أحدث المشاركات

الخميس، 8 ديسمبر 2016

شعر المقاومة : نموذج رائع من ديار مليبار


انورشافي سي[1]

ولاية كيرلا بقعة صغيرة في جنوب الهند تقع بسواحل البحر العربي. وهي مزدحمة  باديان مختلفة وثقافات متنوعة.يرى المؤرخون  ان كل هذه الطبقات استوطنها  في القرون المختلفة  قديما .ولما دخل فيها الاديان الخارجية مثل المسيحية واليهودية والاسلام اعتنق كثير من الهنادكة بهذه الادينان الخارجة.
كانت ولاية كيرلا معروفة لدى العرب منذ القديم وكانت العرب يتجولون ببلاد كيرلا كتجارين اولا والدعاة ثانيا وكانوا يحفظون الصداقة والمودة والصحبة مع اهل كيرلا ولذا كانت قلب الهند مجذوبة الى اللغة العربية وادابها. والادب العربي خصب جدا في ولاية كيرلا.  لان العديد من اهل كيرلا اشتغلوا بها منذ نعومة اظفارهم.
يمتد تاريخ الشعر العربي في كيرلا منذ القرن الرابع عشر الميلادي الى الوقت الراهن وقد ظهرت الاف من الشعر العربي في هذه الفترة الطويلة كما ظهر كثير من الشعراء الا ان هذه الكمية الهائلة في العدد لم تحصل نوعيتها وجودتها.ونرى في اشعار الشعراء في كيرلا في هذه الفترة ملامح الشعر العربي العثماني فهي لا تصل في شعريتها الى درجة الاشعار العربي الكلاسكي في العصر الجاهلي والامموي والعباسي بل تميل الى ديباجية الكلمة وتكلفها وتميل الى الالتزام والتعليمية. وتميل الى الزهد والتصوف والبلاغية والادب.يبدئون بالحمد والثناء ويختمون بالصلاة ويطيلون في مدح النبي صلعم ويدعون الى تعليم ديني
والامر الممدوح في شأن هؤلاء الشعراء انهم سايروا مع زملائهم وتمشوا مع عصرهم ولم يقلدوا شاعرا جاهليا او امويا او عباسيا بل نظموا قصائدهم كما ينظم معاصروهم من الشعراء العربي في نفس اسلوبهم وفي نفس مستواهم
لقد تعرف الادب العربي ادب المقاومة - ادب ضد الاستعمار او الاحتلال -منذ بدايتها الا انها صورت بهذه الصورة بعد النهضة.
فالادب العربي في مقاومة الاستعمار في كيرلا منار للروايات التاريخية لهذه البلاد. نستعينه بالمراجع القديمة والدلائل التاريخية في اثبات الاحداث التاريخية ويعد مرجعا تاريخيا للاسلام والمسلمين.
واما هذه الورقة المتواضعة قراءة سطحية في الشعر اللذي الفها العالم النحرير والاديب المشهور قاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي المليباري باسم " الفتح المبين لسامري الذي يحب المسلمين.
هذه القصيدة ملحمة شعرية في 537بيتا قالها لتعبير عن فرحة المليباريين خاصة في انتصارهم على البرتغاليين وابتهاجهم في الإستيلاء على قلعتهم في الشاليات.
ولد القاضي محمد لابوين كريمين في بيت عز وعلم في بيت القضاة في كالكوت عام 980ه/1572م.وتمتد جذور أسرته العريقة الى المدينة المنورة,  الى احج أصحاب رسول لله صلى الله عليه وسلم فهو محمد بن عبد العزيز القاضي بن العلامة شهاب الدين أحمد القاضي ابن القاضي أبومكر فخر الدين ابن القاضي زين الدين رمضان موسى ابن القاضي ابراهيم ابن القاضي محمد بن مالك بن مالك بن حبيب بن حبيب بن مالك بن محمد الانصاري المدني أحد أصحاب رسول لله صلي الله عليه وسلم
كان القاضي نقيا تقيا حاد الذهن ثاقب البصيرة قوي الذاكرة ورعا. أخذ تعليمه الاول من ابيه القاضي عبد العزيز المخدوم  المعبري والشيخ العلامة عثمان لبا القاهري والشيخ عبد العزيز المخدوم المعبري.تعلم مختلف فروع العلم الشرعي والحديث والتفسير والفقه وعلم الأفلاك والنجوم والفلسفة. وكان يتمتع بمهارة نادرة من تحديد جهة القبلة.كان ضليعا في علم التصوف وعاش حياة الزهد والعباد في تقشف وبساطة.
كان ابوه القاضي عبد العزيز عالما كبيرا قاضيا في كاليكوت وكان شجاعا مغورا متمرسا في فنون الحرب والقتال وكان مستشارا الملك السامري في حروبه مع البرتغاليين وورث ابنه محمد عن أبيه شهامته وشجاعته  نبله ونخوته كما ورث عنه العلم والقضاء وتولى القضاء في كالكوت في نحو 1016ه/1207م. وكان محمد القاضي يرى الإختلاط بالناس والمشاركة في الحياة العامة. وكان يرى ايضا ان على القضاة ان يكونوا قدوة حسنة للمسلمين في كل شئون الحياة ومن ثم حمل السلاح وخاض فمار الحرب ضد البرتغليين. وكان في مقدمة المحاربيين القضاة والقاداة المسلمين امثال الشيخ ماموكويا الكاليكوتي والقاضي محي الدين والشيخ عبد العزيز ال مخدوم المعبري.
وكان القاضي محمد الى جانب علمه وروعه يتمتع بملكة شعرية وبراعة فريدة على نظم القصائد.وكان زمرة الشعراء الفقهاء او الفقهاء الشعراء في مليبار وجاؤه الشعر منقادا. تتناول فيه شتى العلوم والفنون والمسائل الفقهية العويصة والقواعد النحوية والمفردات اللغوية. ويدل على مهاراته الشعرية تطويعه كلمات اعجبية نادرة وخاصة اسماء الاشخاص والاماكن في مليبار وصياغتها في قالب الشعر العربي- كما في قصيدته :"الفتح المبين السامري الذي يحب المسلمين".
وقد نسب الى القاضي محمد نحو خمسين كتابا الا ان معظمها ضاعت من أيدي الزمان ولم يبق الا القليل.
تأتي أهمية هذه القصيدة من عدة جوانب وهي وثيقة دقيقة لفترة حساسة من تاريخ هذه الديار وهي فترة الاستعمارالبرتغالي وسرد مفصل ومؤثر لوقائع تلك الفترة وأحداثها وسجل صادق للمواجهات العنيقة بين الطرفين.ويأتي البيان وأثره البالغ من ان الشاعر خاض التجربة بنفسه وجال في ساحة الوغى وصال. والقصيدة تصوير صادق عن الحياة الإجتماعية في تلك الفترة الحربيةوشهادة حق للتعايش الشلمي والتعاون البناء بين جميع الفئات العرقية في مليبار وعبرة صادقة بان الضعيف القريب انفع في الملمات وأجدى من القوى البعيد وذلك ان المبوك والسلاطين المسلمين في البلاد البعيدة لم يهبوا للنصرة للمسلمين في مليبار أو لم يتفعوهم في حين نفعتهم الفئات الأعزل الضعيفة في الديار
لم يصرح الشاعر تاريخ نظم هذه القصيدة ولكن الظاهر انه نظمها في نحو 1579م وذلك لان الإستيلاء عالى القلعة البرتغالية في شاليات في 979 ه/151 م ولان الشاعر قد أشار في قصيدته بأسى بالغ وحزن عميق الى معاهدة بين السلطان ابراهيم على عادل شاه حاكم بيجبور في الهند وبين البرتغاليين وكانت تلك المعاهدات في 1579 م مات السلطان عادل شاه في السنة نفسها ولكن الشاعر لم يشر الى وفاة السلطان اي في 1579 م نفسها.
يستلذ هذا التأليف بالاسلوب الحكيم ولألفاظ النقية ولاصطلاحات الصائبة والسخرية الخليطة بالمزاح ولامثال الأخاذة. ويقدم هذا التأليف الى ساموتري الذي يحب المسلمين بعد تصريحه ان هذا الشاعر الذي يحب ساموتري من اعماق قلبه لم يؤلف هذا التاليف الالحيازة رضى الرب تعالى
وهو يقول :
            وعلمها تسير في  الافاق * لا سيما في الشام والعراق
            ويعلموا لهمة السلطان * السامري المشهور في البلدان
            صاحب كاليكوت المشهورة* لا زال من فضل الغني العمورة
            وهو يحب ديننا الاسلام * والمسلمين بين ذا الانام
            حتى بخطبة على سلطاننا * والمسلمون كلهم رعيته
                        وان يكن في اي أرض بلدته(اسطر 14-19)
ويمدح الشاعر شجاعته جند ناير لساموتري مدحا وافرا. ويثنيه فيه أنه لا يظلم البلدان الصغيرة بدون سبب ولا يصدر مال احد ولا يخدع في الحرب. وهذا بعض الاسطر التي تظهر فيها عظمة الشاعر.

لانه مع كفره يحارب * والملك المسلم لا يحارب
لاجل دينهم ودين المسلمين * لكنهم قد صالحوا الكافرين (الاسطر 50-51)
ويبين الشاعر بلدان مظالم البرتغاليين هكذا
            من حرق بلدان وهدم مسجد * وجعله للخلق مثل الأعبد
            وقتلهم من غير ذنب صادر* وظلم كل وارد وصادر( اسطر 73-74)
ولا توجد قلعة شاليات التي قهرها ساموتري والمهابليون معا. وبلكن يحصل لنا صورتها الحقيقة من طريق هذه الاشعار. ولقد أنفذ البرتغال هنا فلسفة جديدة للاضطهاد. وهم أجبروا لأكل لحوم أنفسهم ولارسال السهام اليها
كما قال :
ونزلة يطعمه بلحمه * ودفعه يهدفه لسهمه

وان كانت قصيدة حرب فان خيالاتها الشعرية تزيد تلذذها.والمثل الاتي وصارت حوالي القلعة كحقل محصود  خير شاهد لذلك .ويصور القلعة أيضا بأنها شامخة وحيدة كشجرة  قطعت احصانها .فاض الناس الى ساحة الحرب كسيلان النملة الى مكان  انكسرت فيه قارورة العسل
كما قال :
فاحرقوا في ساعة ما حولها * فأصبحت مثل الصريم يا لها
فبقي القلعة فردا وحدها * كشجرة قد قطعت أغصانها
فصار يأتي الناس مثل النمل * حين رأى انكسار ظرف العسل
ووازن الشاعر في هذا التاليف بين سماحة ساموتري وبين خدعة عادل شاه ويبين كيف يصدر وعي سياسي فوق الدين. وان موت مسلم واحد محزون عنده من موت عشرة كفرة.
وحينما يتم هدم الحصن * قد جاء بالاخبار أهل السفن
بان من غزا لوجه الله * أغنى به السلطان عادل شاه
صالح مع عدوه الافرنج * من غير عذر لاحق او ملجي
مخالفا لربه في عهده * وناسيا لخطة ووعده
وموت نفس واحد من مسلمين * اشد من عشر رجال كافرين
ويشير هذه الاسطر الى نظام ينبغي أن يطبعه سلطان قوم من اصحاب الاديان الامخاتلفة.
واذا انظرنا الى هذه القصيدة نظرية شعرية وحقيقة رأينا ان القائد في هذا الكتاب هو ساموتري وقائد عدوه اندونيو قائد البرتغاليون.وقد قدم الشاعر ساموتري تصويرا تاريخيا الذي اشتغل في جهاد مستميت لانقاد بلده واستقلال امته بدون حصرها على المدح كما بفعل شعراء القصر.
وهذه القصيدة من اهم المراجع التاريخية التى تسلط الضوءعلى تاريخ المقاومة وحركة التحرير الوطني اللذي تجاوبت أصدائه في ارجاء الهند قبل خمسة قرون حيث شهدت البلاد الاحتلال البرتغالي.وهذه القصيدة  محاولة لنشر الوعي الوطني وتربيته بحيث يمكن بها المدافعة الوطنية ولنشر الفكر التاريخي بين الامة ولا غرابة في ان المسلمين هم الذين ربوا هذه المعاني الفعالة اكثر من الهنادكة.وعلينا ان نحترم خاصة الحقيقة التاريخية بانهم استطاعوا ان يجعلوا تضحية الامة انفسهم لملكهم  ولبلدهم واجبا اجتماعيا.وما فعله المسلمون في كيرلا هو تربية ها الواجب الجماعي باحتفال المواليد السنوية لكنج مركار وبتحفة المجاهدين المصنف التاريخي وبقصيدة فتح المبين. هذا النشاط التاريخي مطلوب لمعارضة الافكار الاستعمارية الجديدة ومجاهدتها والتى تنتشر وتنشر في هذا العصر. والمسلمون هم السابقون من سائر الامة في مثل هذا التحريض.
المراجع :
1)               قاضي محمد الكاليكوتي , فتح المبين : مكتب الهدى كاليكوت
2)               ك ك ن كروف  :تراث مسلمي مليبار malbar institute for research and development , vatakara , calicut
قسم اللغة العربية  جامعة كاليكوت  مساهمة الهند للغة العربية

a




[1] أستاذ مساعد، قسم العربية، كلية مارتوما، جنكترا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة