ادعمنا بالإعجاب

ظهور النقد في الأدب العربي. النقد في عصر ما قبل الإسلام /الجزء الأول

                                                           مفهوم النقد
النقد لغة واصطلاحاً:
     تتعدد معاني كلمة (النقد) في اللغة  فمنها:
  • تمييز الدراهم جيدها من رديئها، وصحيحها من زائفها، يقال نقدت الدراهم وانتقدتها: أي ميزت جيدها من رديئها وأخرجت الزيف منها.
  • الكشف عما وراء الشيء, يقال نقد الرجل الشيء بنظره: أي إختاس النظر نحوه لكشف حقيقته أو لمعرفة كونه.
  • النقاش : يقال ناقد ت فلاناَ ، إذا ناقشته بالأمر.
  • الإعطاء: يقال نقدت الجوزة أنقدها، ونقد الدرهم، ونقد له الدرهم؛ أي: أعطاه إيَّاه.
يبدوا من خلال المعنى النقد لغة ان هذه المعاني كلها تدور حول فكرة واحدة وهي تميز الدراهم جيدها من زائفها، غير ان هذا لايعني ان معنى النقد يقتصر فقط على التفريق بين الجيد والرديء، وانما يشمل عملية الإعطاء و الكشف والنقاش، والتناول.

النقد اصطلاحاَ

         النقد هو البحث عن الاستحسان والاستهجان، واستخلاص عناصر الجمال ، واظهار مواطن القبح، أي هو عملية التي تعكس مواطن الحسن والجمال في العمل الأدبي كما تعكس مواطن القبح والرداءة فيه، وهوتقويم العمل الأدبي في محاولة لاظهار نموذج الأكمل الذي يجب أن يكون ، وهذا يعني أن مهمة النقد الأدبي هي الكشف عن القيم الفنية ، وأن جوهرة النقد الأدبي يكمن في شرح النصوص وتحليلها لمساعدة القاريء على تذوقها وفهمها ثم يترك الحكم للقاريء بالاستحسان المطلق أو الاستهجان المطلق.

       ولم تكتسب الكلمة معناها الاصطلاحي و الفني إلا في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع وأول من استخدم هذا المصطلح هو قدامه بن جعفر  (ت377) في كتابه (نقد الشعر)، ويعتبر كتابه ( نقد الشعر) أول مصدر يحمل كلمة النقد، يقول قدامة في نقد الشعر: " العلم بالشعر ينقسم أقساما، قسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه وقسم ينسب إلى قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد منه، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه، وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية تامة... ولم أجد أحدا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعهودة".
ويستخلص من النص أن قدامة قد حدد المفهوم الاصطلاحي لكلمة نقد، الذي هو"تمييز جيد الشعر من رديئه" و الذي سيبقى هو المفهوم الشائع عند النقاد القدامى،  ثم (الآميدي (أبو القاسم بن بشر الآميدي) في كتابه (الموازنة) سنة (371هـ)، ومن ثم ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) سنة (463هـ)،غير أن الاستعمال الاصطلاحي لا يبعد بالكلمة عن معناها اللغوي الأصلي، يقول بدوي طبانة في كتابه (دراسات في نقد الأدب العربي): "إن مفهوم كلمة  (النقد) في الأدب لا يبعد عن مفاهيمها اللغوية التي عرفها أصحاب اللغة الأصليون، بل إن أكثر المعاني الحقيقية يمكن أن تلحظ في هذا الاستعمال المجازي في نقد الشعر". وجملة القول : 
أن النقد بمفهومه الاصطلاحي)هو دراسة الأعمال الأدبية وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها).

نشأة النقد:-

        إن النقد طبيعة في الإنسان، وإنه ناقد بفطرته، وهبه الله ملكة التمييز بين الأشياء، وهدته تجاربه في الحياة، إلى التفريق بين ما يضر وما ينفع، وما هو حسن وما هو غير حسن، وعلى هذا فباعث النقد موجود في نفس البشرية فطرة وسليقة، مع ان نقد الأدبي يختلف، هناك رأيان حول نشأة النقد:-
      الرأي الأول:- ان النقد ينشأ مع العمل الأدبي، وذلك لأن الأديب نفسه يمكن أن يكون ناقداً لعمله، إذ ينشيء النص فيقومه ويعدله أو يستبدل كلمة بأخرى،حتى يُرضي الجمهور المتلقي للشعر ويستقطب إليه أكبر قدر ممكن من الرواة والمعجبين , ولعل أبرز نموذج يمثّل هذا النوع من النقد هو ما اصطلحوا عليه باسم المدرسة الأوسية أو عبيد الشعر وأشهر رواد هذه الطائفة من الشعراء زهير بن أبي سلمة الذي كان يستغرق في تهذيب شعره وإعادة النظر فيه سنة كاملة قبل أن يخرج على الناس بقصيدته كاملة مكتملة... ولهذا السبب سميت قصائده بالحوليات وكان الأعشى فيما يروى عنه يجول أحياء العرب وقبائلها ينشد الشعر مستعينا بآلة موسيقية تدعى الصَّنْج وما يفعل ذلك إلاّ احتفالا بشعره ورغبة في جلب المثنين والمعجبين ولابدّ أنّه كان ـ من باب أولى ـ يصنع بشعره ويختار منه ويزيد وينقص فيه ما يحقق له هذا الهدف والمبتغى.
      الرأي الثاني:- أن وجود الأدب سابق لوجود النقد، وقد يوجد الأدب ولا يوجد نقد، كما في الشعر الجاهلي مثلا، فقد بلغ الشعر ذروته وأوجه والنقد يكاد يكون معدوما أولا يذكر في تلك الحقبة الزمنية. وقد يعزو البعض تأخر النقد عند العرب بقولهم إن الأدب ظاهرة عاطفية تعبر عما يختلج في نفس الإنسان وما تعتريه من عواطف، وبذلك يكون الأدب رد فعل عاطفي، أما النقد من وجهة نظرهم فهو حالة عقلية منطقية في كثير من أوجهها وظروفها، أو قد يكون لاحقا للنتاج الأدبي، لأنه تقويم لشيء سبق وجوده.
                                                   
نشأة النقد في الأدب العربي

النقد في العصر الجاهلي

      ان الحديث عن بداية نشأة النقد الأدب العربي يميل بنا ان نذكر ان المؤرخين والنقاد ينقسمون إلى قسمين في هذه المسألة:-
      القسم الأول يرى بأن النقد العربي بدء في العصر الجاهلي، وهم يفهمون النقد على انه عبارة عن الأحكام الجزئية السريعة البدائية الإنطباعية، وأنه نقد بسيط إذ لم يتعدَ (النقد الانطباعي).
     أما القسم الثاني: فيرى أن النقد المنهجي عند العرب بدأ في القرن الثاني مع ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء، ومروراً بالجاحظ وابن قتيبة وانتهاء بالعصر العباسي، وهذا ما دفع الناقد (محمد مندور) بأن يقصيه عن دائرة النقد المنهجي في كتابه النقد المنهجي عند العرب، إلا أن نقادا آخرين وجدوا أنه يمثل اللبنة الأولى لنشأة النقد العربي. وقد وُجدت بيئات مناسبة لنمو هذا النوع من النقد منها سوق عكاظ حيث يجتمع الشعراء لينشدوا أشعارهم ويتنافسوا فيما بينهم كما وردت من تحاكم حسان بن ثابت و الخنساء عند النابغة الذبياني وما قام به أمرؤ القيس و علقمة الفحل من احتكام عند أم جندب، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة فإنها تبيّن طبيعة النقد والمرتكزات الأساسية التي يستند إليها.

بواعث نشأة النقد 

هناك بواعث عدة أثرت في نشوء النقد الأدبي، منها

أولاً: بواعث فردية تمثلت في الأفراد، وذلك في نقد فردي موجه من شاعر إلى آخر، أو من شخص إلى شاعر...
ثانياً: بواعث قبلية تمثلت في تعصب كل قبيلة لشاعرها أو لشعرائها،
ثالثاً: بواعث اجتماعية، فرضها الواقع الاجتماعي لمجموعة قبائل، التي تجمعها عادات وتقاليد تكاد تكون واحدة.
رابعاً: وللبيئة الجاهلية أثرها في نشوء النقد، فالمجتمع القبلي بعاداته وتقاليده القبلية ينشط العداء بين القبائل، ولاشك في أن تغلب لهجة قريش على باقي لهجات العرب الأخرى، بحيث أصبحت لغة الشعراء من جميع القبائل، كان له أثر كبير في إزدهار الشعر الذي بدوره أدّى إلى إزدهار النقد، وبهذا ازدهاره باعث مهم من بواعث نشوء النقد الأدبي، ودافع قوي من دوافعه 
   خامساً: كذلك مفاخرات الشعراء الجاهليين ومنافساتهم على الالتقاء في المجالس والأسواق، كان من أهم البواعث لنشوء النقد، لأن الشاعر كان يتعرض لحملة نقدية من  الحاضرين في المجلس، كما كان يتعرض لنقد الشعراء الذين حضروا من كل صوب لينشدوا أشعارهم، تلك الملاحظات والأحكام كانت نواة أولى للنقد الأدبي عند العرب، فهذه هي أهم البواعث أثرت في نشوء النقد الأدبي في عصر الجاهي .

الظواهر النقدية في العصر الجاهلي

       أول ما استعملت فيه كلمة النقد كانت بمعني فرز الدراهم والدنانير - قديماً - لبيان الصحيح والمزيف منها ، وتلك مهارة يختص بها الصيارفة، ثم انتقلت إلي نقد أخلاق الناس وعاداتهم، وبيان ما يتحلون به من كريم الصفات ، وما يعاب على أحد من السلوكيات  ولهذا قالوا (إن نقدت الناس نقدوك ، وإن عبتهم عابوك)،  ثم دخلت كلمة النقد في نقد الشعر والخطب في العصر الجاهلي ، حيث كانت أسواق العرب أشبه بالنوادي الأدبية اليوم - يلقي فيها الشعراء قصائدهم .. وكل يتباهي مفتخراً بقومه ... والناس يسمعون ، ثم يقولون رأيهم .. وهي في هذا الوقت ملاحظات فردية ، تقوم على الذوق الشخصي ، وهذه هي المرحلة الأولي لظهور النقد الأدبي وتطوره .

 * أولاً// الصور والنماذج من النقد الأدبي في هذه المرحلة :-

    منها مّا يروى عن نابغة بني ذبيان أنّه كانت تضرب له خيمة من أدم حمراء في سوق عكاظ يجتمع إليه فيها شعراء العرب يعرضون عليه شعرهم وممّن عرض عليه شعره فأشاد به وأثنى عليه الأعشى ثمّ دخلت عليه الخنساء فأنشدته : قَذىً بِعَينكِ أو بِالعَين عُوّارُ ..... إلى أن قالت:
            وإنّ صخرا لمولانا وسيّدُنا        وإنّ صخرا إذا نشتو لَنَحّارُ 
     فأعجب النابغة بالقصيدة وقال لها لولا أنّ أبا بصير أي الأعشى أنشدني قبلك لقلت : "إنك أشعر الجن والإِنس" فالأعشى إذن أشعر الذين أنشدوا النابغة، والخنساء تليه منزلة وجودة شعر، فقال حسان : أنا والله أشعر منكَ ومنها . قال : حيث تقول ما ذا؟ قال: 
        لنا الجَفناتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحَى            وأَسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما  
        وَلدْنا بني العنقاء وابنيّ محرّقٍ               فأكرم بنا خالاَ وأكرم بنا إبنما 
فقال : إنّك لشاعر لولا أنّك قلّلت عدد جفانك وفخرت بمن ولدتّ ولم تفخر بمن ولدك , وفي رواية أخرى: فقال له : إنّك قلت (الجفنات) فقلّلت العدد ولو قلت (الجفان) لكان أكثر وقلت (يلمعن في الضحى) ولو قلت (يبرقن في الدجى) لكان أبلغ في المديح لأنّ الضيف بالليل أكثر طروقا . وقلت (يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلّة القتل ولو قلت (يجرين) لكان أكثر لانصباب الدم وفخرتَ بمن ولدتَ ولم تفخر بمن ولدكَ . فقام حسان منكسراً .
   ولعل شاهد النابغة هذا قد جمع بين النقد اللفظي والمعنوي كما قال الأستاذ شوقي ضيف : «...وهو نقد سديد , إذ يتناول فيه النابغة مسألتين : إحداهما لفظية والأخرى معنوية , أما اللفظية فإنّ حسانا لم يجمع الجفنات جمعا يدلّ على الكثرة , والعرب تستحب المبالغة في مثل هذا الموقف حين يفخر الشاعر بالكرم والشجاعة في قبيلته , أما المسألة المعنوية ففخره بمن ولدته نساؤهم والعرب لا تفخر بالأبناء وإنما تفخر بالآباء
     - كماعابت العرب على النابغة الذبياني وبشر بن حازم الإقواء ( وهو اختلاف حركة الروي في القصيدة) إذ أنّه كان يّقوي في شعره ولا يتفطّن لذلك كقوله :
           أمن آل مَيَّةَ رائحٌ أو مُغتدي               عجلان ذا زاد وغير مزوّدِ     
          زعم البوارح أنّ رحلَتنا غدا               وبذلك خبّرَنا الغُرابُ الأسودُ
 فلمّا قدم على أهل المدينة عيب عليه فلم يأبه بذلك حتى اسمعوه إياه فعمدوا إلى جارية وطلبوا منها ترتيل هذه الأبيات أي إنشادها في استمرارية وتتابع فلما قالت (مزودِ الأسودُ) فأحسّ النابغة بنشاز في أبياته وتفطّن لإقوائه فأصلحه بقوله :
وبذلك تنعابُ الغرابِ الأسودِ 
ولهذا السبب كان النابغة خرج وقال : "قدمت الحجاز و في شعري صنعة ورحلتُ عنها وأنا أشعر النّاس" 
      ولو أردنا شاهداً قوياً على اهتمام نقاد العصر الجاهلي بشكل القصيدة من حيث الوزن والقافية والروي فلنتأمل في حكومة أمّ جندب المشهورة حيث تقول الرواية كما ذكرها ابن قتيبة في الشعر والشعراء أنّها طلبت من الشاعرين المتنافسين والمتبارزين امرئ القيس وعلقمة الفحل أن يقولا قصيدتين في موضوع واحد على رويّ واحد وقافية واحدة... فانشداها جميعاً القصيدتين فقالت (أمّ جندب) زوجة امروء القيس(علقمة أشعر منك) فغضب امروء القيس، فسألها:" بم فضلته علي؟" فقالت: لأنك تقول:-
               فللسوط ألهوبٌ، وللساق دِرَّةٌ               وللزَّجر منه وقْعُ أخْرجَ مِنْعب 
ففرسك كليل بليد لم يدرك الطريدة إلا بعد أن ضرب بالسوط، واتبعته بساقك، وهيج بالزجر والصياح، أما فرس علقمة فنشيط لايحتاج إلى إهاجة يسرع في عدوه إسراعاً، وينصب في السير انصاب الريح، جرى خلف الصيد ولجامه مشدود إلى ورائه، وقول العلقمة:
        فَأَدْرَكَهُنَّ ثانياً بَعد عِنانِه               يَمُرُّ كَمَرِّ الرائحِ المُتَحَلِّبِ
  حتى قيل أن أمروء القيس قال: ما هو بأشعر مني ولكنكِ له بعاشقة، فإن صحت هذه القصة كانت لها دلالة كبيرة في النقد الأدبي ،فأم جندب تريد مقياساً دقيقاً تستند عليه الموازنة: هو وحدة الروي، ووحدة القافية، ووحدة الغرض، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النقد الجاهلي في بعض الأحيان لم يكن سليقة وفطرة بل كانت أصول يعتمد عليها.

   * ثانياً// ألقاب الشعراء، وتسمية القصائد:-           
   
 وكانت لألقاب الشعراء في العصر الجاهلي دلالاتها النقدية واهميتها التأريخية، إذ ان بعض الشعراء كانت لهم لقبهم الخاص في هذا العصر وهذه الألقاب توحي إلى استعظامهم وتبجيلهم من الناحية الشعرية، وأن اطلاق لقب على انسان ما لفنه هو نقد، مثلاً: 
     المهلهل بن ربيعة التغلبي: كان اسمه (عدي بن ربيعة التغلبي)  يقال بأنه سمي بذلك لأنه أول من هلهل بالشعر أو لتنقيح شعره وتحسنه أو كهلهلة الثوب أي اضطرابه واختلافه.
   وكذلك لقب النابغة بالنابغة لنبوغه في الشعر، والمرقش لترقش أي تنمطه وتحسينه الشعر، ولقب طفيل الغنوي بــ(طفيل الخيل) لإجادته لوصف الخيل.
ولقب (النمر بن تولب) بــــــــ(الكيِّس) لحسن شعره، لأن الكيس يعني الحسن.
   كما سميت العرب قصيدة من قصائد حسان بن ثابت (البّتارة) أي القاطعة، كأنها قطعت القصيدة المدائح كلها، وكذلك سميت قصيدة سهل بن كاهل الشكري بالتميمية نسبة إلى بني تميم بأكملها. وهذه الألقاب ماجاءت ولقب بها الشعراء وقصائدهم إلا لميزة شعرهم، وهي تدخل ضمن النقد.

ثالثاً//ظاهرة الرواية:-

        تعتبر الرواية من الظواهر النقدية  وهي من أهم الأدوات الأساسية في ذيوع الشعر، يقول الأستاذ شوقي ضيف: "... فرواية الشعر في العصر الجاهلي كانت هي الأداة الطبيعية لنشره و ذيوعه، وكانت هناك طبقة تحترفها، احترافا هي طبقة الشعراء أنفسهم. فقد كان من يريد نظم الشعر وصوغه يلزم شاعراً  يروي عنه شعره، وما يزال يروي له ولغيره حتى يتفتق لسانه ، ويسل عليه ينبوع الشعر والفن ومن أشهر هؤلاء الرواة زهير بن أبي سلمى كان راوية لعمه أوس بن حجر، وكان كعب بن زهير راوية لأبيه، وقبلهم كان امرئ القيس راوية لخاله المهلهل، والاعشى كان راوية لخاله المسيب بن علس، أبو ذويب الهذلي كان راوية لساعدة بن جؤية الهزلي، طرفة كان راوية لعمه المرقش الاصغر وكان هو راوية لعمه المرقش الاكبر كما كان روى طرفة عن خاله المتلمس من بني يشكر حيث تربى طرفة.

سمات النقد في العصر الجاهلي

يتلخص أهم سمات النقد في العصر الجاهلي فيما يلي:-
1- إن النقد الجاهلي كان فطرياً بدائياً ناشئاً وهذا يعني انه يعتمد على الفطرة والسليقة والملاحظات الفردية، وتقوم على الذوق الشخصي، حيث لم تكن للنقد أصول معروفة ولا مقاييس مقررة ، بل كانت مجرد لمحات ذوقية ونظرات شخصي.
كماقيل في الجاهلية : أشعر الشعراء امرؤ القيس إذا ركب ، والأعشى إذا رغب.
2- انه غالباً ما يكون في هذا العصر خالياً من التعليل والتفسير والإيجاد والمبررات الفنية، أي أن الناقد الجاهلي كان يصدر أحكامه بالاستحسان أو الاستهجان دون أن يلزم نفسه بتعليل هذه الأحكام وبيان وجه استحسانه أو استهجانه للنص الأدبي.
3- وكان النقد في هذا العصر يتسم بسمة التركيز والإيجاز فقد يكون كلمة واحدة أو كلمات معدودة أو اشارة مقتضبة أو اللمحة السريعة، اي أن الناقد كثيراً ما يغلف حكمه النقدي بعبارة موجزة، يفهم منها ما يراد، وذلك يتضح في قول طرفة بن عبد (استنوق الجمل) على بيت متلمس الذي يقول:-
      وقَد اتَناسى الهَمَّ عند احتضاره               بناجٍ عَليهِ الصَيّعريَّةُ مُكْدمِ
ومواطن الشاهد هو أن الشاعر قد استعمل كلمة الصِعرىِ للبعير أو للجمل والمألوف عند العرب أن الصعرية من سمة عنق الناقة لا عنق البعير، فهذه عبارة موجزة تحمل حكماً نقدياً.
4- الارتجال في الأحكام ما عدا مدرسة عبيد الشعر.
5- كان النقد في هذا العصر يتسم بالجزئية، أي يبتعد في معظمها عن دراسة القصيدة بأكملها  وتحليلها كلياً، وانما ينظرون إليها من زاوية جزئية ويحكمون من خلالها على شعره برمته، وكانوا يحكمون على الشعر من ناحية الصياغة والمعنى، والإشادة بمنزلة الشعراء.
     ونخلص من هذا إلى القول بأن العرب القدامى قد عرفوا النقد الأدبي وزاولوه، عرفوه فطرة وطبيعة، وزاولوه ذوقاًوإحساساً، وطبقوه على نتاجهم الشعري، ولكنهم لم يعرفوه علماً وفناً، له أصوله وقواعده إذ لم يسموا عملهم هذا نقداً، ولم يصفو هذا الوصف، لأن كلمة (نقد)- مقصوداً بها تمييز جيد الكلام من رديئه- لم تستعمل إلا في القرن الثالث الهجري. 

النقد  في عصر صدر الإسلام

     إن دراسة النقد في أي عصر لابدّ من معرفة حالة الشعر في تلك الفترة والآراء النقدية فيه، ولا بدّ من دراسة الواقع الشعري من الناحية العملية لأن الشعر أهم وجه من وجوه الإبداع وان مفهوم الشعر ونظرة الاسلام تبدأ بالقرآن الكريم وتكملها الأحاديث النبوية الشريفة.

أولاً// مفهوم الشعر في القرآن الكريم:_

    أحدث الإسلام ارتقاء في الفكر والذوق عند العرب، فتطور وتقدم النقد الأدبي خطوة إلى الأمام وظهرت أحكام نقدية فيها شيء من التدقيق والتعليل، تهتم بالصدق والقيم الرفيعة في العمل الأدبي، فقد هذب الاسلام أفكار العرب ووجه فن الشعر وجهة اسلامية، أما عن النقد في هذا العصر يبينها (مفهوم الشعر) في القرآن والسنة من الناحية النظرية وحالة الشعر من الناحية العملية من جهة أخرى، ومن أوائل ما نزلت في القرآن الكريم، قوله تعالى:" [الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ()أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ () وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ () إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ] (سورة الشعراء:224-227) ، هذه الآية تقسم الشعراء إلى قسمين: 
القسم الأول:- الشعراء الكافرون والمنافقون الذين لا يلتزمون بمبادىء الخير والحق فيما يقولون وينشدون .
أما القسم الثاني:- فهم المؤمنون من الشعراء  الذين يلتزمون بالحق والخير فيما يقولون وينشدون، ويؤيدهم القرآن، وذلك حيث يقول ويرى (ابن رشيق):" أن المقصود  شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله () بالهجاء ومسوه بالأذى، فأما من سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله (عزّ وجل) ونبه عليهم فقال : [إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ] ، يريد شعراء النبي صلى االله عليه وسلم والذين ينتصرون له، ويجيبون المشركين ، كحسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد االله ابن رواحه". هذه الآية تُعد أول دعوة في التأريخ النقد العربي عند العرب تدعوا إلى أن يقترن الشعراء طرائق تعبيرهم وأقوالهم الشعرية بسوك ملتزم نحو الخير والحق، وهذا الاتجاه أي اتجاه الالتزام معينة في التفكير صار جنباً إلى جنب الاتجاهات الأخرى التي استجد عبر تأريخ النقد الأدبي فيما بعد عند العرب. 

ثانياً:- مفهوم الشعر في الأحاديث النبوي الشريف

        يعد الحديث النبوي الشريف المرجع الثاني بعد القرآن الكريم فنجد فيه أقوالاً للرسول ، تسير في إطار مفهوم الآيات القرآنية الكريمة التي صنفهم صنفين خير ملتزم بالدين الجديد ومنحرف لا يقدم فائدة أدبية أو أخلاقية.
     وقد نزه الله نبيه  عن تعاطي الشعر، بقوله تعالى: [ وَمَاعَلَّمْناهُ الشِعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ]، وهو على كونه أفصح العرب إجماعاً، لم يكن ينشد بيتاً تاماً على وزنه، وإنما كان قصاراه أن ينشد الصدر أو العجز فحسب، ولم يكن إذا تمثل بيتاً كاملاً يقيم وزنه، إنما يخرج به عن الشعر إلى النثر، أما عن موقفه  عن الشعر فهو موقف ينعى على الشعر ويذمه، ومن أقواله  في ذلك : " لَأِنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحَاً حَتى يرِيِهِ خَيْراً، له مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعرا".  وقوله  :" لَمَا نَشَأْتُ بَغُضْتُ إِلَيَ الأَوْثان وبَغُضَ إلَيَ الشِعْرُ"
     أما عن الشعر الذي يدعو إلى المبادئ التي جاء بها الإسلام أو يبتعد عن الكفر والشر وعبادة الأوثان، والعصبية وغيرها من موبقات الجاهلية، كان   في كثير من الأحيان يطلب من أصحابه أن ينشدوه بعض ما يحفظون منه وكان يستحسن بعضه، ويستهجن بعضه اعتماداً على دقة تذوقه، بل وحدث أن عرض آراءه النقدية المتمثلة في تغيير بعض الصيغ لتتوافق مع مبادئ الإسلام . 
    فهو  لم يقف من الشعر موقفاً سلبياً لا بل شجعهم وحثهم على القول ضمن إطار الفكر المتفق مع تعاليمه واتخاذهم سلاحاً من أسلحته للدفاع عن الدين الاسلام، من ذلك قوله  لحسان بن ثابت:" اهجمهم وروحالقدس معك"، ولقد رسم  للشعر منهجه الذي ينبغي أن يسير عليه وروى عنه قوله : " لَا تَدَعُ العربُ الشِعْرَ حَتى تدعُ الإبلُ الحنين" وكان وهو أكثر العرب فصاحة يتذوق الكلام الجيد ويخوض في حديث مع الوافدين عليه الذين أسلموا ولذا لم يكن من الغريب أن يتحدث الشعراء في مجلسه وان يكثر اجتماعهم به، وان يعجب بالشعر الجيد، وهناك مواقف كثيرة تشير إلى ذلك منها:- 
 * سمع النبي  من كعب بن مالك قوله: -
            مُجالَدُنا عن جَذْمِنا كُلُّ فَخْمَةٍ       مُذَرَّبةٍ فيها القوانِسُ تلمَعُ 
     فقال النبي  نقداً له: "لا تقل عن جذمنا وقل عن ديننا" ، ثم قال له النبي أيصح أن تقولَ: "مجالدنا عن ديننا كل فخمة ؟ قال كعب: نعم، فقال له  :"فهو أحسن"،  ويفرح كعب بهذه الملاحظة القيمة الصادرة من خير البشر أجمعين، ويتيه على الشعراء بعد ذلك قائلاً: ما أعان رسول الله أحداً في شعره غيري.
*استحسانه وإعجابه الشديد بقيم عفة النفس والقناعة وترك الخضوع لشهوات البطن التي صورها عنترة بن شداد في قوله:- 
             ولقد أبيتُ على الطوى وأظلُّهُ      حتى أنال به كريمَ المأكلِ
وقد قال ما وصف لي إعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة .
*وقول ابن حبيب أنشدت رسول الله  قول سحيم عبد بني الحسحاس قوله:
             الحمد لله حمداً لا نقطاع له   فليس إحسانه عنا بمقطوع 
علق النبي على ذلك القول بقوله: "أحسن وصدق ، وإن الله ليشكر مثل هذا وإن سدد وقارب ، وإنه لمن أهل الجنة." 
  لم يستحسن النبي  شعر الإسلاميين فقط بعد تعداه إلى شعر الجاهليين الذي يتفق مع بعض المبادئ التي جاء بها الإسلام، وحين أنشده بعض من صحابته قول سويد بن عامر -: 
          لا تأمنَنَّ وإن أمسيتَ في حرمٍ     إن المنايا بِجنبَي كلِّ إنسانِ
      فكل ذي صاحبٍ يوماً يفارقه     وكل زادٍ وإن أبقيته فــــــانِ 
 فقال الرسول عند سماعه: " لو أدرك هذا الإسلام لأسلم".
وكذلك قال  اثر قول طرفة بن عبد:
       ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً    ويأتيك بالخبار مالم تُزَوِّدِ.
"هذا من كلام النبوة".    
     *وفي عهده  كانت المساجلات والمحاكمات في الشعر أمامه من ذلك ما روى أن وفداً من بني تميم المعادين له قدموا عليه ومعهم من شعرائهم الزيرقان بن بدر والأقرع بن حابس، ومن خطبائهم عطارد بن حاجب، ثم راحوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد  أخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فأن مدحنا زين وذمنا شين، فرماهم الرسول بخطيبه ثابت بن قيس وشاعره حسان بن ثابت، فساجل ثابت عطاردا خطابة وساجل حسان الزيرقان شعراً ، وردا عليهما رداً بليغاً مفحماً ، دفع الأقرع بن حابس لأن يقول :" واالله إن هذا الرجل (يعني الرسول ) لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شعرائنا ، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أسلم القوم جميعاً.
* وقد نقد   قصيدة كعب التي اعتذر فيها له، والتي مطلعها ( بانت سعاد) إذ قال كعب
            إنَّ الرَسُولَ لنور يُستضَاءُ به                  مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ الهندِ مسلولُ
فعدل النبي  قوله إلى 
            إنَّ الرَسُولَ لنور يُستضَاءُ به                   مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ اللهِ مسلولُ

    المواقف السابقة تشير من ناحية أخرى أن النبي  بتوجيهه للشعراء وحكمه على بعضهم، وتعديل بعض طرائق تعبيرهم يكون قد خطَّ مبادئ عامة من شأنها أن تنقل الشعر الجاهلي إلى إسلامي يعبر عن روح وقيم الإسلام، ينبذ العصبية والكفر وعبادة الأوثان.

نقد الشعر في عهد الخلفاء الراشدين : 

حذا الشعر في عهد الخلفاء الراشدين  حذوا ما انتهجه الرسول الكريم  فقد كان الخلفاء يشجعون الشعر والشعراء ولهم لمسات نقدية وآراء في الشعر، فقد حرص الخلفاء والصحابة على أن يكون الشعر في خدمة الرسالة افسلامية، عند تتبعنا للنقد في عصر الخلفاء الراشدين نبدأ بالخليفة الأول:-(أبو بكر الصديق ) 
 لم تشهد النقد وقفات كثيرة في عهد خلافته، وذلك لعدم الإستقرار بسبب الحروب الكثيرة، إلاّ أن هناك نظرات لم تخرج عن مألوف النقد في عصر ما قبل الإسلام، عدا ان حسّاً نقدياً وذوقاً فنياً نجد في مفاضلة أبي بكر بين الشعراء، إذ فضل النابغة على غيره من الشعراء وحكم له بأنّه ( أحسنهم شعراً وأعذبهم بحراً وابعدهم غوراً) فالمفاضلة عنده  بين الشعراء جاءت معللة مبنية على حيثيات وأسس أخذت بالحسبان المعاني الشعرية.
    
    ثانياً:- عمر بن الخطاب  :-

          شهد عهد الخليفة عمر بن الخطاب   نوعاً من الاستقرار ورسخت الدولة، وكان كثير الحفظ للشعر حتى (إنه لايكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر)، ويروى أنه قال لابنه عبد الرحمن "احفظ محاسن الشعر يحسن أدبك"، يقول ابن رشيق : "كان عمر  عالماً بالشعر قليل التعرض لأهله وكان على دراية وخبرة عميقة باللغة ومعرفة دقيقة بأسرارها، وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة"،  ومن الشواهد التي تدل على خوضه وكثرة حفظه وآرائه النقدية، أنه قال: لوفد غطفان حين وفد عليه من الذي يقول: 
              حلفت فلم أترك لنفسك ريبة         وليس وراء الله للمرء مذهب 
قالوا: نابغة بن ذبيان، قال ومن الذي يقول:
           فألقيت الأمانة لم تخنها             كذلك كان نوح لايخون 
قالوا: هو النابغة ، قال: هو أشعر شعرائكم.    
      وروي عن أبن عباس : قال لي عمر بن الخطاب : "أنشدني لأشعر شعرائكم، .قلت : من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال الذي يقول:
          ولو أن حمدا يخلد الناس أخلدوا       ولكن حمد الناس بمخلد
       قلت : ذلك زهير. قال فذاك شاعر الشعراء . قلت : ولم كان شاعر الشعراء؟ قال لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعراء، ولم يمدح أحداً إلا بما فيه". ونلاحظ أن عمر في حكمه النقدي هذا انتهج التعليل والتبرير وسطر معايير لهذا الحكم: الأول خلو الشعر من التعقيد والغموض ، والثاني الابتعاد عن الوحشي والغريب، والثالث الصدق وعدم الكذب . فقد كان عمر  يفضل الشعر الذي يحوي القيم الأخلاقية والقيمة الأدبية فلذلك فهو يفضل من الشعر ما يجمع بين الحذف في الصناعة الشعرية والصدق في القول والوصف، ولذا فأنه كان لا يحب شعر الهجاء والمفاخرات والمناقضات والغزل الإباحي، وفي قصة الحطيئة مع الزيرقان بن بدر الحطيئة، وقال : إنه هجاني، قال: ما قال لك: قال : قال لي:
            دع المكارم لا ترحل لبغيتها       وأقعد فأنك أنت الطاعم الكاسي 
     فقال عمر ما أسمع هجاء ولكنه معاتبة. فقال الزيرقان: أو تبلغ مرؤتي إلا أن آكل وألبس؟ فقال عمر : علي بحسان بن ثابت فجيء به فسأله. فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه، وكان هذا القضاء سبباً في حبس الحطيئة.
        وكان ظل في إسلامه كما كان في جاهليته حفياً بالشعر شديد الشغف به، بل ظل كذلك بعد اضطلاعه بأعباء الخلافة، واشتغاله بمهامه التي لا تدع له من وقته فراغاً لغيره ، فكان يتمثل بالشعر ويرويه، ويستنشده من أصحابه وحفاظه، ويستقبل الوفود ويخوض معهم في الحديث عن شعرهم وشعرائهم.

     ثالثاً:-عثمان بن عفان  :-

لم تشهد خلافة عثمان  مواقف نقدية من الشعر بارزة سوى بعض الاشارات ومنها انه استنشد الشعر وقال في شعر زهير الذي يقول:-
          ومهما تكن عند امرءٍ من خليقة             وان خالها نخفي على الناس تعلمِ
  احسن زهير وصدق، ولو أنّ رجلا دخل بيتاً في جوف بيت لتحدث به الناس) فالصدق الذي أعجب به عثمان  في بيت زهير يعتمد على الصدق في القول. 

رابعاً:-علي بن أبي طالب 

فقد سار علي بن أبي طالب  نهج من سبقه باخضاعه الشعر لسلطة  القيم الاسلامية وفضائل الأخلاق، وكان عارفاً بأساليب البلاغة وبارعاً في الخطابة، وكان له نفاذ بصر في الشعر  ونقده ، روي عنه أنه قال : " الشعر ميزان القول"  أو " الشعر ميزان القوم" ولا ريب أن تلك المقولة تعطي منزلة كريمة للشعر والشعراء وتبين قيمة الشعر وادرك الخليفة ذلك، وهناك روايات كثيرة تؤكد اهتمامه بالشعر ونقده، منها قوله:" كل شعرائكم محسن......... لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معاً علمنا من السابق منها ولكن إن لم يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا لرهبة امروء القيس بن حجر فإنه كان أصحهم بادرة وأجودهم نادرة" هذا يعني أنه حدد أسس ومعايير النقد بقوله إذ اشترط للجودة (حرية الشاعر سلباً أو ايجابياً أو استقلال ضميره ووجدانه وبعد انفعاله عن الخوف والطمع)، وكان تلك الأسس لها تأثير في توجيه خط النقد الأدبي، تشهد بذلك كتابات الجاحظ.    

النقد في العصر الأموي

    يطلق العصر الأموي على الفترة التي تبدأ بخلافة معاوية سنة 41 ه وتنتهي بغلبة العباسيين على بني أمية وانتزاعهم الخلافة منهم سنة 132 ه . لقد شهد النقد في عصر الأموي ازدهار كبيراً ، حيث خطا خطوات بارزة في نحو التطور والارتقاء، وهذا بسبب وجود مجموعة من العوامل ساعدت على ازدهار النقد وهي:-
عوامل ازدهار النقد في العصر الأموي:

1-  تشجيع الخلفاء والأمراء.

     فتح الخلفاء والأمراء أبوابهم للشعراء، فوفدوا من كل فج، فاشتد تنافس الشعراء، وحرص كل منهم على أن يتخير معانيه وألفاظه، وذلك بسبب الجوائز التي كان يرصدها الأمراء، فأنه يمثل حركة أدبية نشطة شجع عليها خلفاء بني أمية، الذين كانوا من ذوى الحس اللغوي الصافي والذوق الأدبي والنقد، ولا ريب أن النقد قد دفع الشعراء إلى تصفية شعرهم مما يشوبه.

2- الصراع السياسي وما خلفه من أحزاب.

     كان الصراع السياسي الذي اشتعلت نيرانه في ذلك العصر، عاملاً من العوامل التي أذكت روح الأدب وأثرت في موضوعاته وأدت إلى بروز حركة نقدية متطورة . نشأ عن الصراع السياسي عدة أحزاب، الحزب الأموي الحاكم، والحزب الزبيري المناهض للحكم الشيعة، ثم حزب الخوارج الثائر على دعوى الوراثة القرشية للخلافة، فأن هذه الأحزاب على اختلاف مذاهبها كانت باعثا قويا من بواعث الأدب وقوة الشعر، وقد ساير النقد هذه النهضة الأدبية، ولمع في سمائها، وأخذ ألوانا تختلف في اتجاهاتها مع اختلاف الحياة في أرجاء الدولة

.
3- شيوع  مجالس الأدب والغناء (مجالس النقد).
      أهتم خلفاء بني أمية بالشعر والشعراء اهتماما كبيرا، لاعتمادهم عليهم في الدعوى لهم، فكان للشعراء جانب مذكور في تلك المجالس، ينقدون شعرهم، وكان بين بعض الشعراء تود وتعاطف، فقد جمعتهم صلة الشعر، وألف بينهم ما كان فيهم من اختلاف المنزع والاتجاه ، ولم تعصف بهم ريح التنافس، فأن هذه المجالس تناولت الأدب ونقده، مما يدل على شيوع الذوق الأدبي الرفيع، وعلى نضج العقل العربي واتساعه، وبصره بالقواعد والأصول التي يقوم عليها فن الأدب.
فأن مجالس النقد كانت عاملا قويا من العوامل التي دفعت النقد إلى الأمام، وخلفت تراثا نقديا ضخما .

4- تعدد مراكز الشعر وأسواقه.

      عمل على تجويد الشعراء،كما عمل على نمو روح النقد عندهم، حيث كان النقاد والشعراء يوازنون بين غرض شعري وآخر في شيء من الفهم والعمق والوعي، فقد كانت تلك الأسواق بمثابة منتدياتهم الأدبية التي يعلنون فيها عن براعتهم ورقي أذواقهم، ومن هذه المراكز سوق المربد في البصرة وسوق الكناسة في الكوفة، فقد تحولا إلى ما يشبه مسرحين كبيرين يغدو عليهما شعراء البلدتين ومن يفد عليهما من البادية لينشد والناس خير ما صاغوه من أشعارهم، إذ أدى سوق المربد دوراً كبيراً في تنشيط حركة الشعر والنقد في العراق في ذلك العصر والذي كانت أهميته لا تقل عن أهمية سوق عكاظ في الجاهلية.

5- النقائض.

      فن جديد من الشعر، استلزمه الجدل السياسي والقبلي والاجتماعي والأدبي، ونبغ فيه كثير من الشعراء كجرير والفرزدق والأخطل، وقد ظهر أثر النقائض في ازدهار الحركة النقدية واضحا في أن كل شاعر منهم التف حوله فريق من أنصاره المعجبين بشعره،يحاولون أن يظهروا للناس محاسنه وأسباب تفوقه.

سمات وخصائص النقد في العصر الأموي:

1- اتساع نطاق النقد حتى شمل الشعراء والأدباء والملوك، مما جعله تنصب فيه أذواق مختلفة كثيرة.
2- تشعب القول في هذا النقد، وتعددت نواحيه بتعدد الأغراض التي برزت في هذا العصر.
4- الذوق الفطري وخاصة في بيئة الحجاز.
5- الوضوح والسهولة، واتسم بالأصالة الفنية والعمق في فهم النصوص.
6- ظهور اتجاهات جديدة في النقد، تتجه إلى المعاني والأفكار والتصوير، وتصحيح الخيال لدى بعض الشعراء.

نماذج  من النقد الأموي:

1- مدح ابن قيس الرقيات عبد المالك بن مروان بقصيدة جاء فيها :

              إن الأغرّ الذي أبوه أبو العاص    عليه الوقار والحجب
              يعتدل التاج فـــوق مفرقــه           عــــلى جبين كأنه الذهب

فقال له الخليفة : يا ابن قيس تمدحني بالتاج كأني من العجم ! ، وتمدح " مُصْعَبا " كأنه شهب من الله . وذكَّر الشاعر بما قال في مدح مصعب بن الزبير ، و رأى ذلك أجمل مما قال فيه في قوله :

            إنما مصعب شهاب من الله        تجلّت عن وجهه الظـلماء 

        ملكه ملك عِزّة ليس فيه         جَبروت منه ولا  كِبرياء 

2- وقال جرير في عبد الملك بن مروان : 

       هذا ابن عمي في دمشق خليفة      لو شئت ساقهم إليّ قطينا

فعلق عبد الملك على معنى البيت قائلا : يقول لي ابن عمي ، ثم يقول لو شئت ساقهم إليّ، أما لو قال: لو شاء ساقهم لأصابَ ، فقد جعلني شرطيا له !
3- وكثيرا ما لفت عبد المالك بن مروان انتباه الشعراء إلى حسن رسم الصورة الشعرية بما يناسب مقامه وإبراز الفضائل الخلقية والدينية التي تثير إعجاب الرعية، والدالة على التقوى والعدل والفضيلة ليكون أهلا للخلافة عند رعيته .
    وكان تقدير عبد المالك بن مروان للمقام وإحساسه بجودة المعنى وجمال الصورة دقيقا ينم عن قوة وعمق تذوقه للشعر ، فقد أنشده راعي الإبل مرة :

            أخليفة الرحمن إنا مَعْشر      حُنفاء نسجُد بكرةً وأصيلا
           عرب نرى لله في أموالـنا      حـقّ الزكاة منزّلا تــنزيلا 

     فقال له : ليس هذا بشعر إنما هو شرح إسلام وقراءة آية ، ويعنى بذلك أن مثل هذا الشعر قيم في مضمونه لكنه جاف فقير من الناحية الفنية ، وبالتالي ليس بالشعر الجيد الذي ينبغي أن يكون كذلك في المبنى والمعنى.
4- اجتمع يوماً في مجلس عبد الملك بن مروان ( جرير- فرزدق- والأخطل)، فأحضر الخليفة كيساً فيه خمس مئة دينار، وقال لهم ليَقُل كل منكم بيتاً في المدح فأيكم غلب فله الكيس، فبدأ فرزدق وقال:

         أنا القطران والشعراء جربى             وفي القطران للجربى شفاء( ).
وقال الأخطل:
         فإن تك زق زاملةٌ فإني                   أنا الطاعون ليس له دواء( ).
وقال الجرير:-
       أنا الموت الذي أتى عليكم             فليس لهارب مني نجاء

فقال لجرير خذ الكيس فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء.

من الجدير بالذكر هو ان النقد دار حول جرير والأخطل والفرزدق أكثر من غيرهم، وكانت الموازنة بين هؤلاء في المعاني والأغراض أبرز ماكان يدور حول النقد آنذاك، فقد شغل هؤلاء الثلاث الناس في عصرهم فشغلهم مناقضة وعصبية.    
 
النقد اللغوي

     إذا كان النقد في القرن الأول موجهٌ من الناحية الفنية وكان النقاد معظمهم أدباء والمتذوقين للشعر فان النقد في القرن الثاني كان موجهاً إلى الناحية اللغوية وكان النقاد أغلبهم من العلماء الذين كانوا على سعةٍ من الناحية اللغوية والثقافة النحوية.   
     وبهذا صار النقد علماً وصناعة كما يقول ابن سلام الجمحي ومن أبرز هؤلاء النقاد هو الأصمعي وأبو عبيدة وخلف الحمر وعبد الله بن اسحاق وأبو عمروا بن علاء، وهذا لايعني أن هؤلاء لم يكونوا يهتمون بالجانب الفني، وقد قام جهود هؤلاء الرواة على أساسين:- 

الأول :- تنقية اللغة.

الثاني:- توثيق النصوص.

 يقول أستاذ طه أحمد ابراهيم كان هؤلاء النحاة يتبعون كلام العرب ليستنبطوا منها قواعد النحو أو وجوه الاشتقاق أو أعاريض التي  جاء الشعر عليها وهذا الاستنباط يجرهم بالضرورة إلى نقد الشعر لا من حيث جماله الفني أو رقته بل من حيث مخالفته للقواعد التي استجدوها من خلال استقرائهم إليها من إعراب أو وزن أو قافية. 
    ومن ثم وجّه اللغويون سهامَ نقدهم إلى شعراء الجاهليين والاسلاميين لبعض ما وقعوا فيه من الاخطاء من ذلك أن عيسى الثقفي أخذ على النابغة أنه رفع كلمة ناقع في البيت الذي يقول:-

        فبتُّ كأني ساورتني ضئيلة         من الرقش في أنيابها السمُ ناقعُ

وكان حقه النصب على الحال لا الرفع، وقد روي أبو عمرو أن ابن اسحاق سمع الفرزدق  ينشد:-

        وعضُّ زمانٍ يا بن مروان لم يَدَعْ             من المالِ إلاّ  مسحتاً أو مُجَلَّفٌ

فقال له ابن اسحاق على أي شيء ترفع(مُجَلَّفٌ)؟  فقال: "عليّ مايسوءك وينوءك على أن أقول وعليكم أن تحتجوا"، فقال أبو عمرو بن العلاء أصبت، كما أخذوا عليه تعقيده والالتواء في قوله:- 

               وما مثله في الناس إلاّ مملكاً                أبو أمه حياً وأبوه يقاربهُ

والأصل:-

              وما مثله في الناس حيٌّ  يقاربه              إلاّ مملكاً أبو أمه أبوه 

    والمثل على هذا النمط كثيرةٌ وهذا دليل على سعة النقد اللغوي وتشبيعه، من ذلك:- منع المصروفي أوالتذكير المؤنث أو التأنيث المذكر والفصل بين المترادفين والخطأ الاعرابي والخطأ في صيغة الاشتقاق أو رصد ماهو دخيلٌ من اللفظ ونادر وشاذٌ.
    ومن الإنصاف في هذا المقام أن نشير إلى أنّ النقاد لم يصرفوا جُلَّ اهتمامهم في هذا النوع من النقد وإن كان معظمهم من اللغويين والنقاد بل تطرق أحياناً إلى شيء من النقد الفني مثلاً لاحظوا أن ذو الرمة هو من الاسلاميين يحسن في التشبيه، فقال حماد:" إنّ ذو الرّمة أحسن الاسلامين تشبيهاً)، كما لاحظ أنّ طفيل الخيلي غاية في نعت الخيل، وكانوا عندما يصدرون هذه الأحكام يضعون معايير نقدية سليمة مثل الاصالة والابداع والجودة في المعنى أو حسن المطلع الذي يجب أن يكون قوياً ويجب أن يكون مناسباً للغرض ومتين الصياغة، وعلى هذا اتفق معظمهم على أن امروء القيس و أول من بكى وشتكى وقيدا الاوابل، وفي ضوء هذه المعايير كانوا ( النقاد) يضعون الشعراء في مواضيع التي يستحقونها، فالأصمعي مثلاً عندما جعل الفحولة معياراً تقاس به شاعرية الشاعر، قد جعل في حسبانه أن يكون الشاعر متنوع الأغراض وأن يكون كثير الشعر لأن الكثرة دلالة الخصوبة والقوة.
     وقد وضع ابن سلام بعض المعايير لتوزيع الشعراء على الطبقات وهذا أول طريق نحو المنهجية التي ينبغي أن يؤخذ بها الناقد، وكذلك وضع النقاد الاصول والقواعد الاساسية لنقد الشعر ومن ثمّ قدموا كثيراً من المصطلحات مثل الفحولة والسرقة وغيرها. 
  

الجزء الثاني   

مواضيع ذات صلة
الأدب العربي العالمي, دراسات, دراسات أدبية,

إرسال تعليق

0 تعليقات