أحدث المشاركات

الاثنين، 11 يوليو 2016

العلامة فضل حق الخيرآبادي في ضوء كتابه "الثورة الهندية"

د: محمد أسلم الإصلاحي
تتميّز بلاد الهند بالترحيب والاستقبال للشعوب والأقوام المتاخمة لثغورها وحدودها عبر القرون والأحقاب وهذه الميزة توضح أن هذه البقعة الخضراء مازالت ولاتزال تجذب اهتمام المغامرين الطامحين بسبب خصوبتها ونضارتها ورونقها وتأّنقها فتوطنتها كثير من الملل وا لنح ل وشاركت في استعلاء مكانتها ورفع شأنها بين الحضارات المتقدمة المتنامية وهذه الظاهرة الباهرة لهذا البلد قد حّفزت الشركة الشرقية الهندية بريطانية المستقر على شد الرحال متوجهة الى شبه القارة الهندية قبيل أواخر القرن   السابع عشر الميلادي ففي بداية الأمر لم يكن من أهداف هذه الشركة إلا نقل   البضائع التجارية من القارة الهندية إلى الدول الأوربية وكسب الأرباح الفادحة ببيع هذه البضائع الهندية في الأسواق الأوربية ولم تزل هذه الشركة تزاول هذه التجارة الرابحة حتى وجدت الفرصة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد وللتآمر مع القوات المناهضة للدويلات المحلية وبمرور الزمن شاءت الأقدار ان تكون النصرة حليفا لهذه الشركة التجارية في تحقيق مطامحها السياسية والإدارية وبدأت الدويلات الهندية تتساقط واحدة تلو الأخرى كأوراق خريف الشتاء وعلى هذه النحو أصبحت الهند كلها مستعمرة إنجليزية و لاحول و لا قوة لها في شؤونها الداخلية والخارجية.

ولا يعني ذلك أن تجار الشركة لم يواجهوا في تحقيق أهدافهم السياسية الانتهازية أية مقاومة ولم يجدوا أية عرقلة في إحراز التسلط والسيطرة على أرجاء الهند المختلفة وفي الحقيقة أن كثيرا من الهنود رفعوا أصواتهم وأشهروا أسلحتهم ضد المقامرين البريطانيين واتخذوا كل ما كان في وسعهم من الوسائل والأساليب لإجلاء المستعمرين الأجانب عن البلاد وقدموا في هذا المضمار تضحيات غالية لا يمكن أن ينساها الزمان فلهم جهود جليلة الشأن لا تزال ترشد الجيل الهندي الجديد إلى طريق الخير والرفاهية والرقي والازدهار و من بين هذه الجهود المستنيرة والمساعي المضيئة "الثورة الهندية الكبرى" التي اندلعت لهيبها في أواسط شهر مايو عام ١٨٥٧ وسرعان ما اكتسحت أكثر أقاليم شمال الهند واستمرت حتى شهر سبتمبر ١٨٥٧ وفي إبان هذه الفترة القصيرة الأمد فقد الاستعمار البريطاني وجوده في دهلي وما يجاورها من المدن والأمصار وهذه الثورة في الحقيقة قد هزت بنيان النفوذ الأجنبي في الهند وأجبرت السلطات البريطانية على الفرار من المناطق الشمالية الهندية. فقتل في هذه الثورة آلاف من الإنجليز والهنود الذين كانوا من حلفاء الإنجليز وساعدوهم في إنقاذ حياتهم وقاموا بالحفاظ على ممتلكاتهم ودافعوا عنهم وعن أفراد عائلاتهم.
يكاد المؤرخون يجتمعون على أن جذوة هذه الثورة قد التهبت في بداية الأمر في مدينة "ميرت" الكائنة على بعد سبعين كلو ميتر من عاصمة البلاد دلهي والسبب وراء ذلك  والخنازير فلما علم الهنود العاملون في الجيش البر يطاني حقيقة هذه الخراطيش رفضوا استعمالها بدليل أن لمس هذه الخراطيش أو فتحها بالفم قبل استعمالها ممنوع منعا باتًا حسب تعاليمهم الدينية. وبالرغم من ذلك عندما أجبرهم الضباط البريطانيون على استخدامها أطلق واحد منهم النار عليهم وأردى بعضهم قتيلا وإثر ذلك أجريت محاكمة هذا العسكري الهندي وتم شنقه وهذه الأمور كلها أذكت عواطف المواطنين الهنود فهم عقدوا العزم على إجلاء المستعمرين الأجانب عن البلاد تحت زعامة الملك المغولي الأخير بهادر شاه ظفر  (  ١٧٧٢ - ١٨٦٤ ) وجمع حشد كبير منهم  في دلهي وقاموا بإعلان الحرية والاستقلال واستولوا على مقاليد السلطة التي كانت من قبل تحت الحكام البريطانيين.
وقد شارك في هذه المبادرة الثورية كثير من العلماء والأدباء والشعراء المتضّلعين في الثقافة والمعرفة والبارعين في اللغة العربية وآدابها وتكاتف الثوار المناضلين ضد النفوذ الأجنبي واستخدموا بدلا من العدة والعتاد أقلامهم ويراعهم للمحاربة ضد العدو الغاشم الذي قد احتل البلاد بمنتهى المكر والخداع وكان من أبرز هؤلاء العلماء والمثقفين العلامة فضل حق بن فضل إمام الخيرآبادي ( ١٧٩٧- ١٩٦١) الذي لعب دورا  رياديا في استنهاض الهمم ورفع المعنويات للثوار والمكافحين ف ي سبيل الحرية والاستقلال وهو في هذا الأمر لم يكن خائفا من قوة الاستعمار الأجنبي الذي كان بحوزته أسلحة فتاكة مدمرة وفي حين اندلعت الثورة أنه كان موظفا مرموقا في بلاط الأمير لدويلة "الور" وكان يعيش في مهد الهناء والرخاء والسعادة إلا أنه قد ولى وجهه عن كافة وس ائل العيش الرغد وخاض بدون تردد المعركة ضد الإنجليز الغاشم واقترب لأجل هذا الغرض من الملك المغولي بهادر شاه ظفر الذي كان يتشاور معه في عديد من
الأمور الإدارية والحربية وكان يعتمد عليه اعتمادًا كاملا وكان العلامة هو الآخر يأتمنه ويعتبره رمزًا لشوكة الإسلام والمسلمين في الهند. وبجانب هذا كله كان العلامة فضل حق عالما نحريرا وفيلسوفا كبيرًا وأديبا أريبا وشاعرًا فذًا وبلاغيا موهوبًا ولم يكن له ند في ذلك الزمن في امتلاك نواصي اللغة العربية وآدابها في الهند وقد منحه الله ذكاء خارقا  وذاكرة قوية ولم يكن يقرأ شيئًا إلا كان يدخره في ذهنه للأبد فبفضل هذه  الذاكرة القوية فقد تفرغ من دراسة العلوم المتداولة في أقل فترة ممكنة وبدأ يلقي دروسا أمام طلبة العلم وهو ابن خمسة عشر عاما فالناس كانوا يغتبطون بذهنه الوّقاد وفهمه الأ ّ خاذ، ومن أحب مواده العلمية كانت الحكمة
والمنطق والفلسفة فكان يستنبط المباحث العلمية والقضايا الفلسفية بأسلوب عقلاني ولم يكن يكتب شيئًا إلا و كان يدعمه بالبراهين والدلائل القاطعة ، وكان يعترف بعلو كعبه في الفنون والعلوم الآنفة الذكر ألد خصومه وأشد معارضيه .
ويعد كتاباه في الحكمة الإلهية المعنونان ب الهدية السعدية في الحكمة الطبيعية ، والروض المجود في حقيقة الوجود خير شاهد على  براعته الفائقة في العلوم العقلية وبالإضافة إلى هذا كله فإنه كان يمتلك ىنواصي الشعر والأدب العربي، وكان يقرض الأبيات باللغة العربية وكأن الكلمات و التعابير والتراكيب التقليدية تصطف أمامه وهو يختارها ويستعملها في كلامه البليغ بدون تكلف وعرقلة فما خطرت بباله أية فكرة إلا و كان يسكبها بجدارة في قوالب الشعر و كانت قريحته الفياضة لاتجد أي مانع في نظم خواطره ومشاعره فبفضل هذه الموهبة الخارقة خلف وراءه أكثر من أربعة آلاف بيت باللغة العربية وهذا الكم الهائل إن دلَّ على شيء فإنه يدلّ على تضلّعه الفائق في اللغة العربية وآدابها ومن الجدير بالذكر هنا أن اكثر أبياته العربية في مدح النبي وكل من يقرؤها يجدها مفعمة بصدق العاطفة وحرارة القلب الملتاع المنغمس في الحب النبوي وما عدا المدائح النبوية له قصائد عديدة في مدح بعض الأمراء وكبار الرجال من الهنود ولهذه القصائد كلها أهمية كبيرة لإثبات رفعة شأنه في مجال الشعر والأدب التي أنتجتها قرائح الهنود البارعين في اللغة العربية وآدابها ولكن على الرغم من هذا كلِّه فإن موضوع هذه العجالة يتطلب منا التركيز على ما قاله العلامة الخير آبادي عن الثورة الهندية الكبرى وما ذكره من المتاعب والمصاعب والأحزان في أبياته المتعلقة بالثورة التي هي تعتبر نقطة تحول كبير في تاريخ الهند الحديث. هذه الثورة قد غيرت مجرى التاريخ في شبه القارة الهندية ومن هنا نسمع دويًا لهذه الثورة في جميع اللغات الهندية وآدابها.
وبما أن اللغة العربية في تلك الحقبة من الزمن كانت لغة العلماء والأكاديميين الهنود فالناس بصرف النظر عن انتمائهم الديني كانوا يدرسون هذه اللغة ويعبرون بها أو باللغة الفارسية عن أفكارهم وآرائهم فلذا اختار عديد من الأدباء والشعراء أن يدونوا فيهما كل ماشاهدوه من القتال والدمار والخراب أثناء الثورة وعلى هذا النحو تركوا لنا سجلات تاريخية عن المظالم والمذابح والسيئات و المعاصي التي اجترحها الاستعمار البريطاني في الهند وفي هذا السياق نود الإشارة إلى شخصية العّلامة فضل حق الخير آبادي ومواهبه العلمية والأدبية والشعرية وتم ّ كنه من إذكاء جذوة الثورة وما تجشّم به من العقوبات والصعوبات بسبب أعماله التحريكية وأفكاره الثورية ومن المعروف أنه بإيعاز من الجنرال بخت خان أحد زعماء الثورة جمع ثّلة من العلماء والفقهاء في المسجد الجامع الكبير في دلهي وطلب منهم إصدار فتوى ضد الاستعمار البريطاني وأعماله التعسفية وهذه الفتوى قد حّثت المواطنين كافة على شن الإغارة على مؤسسات ومستعمرات ومعسكرات الإنجليز في الهند وكانت النتيجة لذلك أن أكثرية الشعب الهندي قد شاركت في عملية الجهاد ضد الحكومة الأجنبية وكبدتها بخسائر فادحة إلى أن الحكومة البريطانية بإنجلترا قد تد ّ خلت في الأمور الهندية وانتزعت السلطة من الشركة الشرقية الهندية وبدأت تحكم بلاد الهند مباشرة وإثر ذلك أعلنت الملكة فيكتوريا العفو العام لكل من شارك في الثورة وبذلت جهدا جهيدا لإعادة الأمن والأمان في الهند وخاصة في شمال الهند التي قد شهدت أعمالا تعسفية وجرائم بشعة من كلا الطرفين أي من جانب الحكومة الأجنبية والثوار كليهما.
بعد إعلان العفو العام من الملكة فيكتوريا ملكة بريطانية العظمى حينذاك خرج كثير من الثوار من مخابئهم ومكامنهم وكان الع لامة الخيرآبادي واحدًا منهم. فقد خرج اعتمادا على ما أعلنته الملكة من العفو العام إذ أنه لم يكن يعرف أن الإعلان المذكور هو مجرد مكيدة بمثابة حيلة الدبك التي تنخدع بها الطيور وتصير بسهولة فريسة للصياد وقد أشار العلامة الخيرآبادي بنفسه إلى هذه الحقيقة المؤسفة قائلا:
إني بلاني خدعة امرأة بلى                                    كيد عظيم ما تكيد النساء
يخلبن خلقا بالمواثق ثم لا                         لعهودهن وعهدهن وفاء
فدعت بأن قد شهرت أن آمنت             قومًا نبت بهم الديار و ناؤوا
 إذ غرهم ميثاقها رجعوا الى                                 أوطانهم مستبشرين وفاؤوا
فأتيت داري آئبًا إذ غرّني                          إيمان كافرة لها استيلاء
هذه الأبيات تدل بوضوح أن العلامة قد خاض في غمار الجهاد ضد المستعمرين الأجانب وإن لم يكن كذلك لما اختفى ولا غاب ولا لاذ بالفرار من العاصمة دلهي التي حارب فيها الثوار ضد الحكام الإنجليز إذ كان هو يعرف جيدا أن السلطات الأجنبية خبيرة بأعماله الثورية وتحاول وتسعى لإلقاء القبض عليه. فنظرًا لهذه الحقيقة غادر بلدته وترك جميع ممتلكاته واختفى إلا أنه بعد الوقوف على إعلان العفو العام من قبل الملكة فيكتوريا خرج من مكمنه والسلطات الأجنبية ألقت القبض عليه واتخذت الإجراءات لمحاكمته وتم مثوله بين يدي المحكمة وقد جرت محاكمته لفترة وجيزة ويقال أن قاضي المحكمة كان يعرف منزلته العلمية وكان يقدر إنجازاته في مضمار الحكمة والفلسفة والأدب فكان متوددًا له ومتع ّ طفًا عليه وكان بقلبه يحرص على إطلاق سراحه و من ثم كان يبحث عن مواطن الضعف في قضيته لتبرئته من تهمة الثورة وأنه قد وجد هذه الفرصة عندما قال الجاسوس الذي ألقاه في هذه المعضلة إن هذا الرجل المتهم (العلامة الخيرآبادي) ليس ممن وضعوا توقيعاتهم على محضر الجهاد والأمر قد اشتبه عليه وفي الحقيقة الشخص الذي رأيته يوقع المحضر هو شخص آخر واسمه فضل حق الشاهجانبوري وبما أن القاضي كان في انتظار مثل هذا البيان فإنه أصدر حكما يحمل براءته من اتهام مشاركته في أعمال الثورة ولكن العلامة أدهش جميع الحضور وقال أنا هو الشخص الذي يوجد توقيعه على المحضر أنا هو الشخص الذي حرض العلماء على إعداد وإجراء فتوى الجهاد وأنا المسؤول عن تحركات ثورية ضد الحكام الأجانب في بلدي. إثر هذه الكلمات ساد الهدوء المكان للمحة وبعد ذلك قد وقع القاضي في موقف حرج بسبب كلمات العلامة السابقة الذكر واستطرد العلامة قائلا: يوم الحشر لا أود أن أقابل ربي وعلي وزر الكذب ولذا يجب علي أن أقول قول الحق ولو أتى هذا الحق بالمحن والأحزان. فبهذه الشهادة على نفسه لم يبق له أي منفذ لإطلاق سراحه وكذلك لم يبق للقاضي أي مبرر لإنقاذه من العقوبات فإنه بقلب كئيب مثقل أصدر حكما لنفيه المؤبد إلى جزيرة أندمان الكائنة بخليج بنغال وبموجب هذا الحكم الصارم تم نقله في ١٨٥٨ إلى الجزيرة المذكورة حيث قضى بقية حياته في ظروف قاسية وأحوال سيئة لا يمكن تجشمها لشخص مثله.
وقد جاء العلامة بذكر هذه الأوضاع المؤلمة في قصيدتيه الهمزية والدالية المنظومة باللغة العربية. قبل أن نقوم باستعراض أو بتحليل هاتين القصيدتين يجدر بنا أن نشير إلى أن أشعارهما إذ كان ضد المستعمرين الأجانب الذين كانوا يحكمون حينذاك شبه القارة الهندية فلذا ألفهما العلامة سرًا واستخدم الفحم لكتابتهما على جدران غرفته في السجن والبعض من
رفقائه الذين كانوا يعرفون اللغة العربية ويكتبون هذه الأبيات على أوراق مبثوثة ممزقة أو قطع من الثياب البالية أو ألواح من الخشب وهؤلاء الرفقاء كانوا يرسلون هذه الأبيات إلى مدينة كولكاته حيث كان يعيش أخوه الذي كان بدوره يجمع هذه الأبيات في مسطرة ويرتبها في صورة قصيدة وهاتان القصيدتان اللتان سماهما العلامة "فتنة الهند وكتابه الآخر "الثورة الهندية" تكمن في طياتها الأحوال الحقيقية عن المعارك التي دارت أثناء الثورة بين المواطنين الهنود ومستبديهم الغاشمين وعن المظالم والمحن التي مر بها العلامة خلال أيام سجنه في جزيرة أندمان وفيما يتعلق بكتابه "الثورة الهندية" فهو في الحقيقة يتضمن ذكر مقاومة الهنود العنيفة ضد الاحتلال الأجنبي ويفيدنا بأن الثوار الذين معظمهم من مناطق مختلفة لشمال الهند قد اجتمعوا بمدينة دلهي تحت راية الملك المغولي الأخير ألا وهو الملك سراج الدين بهادر شاه ظفر وعينوه أميرًا لهم. وكان من هؤلاء الثوار المغاوير الجنرال محمد بخت خان الذي كان
محّنكا مقداما طموحا وكان ينفر ويكره وجود الاستعمار الجائر في الهن د. ولهذا السبب فإنه شارك في الثورة كالساعد الأيمن للملك المغولي الذي كان يعتمد عليه ويتشاور معه في الشؤون الإدارية والعسكرية ولا شك في أن الجنرال المذكور بمشاركته في الثورة قد بث روحا جديدة في المقاومة الوطنية. إنه لم يكن ماهرا في استخدام المدافع فحسب بل كانت له صلاحية خارقة في تنظيم الأمور ورفع المعنويات للثوار فإنه أنشأ لتدبير الشؤون الأهلية مجلسا متكونا من العلماء والخبراء والمثقفين وهذا المجلس قد لعب دورا مهما في إرجاع الأمن والأمان إلى العاصمة وفي سن القوانين والدساتير لكل فئة من الناس فلم يكن بإمكان أحد أن يرتكب اعتداء ضد شخص آخر ومما يذكر أن أمراء الدولة المغولية بعد حدوث الثورة قاموا بعمليات النهب والسلب في الأسواق ولم يكن يجترئ أحد على منعهم من هذه الأعمال الإجرامية بسبب انتمائهم إلى الأسرة الملكية إلا أن الجنرال المذكور قد شرع لهم القواعد التي حالت بينهم وبين أعمالهم الإرهابية والتعسفية وبسبب هذه الأعمال الإصلاحية درجته أهميته عند الملك ومن هنا بدأ كثير من رجال البلاط الملكي يحقدونه ويحسدونه إلى حد أنهم نجحوا في عزله عن منصب القيادة لجيش الثوار وعينوا بمكانه الأمير "مرزا مغل" لقد أشار العلامة الخيرآبادي إلى هذا الأمر قائلا: وقد أمر ذلك الأمر على الجيوش بعض من له من الأحقاد والأبناء وكانوا من السفهاء الخوان الجبناء المتنفرين من العقلاء الأمناء لم يشهدوا ملحمة وحربا ولم يمارسوا طعنا وضربا واختاروا للمعاشرة والمشاورة سوقة من أهل السوق فغامر أولئك الأغمار في غمور الأشراف والإسراف وغمرات الفسوق. [1]
بواسطة هذه الكلمات أراد العلامة الخيرآبادي أن يضع أنامله على مواطن الضعف والوهن التي قد أسفرت في النهاية عن هزيمة الثوار والمدافعين عن البلاد والتي باءت بالذلة والخيبة والنكبة والاستكانة لجميع سكان الهند ولو ألقى الملك السمع إلى كلمات العلامة الخيرآبادي السالفة الذكر ليتغير مجرى تاريخ الهند والحديث ولما يكون للنفوذ الأجنبي أية غلبة أو أثر على حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية ولكن لم يحدث أي شيء مثل هذا وذلك لأن الملك بنفسه كان غارقا في حب أسرته وخاصة في حب زوجته المسماة ب "زينت محل" التي كانت في رأي العلامة الخيرآبادي موالية للمستعمرين الإنجليز وكانت بعض الأحيان تجبر الملك على كل ماهو في صالح الحكام الأجانب الذين قد وعدوها بأنهم سيجعلون فلذة كبدها ملكا بعد وفاة الملك "بهادر شاه ظفر" فهي اغترت بهذا الوعد الكاذب وأصبحت عميلة لأعداء الثوار والمقاتلين الوطنيين وفي النهاية أغرت الملك بالاستلام أمام القوات الاستعمارية التي لم تراع أي إلٍّ وذمة بعد تغلبها على مدينة دلهي وارتكبت آنذاك أبشع الجرائم وأشنع الفظائع بدون هوادة ورأفة.
فقتلوا الشيوخ وذبحوا الأطفال وبقروا بطون الحوامل والأرامل وقد شاهد العلامة الخيرآبادي هذه الأعمال الهمجية الوحشية برأس عينيه ودونها في كتابه بأسلوب بليغ ومؤثر فهو يكتب بمكان " فلما خلت الديار من أهليها دخلت النصارى وجنودهم فيها فمالوا على ما وجدوا فيها من الوجد والمال واغتالوا من بقي في دار من النسوان والأطفال والضعفاء من الرجال فلم يبق من أهل البلد لمجادلتهم ومجالدتهم أحد من أهل الجلد. [2]
هذه العبارة تنم عن أن الذين لم يغادروا في المدينة بعد هزيمة القوات المنحرفة ما كانوا من المقاتلين والمبارزين بل كانوا من الضعفاء الأبرياء المنهوكين لا ناقة لهم ولاجمل في المعركة التي كانت تدور في ذلك الحين بين المستعمرين والمناضلين الوطنيين وبالرغم من هذا كله فلما لاذ  المتحاربون الثوار بالفرار وولوا وجوههم مدبرين وتركوا وراءهم أهلهم وعيالهم لم يراع فيهم المستعمرون الأجانب إلا ولا ذمة فسفكوا دماءهم بدون هوادة ورحمة وهتكوا أعراض النساء بلاخوف لومة لائم وفعلوا ماشاؤوا بدون تمهل وتردد وفي الحقيقة فإنهم كانوا كالوحوش في قساوة القلب أو أشد منها غلظة ومن هنا عندما ارتكبوا هذه الجرائم البشعة لم يفرقوا بين رفيع ووضيع وبين ملك وصعلوك وبين رئيس ومرؤوس. ومن الملاحظ أنهم لما أحكموا استيلاءهم على البلاد نصبوا المشانق والمجازر وقتلوا عددا كبيرا من الهنود لأسباب تافهة ولأغراض واهية وهم في الحقيقة كانوا يتلذذون برؤية الجثث المعلقة على المشانق أو الأشجار ومما يروى أنهم في أكثر الأحيان كانوا يجتمعون حول المشانق والمجازر وكانوا يبتهجون في حين كانوا يشاهدون رجلا يضطرب ويتلوى كالديك المذبوح وعنقه في الأنشوطة . إن صورة الانتقام في الحقيقة قد جعلتهم عميانا إلى حد أنهم وضعوا في الصحون الرؤوس المجذوذة لبعض أولاد الملك المخلوع وقدموها إليه كالهدايا وقد جاء بذكر هذه الظاهرة المؤلمة الوحشية العلامة الخيرآبادي كما يلي:
"والنصارى بعد استيلائهم على البلد وسواده بسواد بيضانهم عمدوا إلى أخذ الملك وأولاده وأحفاده وهم لم يبرحوا مستقرهم والقضاء مكنهم في ذلك المكان وأقرهم وهم مستوثقون بمن غرهم بأكاذيبه وسرهم وكان في تلك المقبرة[3]  مغرورا مسرورا محشودا محفودا فأضحى مأسورا محسودا مكمودا مصفودا وأخذوا من معه من الأهل والولد فاغتال أحد من عظمائهم هو طرخان أو بطريق أبنائه وأحفاده بالبندق في أثناء الطريق وأهدوا رؤوسهم مقطوعة إلى رئيسهم في خوان موضوعة وتركوا جثثهم منبوذة. [4]
ومن الجدير بالإشارة إلى أن العلامة الخيرآبادي كان من أقرب مستشاري الملك فهو الذي سن بإيعاز من الملك القوانين والقواعد لإعادة النظام والاستقرار في المجتمع وخاصة من صفوف الثوار والمقاتلين الوطنيين ومع هذه فكل من يقرأ الكلمات الآنفة الذكر يتبادر إلى ذهنه أن صاحب هذه الكلمات يصب جام السخط والغضب على الملك إذ يقول عنه إنه كان مغرورا مسرورا محشودا محفودا يعني ذلك أنه لم يكن للملك أي دور في إيقاظ الوعي القومي واستنهاض همم الثوار ولم شملهم ولا نصيب له في الحركة القومية التي كان من أهم أهدافها استخلاص الوطن والمواطنين من ربقة الاستعمار الأجنبي الغاشم وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن المورخين الهنود بأجمعهم يعترفون أن الملك المغولي الأخير قد جعل حياته الرغد عرضة للأخطار في سبيل تحرير الوطن واستقلاله وانه شارك في الثورة مشاركة فعالية ولم يكن يدبر الأمر جالسا في قصره وقد فتح أبواب القلعة الحمراء التي كان يعيش فيها حينئذ للثوار القادمين من الأقطار المخلتفة للبلاد ولأجل هؤلاء الثوار ألقى نفسه في التهلكة وفقد كل ما كان يمتلك من السلطة والاقتدار فهو استقبل الجنرال محمد خان ووفر له كافة العدة والعداد حتى إنه عينه أمير الجيش وذلك بالرغم من كونه لم يعرف من قبل هوية هذا الجنرال مسبقا واعتمد عليه كليا وهذه الأمور تدل على أنه لم يكن متقاعسا عن أداء مهامه الحكومية ولم يكن غافلا عن الأضاع المتردية التي كانت تسود آنذاك عاصمة البلاد وما يجاورها م ن المناطق والأقاليم ومن هنا فانه لم يجد فرصة إلا اقتنصها لتعزيز قوته العسكرية لكي يطرد الإنجليز الغاشم من البلاد ولتحقيق هذا الهدف إنه بعث برسائل عديدة إلى حكام وولاة الدويلات الهندية المختلفة طالبا منهم النجدة والمعونة للدفاع عن ثغور البلاد وفي هذا السبيل إنه كان مستعدا للتخلي عن العرش والسلطة إذا تقدم أحد من هؤلاء الحكام للنيابة عنه في الحرب ضد المستعمرين الأجانب ففي إحدى رسائله كتب بالصراحة:
ليست لي أي رغبة في استمرار حكومتي على الهند بعد إجلاء الإنجليز ولا أحرص على أن أكون محترما مبجلا عند الناس. يا أيها الولاة! لو خرج واحد منكم واستل سيفه من غمده لطرد العدو من أرض الوطن فأنا مستعد للتخلي عن جميع سلطاتي وامتيازاتي الملكية لصالح شخص تحالف معه قبل الولاة والحكام والمحليون. [5]
يعني ذلك لم يكن عنده أي طموح شخصي بل كانت غايتة الأولى هي إجبار المستعمرين الأجانب على مغادرة أرض الهند وتطهير البلاد عن وجود الإنجليز الذين كانوا يبذلون كل الجهد لإحداث الخلل في المعتقدات الدينية للهنود ولإفساد وتشويه الطقوس والتقاليد المحلية ولإغراء المواطنين بالابتعاد عن تعاليم المتبعة لديهم وقد أدرك الملك هذه الخطورة وأراد أن يوضح هذه الحقيقة لجميع الفئات من رعاياه ولأجل هذا الغرض أصدر بيانا رسميا أشار فيه إلى أن الحكام الإنجليز يهدفون إلى الحط من منزلة الديانات المحلية لكي يمهدوا على هذا النحو الطريق لنشر التعاليم المسيحية ومن هنا طلبوا من أفراد جيشهم المكون من المسلمين والهندوس استخدام خرطوشات ممزوجة بشحوم الأبقار والخنازير علما بأن شحم البقرة ممنوع استخدامه عند الهندوس وكذلك لا يجوز للمسلم أن يلمس الخنزير أو يتذوق شحمه وبهذا الطريق في الحقيقة حاول الاستعمار الغاشم إفساد التعاليم الدينية لكل من المسلمين والهندوس . الملك في هذا البيان الرسمي أيضا قد أوضح أن العدو اللدود يبذل كل الجهد لخلق الشرخ في صفوف المواطنين من المسلمين والهندوس وإثارة الفتن والنعرات الطائفية بينهم ولتفادي عن اضرار هذه الاستيراتيجية الخطيرة اتخذ الملك اجراءات عديدة للتقريب بين المسلمين والهندوس فعلى سبيل المثال أصدر حكما منع بموجبه ذبح البقرات وفي هذا الخصوص أعلن أن كل من يذبح الأبقار أو يأكل لحومها تكون عقوبته الإعدام ومن الأهمية بأن نشير إلى أن الملك قد أصدر الحكم المذكور ابتغاء لمرضاة الهندوس الذين يعبدون ويقدسون الأبقار وهذا الأمر يدل على أن التحالف والتودد بين المسلمين والهندوس عند الملك كان أكثر أهمية من التعاليم القرآنية التي لم تمنع في أي حال من الأحوال من استهلاك لحوم الأبقار وبلفظة أخرى أن الملك حرم ما أحله الله لنا فعملية هذه تتشابه بأعمال اليهود الذين باؤوا بغضب الله بسبب تلاعبهم بالكلمات الربانية. أيا كان الأمر فكل ما نود إثباته هنا أن الملك الطاعن في السن قد ضرب عرض الحائط بالتعاليم الإلهية لكسب تأييد الهندوس ولم يبال في هذا الصدد بسخط الله وغضبه وذلك لأنه كان يظن أنه سيفوز بالمعركة الدائرة بينه وبين الاستعمار الأجنبي الغاشم بنصر مواطنيه الهندوس لا بتأييد رب العالمين ولكن مع الأسف الشديد أن جهوده كهذه ذهبت أدراج الرياح إذ كانت أغلبية الهندوس في تلك الآونة من الزمان تدعم وتؤيد الإنجليز وكانت تشتاق إلى رؤية الحكام المستعمرين الإنجليز بمكان رؤساء وملوك المسلمين في الهند وقد أشار إلى هذا الجانب العلامة الخيرآبادي بنفسه قائلا: والنصارى بعد ما وهنوا واستكانوا استمدوا في الحرب هنادك الغرب واستعانوا فأمدوهم بكثير من العدد والعديد وأعانوهم بمدد بعد  مدد في أقصر المُدد. [6]
وبمكان آخر يكتب:
"وقد ائتلف بالنصارى من سكان البلد آلاف ائتلافا فالهنادك كلهم معهم" [7]وإن كان الأمر كذلك فما هو الخطأ للملك. في هذه الحالة لا يوجد أي مبرر لإلقاء اللوم والعتاب عليه ومن المعلوم أنه لاحول ولا قوة لحاكم اذا لا يصغي أحد إلى أوامره وإذا تتآمر طائفة من رعيته مع أعداء الدين والوطن ولا تلقي السمع إلى أحكامه وإرشاداته. ومن المستغرب أن العلامة الخيرآبادي كان يعرف هذه الحقيقة المرة جيدًا وبالرغم من ذلك أنه يكتب عن الملك كالتالي:
وهو أمر لايعلم إمرا ولا يعمل الا أمرا ولا يأمر برأيه أمرا ولا يفقه خيرًا وشرًا ولا يحكم بشيء جهرًا ولا يملك نفعًا ولاضرًا. [8]
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكتائب المنحرفة للجيش الهندي عندما وصلت إلى دلهي عاصمة البلاد من مدينة ميرات لم تكن في خزائن الملك فلوس لتحمل مصاريف الحرب ومع هذا فإن الملك بذل كل غال وثمين في سبيل مساعدة الثوار ووفر لهم كل ما كان في وسعه من الوسائل والموارد المالية حتى إنه ألقى حياته وحياة عشيرته في الخطر وفقد بسبب ضلعه في الثورة كل الامتيازات والحقوق التي كان يتمتع بها قبل اندلاع الثورة ولو كان الحظ حليفه في النجاح والتوفيق ليمدحه كل منا على براعته وحنكته في تدبير الأمور وقيادة الثورة.
والحقيقة في هذا الأمر تكمن في أن الملك لم يكن مسؤولا عن الهزيمة فقط بل الفئات المخلتفة للثوار هي التي كانت وراء الفشل والنكبة التي تعرض المقاتلون الهنود وقد أشار العلامة الخيرآبادي إلى هذا الجانب كمايلي:
"الجنود المنحرفة أشتات مختلفة صاروا طرائق قددا، بعضهم لا يطيع أحدا وبعضهم لا يجدون ملتحدا ومنهم من ونت لفقره طاقته وأقعدتهم عن القيام للحرب فاقته. [9]
وإن كانت هذه الحقيقة كذلك فلم يكن بإمكان الملك أو أي شخص آخر أن يركز جل عنايته على تدبير شؤون الحرب ضد الاستعمار الأجنبي. وفي الحقيقة تدهور الظروف الداخلية لم يكن يعطيه فرصة كافية للاهتمام بالدفاع عن الثغور والعلامة الخيرآبادي هو خير شاهد على هذه الأوضاع السيئة المتوترة وإنه جاء بذكرها في أماكن عديدة لكتابه "الثورة الهندية" فحسب قوله لم تكن هذه الأوضاع محدودة في دلهي فحسب بل هي كانت تسود أغلب الأمصار والمدن التي شنت القتال ضد العدو الأجنبي وعلى سبيل المثال يكتب العلامة المذكور عن أحوال ثوار لكناؤ وحيث ذهب بعد الفرار من دلهي كالتالي.
وجم غفير لم يشهدوا حربا ولم يشاهدوا طعنا ولا ضربا ولم يعرفوا مصلحة ولم يزاولوا أسلحة ولم يلتحموا في معركة ولم يقتحموا في مهلكة. [10]
ومن الملاحظ أن العلامة الخيرآبادي قد أصدر الفتوى ضد الإنجليز المحتلين ولم يكن يحب وجودهم في أرض الهند فلم يدخر جهدًا لاستئصال جذور الحكم الأجنبي وإنه تكبد في هذا السبيل خسائر فادحة حتى نفي إلى جزيرة نائية كائنة في خليج بنغال معروفة ب أندومان ومع هذا كله فإنه لم يتردد في الإشارة إلى مواطن الضعف والوهن الموجودة في صفوف المقاتلين الهندوس إنه اعترف بالأمانة أن أغلبية الجنود المنحرفة لم تكن مخلصة في مقاومتها ضد الاستعمار الاجنبي أغلبيتهم إذ كان أكثر الثوار من انتهازيين ولم يكن عندهم أي طموح وتحمس في القتال ضد الحكام الإنجليز ومن هنا كلما وجدت هذه الفئة من الجنود المحليين الفرصة لبيع ضمائرهم بثمن بخس اقتنصها لتحقيق مصالحهم الذاتية والحكام الأجانب كانوا يدركون هذه الظاهرة السيئة ولذا إنهم أنفقوا أموالا طائلة لكسب تأييد الخونة الذين كانوا موجودين في صفوف الثوار, هؤلاء الخونة لم يكن غرضهم إلا كسب الأموال و الضياع على حساب المصالح القومية والوطنية وجاء العلامة الخيرآبادي بذكر هؤلاء الناس وألقى اللوم عليهم وقال إن من أهم أسباب الفشل للثورة كانت الدسائس التي قد دبرها بعض رجال البلاط الملكي تحقيقا لأهدافهم الذاتية ومن بين هؤلاء الرجال حسب قول العلامة الخيرآبادي كان حكيم أحسن الله خان الذي كان يعتمد عليه الملك ويتشاور معه في أكثر القضايا الحكومية والعسكرية ولكن الحكيم المذكور كان للنصارى مواليا في حبهم غاليا وعن عداهم ولا سيما لعداهم مبغضا قاليا[11]. وكثير من المؤرخين الآخرين قد أيدوا هذا الرأي للعلامة الخيرآبادي أي قالوا إن المنافقين من البلاط الملكي كانوا يحالفون ويدعمون الأعداء الإنجليز بتوفيرهم معلومات هامة متعلقة بالمناورات الملكية فيقول مؤرخ شهير وأديب أريب:
و كان عديد من المسلمين الذين كانوا يتظاهرون أمام الملك بأنهم من أخلص خلصائه ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا خونة ولو كان فيهم أي أثر للإسلام لما اجترأ أحد منهم على الخداع والدسيسة ضد الملك ومن أبرز هؤلاء الخونة السيد الهي بخش والسيد رجب علي والسيد أحسن لله خان وغيرهم و من الملاحظ أن الملك كان يعتمد على آرائهم ومشوراتهم وكان يعتبرهم من مقربيه الصادقين واذا قال شخص له شيئا ضد هؤلاء الناس فلم يكن يكن يلتفت إلى ذلك الشيء. [12]
ومن الجدير بالذكر أن السيد الهي بخش الآنف الذكر كان من أقرباء الملك إذ كانت بنته زوجة لولي العهد "مرزا فخر" ومن هنا كان له دخل كبير في الشؤون الحكومية وكان يدرك جيدًا ان الملك المغولي لم تبق له صلاحية ومقدرة على الدفاع عن العرش و لا بقاء له من دون المساعدة من الإنجليز الذين كانوا أكثر حيوية ونشاطا وكانوا يرتقبون فرصة لخلع الملك عن العرش وبسبب قرابته من الملك أنه لم يكن يود أن يوفر للإنجليز المحتلين حيلة لتحقيق أطماعهم السياسية ومن هنا نشاهده يبذل قصارى الجهود لإنقاذ الملك من وقوعه في بؤرة الهلاك والخراب وفي هذا السبيل إنه تعاون مع الإنجليز المستعمرين وتآمر معهم ضد الثوار الذين ما كانوا أكثر الأحيان يصغون إلى كلمات الملك ولا يمتثلون لأوامره وأحكامه. في رأي الهي بخش هؤلاء الثوار كانوا في الحقيقة متمردين ومتعنتين فلا يمكن لأحد كبت جموحهم وعصيانهم إذا فشل الإنجليز في التغلب عليهم حتى الملك سيكون رهينا لأوامرهم إذا كان النصر حليفا لهؤلاء الطغاة والهي بخش لم يكن وحيدا في هذا الرأي. العلامة الخير آبادي هو الآخر كان يعرف هذه الحقيقة وقد أشار إلى هذا الجانب وقال إن الثوار كانت لهم أغراض مختلفة فما كانوا متحدين على كلمة واحدة بل كانوا مختلفين في آرائهم ومقاصدهم فكثير منهم كان يريد أن يحقق مطامحه الذاتية عن طريق الثورة ولما وجد مثل هؤلاء الناس فرصة انغمسوا في أعمال السلب والنهب وفي ارتكاب الجرائم الأخرى فانتشر الفساد والاضطراب في أكثر أنحاء
عاصمة البلاد أي مدينة دلهي.
وعند ما بلغ السيل الزبى وباء المقاتلون والوطنيون بالفشل خرج العلامة الخيرآبادي مع أترابه من دلهي متوجها إلى مسقط رأسه خير آباد وفي أثناء الطريق لاقى صعوبات جمة قد جاء بذكرها في كتابه "الثورة الهندية" فحسب قوله كانت الطرق محفوفة بالمخاوف والأخطار إذ كان قطاع الطريق وأكثريتهم من قبيلة "الزط" منتشرين في أكثر الأنحاء والأكناف فكانوا ينتهبون أموال المارة يقتلونهم بلا هوادة والإنجليز حكام البلاد في ذلك الحين ما كانوا يتخذون أي إجراء ضد هؤلاء الطغاة والبغاة بل كانوا يشجعونهم على ارتكاب الجرائم والمعاصي ضد كل من كان يفر من عاصمة البلاد ومع هذا كله نجح العلامة الخيرآبادي في الوصول إلى خيرآباد وبعد ذلك كتب في هذا الصدد:
"فقد نجاني ومن معي مالك الملك من كل بلية وهلك وجاوز بي وبهم بحارا وأنهارا بلا جسر وفلك وحفظنا جميعا من آفات تلك المس افات والمهالك تلك المسالك والطرق وتلك الطرائق والقوارع وتلك الشوارع وبلغنا بوقايته الكافية وحمايته الوافية ونعمه الضافية ورحمته العافية وطني وسكني وداري وجاري وأهلي. [13]
وتجدر الإشارة إلى ان العلامة لم يستقر ببلدته لفترة طويلة بل سرعان ما توجه إلى مدينة لكناؤ حيث قد جمع كثير من الثوار والمنحرفين عن جيوش الإنجليز تحت قيادة ملكة زينت محل وولدها الصغير برجيس قدر والتحق العلامة الخير آبادي بهؤلاء الثوار وشارك معهم في المناوشات والمعارك ضد المستعمرين الأجانب وقدم للثوار المحليين النصائح والمشورات وأوضح لهم أن التفرقة في صفوفهم لن تسفر إلا عن هزيمة نكراء فعليهم أن يكونوا أمام الأعداء الغاشمين كالبنيان المرصوص ولكن مع الأسف الشديد كلماته هذه ما لاقت آذانا صاغية وذهبت أدراج الرياح وكانت نتيجة ذلك أن المقاتلين الوطنيين لم ينجحوا في طرد الاستعمار الأجنبي من البلاد وأصبحوا لقمة سائغة لأعدائهم اللدد.
ومن الأهمية بمكان أن نقول إن الذين كانت بأيديهم سلطة وزعامة الثوار في دويلة "أوده" ما كانوا قادرين على تدبير الأمور وتنسيقها ولم تكن عندهم خبرة لمحاربة الأعداء وذلك لأنهم ما خاضوا في أية معركة من قبل بل كان شغلهم الشاغل هو الاستمتاع بملذات الحياة وملاهيها وذلك لأن واليهم بنفسه كان منغمسا في اللهو واللعب ولم تكن له أي رغبة في تدبير الأمور الحكومية كما هو واضح من كلمات العلامة الخير آبادي التالية التي يكتب فيها عن الأمير برجيس قدر نجل الملكة زينت محل:
" وابنها صغير غرير غري ذو غرير لاه مع لداته لاه عن عدائه لا يستطيع أن يدبر في أمور الملك وتجويزها وإمضاء الأوامر وتنجيزها وقيادة الجيوش وتجهيزها. [14]
ومن الملاحظ هنا أن الأوامر الحكومية كانت تصدر بحكم وختم برجيس قدر الذي لم يبلغ سن رشده في ذلك الحين وبما أنه كان صغير السن فالآخرون من أقربائه ورجال بلاطه في الحقيقة كانوا يديرون شؤون الدولة وراء ستاره يعني ذلك لم يكن له أي حول وطول في الأمور
الحكومية فالسيد على محمد خاى بهادر المعروف ب ممو خان والسيد شهاب الدين والسيد بركات أحمد كانوا من أهم أركان الدولة وبرجيس قدر فكان هؤلاء الأشخاص يقومون بإدارة الأمور الحكومية حسب مصالحهم الذاتية وقد جاء العلامة الخير آبادي بذكرهم بقدر من التفصيل في كتابه "الثورة الهندية" وألقى اللوم عليهم واتهمهم بأنهم ما كانوا مخلصين وجادين في تدبير الأمور ولم تكن لهم كفاءة وموهبة وجدارة في تنظيم الأعمال وإعداد الجيش لمحاربة القوات الاستعمارية فكان كل منهم يتآمر ويتجسس على الآخر وكان يتربص كل منهم الفرصة لتحقيق أهدافهم الذاتية فما كانوا موالين للدولة ولكنهم كانوا يتظاهرون بأنهم من الأوفياء الصادقين لها وقد شاهد العلامة الخيرآبادي حركاتهم وسكناتهم عن كثب ولذا عدهم من المذبذبين الذين لا دين لهم ولا إيمان والذين يترددون في اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الإنجليز الغاشم وقد أشار العلامة إلى مثل هؤلاء المنافقين المحتالين كما يلي:
ومنهم مدبر لكنه مدبر يفضي به التدبير إلى الإدبار والدبار والتبار ويبصر أولو الأبصار بصائر الاعتبار وأكثرهم للنصارى ناصرون وفي توليهم متناصرون وكلهم عن تدبير تتبيرهم مقصرون أو مقصرون قاصرون أو متقاصرون. [15]
ومع هذا كله كان عدد ملحوظ من الثوار مخلصا وصادقا في قتاله ضد الاستعمار الأجنبي فكان هؤلاء مستعدين دوما للتضحية بأرواحهم وممتلكاتهم في سبيل بلدهم وربهم وماكانوا خائفين من كثرة العدة والعتاد لأعدائهم فكانوا يستكرهون كل من اختار طريق التملق والمداهنة لإنجاز مطامحه الشخصية وجل همهم في الحقيقة كان يتمركز في ابتغاء مرضاة الله وكانوا يبتغون الاستشهاد في الحرب ضد الأعداء الأجانب وقد نذروا حياتهم للقضاء على المحتلين الغاشمين الذين كانوا يسعون لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية ولنشر الديانة المسيحية على أنقاض الثقافة الإسلامية الهندية وهؤلاء المخلصون الصادقون من الثوار ما وجدوا فرصة إلا اقتنصوها لتوجيه ضربات قاسية فادحة ضد الإنجليز الخادعين الذين كانوا ينفقون أموالا طائلة لكسب تأييد الشعب الهندي كما كانوا يختارون جميع الحيل والوسائل للسيطرة على الموارد المالية المحلية وما كانوا يراعون في هذا السبيل إّلًا ولا ذمة والثوار المواطنون البواسل كانوا يعرفون جيدا طبائع الأعداء الأجانب ولذلك إنهم جهزوا أنفسهم لمواجهة تحديات وهجمات المحتلين الغاصبين وفي نفس الوقت أثاروا عواطف المواطنين الدينية والقومية وأوضحوا لهم خطورة الاحتلال الغاشم.
من أبرز هؤلاء الثوار الشجعان في رأي العلامة الخير آبادي كان الجنرال محمد بخت خان وأحمد الله شاه المدراسي وأمثالهما الآخرون ومما يبدو أن العلامة الخير آبادي كان متأثرًا للغاية بشخصية الشاه المدراسي لأنه كان حسب قوله "برًا تقيا ورعا صفيا نقيًا" وقد اجتمعت في وجوده الحسنات والخيرات والسعادات والمبرات ولا شك في أن الشاه المذكور كان متصفا بصفات عديدة فكان مجاهدا جليلا أديبا أريبا وعابدا ورعا وصوفيا صافيا ومقاتلا محنكا وقد اعترف بمواهبه الخارقة كثير من المؤرخين الهنود وغير الهنود وحتى الإنجليز الذين شن ضدهم الشاه المذكور المعارك والمناوشات كانوا يثنون عليه وكانوا يقدرون مساعيه في سبيل حرية البلاد وكانوا يقولون إن أحمد الله شاه كان مخلصا صادقا في إنقاذ وطنه من براثن الاستعمار الأجنبي فعلى سبيل المثال يكتب المورخ البريطاني الشهير مليسن عن الشاه المذكور قائلا:
إنه لم يتآمر ضد شخص ولم يقتل احدا لأغراض ذاتية وإنه قاتل المحتلين كالأبطال بالمروءة والكرامة وكان كفاحه ضد المستعمرين الأجانب الذين استولوا على بلاده وهذا المولوي يستحق كل احترام وتبجيل من كل شخص يحب الحق والشجاعة. [16]
ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن العلامة الخير آبادي كان متأثرًا للغاية بمعتقدات أحمد الله شاه الدينية وذلك لأنه كان هو الآخر يميل إلى التصوف والمتصوفين فكان يؤمن بأن النصر يكون حليفًا للشاه بدعوات وكرامات الصوفيين الكرام وخاصة بدعوات "محراب شاه" الذي كان الشاه المدراسي من مريديه وبإيعاز منه إنه خاض في غمار الحرب ضد المستعمرين الأجانب ولكن مع الأسف الشديد إن هذا الاعتقاد للعلامة قد باء بالفشل لأن الشاه قد اغتاله أحد أمراء الكفار وانتهى أمره بعد ذلك. وجنوده التي كانت تصاحبه وتساعده في المعارك والحروب قد انتشرت وفقدت وجودها حتى أصبحت نسيا منسيا. فهزيمته هذه أحكمت سيطرة الإنجليز على بلاد الهند ولم يبق لهم أي محارب جدير بالذكر والعلامة بجانبه قد أدرك جيدا أنه لا محيص من غلبة الاستعمار الأجنبي وأن هذا التسلط والتغلب مما قدرها الله للهنود بسبب أعمالهم السيئة.
وبعد هزيمة واغتيال الشاه المدراسي أوقف العلامة الخيرآبادي جهوده وكفاحه ضد الحكام الأجانب وفوض امره إلى الله وبدأ حياته مغتربا خائفا من بطش وجبروت السلطات الجائرة التي كانت وراء كل من له أدنى إسهام في الثورة ضد الإنجليز وبقي العلامة في هذه الحالة حتى سمع عن العفو العام من قبل الملكة فيكتوريا ورجع إلى أهله وداره ولكن سرعان ما تم إلقاء القبض عليه وجرت محاكمته في لكناؤ وفي نهاية الأمر نفي إلى جزيرة أندومان لقضاء بقية حياته فيها فلم يزل رهين الحبس في الجزيرة المذكورة حتى وافته المنية بتاريخ ٢٠ من أغسطس ١٩٦١
ومن الجدير بالذكر أن أولاد العلامة قد بذلوا جهدًا جهيدًا لإطلاق سراحه وإعادته إلى أرض الوطن وفي هذا الشأن انهم اتصلوا مباشرة بسلطات الحكومة البريطانية وأوضحوا لها ان العلامة لم يكن يتوقع أن إعلان العفو العام من قبل الملكة فيكتوريا هو مجرد خدعة ومكيدة وليس الغرض منها إلا إغراء الثوار بالخروج من مخابئهم وكذلك أثبتوا لها أن العلامة لم يقتل شخصا ولم يشارك في الأعمال الإجرامية أيا كان ولم يكبد أحدًا من الإنجليز أي ضرر وأذى أو خسارة وهو ليس ممن ارتكبوا الجرائم البشعة وعلاوة على ذلك فإن والده كان موظفا مرموقا في الشركة الشرقية الهندية وقام بخدمتها طوال عمره ولم يقصر قط عن واجباته الرسمية فكان يحظى بسمعه عالية لدى الحكام الانجليز وبناء على هذا كله اصدرت السلطات البريطانية حكم اطلاق سراحه وسمحت له بالرجوع إلى أسرته وموطنه فذهب واحد من فلذات كبده وهو شمس الحق بهذا النبأ السار إلى إندومان ليرجع به إلى مسقط رأسه. وفي هذا الصدد يقال إنه لما وطأت قدماه سواحل بورت بلير بجزائر إندومان رأى موكب جنازة فسأل شخصًا: لمن هذا الموكب؟ فجاء الرد: " للعلامة فضل حق الخيرآبادي" فشيع شمس الحق هذا الموكب وشارك في أداء الطقوس المتعلقة بدفن الموتى من المسلمين ورجع إلى بلده خائبا وخاسرًا وصفر اليدين.




[ 1]  باغي هندوستان للسيد محمد عبد الشاهد خان الشرواني ص ٦٤- ٣٦٣
[2] الثورة الهندية (باغي هندوستان للشيخ عبد الشاهد خان الشرواني) ص ٣٧٦
[3] المقبرة يعني مقبرة همايون الشهيرة وهي في هذه الأيام من أهم الآثار التاريخية السياحية
[4] الثورة الهندية (باغي هندوستان للشيخ عبد الشاهد خان الشرواني) ص ٨٠- ٣٧٩
Ahmad Nizami P. 07[5] The Role of Muslim in the Indian Freedom Struggle 1857-1947 by Prof. Zafar
[6] باغي هندوستان للشيخ عبد الشاهد خان الشرواني ص ٣٦٧
[7] المصدر السابق ص ٣٦٧
[8] المصدر السابق ٣٦٢
[9] المصدر السابق ص ٦٣- ٣٦٢
[10] المصدر السابق ص ٣٩٤
[11]   المصدر السابق ص ٣٦٢
 [12]  ١٨٥٧  ، تاريخي ، علمي اور ادبي لو للسيد محمد اكرام تشتغتائي ص 148
[13] باغي هندوستان للسيد محمد عبد الشاهد خان الشرواني ص ٣٨٩
[14] المصدر السابق ص٩١- ٣٩٠
[15] المصدر السابق ص٩٢- ٣٩١
[16] History of the Indian Mutiny by Malleson Vol. iv P. 381

هناك تعليق واحد:

  1. توفي فضل الحق خيرآبادي في 1861م لا 1961م
    ولعله سهو ، أو زلة قلم .

    ردحذف

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة