أحدث المشاركات

الأحد، 24 يوليو 2016

قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم : تحفة هندية رائعة في المديح النبوي



د: ن/ أ، محمد عبد القادر


  التوطئة :




" أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم" للإمام شاه ولي الله الدهلوي
إعداد:  محمود شمّاس الوافي ابن حيدر علي الفيضي الكُتِّبُّرَمِيِّ
والذي تعرضت له  المواقع السلفية – (حيث تجرء  بيان تراجم أعلام اسلامية  من العلماء القدامي خاصة ممن لا ينساهم التاريخ بعطاياهم الميمونة العملاقة وعند تعريف مناهجهم لا سيما العقيدة والمذهب الفقهي تستتر الحقائق من جعل كلا منهم – أو يوهمون القارء -  أصحابَ اللامذهبية والحاقيدن على فعاليات تراثية كأنهم لم يأخذوا من المذاهب الأربعة شيئا أو لم يعتمدوا عليه البت ولم ينتموا إلى مذهبين – الماتريدية والأشعرية- ) ليس بصحيح بل ليس له من  ذرة الحق نصيب ، فمن المجروحين بذلك الشيخ شيخ الإسلام شاه ولي الله الدهلوي الحنفي الماتريدي
يُعدُّ الإمام شاه ولي الله الدهلوي أبرز أعلام الهنود  الذين لعبوا  دورا مهما ذهبيا  وقياديا في مختلف المجال الإنسانية والعلمية كتأليف الكتب في فنون إسلامية كالفقه والنحو والحديث والتفسير وغير ذلك والإصلاحِ القومي مستأصلي البدع والانحرافات وأرفعهم شأناً وأبعدهم صيتاً، وبلغ الإمام شأواً عالياً عندهم، وأقبلوا على قراءة مصنفاته وتدارسها وتعليمها، حتى يوجد له نظير  لا فيمن عاصروه فحسب، بل في من أتى قبل وبعد، فلا يبعد إذا قلنا إن الإمام كان من رواد الأدب العربي في الهند، وأن له يد طولى في قرض الشعر والقصائد،  رغم أنه لم  يشتهر في الأدب العربي كما اشتهر في العلوم الإسلامية  لأن العلوم الإسلامية  احتلت شوطا كبيرة من معظم  مكاتبه
ومما يُبدي مواهبه الأدبية ديوانُه العربي الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين، يوجد فيه  هذه القصيدة البائية التي تعتبر واحدة من أروع المدائح النبوية  للشعراء الهنود ، وقد شرحها بنفسه تحت عنوان " أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم"
إن لهذه القصيدة الأنيقة أهمية تاريخية كبرى حيث كتبها الإمام في عصر يُعبتر عصر  التدهور والانهيار والانخفاض من ناحية السياسية واضطراب الخلقي والخُلقي على الأمة  الإسلامية الهندية ولاقت الدولة الإسلامية  أوج الانشجاب والاندراس طبقا لأسباب لا يليق الذكر هنا ووجد الاستعمار  البريطاني ثغرا واسعَ المدى وثلمةً مديدا في الروح الهندي لتوطيد أقدامها  في ربوعها  أكثر ما كان من قبل .
أما جانبها (القصيدة) الأدبي فمن مساهمات مرموقة للشعر الأدبي العربي الهندي الذي بيضه الأيادي الهندية فالقصيدة تحتوي كل من إثارة العواطف، والشمائل النبوي الكريمة ، وأخلاقه وذكر بعض معجزاته ووصف الأوضاع الاجتماعية والدينية إبان بعثته وبث الشكوى إلى النبي صلعم عما يعانيه من الهموم والأحرزان والاستشفاع به والاعتصام للتخليص من جميع التحديات والمشكلات، قد بالغ الإمام في التوكإِ على القرآن والسنة  وكتب السيرة النبوية،
وليس عندنا أقوى أدلة تسفر عن عقيدة الإمام الدهلوي مما قال الدهلوي نفسه طوال القصيدة وعن غير توهّبه أيضا كما صوره العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله  متأثرا بدعوة محمد بن عبد الوهاب ، حين يقول في ترجمة حياة الإمام شاه ولي الله الدهلوي  خلال بيان أوضاع العالم الإسلامي " ويزيِّنون الناس التماسَ الشفاعة من دفناء القبور ( رجال الفكر والدعوة الجزء الرابع ص 415)  حتى نرى أن الامام قد تكاثر  في التوسل مستغيثا به وفي الشكوى إلى الحضرة النبوية الشريفة ولاستشفاع له . فماذا يقول الندويُّ إذا سأله الشاه ولي الله الدهلوي-  رحمهما الله - يوم الواقعة أما رأيتَ قولي
وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة                                بمغن كما أثنى سواد بن قارب
وأنت مجيري من هجوم بملة                          إذا أنشبت في القلب شر المخالب
وأنت صرفت أوقاتك لإعداد ترجمتي وقرأت جميع مؤلفاتي فلما كنت أنت مخطِءا  في حقي أنا بما تصديتَ  لمزاعم ما وافقته أبدا، ولماذا – أيها الندوي- جلبتَ أيضا مخالف التوسل والاستغاثة بالأولياء وازدريت بهما والذي أخالفه البت حيث قلت " وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشائخ إنما كان تقليدا ناجحا لأعمال والتقاليد التي كانت تُنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقديسين عندهم، فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم (المرجع السابق ص 508) فبماذا تنبس بقول عما قلتُ في الدنيا
إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                                                  تحيط بنفسي من جميع جوانب
تطلبت هل من ناصر أو مساعد                           ألوذ به من خوف سوء العواقب
فلست أرى إلا الحبيب محمداً                                  رسول إله الخلق جم المناقب
وصلى عليك اللّه يا خير خلقه                               ويا خير مأمول ويا خير واهب
ويا خير من يرجى لكشف رزية                               ومن جوده قد فاق جود السحائب
أليس فيها الاستغاثة بالنبي الذي مات  والاستعانة به،ومدُّ يد الطلب والضراعة إليه، ما الذي بعثك أن تجرأتَ على ما كتبت نفسك إبان تراجمي ولمِا عرَّفت  العربَ والعجمَ   الأغاليطَ عن عقيدتي،،اللهم إن هذا الخطاب يواجهه كل من على منوال الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله والذين جعلوا الحق كذبا والكذب حقا، وتطالوا في شأن الإمام، كانوا ويكونون،  إذالساعة قامت، (وقد أضفنا دراسة مفصلة عن الإمام "شيخ الإسلام الإمام شاه ولي الله الدهلوي أشعريا،صوفيا ، مذهبيا ، كاتبا")
مدخل إلى الدراسة 
  هذا البحث المفيد يلقي الضوء علي مضامين
                                           ·      مفهوم المديح النبوي
  ·      النشأة المديح النبوي وتطوره
  ·       مساهمة الهندود في الشعر العربي
  ·      المديح النبوي في الشعر العربي الهندي
  ·      شاه ولي الله الدهلوي
  ·      قصيدة "أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم"
  ·      الأهمية التاريخية
·      الخاتمة
·      النص الكامل للقصيدة
·      ملحقات 


مفهوم المديح النبوي
شعر المديح النبوي هو الشعر الذي نظم في مدح النبي محمد    بتعداد صفاته الخَلقية والخُلقية وإظهار الشوق لرؤيته وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول ، مع ذكر معجزاته المادية والمعنوية ونظم سيرته شعرا والإشادة بغزواته وصفاته المثلى والصلاة عليه تقديرا وتعظيما. والمديح النبوي في قول زكي مبارك: "فن من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهو لون من التعبير عن العواطف الدينية وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص"[1]
يستوحي المديح النبوي مادته الأصلية والإبداعية ورؤيته الإسلامية من القرآن الكريم أولا والسنة النبوية ثانيا. وهناك مصادر ثانوية للمدائح النبوية وهي كتب السيرة التي تتمثل في مجموعة من الوثائق والمصنفات التي كتبت حول سيرة الرسول وكتب التفسير التي بينت حياة الرسول بيانا واضحا.
نشأة المديح النبوي وتطوره
وُلد المديح النبوي في الشعر العربي مع مولد النبي ، وانتشر بعد ذلك مع انطلاق الدعوة الإسلامية، ولكن المديح النبوي بسماته الخاصة لم يظهر إلا بقصيدة البردة المشهورة للشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري.
وقد ازدهر المديح النبوي ازدهارا واضحا في الفترات التي عانى فيها المسلمون المحن والشدة، فنرى لنضج المديح النبوي ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي المرحلة التأسيسية في فترة الدعوة الإسلامية. وكان الرسول في تلك المرحلة يوجه الشعراء إلى الدفاع عن العقيدة ورد هجوم المشركين نحو الرسول وأصحابه[2]
تطور فن المديح النبوي في هذه المرحلة على يد الشعراء الذين دافعوا عن الإسلام ورسوله الأمين. ومن بينهم شاعر الرسول حسان بن ثابت وصاحب البردة (بانت سعاد) كعب بن زهير وعبد الله بن رواحة. ومن أهمّ قصـائد المديـح النبـوي في المرحلة التأسيسيـة لاميّـة كعب بن زهيـر بن أبـي سلمى.
والمرحلة الثانية لتطور المديح النبوي هي المرحلة الوسيطة، وتعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الحقيقة لتأسيس فن مستقل في المديح النبوي، وذلك بقصيدة الإمام البوصيري المشهورة بالبردة. وعهد البوصيري عهد المحن والفتنة للأمة المسلمة إذ وقعت فيه الحروب الصليبية. فمن الطبيعي أن ترجع الأمة المسلمة إلى التعاليم الإسلامية والشخصية المثالية لرسوله وأن تكون هذه من أهم موضوع الشعر العربي. وفي هذه المرحلة أيضا ظهرت في العربية أشعار تصوفية. وكان البوصيري (محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري) واحدا من أهم المتصوفين المصريين في عصره[3].
ويعتبر العصر الحديث مرحلة ثالثة لازدهار المدائح النبوية، لأنه هو عصر التحدي الأكبر، فالقوات الاستعمارية سيطرت الوطن الإسلامي حقبة من الزمن، وهي لا تزال تطلع إلى أراض جديدة واسعة في العالم العربي، ولذلك تعود المدائح النبوية قوة دافعة من جديد، وتعود السيرة النبوية مثلا أعلى وقدوة يتبعها السائرون، فلا غرو أن يظهر لون جديد أيضا بحكم التطور الفني المعاصر[4].
 مساهمة الهنود في الشعر العربي
قد أسهمت الهند في الأدب العربي مساهمة تستحق العناية والتقدير، وأما الشعر العربي بخصوصه فقد لقي رواجا كبيرا في الهند حيث أنجبت نوابغ من الشعراء الذين أغنوا الشعر العربي بقرائضهم البديعة. ويرجع فضل انتشار الشعر العربي في الهند إلى النظام التعليمي السائد في المدارس الدينية في مختلف العصور حيث كان يهتم بالأدب العربي اهتماما بالغا. يقول الدكتور نبيل فولي: لم يغب عن النظام التعليمي الذي استقر في الهند على صورة "درس نظامي" الشهير هذا الرباط المقدس بين الإسلام واللغة العربية، فأولَوا علوم اللغة العربية وأدبها اهتمامًا بارزًا إلى جانب العلوم الشرعية، حتى صارت دراسة مقامات الحريري وديوان أبي الطيب المتنبي وديوان الحماسة وديوان حسان بن ثابت من ثوابت هذا المنهج. وقد استثارت هذه الدراسة الأدبية قريحة المتعلمين، حتى شارك كثير منهم في قرض الشعر باللسان العربي، ولعل الاهتمام بحفظ هذه المتون الأدبية واستظهارها قد أسهم في تعزيز هذا التوجه نحو الشعر العربي.[5]
وأما أهم السمات التي يمكن ملاحظتها على العربية وشعرائها في شبه القارة الهندية فتتلخص فيما يلي:
أ- غلب الاهتمام بالعلم الشرعي على أكثر هؤلاء الشعراء، فمنهم المحدث والمفسر والأصولي والفقيه، ويندر أن نجد من بينهم من غلب عليه الأدب.
ب- التقليد واقتفاء أثر الشعراء السابقين، وما يتبع ذلك من الركاكة، مع فخامة الألفاظ وغرابتها في أحايين كثيرة، حيث بدا الشعر القديم نموذجًا لا يقصّر الشاعر الهندي في احتذائه، حتى في موضوعاته وطرق تعبيره، فانحصر أغلب شعرهم في المدح والرثاء. ولعل من أسباب الضعف الذي عانى منه أكثر هذا الشعر أيضًا - إضافة إلى غرابة لغة القريض على طباعهم - أن الشاعر الهندي الذي كتب بالعربية كان منغمسًا في العلم والتعليم، فانعكس ذلك في شعره.[6] فكان علماء الهند كأنهم كانوا يتمثلون بقول الإمام الشافعي رحمه الله :
ولولا الشعر بالعلماء يزري                 لكنت اليوم أشعر من لبيد
المديح النبوي في الشعر العربي الهندي
وإذا تتبعنا الشعر العربي الهندي وجدنا أن المدائح النبوية تحتل حصة كبيرة منه، ففي رأي الدكتور نبيل فولي "هذا اللون من القصائد، المخصَّص لمدح النبي صلى الله عليه وسلم شائع في آداب المنطقة بكل لغاتها، ويسمونه بالنعت، وقد أُبدعت فيه قصائد ودواوين كثيرة جدًا، حتى إن بعض شعراء شبه القارة قد لا يبدع شعرًا إلا في هذا اللون وحده."[7]
شاه ولي الله الدهلوي
هو شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العمري الدهلوي، ولد في بيت علم وفضل وتدين في 1114هـ . أخذ العلوم عن والده الذي تعهده وتولى تربيته الفكرية والروحية، وكان شيخا من مشايخ الطريقة النقشبندية فأخذها عنه ولده. أقام بالحجاز عامين وأخذ عن شيوخها كالشيخ طاهر محمد بن إبراهيم الكردي بالمدينة والشيخ وفد الله المالكي وتاج الدين القلعي بمكة. كان بحرا في علوم كثيرة عربية وإسلامية وقطبا في زمانه تشد إليه الرحال، حباه الله من الكشف والفهم ما جعله فريدا في نهجه، وجمع بين الحديث والتصوف. وله مؤلفات عديدة أحصى منها السيد عبد الحي الحسني اللكنوي خمسة وثلاثين في مختلف المعارف الإسلامية والعربية[8].
قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم
هذه قصيدة بائية شهيرة في مائة بيت وستة، توجد في ديوانه الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين. وقد شرح الشاعر نفسه هذه القصيدة في كتاب صغير يعرف بنفس العنوان.
يبدأ الشاعر هذه القصيدة بذكر ما يعاني منه من المصائب التي يقفو بعضها بعضا وتشغله عن كل راحة، فإنه قد ضاقت صدره من الأزمات والمشكلات التي تحيط به من جميع الجوانب، فيبحث عن ناصر يلوذ به ويلجأ إليه في حل هذه الأزمات وفي تفريج هذه الكرب، فلا يجد إلا النبي محمدا ، يقول في مطلع القصيدة:
كأن نجوماً أومضت في الغياهب             عيون الأفاعي أو رؤوس العقارب
إذا كان قلب المرء في الأمر خاثراً           فأضيق من تسعين رحب السباسب
وتشغلني عني وعن كل راحتي                   مصائب تقفو مثلها في المصائب
إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                          تحيط بنفسي من جميع جوانب
تطلبت هل من ناصر أو مساعد              ألوذ به من خوف سوء العواقب
فلست أرى إلا الحبيب محمداً                        رسول إله الخلق جم المناقب
ومعتصم المكروب في كل غمرة                        ومنتجع الغفران من كل هائب




ثم يمضي في مدح الرسول فيتحدث عن شرف نسبه وخصائصه الخَلقية والخُلُقية التي تدل على أنه كان أحسن الناس خلقا وخلقة، وأنه هو الإنسان الكامل والمثل الأعلى للإنسانية جمعاء،  فيقول:
سلالة إسماعيل والعرق نازع                           وأشرف بيت من لؤي بن غالب
بشارة عيسى والذي عنه عبروا                   بشدة بأس بالضحوك المحارب
ومن أخبروا عنه بأن ليس خلقه              بفظ وفي الأسواق ليس بصاخب
ودعوة إبراهيم عند بنائه                                   بمكة بيتاً فيه نيل الرغائب
جميل المحيا أبيض الوجه ربعة                      جليل كراديس أزج الحواجب
صبيح مليح أدعج العين أشكل                    فصيح له الإعجام ليس بشائب
وأحسن خلق اللّه خلقاً وخلقة                        وأنفسهم للناس عند النوائب
وأجود خلق اللّه صدراً ونائلاً                            وأبسطهم كفاً على كل طالب
وأعظم حر للمعالي نهوضه                         إلى المجد سام للعظائم خاطب
ترى أشجع الفرسان لاذ بظهره                   إذا احمر باس في بئيس المواجب
ثم ينتقل إلى بيان الأوضاع التي سادت في القرن السادس الميلادي قبل البعثة النبوية ويبين كيف من الله على المجتمع الإنساني ببعث حبيبه محمد على فترة من الرسل يقيم لهم دينهم الذي ارتضى لهم، من بعد ما كان المشركون يفترون على الله الكذب ويحلّون ما حرّم الله ويحرّمون ما أحلّ الله، وكان اليهود والنصارى يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وكان الناس يعانون من جور الحكام واستبدادهم، فأرسل إليهم الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وأنزل إليه الكتاب يتلى عليهم، وما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه. يصور الشاعر هذه الأمور في الأبيات التالية:
   أتانا مقيم الدين من بعد فترة               وتحريف أديان وطول مشاغب
       فيا ويل قوم يشركون بربهم                وفيهم صنوف من وخيم المثالب
               ودينهم ما يفترون برأيهم                     كتحريم حام واختراع السوائب
ويا ويل قوم حرفوا دين ربهم                    وأفتوا بمصنوع لحفظ المناصب
ويا ويل من أطرى بوصف نبيه              فسماه رب الخلق اطراء خائب
ويا ويل قوم قد أبار نفوسهم                    تكلفَ تزويق وحب الملاعب
ويا ويل قوم قد أخف عقولهم                 تجبر كسرى واصطلام الضرائب
فأدركهم في ذاك رحمة ربنا                    وقد أوجبوا منه أشد المعائب
    فأرسل من عليا قريش نبيه                    ولم يك فيما قد بلوه بكاذب
    ومن قبل هذا لم يخالط مدارس ال              يهود ولم يقرأ لهم خط كاتب
فأوضح منهاج الهدى لمن اهتدى             ومن بتعليم على كل راغب
ثم يشرع في سرد المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ، فإن من علامات الأنبياء وقوع خوارق العادات لهم شاهدة بصدقهم، وهي أفعال يعجز البشرعن مثلها فسميت بذلك معجزة، وقد وقع لسيدنا محمد  معجزات عديدة،. يقول الشاعر:
نصدق دين المصطفى بقلوبنا                      على بينات فهمها من غرائب
براهين حق أوضحت صدق قوله                 رواها ويروي كل شب وشائب
من الغيب كم أعطى الطعام لجائع           وكم مرة أسقى الشراب لشارب
  وكم من مريض قد شفاه دعاؤه              وإن كان قد أشفى لوجبة واجب
    ودرت له شاة لدى أم معبد                         حليباً ولا تسطاع حلبة حالب
 وقد ساخ في أرض حصان سراقة                  وفيه حديث عن براء بن عازب
وقد فاح طيباً كفّ من مسّ كفه             وما حل رأساً جس شيب الذوائب
وألقى شقي القوم فرث جزورهم                  على ظهره واللّه ليس بعازب
فألقوا ببدر في قليب مخبث                   وعم جميع القوم شؤم المداعب
     وأخبر أن أعطاه مولاه نصرة                  ورعباً إلى شهر مسيرة سارب
فأوفاه وعد الرعب والنصر عاجلاً             وأعطى له فتح التبوك ومارب
    وأخبر عنه أن سيبلغ ملكه                    إلى ما أرى من مشرق ومغارب
   فأسبل رب الأرض بعد نبيه                     فتوحاً توارى ما لها من مناكب
وكلمه الأحجار والعجم والحصى           وتكليم هذا النوع ليس برائب
وحنَّ له الجذعُ القديمُ تحزناً                 فإن فراق الحب أدهى المصائب
وأعجب تلك البدر ينشق عنده                وما هو في إعجازه من عجائب




ولكن أعظم هذه المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة هو القرآن الكريم. يقول الشاعر:
  وراعت بليغ الآي كل مجادل                    خصيم تمادى في مراء المطالب
براعة أسلوب وعجز معارض                    بلاغة أقوال وأخبار غائب

ثم يشرع في مدح أصحابه وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه، فيقول في مدح أصحابه الذين ثبتوا معه كالجبال في العسر واليسر، وفي الرخاء والشدة، وقد وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم:
    إذا ما أثاروا فتنة جاهلية                        يقود ببحر زاخر من كتائب
 يقوم لدفع البأس أسرع قومه                بجيش من الأبطال غر السلاهب
 أشداء يوم البأس من كل باسل             ومن كل قوم بالأسنة لاعب
  توارث أقداماً ونبلاً وجرأة                      نفوسهم من أمهات نجائب
جزى اللّه أصحاب النبي محمد          جميعاً كما كانوا له خير صاحب

ويقول في مدح أهل بيته أبياتا رائعة، ويدعو الله تعالى أن يجعل أمرهم على الخير والاستقامة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويعد ثلاث خصال من أعجب العجائب، وهي نجابة ذرية أبي طالب، وخلافة بني العباس، ودين النبي محمد ،  ويذكر أنه لا يزال طائفة منهم ظاهرين على الحق، بعضهم يجاهدون بالسيوف القواطع، وبعضهم بالحجج والبراهين السواطع:
وآل رسول اللّه لا زال أمرهم


قويماً على ارغام أنف النواصب
ثلاث خصال من تعاجيب ربنا


نجابة أعقاب لوالد طالب

خلافة عباس ودين نبينا


تزايد في الأقطار من كل جانب

يؤيد دين اللّه في كل دورة


عصائب تتلو مثلها من عصائب

فمنهم رجال يدفعون عدوهم


بسمر القنا والمرهفات القواضب

ومنهم رجال يغلبون عدوهم


بأقوى دليل مفحم للغواضب

أشداء يوم البأس من كل باسل


ومن كل قوم بالأسنة لاعب

ثم يذكر أنه يرى وجهه الكريم في المنام في بعض الأحيان فيفديه بنفسه وذويه، وأنه يعتريه لذكرىه هزة لا يعرفها إلا ذو حظ عظيم، ثم يصلي على النبي ويثني عليه ويستشفع به:
ويبدو محياه لعيني في الكــــــرى                 بنفسي أفــدّيــــــــه إذاً والأقــــــارب
وتـدركني في ذكـــره قـشـعــريرة                  من الوجــــد لا يحويه عــلــم الأجانب
وألـــفي لـــروحي عند ذلك هـزة                وأنســـــــــا وروحا فيه وثبـــــة واثب
وإنك أعلى المرسليــــن مكانــــــة                  وأنت لهم شـمـس وهـم كالــثـواقـــــب
وصل إلهي كلما ذرّ شــــــــــارق                    عـلى خاتـم الرســــــل الكرام الأطايب
وصلى عليك اللّه يا خير خلقه            ويا خير مأمول ويا خير واهب
ويا خير من يرجى لكشف رزية            ومن جوده قد فاق جود السحائب
فأشهد أن اللّه راحم خلقه                وأنك مفتاح لكنز المواهب
 وأنك أعلى المرسلين مكانة                 وأنت لهم شمس وهم كالثواقب
وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة               بمغن كما أثنى سواد بن قارب
وأنت مجيري من هجوم ملة                  إذا أنشبت في القلب شر المخالب
وأخيرا يقول: لا أخشى الأزمات ولا البليات، لأني متحصن في قلاع محكمة مشيدة، وفي حراسة جنود مجندة، يريد أنه قد اعتصم بالحبيب محمد في حفظه عن جميع البلايا والمهلكات:
 فما أنا أخشى أزمة مدلهمة                   ولا أنا من ريب الزمان براهب
فإني منكم في قلاع حصينة                  وحد حديد من سيوف المحارب
وليس ملوماً عي صب أصابه              غليل الهوى في الأكرمين الأطائب
الأهمية التاريخية
حكم المسلمون الهند منذ أن فتحها محمد الغزنوي سنة (392 هـ ﷺ 1001م)، وتتابعت الدول في حكمها فترة بعد فترة، حتى ألقت بمقاليدها إلى الأسرة التيمورية؛ فنهضت بأعباء الحكم، وأقامت حضارة شاهدة على ما بلغته من تقدم وازدهار، ثم وفد الإنجليز إلى الهند تجارا، فأكرم الحكام المسلمون وفادتهم، وساعدوهم في تجاراتهم، وشيئًا فشيئًا اتسع نفوذهم، وعهد إليهم الحكام المسلمون بالقيام على بعض الأعمال، ولم يكن وجودهم خطرا يهدد الدولة في فترة قوتها، حتى إذا ضعفت أسفر الإنجليز عن وجههم القبيح، وسيطروا على الهند، وعلى حكامها المسلمين الذين بلغت دولة الهند في عهدهم مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو.
وفي ظل هذه الأجواء المتردية، وانشغال الحكام بأنفسهم، وانصرافهم إلى ملذاتهم، تداعت صيحات مخلصة تنبه القلوب الغافلة، وتوقظ العيون النائمة، وتبث العزم في النفوس الخائرة؛ كي تهب وتستفيق وتقوم بما يجب عليها، وتعيد أمجاد الماضي وتسترد نسماته العطرة، وكان شاه ولي الله الدهلوي أعلى  تلك الأصوات، وأكثرها حركة ونشاطا. فإنه قام بعمل تجديدي وإصلاحي ضخم جدا. وإنما يمكن تخيل ضخامة ذلك العمل التجديدي إذا اطلعنا على أحوال المسلمين في الهند في تلك الفترة، وتصورنا تلك الظروف التي آلت إليها الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية للمسلمين في الهند في الفترة التي بدأ فيها الشيخ عمله التجديدي.
فكان من الطبيعي أن يدعو هذا المجدد الأمة المسلمة إلى التعاليم الإسلامية والشخصية المثالية للرسول ، وأن يقرض هذه القصيدة الرائعة التي تتسم بصدق العاطفة ومتانة اللغة وجزالة الألفاظ وفخامة المعاني، كما ليس بغريب على ولي الله ذي الباع في العرفان والتصوف أن يقطر شعره حبا ومدحا لرسول الله .
الخاتمة
وفي نهاية المطاف يمكن أن نستنتج مما سبق النقاط التالية:
Ø   ولد المديح النبوي في الشعر العربي مع ولادة النبي ، وانتشر مع انطلاق الدعوة الإسلامية.
Ø   ازدهر المديح النبوي في العصور التي عانى فيها المسلمون البلاء والشدة.
Ø   لقي الشعر العربي رواجا كبيرا في الهند، ويرجع فضله إلى النظام التعليمي السائد في المدارس الدينية في مختلف العصور، فإنه كان يهتم بالأدب العربي اهتماما بالغا.
Ø   من أهم سمات الشعر العربي في الهند غلب الاهتمام بالعلم الشرعي على أكثر الشعراء، والتقليد واقتفاء أثر الشعراء السابقين، وما يتبع ذلك من الركاكة، مع فخامة الألفاظ وغرابتها في أحايين كثيرة.
Ø   المدائح النبوية تحتل  حصة كبيرة من الشعر العربي الهندي، حتى إن بعض الشعراء كانوا لا يبدعون إلا في هذا النوع وحده.
Ø   يعتبر شاه ولي الله الدهلوي علما من أعلام الأدب العربي في الهند، ولكنه لم يشتهر في الأدب العربي كما اشتهر في العلوم الإسلامية، ومقامه الذي لا ينازعه فيه أحد هو في العلوم الإسلامية والعرفان.
Ø   من أهم إنتاجاته الأدبية ديوانه العربي الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين، يوجد فيه هذه القصيدة البائية التي تعتبر واحدة من أروع المدائح النبوية للشعراء الهنود، وقد شرحها بنفسه تحت عنوان "أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم".
Ø   ولهذه القصيدة أهمية بالغة من الناحية التاريخية، حيث إن شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله عاش في عصر بلغت فيه دولة المسلمين في الهند مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو، وأخذ المستعمرون يتسع نفوذهم حتى استولوا أخيرا على الهند. وكانت الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية للمسلمين في الهند في تلك الفترة في غاية التدهور والانهيار، فكانت الأوضاع مواتية لازدهار المديح النبوي.
Ø   ومن الناحية الأدبية يمكن أن نأخذ هذه القصيدة خير مثال للشعر العربي الهندي الذي ازدهر على أيدي العلماء الإسلاميين، فهذه القصيدة تتسم بصدق العاطفة ومتانة اللغة وروعة الأسلوب، وتحتوي على درر المعاني الإسلامية  وشمائل النبي الكريم وأخلاقه وذكر بعض معجزاته ووصف الأوضاع الاجتماعية والدينية إبان بعثته وبث الشكوى إلى النبي عما يعانيه من الهموم والأحزان والاستشفاع به والاعتصام به للتخلص من جميع التحديات والمشكلات. وقد استوحى مادته الأصلية والإبداعية من القرآن والسنة وكتب السيرة النبوية. وتبدو في القصيدة براعة الشاعر في اختيار الكلمات والتراكيب وتمكنه من قرض الشعر وإتقانه للغة ورسوخه في العلوم الإسلامية.
Ø    لا نجد في هذه القصيدة ما يسمى تجديدا في هذا المجال، ولا غرو حيث إن الشاعر عاش في القرن الثامن عشر الميلادي، وفي تلك الأيام كان الشعر العربي جامدا في موضوعاته وساذجا في فكره، ولم يحظ الشعر العربي بالنهضة الحديثة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي. على الرغم من ذلك يمكن أن نعد هذه القصيدة واحدة من القصائد الرائعة من الطراز الكلاسيكي. 





[1] . د/ زكي مبارك، المدائح النبوية في الأدب العربي، ، المكتبة العصرية، بيروت، ط:1، 1935، ص:17
[2] . د/ ماهر حسين فهمي، قضايا في الأدب والنقد رؤية عربية، وقفة خليجية، دار الثقافة، دوحة، قطر، ط: 1986، ص: 93-94
[3] . نجمة حجار، مقالة في صفحة ويب : http://forum.stop55.com/216786.html
[4] . د/ ماهر حسن فهمي، ص: 94
[5] د\ نبيل فولي، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت
[6] المرجع السابق
[7] نفس المرجع
[8] د/ أحمد إدريس، الأدب العربي في شبه القارة الهندية حتى أواخر القرن العشرين، الهرم: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1998، ص: 424

النص الكامل

النص الكامل
كأن نجوماً أومضت في الغياهب             عيون الأفاعي أو رؤوس العقارب
إذا كان قلب المرء في الأمر خاثراً              فأضيق من تسعين رحب السباسب
وتشغلني عني وعن كل راحتي                   مصائب تقفو مثلها في المصائب
إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                          تحيط بنفسي من جميع جوانب
تطلبت هل من ناصر أو مساعد              ألوذ به من خوف سوء العواقب
فلست أرى إلا الحبيب محمداً                        رسول إله الخلق جم المناقب
ومعتصم المكروب في كل غمرة                        ومنتجع الغفران من كل هائب
ملاذ عباد اللّه ملجأ خوفهم                              إذا جاء يوم فيه شيب الذوائب
إذا ما أتوا نوحاً وموسى وآدماً              وقد هالهم إبصار تلك الصعائب
فما كان يغني عنهم عند هذه                            نبي ولم يظفرهم بالمآرب
هناك رسول اللّه ينجو لربه                              شفيعاً وفتاحاً لباب المواهب
فيرجع مسروراً بنيل طلابه                            أصاب من الرحمن أعلى المراتب
سلالة إسماعيل والعرق نازع                           وأشرف بيت من لؤي بن غالب
بشارة عيسى والذي عنه عبروا                   بشدة بأس بالضحوك المحارب
ومن أخبروا عنه بأن ليس خلقه              بفظ وفي الأسواق ليس بصاخب
ودعوة إبراهيم عند بنائه                                   بمكة بيتاً فيه نيل الرغائب
جميل المحيا أبيض الوجه ربعة                      جليل كراديس أزج الحواجب
صبيح مليح أدعج العين أشكل                    فصيح له الإعجام ليس بشائب
وأحسن خلق اللّه خلقاً وخلقة                        وأنفسهم للناس عند النوائب
وأجود خلق اللّه صدراً ونائلاً                            وأبسطهم كفاً على كل طالب
وأعظم حر للمعالي نهوضه                         إلى المجد سام للعظائم خاطب
ترى أشجع الفرسان لاذ بظهره                        إذا احمر باس في بئيس المواجب
وآذاه قوم من سفاهة عقلهم                          ولم يذهبوا من دينه بمذاهب
فما زال يدعو ربه لهداهمُ                          وإن كان قد قاسى أشد المتاعب
وما زال يعفو قادراً من مسيئهم            كما كان منه عنده جبذة جاذب
وما زال طول العمر للّه معرضاً           عن البسط في الدنيا وعيش المزارب
بديع كمال في المعالي فلا امرؤ               يكون له مثلاً ولا بمقارب
   أتانا مقيم الدين من بعد فترة               وتحريف أديان وطول مشاغب
       فيا ويل قوم يشركون بربهم                وفيهم صنوف من وخيم المثالب
    ودينهم ما يفترون برأيهم                               كتحريم حام واختراع السوائب
ويا ويل قوم حرفوا دين ربهم                    وأفتوا بمصنوع لحفظ المناصب
ويا ويل من أطرى بوصف نبيه              فسماه رب الخلق اطراء خائب
ويا ويل قوم قد أبار نفوسهم                    تكلفَ تزويق وحب الملاعب
ويا ويل قوم قد أخف عقولهم                 تجبر كسرى واصطلام الضرائب
فأدركهم في ذاك رحمة ربنا                    وقد أوجبوا منه أشد المعائب
    فأرسل من عليا قريش نبيه                    ولم يك فيما قد بلوه بكاذب
    ومن قبل هذا لم يخالط مدارس ال              يهود ولم يقرأ لهم خط كاتب
فأوضح منهاج الهدى لمن اهتدى             ومن بتعليم على كل راغب
وأخبر عن بدء السماء لهم وعن             مقام مخوف بين أيدي المحاسب
وعن حكم رب العرش فيما يعينهم        وعن حكم تروى بحكم التجارب
وأبطل أصناف الخنى وأبادها                 وأصناف بغي للعقوبة جالب
وبشر من أعطى الرسول قياده                بجنة تنعيم وحور كواعب
       وأوعد من يأبى عبادة ربه                    عقوبة ميزان وعيشة قاطب
فأنجى به من شاء ربـي نجاتـــــه                     ومن خالب فلتندبه شر النوادب
فأشهد أن اللّه أرسل عبده                      بحق ولا شيء هناك برائب
وقد كان نور اللّه فينا لمهتد                        وصمصام تدمير على كل ناب
وأقوى دليل عند من تم عقله                 على أن شرب الشرع أصفى المشارب
    تواطى عقول في سلامة فكره                         على كل ما يأتي به من مطالب
  سماحة شرع في رزانة شرعة                         وتحقيق حق في إشارة حاجب
    مكارم أخلاق وإتمام نعمة                            نبوة تأليف وسلطان غالب
نصدق دين المصطفى بقلوبنا                      على بينات فهمها من غرائب
براهين حق أوضحت صدق قوله                 رواها ويروي كل شب وشائب
من الغيب كم أعطى الطعام لجائع           وكم مرة أسقى الشراب لشارب
  وكم من مريض قد شفاه دعاؤه              وإن كان قد أشفى لوجبة واجب
    ودرت له شاة لدى أم معبد                         حليباً ولا تسطاع حلبة حالب
 وقد ساخ في أرض حصان سراقة                  وفيه حديث عن براء بن عازب
وقد فاح طيباً كفّ من مسّ كفه             وما حل رأساً جس شيب الذوائب
وألقى شقي القوم فرث جزورهم                  على ظهره واللّه ليس بعازب
فألقوا ببدر في قليب مخبث                   وعم جميع القوم شؤم المداعب
     وأخبر أن أعطاه مولاه نصرة                  ورعباً إلى شهر مسيرة سارب
فأوفاه وعد الرعب والنصر عاجلاً             وأعطى له فتح التبوك ومارب
    وأخبر عنه أن سيبلغ ملكه                    إلى ما أرى من مشرق ومغارب
   فأسبل رب الأرض بعد نبيه                     فتوحاً توارى ما لها من مناكب
وكلمه الأحجار والعجم والحصى           وتكليم هذا النوع ليس برائب
وحنَّ له الجذعُ القديمُ تحزناً                 فإن فراق الحب أدهى المصائب
وأعجب تلك البدر ينشق عنده                وما هو في إعجازه من عجائب
      وشق له جبريل باطن صدره                لغسل سواد بالسويداء لازب
وأسرى على متن البراق إلى السما         فيا خير مركوب ويا خير راكب
وشاهد أرواح النبيين جملة                لدى الصخرة العظمى وفوق الكواكب
وشاهد فوق الفوق أنوار ربه                  كمثل فراش وافر متراكب
وراعت بليغ الآي كل مجادل                    خصيم تمادى في مراء المطالب
براعة أسلوب وعجز معارض                    بلاغة أقوال وأخبار غائب
وسمّاه رب الخلق أسماء مدحة             تبين ما أعطى له من مناقب
      رؤف رحيم أحمد ومحمّد                    مقفٍى ومفضال يسمى بعاقب
    إذا ما أثاروا فتنة جاهلية                        يقود ببحر زاخر من كتائب
 يقوم لدفع البأس أسرع قومه                بجيش من الأبطال غر السلاهب
 أشداء يوم البأس من كل باسل             ومن كل قوم بالأسنة لاعب
  توارث أقداماً ونبلاً وجرأة                      نفوسهم من أمهات نجائب
جزى اللّه أصحاب النبي محمد          جميعاً كما كانوا له خير صاحب
 وآل رسول اللّه لا زال أمرهم                 قويماً على ارغام أنف النواصب
ثلاث خصال من تعاجيب ربنا                نجابة أعقاب لوالد طالب
  خلافة عباس ودين نبينا                      تزايد في الأقطار من كل جانب
 يؤيد دين اللّه في كل دورة                 عصائب تتلو مثلها من عصائب
فمنهم رجال يدفعون عدوهم              بسمر القنا والمرهفات القواضب
 ومنهم رجال يغلبون عدوهم                    بأقوى دليل مفحم للغاضب
 ومنهم رجال بـيـنـــــوا شرع ربنا                   ومـا كـان فـيـه مـن حـــــرام وواجــــب
  ومنهم رجال يدرســون كتـابــــــه                     بتجويـــــد تـرتـيـــــل وحفـظ مـراتـــب                    ومنهم رجال فســــروه بعلمهـــــم                     وهـم عــلــمــونــا مــا بــه من غـــرائب
ومنهم رجال بالحــديث تولعـــــوا              وما كان فـيـه من صحـيـح وذاهــــــــب
ومنهم رجال مخلصون لربهـــــــم                    بأنفـسـهـــم خصـب البـــــــــلاد الأجادب
 ومنهم رجال يهتـــــدى بعظاتهــــم                   قيــام إلى ديـــــن مـن الله واصـــــب
عــلى الله رب الناس حسن جزاءهـم           بما لا يوافـــي عـــــده ذهــــن حاســــب
فمن شـــــاء فـلـيـذكر جمال بثينة              ومـن شـــــاء فـلـيغـزل بحـب الربائب
سأذكـــــر حبي للحــبيب محمــــد                إذا وصف العشـــــــــاق حب الحبائب
ويبدو محياه لعيني في الكــــــرى                 بنفسي أفــدّيــــــــه إذاً والأقــــــارب
وتـدركني في ذكـــره قـشـعــريرة                  من الوجــــد لا يحويه عــلــم الأجانب
وألـــفي لـــروحي عند ذلك هـزة                وأنســـــــــا وروحا فيه وثبـــــة واثب
وإنك أعلى المرسليــــن مكانــــــة                  وأنت لهم شـمـس وهـم كالــثـواقـــــب
وصل إلهي كلما ذرّ شــــــــــارق                    عـلى خاتـم الرســــــل الكرام الأطايب
وصلى عليك اللّه يا خير خلقه            ويا خير مأمول ويا خير واهب
ويا خير من يرجى لكشف رزية            ومن جوده قد فاق جود السحائب
فأشهد أن اللّه راحم خلقه                وأنك مفتاح لكنز المواهب
 وأنك أعلى المرسلين مكانة                 وأنت لهم شمس وهم كالثواقب
وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة               بمغن كما أثنى سواد بن قارب
وأنت مجيري من هجوم ملة                  إذا أنشبت في القلب شر المخالب
 فما أنا أخشى أزمة مدلهمة                   ولا أنا من ريب الزمان براهب
فإني منكم في قلاع حصينة                  وحد حديد من سيوف المحارب
وليس ملوماً عي صب أصابه              غليل الهوى في الأكرمين الأطائب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أكتُبْ تعليقا

روابط الصفحات الاخرى

الإشتراك بالمدونة