو يخاف، وينكر مرة فيدركه اليأس والجزع، ويضطرب بين الإيمان والإنكار في كثير من الأحيان فإذا هو قلق لا يستقر على حال؛ هذا الرجل معذب دائما أشد العذاب، إلا أن يفطر على التهاون والإعراض ... ولم يكن أبو العلاء من هذا التعاون في شيء ... وأشق من ذلك أن الرجل الذي كان قوي الخيال بعيد آماده، كان في الوقت نفسه قوي العقل عميقه، قوي الإرادة عنيفها، فلم يستطع الخيال قط أن يسيطر عليه أو يستأثر به ... وأكبر الظن أنه حين كان يطمئن إلى خلود النفس لم يكن يطمئن إلى ما يزعمه الفلاسفة من تفصيل ما ستلقاه النفس الخالدة من سعادة أو شقاء، كما أنه حين كان يطمئن إلى البعث، لم يكن يطمئن إلى ما سيلقاه الناس بعد البعث من نعيم أو جحيم.[10]
شك المعري ومن بعده طه حسين بالشعر الجاهلي، وذكر المعري كيف انتحل ذلك الشعر. فقد ذكر بيتا شعريا في كتابه "رسالة الغفران" أخذه من ديوان الشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص، وهو:
هي الخمر تكنى الطلاء                    كما الذنب يكنى أبا جعده
واعتبر المعري أن ذلك البيت قد انتحل باسم الشاعر، لأن البيت قد قيل في الإسلام بعدما حرمت الخمر.
7) الإيمان بالله وتحكيم العقل
إن طه حسين يعتبر المعري مؤمنا أشد الإيمان بوجود الله، وهذا الإيمان لم يمنعه أن يشك في كثير من المسائل. ودفاع طه حسين عن المعري هو دفاع عن نفسه أيضا، فهو يتحدث عن إيمانه أيضا بالله تعالى وبوحدانيته.
وقد فصل طه حسين بين الإيمان والعقل، كما عبر عن قوله طبقا لما نقله الكاتب المصري، الجندي،  اعتقد ان الانسان يستطيع ان يكون مؤمنا بضميره حيث يطمئن اليه، ومتأملا أو كافرا بعقله حيث يفكر ويشك وينقد ويستطيع أن يغير(35).
واجه طه حسين صعوبات في عملية التوفيق، وقد شعر بهذه الصعوبات فأشار الى الخصومة بين العلم والدين قائلا: بأن الخصومة بين العلم والدين أساسية جوهرية لا سبيل إلى إتقائها ولا التخلص منها، هي أساسية جوهرية لأن العلم والدين لا يتصلان بملكة واحدة من مَلَكات الإنسان، وإنما يتصل أحدهما بالشعور ويتصل الآخر بالعقل، يتأثر أحدهما بالخيال ويستأثر بالعواطف، ولا يتأثر الآخر بالخيال إلاّ بمقدار، لا يعني بالعاطفة إلاّ من حيث هي موضوع لدرسه وتحليله.
8) الكبرياء والاعتزاز بالنفس
كان المعري معتزا بنفسه، كقوله:
إذا ما قلت نظما أو نظيما                        تتبع سارقوا الألفاظ لفظي
وكان طه حسين معتزا بنفسه أيضا، فخورا بذاته، واثقا من علمه حين يصف حاله في كتابه "الأيام"، وهو ينقد شيوخ الأزهر ويستهتر بعلمهم.
9) الأحكام المطلقة
كان المعري يعطي أحكامه المطلقة، حيث انتزع التقوى والورع من الناس. وكان طه حسين أيضا معروفا بإعطاء أحكام مطلقة في إنكاره أغلبية الشعر الجاهلي. ثم تراجع عن بعض فقراته في الطبعة الثانية من كتابه بعنوان "في الأدب الجاهلي" الصادر عام 1927. ومن الملحوظ أن الشك  بحد ذاته لا يمكن أن يكون برهاناً على إنكار شيء كالشعر الجاهلي مثلاً، لأن الشك يعني عدم قبول شيء إلاّ بعد تحليله وتدقيقه والوقوف على صحته. ولكن طه حسين وصل به شكه إلى الإنكار في كثير من الأمور بدلا من أن يوصله إلى اليقين.
10) التناقض
مبدأ "المقايسة" هو الذي أخذ به طه حسين في معظم نتاجه الفكري والأدبي؛ ففي قضية الشك في الشعر الجاهلي "قايَسَ" طه حسين بين مرحلة البداوة اليونانية، ومرحلة البداوة العربية، فبما أنّ بداوة اليونان الشعرية تجلّت في شعر "هوميروس" وخلفائه، وعليها قامت فلسفة "سقراط" و"أرسطاطاليس" وأدب "اسكولوس" و"سوفكليس"، فإنّ البداوة العربية تجلّت في الشعر الذي سيطر عليه "امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من هؤلاء الذين نبخسهم أقدارهم، ولا نعرف لهم حقهّم". وهم الذين كانوا بشعرهم وراء ما ظهر لاحقا في الحضارة العربية "من الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال". وذلك ما نصّ عليه في كتاب "قادة الفكر".
الشعراء الأوائل عند اليونان والعرب هم الذين وضعوا أولى إمكانات الفكر، وعلى جهودهم قامت فيما بعد إنجازات الأدباء والفلاسفة والمفكرين، ولكنّه في كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي صدر بُعيد كتاب "قادة الفكر" وتضمن حكم مماثلة بين شعراء الجاهلية وشعراء الإغريق، باعتبارهم ممثلين لحقبة البداوة عند الأَمتين العربية والإغريقية، وهنا لا يقوم طه حسين بإنكار قصور شعرهم عن تمثيل المرحلة الجاهلية فحسب، وإنما ينكر ذلك الشعر، وينكر وجود بعض الشعراء، وعلى رأسهم: امرؤ القيس الذي وضعه في "قادة الفكر" على رأس قائمة الشعراء "الذين نبخسهم أقدارهم، ولا نعرف لهم حقهم". يقول "إنّ الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهلياً ليس من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، ولا أكاد أشك في أنّ ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي". ويضيف مقررا النتيجة الآتية التي تعارض ما سبق أن أكده لكنه يحتذي حذو أصحاب الدراسات الشفوية عن الآداب اليونانية "إنّ ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلّف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين". وينتهي إلى القول بيقين أنّ البحث الفني واللغوي يفضي بنا "إلى أنّ الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين، لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنيّة أن يكون لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن".
افتراض التناظر بين المرحلتين البدويتين عند اليونان والعرب أدّى بطه حسين إلى سلسلة من النتائج المتضاربة، وهي وجود شعراء يونان وعرب يمثلون هاتين المرحلتين، وشعرهم هو بذور التطورات الأدبية والفكرية اللاحقة عند كل من الأمتين، وبما أنّ تاريخ الفلسفة الغربية استدرج أنّ بعض التأملات الفلسفية اليونانية وجدت في ملاحم هوميروس- وفيما بعد في أشعار هزيود- فإنّ مقياس التناظر لا بد أن يطّرد، فيكون شعر امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ممثلا لروح المرحلة البدوية في العصر الجاهلي عند العرب، وعليه انبنى الأدب والفكر فيما بعد في القرون اللاحقة. وهذا يبرهن على وجود ذلك الشعر القديم. ولكن هذهِ النتائج اصطدمت بسياق قراءة ثانية، انطلقت هذهِ المرة من منظور الشك الذي استعاره من باحثي الآداب اليونانية والرومانية، فضلاً عن جماعة من المستشرقين الذين سبقوه إلى إثارة موضوع انتحال الشعر الجاهلي. فبما أنّ الأدب مرآة لعصرهِ، حسب المناهج التاريخية والاجتماعية التي أخذ بها طه حسين، وأنّ قراءته للشعر الجاهلي لم تثبت حضورا لروح العصر في ذلك الشعر، فإنه بدل التشكيك بالقراءة ومنطلقاتها; ذهب إلى الشك في وجود الشعر والشعراء. إذن الشكّ في الشعر الجاهلي مشروع لأن ذلك الشكّ طال من قَبلُ أدب اليونان والرومان، فليس "الأمة العربية أول أمة انتحل فيها الشعر انتحالا وحمل على قدمائها كذباً وزورًا، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل، وحمل على القدماء من شعرائها، وانخدع به الناس وآمنوا به، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنّة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها، حتى كان العصر الحديث، وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب والفلسفة أن يردوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا".

11) ازدواجية الشخصية
كان طه حسين مترددا في بعض مواقفه بفعل ثنائيته الثقافية، لذلك كان شكه أحيانا يتجاوز حدود ثقافته الأزهرية بفعل تأثير الفلسفة الوضعية. وهذا التردد هو الذي أدى إلى أن يقول: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم واسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لايكفي لإثبات وجودهما التاريخي ...". (طه حسين: في الشعر الجاهلي، ط1، ص26)
يكتب د. خالد يونس خالد  أن هناك "آراء مختلفة عن نظرية طه حسين النقدية في دراسته للشعر الجاهلي. وهذا الإختلاف يعود الى التردد الذي عاناه طه حسين والمواقف المختلفة له من الأدب بسبب ثنائيته بين الشرق والغرب. وهذه الثنائية كانت بين عقلية الأزهر الإسلامية والعقلية العربية من جهة، والعقلية العلمانية والفكر الفرنسي الأوروبي من جهة أخرى.هذا الى جانب الآراء المتضاربة لطه حسين في الأدب، وتراجعه عن بعضها بعد أن حقق له ما كان يصبو إليه من كتابه "في الشعر الجاهلي".
ويضيف أن هذا التردد عند طه حسين هو التناقض الذي عاناه فيما يتعلق بمشكلة الشعر الجاهلي. حيث أنكر أغلب ذلك الشعر من جهة، وشك بالتوراة والقرآن فيما يتعلق بوجود إبراهيم وإسماعيل من جهة ثانية. وإيمانه الكلي الذي لا ينتابه الشك بصحة القرآن،وإعتباره مرجعية تاريخية للحياة الجاهلية من جهة ثالثة لكن في الوقت نفسه، فإن طه حسين جعل هذا التردد وهذه التناقضات معقدة، وذلك بسبب إنكاره في البداية لهذه المرجعية التاريخية"
12) الاتهام بالكفر والزندقة
اتهم كل من المعري وطه حسين بالكفر بسبب كتاباتهما. فقد اتهم المعري بالكفر بسبب كتابه "رسالة الغفران"، واتهم طه حسين بالكفر بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"
أما أبو العلاء المعري فقد تواردت أقوال أهل العلم على ذمه ونسبته إلى الزندقة والتشهير به، قال ابن كثير في ترجمته : أبو العلاء المعري التنوخي الشاعر المشهور بالزندقة اللغوي.... وقال بعد إيراد بعض شعره : وهذا من قلة عقله وعمى بصيرته .... وقال أيضا : وقد كان ذكيا ولم يكن زكيا وله مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر وفي بعض أشعاره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين، ومن الناس من يعتذرعنه ويقول إنه إنما كان يقول ذلك مجونا ولعبا ويقول بلسانه ما ليس في قلبه وقد كان باطنه مسلما، قال ابن عقيل لما بلغه وما الذي ألجأه أن يقول في دار الإسلام ما يكفره به الناس، قال والمنافقون مع قلة عقلهم وعملهم أجود سياسة منه لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا وستروها، وهذا أظهر الكفر الذي تسلط عليه به الناس وزندقوه والله يعلم أن ظاهره كباطنه . 
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس، فيمن لبس عليهم إبليس حتى جحدوا البعث، وقال أبو العلاء المعري :
حياة ثم موت ثم بعث       حديث خرافة يا أم عمرو 
وقال في موضع آخر : وأما أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد وكان يبالغ في عداوة الأنبياء، وقال في موضع ثالث : ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال : أنا خير منه وقول خليفته وهو أبو العلاء المعري : رأى منك ما  لا يشتهي فتزندقا .  وقال ابن القيم في طريق الهجرتين : وممن كان على هذا المذهب أي الامتناع عن أكل الحيوان أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبي العلاء المعري فإنه امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح.
وأما طه حسين فقد كان يشكك في القرآن بتلميح فاضح ويرد الأحاديث الصحيحة ويطعن في الصحابة الكرام ويدعو إلى تقليد الغرب في كل شيء، وحسبنا أن نشير إلى أمثلة من ذلك، فهو يقول في كتابه الأدب الجاهلي : ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن الكريم قد تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت أو لا يكون، ثم يقول : لم لا يكون أمية بن أبي الصلت قد أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم طالما أن مصادر أمية ومحمد واحدة وهي قصص اليهود والنصارى ؟ فهو يعتبر أن مصدر القرآن هو قصص اليهود والنصارى . وأنكر في كتابه " في الشعر الجاهلي " بعبارة لا التواء فيها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقصة مهاجرتهما إلى مكة، وعد أن هذا أسطورة لفقها العرب بعامة وقريش بخاصة ليحتالوا بها على من عندهم من فرس وروم، ليؤكدوا أن لهم أصلا قديما يرتبط بتأسيس إبراهيم وإسماعيل للكعبة، ثم جاء القرآن فصدق هذه الأسطورة، ليحتال على اليهود ليؤلف قلوبهم، إذ مرجعهم إبراهيم جميعا، ويقول في كتابه الشيخان معلقا على حديث استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما الذي رواه البخاري بأن هذا تكلف مصدره التملق لبني العباس أثناء حكمهم.
13) التمكن من اللغة العربية والأدب العربي
كان المعري متمكنا من اللغة العربية والأدب العربي وأخبار العرب، وخير دليل على ذلك دواوينه الشعرية، ولاسيما "لزوم ما لا يلزم"، وكتابه "رسالة الغفران". وكان طه حسين كذلك في أعماله من كتب ومقالات ومقدمات ومترجمات ومنوعات كتبت بلغة سهلة وجميلة ومتينة رغم تكراره لكثير من الكلمات.
14) الإعجاب بالمتنبي
كان المعري معجبا بديوان أبي الطيب المتنبي وسماه "معجز أحمد"، وكان سبب إعجابه بشعر المتنبي شعره الجيد، أو ثقة المتنبي بنفسه، أو الشك الذي كان يراود المتنبي كالمعري. وكان طه حسين أيضا معجبا بقوة شعر المتنبي رغم أنه لم يكن يحب شخصه لاختلافات في التوجهات النفسية، ولم تكن آلام المتنبي تثير في نفسه إلا الغيظ والازدراء. وقد عد طه حسين شعر المتنبي في مدح سيف الدولة من أجمل شعره، بل اعتبره "من أجمل الشعر العربي كله وأروعه وأحقه بالبقاء."
15) الاتصال بالخاصة من العلماء والأدباء
كان المعري على اتصال بالخاصة من علماء وأدباء. وكان طه حسين أيضا كذلك، على سبيل المثال اتصاله بأحمد لطفي السيد وعبد العزيز جاويش وتشجيعهما ودعمهما له.
 16) محاولة الانتحار
فكر المعري بالانتحار، وكاد أن ينتحر، حيث قال: لو أمنت التبعة لجاز أن أمسك عن الطعام والشراب، حتى أخلص من ضنك الحياة.
وفكر طه حسين بالانتحار، بل جاول أي ينتحر حين ضرب قفاه بالسكين، فصاح، فلحقت به أمه.

17) مدة الحياة
ولد أبو العلاء المعري سنة 363 هـ/ 973م وتوفي سنة 449 هـ/ 1057م في سنه الرابعة والثمانين حسب التقويم الميلادي والسادسة والثمانين حسب التقويم الهجري. وأما طه حسين فكانت ولادته سنة 1306 هـ/ 1889م ووفاته سنة 1393 هـ/ 1973م في سنة الرابعة والثمانين حسب التقويم الميلادي والسادسة والثمانين حسب التقويم الهجري!

الخاتمة
كان طه حسين معجبا بأبي العلاء المعري أشد الإعجاب، ومولعا بالدراسة عن أدبه وفلسفته، وانتهى به شغفه إلى أن وجد في أبي العلاء الشخصية التي يجب عليه أن يحتذي بها. ونال الدكتور طه حسين شهادة الدكتوراه لأول مرة من الجامعة المصرية للأطروحة التي قدمها عن حياة أبي العلاء وأدبه وفلسفته، والتي نشرت فيما بعد بعنوان "ذكرى أبي العلاء" ثم بعنوان "تجديد ذكرى أبي العلاء"، كما صدر عن المؤلف عدد من الكتب عن جوانب متنوعة لأدب أبي العلاء وفلسفته. وإذا فتشنا الملاحظات التي سطرها طه حسين في كتاباته عن أبي العلاء وجدنا أن جلها –إن لم نقل كلها- تنطبق على طه حسين أيضا، حيث نجد بين أبي العلاء وطه تشابها معجبا في عدة أمور، بعضها محض مصادفة، وبعضها لا شك أنه من باب التأثير والتأثر. ولعل هذا التشابه يوصلنا إلى تصديق من وصف طه حسين بالوريث الفكري لأبي العلاء المعري، وبمعري القرن العشرين. كيف لا وقد صرحت السيدة سوزان زوجة طه حسين قائلة: إن طه حسين كان أبا علاء آخر، إنسانان غارقان في الليل نفسه، إنسانان يرفضان قدرا ظالما، إنسانان يملكان رضوخا خارقا، وموهبة في التعبير استثنائية، وكبرياء شامخة، وجرأة فكر، كلاهما يعرفان نفسيهما، ويريدان أن يكونا حرين، وكلاهما كان يحاكم العالم، دون أي وهم.[11]







[1] طه حسين، الأيام، القاهرة: دار المعارف، ج3، ط 2، 1973، ص 56
[2]  طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء، القاهرة: دار المعارف، ط 9، ص 10-11
[3] طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء، القاهرة: دار المعارف، ط 9، ص 111
[4]  محمد عبد الكريم النعيمي، تأثر طه حسين بفيلسوف المعرة

[5]  طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء، القاهرة، دار المعارف، ط 9، ص 232
[6]  نفس المصدر، ص 233
[7]  نفس المصدر، ص 12
[8]  نفس المصدر، ص 234
[9]  د. خالد يونس خالد، الخطاب الفكري والمنهج النقدي في أدب طه حسين، السويد، 2005
[10] طه حسين، مع أبي العلاء في سجنه، القاهرة: دار المعارف، ط 11، ص 34-35
[11]  خالد يونس خالد، بين شاعر الفلاسفة المعري وفولتير العرب طه حسين
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=188500

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة